شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 21

 

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: قال -رحمه الله تعالى- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد...

فراوي الحديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس مر ذكره مرارًا، والحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب الحجامة والقيء للصائم، باب الحجامة والقيء للصائم.

يقول ابن حجر: أي: هل يفسدان هما أو أحدهما الصوم أو لا؟ باب الحجامة والقيء للصائم، مفاد الترجمة، لماذا أورد البخاري هذه الترجمة؟ وماذا يريد منها؟ بيان الحكم، هل يفسدان، هما أو أحدهما الصوم أو لا؟

لكن العيني تعقبه فقال: اللام في قوله: للصائم تمنع هذا التقدير الذي قدره، ولا يخفى ذلك على من له أدنى ذوق من أحوال التركيب.

باب الحجامة والقيء للصائم، ابن حجر قدَّر أي: هل يفسدان هما أو أحدهما الصوم أو لا؟

المقدم: والعيني كعادته رد عليه.

رد عليه، قال: اللام في قوله: للصائم تمنع هذا التقدير.

المقدم: كيف تمنعه يا شيخ؟

الذي قدره. هو قال: ولا يخفى ذلك على من له أدنى ذوق من أحوال التركيب.

اللام هذه للصائم، اللام ما معناها؟ ما معنى اللام؟ هو الذي يحدد الصواب من قوليهما، الذي يظهر لي أنها للوقت {فطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] يعني: لوقت عدتهن، وهنا باب الحجامة والقيء لوقت الصائم، يعني في وقت الصيام، وإذا قلنا: إنها في وقت الصيام، فيراد بذلك الحكم، يعني ما حكم الحجامة والقيء في وقت الصيام.

المقدم: فيكون الحق مع ابن حجر؟

هذا الذي يظهر، لكن ما أدري كيف بنى العيني ماذا يقدر هذه اللام؟

المقدم: لا، ويتهم ما عنده أدنى معرفة بالتركيب.

يعني ما أدري ماذا يريد العيني باللام، ليست للملك ولا لشبهه ولا، فالذي يظهر أنها لام الوقت، مثل: {فطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] يعني لوقت عدتهن.

قال الزين بن المنير، الزين بن المنير -هذا له مناسبات على البخاري، وناصر الدين له حاشية على البخاري-، قال الزين بن المنير: جمع بين القيء والحجامة مع تغايرهما، يعني البخاري، لماذا -رحمه الله تعالى- جمعهما في ترجمة واحدة -الحجامة والقيء- مع أنهما متغايران؟

المقدم: والحديث ما فيه.

هو ليس فيه ذكر، لكن يذكر البخاري -رحمه الله-.

المقدم: يعني في ترجمته إكمال يا شيخ؟ أو آثار معلقة؟

الترجمة فيها، لكن.

المقدم: لأن الحديث فيه الحجامة صائم ومحرم فقط.

وأحاديث الباب التي عند البخاري ما فيها.

المقدم: طيب، والقيء لماذا؟

القيء هو جاء في كلام أبي هريرة على ما سيأتي.

يقول الزين بن المنير: جمع بين القيء والحجامة مع تغايرهما، وعادته تفريق التراجم، عادته تفريق التراجم، الإمام البخاري خرج هذا الحديث في اثني عشر موضعًا.

المقدم: نفس الحديث؟

نفس الحديث خرجه في اثني عشر موضعًا، فكيف يضيف القيء للحجامة؟

المقدم: لكن عن ابن عباس؟

حديث ابن عباس، هو حديث ابن عباس، نفس الحديث، يأتي ذكرها -إن شاء الله تعالى-.

المقدم: قد يكون الذي عندنا ما ذكر ولا طرف؟

ما ذكر؛ لأنه أحال على الموضع الأول، انظر الرقم الذي عندك.

المقدم: نعم 1835.

نعم، أحال على الموضع الأول، والموضع الأول فيه الأطراف.

المقدم: فيه الأطراف الأساسية.

