كتاب الجنائز من المحرر في الحديث - 04

نعم.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين.

 قال الإمام ابن عبد الهادي -يرحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:

وعن عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيًرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار»، قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت لدعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ذلك الميت.

 وفي لفظ: «وقه فتنة القبر وعذاب النار»، رواه مسلم.

 وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى على جنازة يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحييه على الإسلام، ومن توفيته فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه واللفظ له، والترمذي والنسائي في اليوم والليلة، وقال البخاري في حديث أبي هريرة: هذا غير محفوظ، وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك، وقد روي هذا الحديث موقوفًا على عبد الله بن سلام.

 والله أعلم.

بابٌ في حمل الجنازة والدفن:

 عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم»، متفق عليه واللفظ للبخاري.

 وعند مسلم: تقدمونها عليه، وفي لفظ له قربتموها إلى الخير.

 وعنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان»، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»، متفق عليه.

 ولمسلم: «أصغرهما مثل أحد». وله: «حتى توضع في اللحد».

 وللبخاري: «من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط».

 وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: أتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بفرس معرورًا فركبه حين انصرف من جنازة ابن الدحداح ونحن نمشي حوله، رواه مسلم.

 وعن الزهري عن سالم عن أبيه أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم البستي، وقد روى الزهري قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكره مرسلاً، قال الترمذي: وأهل الحديث يرون أن المرسل أصح، وقال النسائي: الصواب أنه مرسل وقال الخليل في هذا الحديث.."

قال وقال..

"وقال الخيل في هذا الحديث.."

الخليليُّ.

"وقال الخليلي في هذا الحديث، وقال الخليليُّ في هذا الحديث: وهو من الصحاح المعلولات، وقال البيهقي: ومن وصله واستقر على وصله ولم يختلف عليه فيه وهو سفيان بن عيينة حجة ثقة، وقال الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله-: حديث ابن عيينة كأنه وهم، ورواه ابن حبان من رواية شعيب عن الزهري عن سالم عن أبيه، وفيه: ذكر عثمان، والله أعلم.

 وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع»، متفق عليه، وقال أبو داود: روى الثوري هذا الحديث عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه: حتى توضع بالأرض، ورواه أبو معاوية عن سهيل قال: حتى توضع، حتى توضع في اللحد، وسفيان أحفظ من أبي معاوية.

 وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قعد، وفي لفظ: قام فقمنا، وقعد فقعدنا، يعني في الجنازة، رواه مسلم.

 وروى الإمام أحمد بإسناد غير قوي عن علي -رضي الله عنه- قال: ما فعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قط غير مرة برجل من اليهود وكانوا من أهل الكتاب، وكان يتشبه بهم، فإذا نهي انتهى، فما عاد لها بعد.

 وعن شعبة عن أبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة، رواه أبو داود، وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وقد قال: هذا من السنة، فصار كالمسند، ورواه سعيد فزاد ثم قال: امشطوا الثوب فإنما يصنع هذا بالنساء.

 وعن همام.."

بركة بركة.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فسبق في الدرس الماضي أن الأمر استقر على أربع تكبيرات في صلاة الجنازة بعد أن جاء من الأخبار والآثار ما يدل على أن التكبيرات متفاوتة من ثلاث إلى تسع، لكن ابن عبد البر قال: إن الأمر استقر على الأربع التكبيرات، وعلى هذا فمن زاد على الأربع محتجًّا بما روي في ذلك من السبع والخمس وأكثر أو أقل لا شك أنه فعل خلاف الأولى؛ لأن عمر -رضي الله عنه رضي الله عنه وأرضاه- جمع الناس على الأربع، وابن عبد البر كأنه يُشَم من حكايته الاستقرار على الأربع أنه قريب من الاتفاق والإجماع، فلا ينبغي الزيادة على الأربع بعد التكبيرة الأولى، الخبر السابق "عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب"، وصلاة الجنازة صلاة بالإجماع يشترط لها ما يشترط للصلاة، فيتناولها حديث عبادة بن الصامت «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، "فقرأ ابن عباس بفاتحة الكتاب فقال: ليتعلموا أنها سنة".

 هذا بعد التكبيرة الأولى بعد أن يتعوذ ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويسمي يبسمل، هذه من أجل القراءة، أما دعاء الاستفتاح وصلاة الجنازة صلاة هل تدخل صلاة الجنازة في قول أبي هريرة: أرأيت سكوتك بين التكبيرة والقراءة، ما تقول؟ احتمال، لكن أهل العلم قالوا: إن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف فلا يستفتح لها؟ هذا بالنسبة للتكبيرة الأولى، وأما بالنسبة للتكبيرة الثانية فيصلي على النبي -عليه الصلاة والسلام- الصلاة الإبراهيمية المذكورة في الصلاة المعتادة، عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد..» إلى آخره.

ومعلوم أن السؤال عن الصلاة في الصلاة الصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- في الصلاة، وصلاة الجنازة صلاة، فيُشرَع للمصلي على الجنازة أن يصلي على النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد التكبيرة الثانية.

 وأما بعد التكبيرة الثالثة فالدعاء للميت، وجاء الأمر بإخلاص الدعاء للميت، أن يدعو للميت بحضور قلب وإخلاص، ورجاء الإجابة، وفيه حديث عوف بن مالك الذي سمعناه- رضي الله عنه- "قال: صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جنازة، فحفظت من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه»".

 الراوي تمنى أن يكون هو الميِّت، لماذا؟

لأنه دعاء شامل من أفضل الخلق وأشرف الخلق، «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، اغسله بالماء والثلج والبرد من درن الخطايا والذنوب بعد الدعاء بالمغفرة والرحمة والعافية يدعى له بأن يغسل فتمحى عنه جميع ذنوبه، يغسل بالماء والثلج والبرد، هذه الأشياء من طبيعتها البرودة؛ لتكسر حرارة الذنوب، لتكسر حرارة الذنوب اغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اغسله ونقه يعني في دعاء الاستفتاح في حديث أبي هريرة: ونقني من الذنوب والخطايا، اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلني بالماء والثلج والبرد.

 وفي دعاء الاستفتاح بالنسبة للحي يقدَّم التنقية من الخطايا، ثم يُثَنَّى بالغسل بالماء والثلج والبرد، وفي الدعاء للميت عكس ذلك كما جاء في هذا الحديث، هل نقول: إن الواو لمطلق الجمع، ولا تقتضي ترتيبًا، أو نقول: إن ما جاء في دعاء الاستفتاح أولى، أو نقول: ما عندنا هنا أولى؟ فما المقدَّم؟

المتقرِّر أن التخلية قبل التحلية، التخلية قبل التحلية، فالتنقية من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس تكون قبل الغسل بالماء والثلج والبرد؛ لأن الجملة الثانية: ونقه من الخطايا من باب التخلية، والغسل من باب التحلية، أو نقول: الأمر سهل سواء قدم هذا أو ذاك فالمطلوب الجميع كما هنا؟ فأيهما أكمل ما جاء في دعاء الاستفتاح من تقديم التنقية على الغسل أو ما جاء هنا من تقديم الغسل على التنقية؟ أيهما أولى؟ أو نقول: كل في مكانه في الصلاة يقدَّم التنقية، وفي الصلاة في دعاء الميت يقدم الغسل؟ على أن الواو عند أهل العلم إنما هي لمقتضى الجمع، لمطلق الجمع، لا تقتضي ترتيبًا فالمطلوب حصول الأمرين سواء حصل هذا قبل هذا أو ذاك، أو نقول: إنه بالنسبة للحي يدعو لنفسه بدعاء الاستفتاح بما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة من تقديم التنقية على الغسل، وهنا لعل المناسب بالنسبة للميت أن يباشَر بالغسل قبل التنقية، والله أعلم.

 «وأبدله دارًا خيرًا من داره» دارًا خيرًا من داره، الدار دار المنغّصات والأكدار دار الدنيا سواء كانت الدنيا بعمومها أو بالنسبة لداره الخاصة التي هي سكنه فيها من الأكدار مهما بلغت من الجمال والسعة والأناقة فيها مكدرات، يعني بعض الناس يبالغ ويبني قصرًا منيفًا مشيدًا مشيَّدًا واسعًا جميلاً أنيقًا، فهل تتم له النعمة بذلك؟

الصيانة بالنسبة لدور الدنيا متعبة ومكلفة، دخل في يوم يحتاج إلى سباك، دخل ثانٍ يحتاج إلى كهربائي، دخل ثالث يحتاج إلى كذا.. مهما بلغ من الترف فلا بد من المكدرات، فيُطلب له أن يبدل دارًا خيرًا من داره هذه التي فيها الأكدار والمنغصات، هذا بالنسبة للمترفين، فكيف بسائر الناس وعامة الناس؟

 «أبدله دارًا خيرًا من داره» داره الثانية القبر، والثالثة مستقر الرحمة الجنة، نسأل الله الكريم من فضله.

 «وأهلاً خيرًا من أهله» الأهل يراد به الزوجة، هذا الأصل، وإن كان يطلق بالإطلاق العام على ما يشمل الزوجة والوالدين والأولاد والأقارب، كلهم أهل، لكن بالإطلاق الخاص المراد بالأهل الزوجة، فيبدل زوجة خيرًا من زوجته، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، فأهل هنا يراد به الإطلاق العام، لماذا؟ لأنه عطف عليه الزوج خيرًا من زوجه، والزوج كما يطلق على الذكر يطلق أيضًا على الأنثى، يوصيكم الله {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [سورة النساء:12]، الزوج يطلق على الذكر كما يطلق على الأنثى. «وزوجًا خيرًا من زوجه»، وهنا صلى على جنازة لا يدرى أذكر هي أم أنثى، فيُدعى لكل من الرجل والمرأة بأن يبدل دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، مع أن بعض الفقهاء يقول مثل هذا لا يتجه في حق المرأة أن تبدل زوجًا خيرًا من زوجها، نعم الزوج له من الأزواج والحور ما لا يقتصر على زوجته في الدنيا، فيبدل خيرًا منها، والزوجة ليس لها إلا زوجها، الزوجة ليس لها إلا زوجها، فكيف يطلب لها أن تبدل زوجًا خيرًا من زوجها؟