قال: وإنما، وعادته تفريق التراجم إذا نظمها خبر واحد، يعني إذا جاءت في خبر واحد فرق التراجم؛ لأن احتجم وهو محرم، وضعها هذه الجملة ترجم عليها في الحج، واحتجم وهو صائم هنا في الصيام، يعني خبر واحد نظم أكثر من حكم يفرقه في موضع، في هذا الحديث مثال لكلام ابن المنير، فكيف يضيف القيء إلى الحجامة مع أنها لا ذكر لها في الحديث؟ وعادته تفريق التراجم إذا نظمها خبر واحد فضلًا عن خبرين، وإنما صنع ذلك؛ لاتحاد مأخذهما، لاتحاد مأخذهما؛ لأنهما إخراج، والإخراج لا يقتضي الإفطار، لأنهما إخراج، والإخراج لا يقتضي الإفطار.

ولم يذكر المصنف حكم ذلك، قال: باب الحجامة والقيء للصائم، ولم يذكر أنهما يفطران أو لا يفطران، ولم يذكر المصنف حكم ذلك، ولكن إيراده للآثار المذكورة يشعر بأنه يرى عدم الإفطار بهما، يشعر؛ لأنا ذكرنا مرارًا أن البخاري إذا لم يصرح بالحكم أو تردد فيه أنه يرجح ما يراه راجحًا بالآثار التي يذكرها في الترجمة، ننظر في الترجمة يقول -رحمه الله-: باب الحجامة والقيء للصائم، وقال لي يحيى بن صالح: حدثنا معاوية بن سلام قال: حدثنا يحيى عن عمر بن الحكم بن ثوبان سمع أبا هريرة -رضي الله عنه-: إذا قاء فلا يفطر، إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج، ويُذكر عن أبي هريرة أنه يفطر، والأول أصح، وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يحتجم وهو صائم ثم تركه فكان يحتجم بالليل، واحتجم أبو موسى ليلًا، ويُذكر عن سعد وزيد بن أرقم وأم سلمة أنهم احتجموا صيامًا، وقال بكير عن أم علقمة: كنا نحتجم عند عائشة فلا نُنهَى، هذه كلها تؤيد أنه لا يرى الحجامة مفطرة، ويُروى عن الحسن عن غير واحد مرفوعًا: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وهذا سيأتي ذكره عن جمع من الصحابة.

الآن من خلال التراجم التي أوردها كقول أبي هريرة الأصح من قوليه: أنه إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج، ويقاس على ذلك الحجامة؛ لأنها كلها إخراج، ما دام قعَّد القاعدة أن الإفطار مما يُولَج في البدن، أما ما يُخرج منه فلا، ويأتي ما في هذا الكلام، وأيضًا هو ما ذكره عن ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج، وتتمة الأثر عند غيره: والوضوء مما خرج لا مما دخل، وسيأتي أن هذا الكلام فيه ما فيه طردًا وعكسًا، طردًا وعكسًا، يأتي مثلاً يرد على قولهم: مما دخل وليس مما خرج الجماع، المجامع هذا مخرِج وليس مدخلًا، ومع ذلك يفطر، ويرد على الوضوء؟

المقدم: لحم الإبل.

لحم الإبل، لكن الجماع مجمع عليه، ولحم الإبل مختلف فيه، يعني ما يمكن أن يُورد حتى يُرى مذهبه في المسألة.

ولم يذكر المصنف حكم ذلك، ولكن إيراده للآثار المذكورة يشعر بأنه يرى عدم الإفطار بهما، وذكر ما ذكرناه من الآثار..

والحجامة: مأخوذة من الحجم أي المص، والحجامة: مأخوذة من الحجم أي المص، يُقال: حجم الصبي ثدي أمه، إذا مصه، والحجَّام المصَّاص، والحجامة صناعته، والمحجم يطلق على الآلة التي يجمع فيها الدم، وعلى مشرط الحجام كما في تهذيب اللغة للأزهري، وفي لسان العرب أيضًا.

قيد بعض الفقهاء الحجامة بإخراج الدم من القفا بواسطة المص بعد الشرط  بالحجم لا بالفصد، وذهب آخرون إلى أن الحجامة لا تختص بالقفا، بل تكون من سائر البدن، وإلى هذا ذهب الخطابي، وهو الراجح، يعني سيأتي في أطراف الحديث أن النبي -عليه الصلاة والسلام- احتجم في رأسه، على رأسه، سيأتي هذا، فالتقييد بكونها من القفا لا دليل عليه، فالقول بأنها تفطر، تفطر من أي جهة كانت من البدن سواء كانت في الرأس في أعلاه، في قفاه، في صدغيه، في ظهره، في صدره، كلها مفطرة، والذي يرى أنها لا تفطر من أي موضع كانت لا تفطر.

واحتج بالحديث -حديث الباب «احتجم وهو صائم»، يعني: والحال أنه صائم، والحال أنه صائم- احتج به جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء على أن الحجامة لا تفطر الصائم، فهذا هو قول الجمهور، أن الحجامة لا تفطر؛ عملًا بحديث الباب وهو في البخاري.

هناك قول آخر مروي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنها تفطر الصائم، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بأحاديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وهو مروي عن جمع من الصحابة سيأتي ذكرهم -إن شاء الله تعالى-، «أفطر الحاجم والمحجوم»، وقد صحح علي بن المديني والبخاري منها -من هذه الأحاديث- حديث شداد بن أوس، وثوبان، يعني «أفطر الحاجم والمحجوم»، وهو عمدة من يرى الفطر بالحجامة، وهو المعروف عن الإمام أحمد حتى إنه قدح في حديث ابن عباس على ما سيأتي.

قال ابن القصار: وحجة الجماعة ما رواه ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم، احتجم وهو صائم، واحتجم وهو محرم، فإن صح حديثهم، -يعني حديث شداد بن أوس، وثوبان، وغيرهما «أفطر الحاجم والمحجوم»- إن صح، فحديث ابن عباس -حديث الباب- ناسخ له؛ لأن فى حديث شداد بن أوس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عام الفتح فى رمضان لرجل كان يحتجم: «أفطر الحاجم والمحجوم»، والفتح كان فى سنة ثمان، وحجة الوداع سنة عشر، يعني خبر ابن عباس جاء ما يدل على أنه في حجة الوداع، والفتح كان في سنة ثمانٍ، وحجة الوداع سنة عشر، فخبر ابن عباس متأخر ينسخ المتقدم.

المقدم: لكن عُرف أنه في حجة الوداع أم لكونه محرمًا؟ قد يكون محرمًا في غير حجة الوداع؟

لا، هو جاء في بعض طرقه ما يدل على أنه في حجة الوداع، وسيأتي ما يؤيد ذلك في كلام الإمام الشافعي -رحمه الله-.

فإن قيل: لا حجة في هذا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن محرمًا إلا وهو مسافر؛ لأنه خرج إلى مكة وأحرم، ودخلها وهو مسافر، وللمسافر أن يفطر بالحجامة وغيرها، وهذا سؤال لهم جيد، يقول: فإن قيل: لا حجة في هذا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن محرمًا إلا وهو مسافر، ما دام مسافرًا يجوز له الإفطار بالحجامة أو بغيرها؛ لأنه خرج إلى مكة وأحرم، ودخلها وهو مسافر، وللمسافر أن يفطر بالحجامة وغيرها، وهذا سؤال لهم جيد، لكن يرد عليه أنه احتجم وهو صائم، هل نقول: إنه صائم باعتبار ما كان؟ فيلزم عليه أن نقول: احتجم وهو محرم باعتبار ما كان أيضًا، وإذا قلنا: الواو واو الحال في قوله: احتجم وهو محرم، يعني حال كونه محرمًا، واحتجم حال كونه صائمًا، ويرد في كلام الشافعي وفي كلام ابن خزيمة وغيرهما ما يوضح هذا.

فنقول: إن الخبر لم ينقل إلا لفائدة، فهذا يقتضى أنه منه وجد، أنه وجد منه كمال الحجامة، احتجم احتجامًا كاملاً وهو صائم لم يتحلل من صومه، يعني كما أنه احتجم وهو محرم كمال الحجامة وهو لم يتحلل من إحرامه، إذن والسياق واحد؛ احتجم وهو صائم، يعني كمال الحجامة حال صيامه، فنقول: إن الخبر لم ينقل إلا لفائدة، فهذا يقتضى أنه وجد منه كمال الحجامة يعني ما نقل في خبر أنه -عليه الصلاة والسلام- نام وهو صائم، لماذا؟ لأنه لا يترتب عليه فائدة، فأفطر بعد ذلك، هذا يقتضى أنه وجد منه كمال الحجامة وهو صائم لم يتحلل من صومه فأفطر بعد ذلك، إذ الراوي لم يقل: احتجم فأفطر، يعني فأفطر بالحجامة، وعندكم أن الفطر يقع بأول خروج الدم، يعني يقول للخصم الذي يرى أن الحجامة تفطر: عندكم، هذا كلام من؟ ابن القصار فيما نقله عنه ابن بطال، وعندكم أن الفطر يقع بأول خروج الدم ولا يبقى صائمًا إلى أن تتم الحجامة، يعني الوصف لا يريد هنا؛ لأنه انتقض الصوم بأول خروج الدم، والخبر يقتضى أن يكون صائمًا فى حال حجامته وبعد الفراغ، والحجامة كالفصاد وهو لا يفطر الصائم، قال الطحاوي: وليس ما رووه من قوله- عليه السلام-: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ما يدل أن ذلك الفطر كان لأجل الحجامة، وإنما كان بمعنى آخر كانا يفعلانه، يقول -كلام الطحاوي-: وليس ما رووه من قوله -عليه السلام-: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ما يدل أن ذلك الفطر كان لأجل الحجامة، وإنما كان بمعنى آخر كانا يفعلانه؛ كما يقال: فَسَق القائم، فَسَق القائم، هل هو فسق لقيامه أو لمزاولته المفسِّق حال القيام؟

المقدم: لا طبعًا؛ لمزاولة المفسق.

إذن هذا أفطر لمزاولته مفطرًا حال الحجامة؛ كأن الحاجم والمحجوم يأكلان، لكن هل مثل هذا يحتاج أن ينص عليه؟ الأكل والشرب أو المفطرات الأخرى المعروفة يحتاج أن يُنص عليها؟

المقدم: ما يحتاج.

ما يحتاج بدليل أنه لم ينص عليها في الحديث.

المقدم: لكن ما يتصور أيضًا أن يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أفطر الحاجم والمحجوم»؛ لأنهما يأكلان، ما يتصور هذا.

لا، جاء أبعد من ذلك: لأنهما كانا يغتابان الناس.

المقدم: فنص على أنهما أفطرا، ويصح الخبر؟

لا، سيأتي.

كلام الطحاوي يقول: ليس ما رووه من قوله -عليه السلام-: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ما يدل أن ذلك الفطر كان لأجل الحجامة، وإنما كان بمعنى آخر كانا يفعلانه، كما يقال: فسق القائم، ليس لأنه فسق بقيامه، ولكنه فسق بمعنى آخر غير القيام.

لكن ينظر في التنظير هل هو مطابق أو غير مطابق؛ لأن القيام ليس بوصف يمكن أن يعول عليه في مثل هذه الحالة بخلاف الحجامة؛ لأن لها معنى يدخل في إضعاف الصائم على ما سيأتي.

وروى يزيد بن ربيعة الدمشقي عن أبي الأشعث الصنعاني، قال: إنما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أفطر الحاجم والمحجوم»؛ لأنهما كانا يغتابان وليس إفطارهما ذلك كالإفطار بالأكل والشرب والجما،ع لكن حبط أجرهما باغتيابهما فصارا بذلك مفطرين، لا أنه إفطار يوجب عليهما القضاء، يعني وهما صائمان، والمفترض في الصوم المقبول أنه يحقق التقوى، والتقوى لا تتم مع الغيبة، إذن؛ فسقا بذلك، وترتب على ذلك تبعًا لقوله -جلَّ وعلا-: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ } [المائدة: 27] أنه لا ثواب لهما على هذا الصيام، «من لم يدع قول الزور، فليس لله حاجة...»، قال: إنما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أفطر الحاجم والمحجوم»؛ لأنهما كانا يغتابان وليس إفطارهما ذلك كالإفطار بالأكل والشرب والجماع، لكن حبط أجرهما باغتيابهما فصارا بذلك مفطرين، لا أنه إفطار يوجب عليهما القضاء كما قالوا: الكذب يفطر الصائم، يعني كما قالوا: الكذب يفطر الصائم، إنما هو بمعنى حبوط الأجر، وقد رُوي عن جماعة من الصحابة في ذلك معنًى آخر.

المقدم: لكن معنى كونهم مغتابين، هذا معناه رأوه الذين قالوا: بعدم تفطير الحاجم أو فطر الحاجم والمحجوم، ولا ورد نص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أشار...؟

هذا توجيه للحديث.

المقدم: توجيه فقط؟

وسيأتي في كلام ابن خزيمة ما يرد هذا.

المقدم: لكن ما جاء خبر على أن فلانًا وفلانًا، أو أنه أشار -عليه الصلاة والسلام- إلى أشخاص اغتابوا فقال: أفطرا؟

يقول: وروى يزيد بن ربيعة الدمشقي عن أبي الأشعث الصنعاني قال: إنما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو من كلام ابن الأشعث.

وقد رُوي عن جماعة من الصحابة في ذلك معنًى آخر، روى قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: إنما كُرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف، من أجل الضعف، وعن ابن عباس وأنس بن مالك مثله، يعني رُوي عن ابن عباس وأنس بن مالك مثله؛ لأن الكراهة؛ لأنها تضعف الصائم، ومقتضى كونها تضعفه يحتمل أمرين:

إما أن يكون المآل أنهما يفطران بتناول المفطر بالأكل والشرب إذا ضعفا احتاجا إلى الأكل، فمآلهما إلى الفطر، وعلى هذا تكون مفطرة ولا غير مفطرة؟

المقدم: تكون مفطرة؛ إذا كان مآلهما إلى الفطر؟

إذا أفطرا، لكن ضعفا، وتحملا إلى أن غابت الشمس؟

المقدم: لا يفطران.

أنا أقول: كلامهم مثلاً أيش يحتمل؟ إنما كُرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف، كُرهت الحجامة من أجل الضعف، وقلنا: إن المآل إلى الفطر، هل نقول: إنها تفطر؛ لأن المآل إلى الفطر ولو لم يفطرا؟ فيكون الحكم تعلق بالمظنة؛ كالنوم مظنة للنقض...

المقدم: فينقض.

فصار ناقضًا بذاته؛ لأنه مظنة للنقض.

أو نقول: إنهم مآلهما إلى الفطر، فإن أفطرا حصل الفطر بما يفطر، وإن لم يفطرا بقيا على صيامهما ولو احتجما. فدلت هذه الآثار على أن المكروه من أجل الحجامة في الصيام هو الضعف الذي يصيب الصائم فيفطر من أجله بالأكل والشرب، وقد روي هذا المعنى عن أبي العالية وأبي قلابة وسالم والنخعي والشعبي والحسين بن علي.

وقال القاسم بن محمد -وهو أحد الفقهاء السبعة- فيما يذكر من قول الناس: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فقال: لو أن رجلًا حجم يده أو بعض جسده لم يفطره ذلك، حجم يده وبعض جسده لم يفطره ذلك، لكن كلام القاسم -وهو من الفقهاء المعروفين من فقهاء المدينة السبعة- إنما يتجه لو كان الخصم يوافق على هذا، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ما فيه.

المقدم: أحسن الله إليكم، لعلنا نستكمل -بإذن الله- في حلقة قادمة ونبدأ بـ.. ترتيب الأفكار للمستمع الكريم في مسألة الحجامة -بإذن الله-، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، لقاؤنا بكم في الحلقة القادمة -بإذن الله- وأنتم على خير، والسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.