 ولذا قال بعض الفقهاء: إنه لا يسأل للمرأة أن تبدل زوجًا خيرًا من زوجها، مع أن من أهل العلم من يرى أن الحديث على إطلاقه سواء كان الميت ذكرًا أو أنثى فيقال وزوجًا خيرًا من زوجه، ولا يلزم من تبديل الزوج أن يبدَّل شخصه، بل يمكن أن يبدل من أوصافه حتى يكون كأنه شخص آخر في أوصافه وأخلاقه، حتى يكون كأنه شخص آخر.

 «وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر» أدخله الجنة التي هي الغاية في الكرامة والنعيم التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

 «وأعذه من عذاب القبر»، وقد أمرنا أن نستعيذ معاشر الأحياء من عذاب القبر في آخر كل صلاة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار، عذاب القبر حق متفق عليه بين أئمة الإسلام المعتد بأقوالهم بين سلف هذه الأمة وأئمتها، حق، وجاء فيه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- مرَّ بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير»، فأثبت لهما العذاب، وأمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بالتعوُّذ من عذاب القبر ومن عذاب النار، وجاءت بها به النصوص القطعية من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، قال الراوي عوف بن مالك: "حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت"، من يضمن أن يموت قبل النبي -عليه الصلاة والسلام- من صحابته فيدعى له بمثل هذا الدعاء، "حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت لدعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ذلك الميت"، فيشرع بعد التكبيرة الثالثة أن يدعى للميت بهذا الدعاء، هذا بالنسبة للمكلَّف، والضمائر يُتصرَّف فيها.

 يعني في هذا الدعاء يُتصَرَّف بالضمائر بحسب حال الميت، فإن كان رجلاً قال: اللهم اغفر له وارحمه، وإن كانت امرأة قال: اللهم اغفر لها وارحمها، وإن خفي الأمر فلا يدرى هل الميت ذكر أو أنثى فالمصلي مخيَّر بأن يقول: اللهم اغفر له يعني الميت، ويشمل الذكر والأنثى، أو اغفر لها، يعني هذه الجنازة سواء كان ذكرًا أو أنثى، وإذا كان المتوفى أكثر من واحد بأن يكون اثنين مثلاً فيقول: اللهم اغفر لهما وارحمهما وعافهما واعف عنهما، إلى آخره، وإن كانوا جمعًا قال: اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم.

 وفي لفظ: «وقه فتنة القبر وعذاب النار»، هناك قال في الرواية الأولى: «وأعذه»، وهنا قال: «وقه فتنة القبر»، ولا فرق بينهما من حيث المعنى.

 "رواه مسلم.

 وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم"-، وهذا الحديث فيه كلام طويل لأهل العلم، لكنه على ضعفه من حديث أبي هريرة إلا أن له شواهد يصل بها إلى درجة الحسن لغيره، هذه خلاصة ما يقال فيه، يعني حديث أبي هريرة لا حديث عوف بن مالك، حديث عوف بن مالك مخرَّج في صحيح مسلم.

 "وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى إذا صلى على جنازة يقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا»"، وفي بعض الألفاظ: «إنك تعلم منقلبنا ومثوانا»، «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام»، يعني على العمل الظاهر في الإسلام الذي يظهر للناس، «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان»، يعني على اليقين الصادق والتصديق الجازم بالله وبما جاء عن الله وبرسوله وما جاء عنه بأركان الإيمان أولاً بأركان الإسلام عاملاً بأركان الإسلام في الحياة الدنيا، ويدخل فيه الإيمان، وإذا توفيته تتوفاه على بعد انقطاع عمله على اليقين الجازم بالإيمان الصادق.

 «ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده»، اللهم لا تحرمنا أجره، الأجر المرتب على هذه المصيبة بموت هذا المسلم، وأيضًا بأجر الصلاة على هذا المسلم وما يتبعه من تشييع ودفن وغير ذلك مما رتب عليه الأجور التي سيأتي ذكرها.

 «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده»، ولا تضلنا بعده، قد يكون هذا الميت له أثر في توجيه الناس، وفي هداية الناس فيسأل ألا يضل الناس بسبب موته أو بعد بانقطاع توجيهه وإرشاده وتعليمه للناس، ولا تضلنا بعده.

 قال: "رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه واللفظ له"، هذا الدعاء فيه عموم لحينا وميتنا، الأول خالص للميت، وينبغي أن يخلص الدعاء للميت؛ لأن المقصود من صلاة الجنازة الدعاء للميت والشفاعة له، وهنا الدعاء للجميع «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا»، لعموم المسلمين.

 قال: "رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه واللفظ له، والترمذي والنسائي في اليوم والليلة، وقال البخاري في حديث أبي هريرة: «اللهم اغفر لحينا وميتنا»، هذا غير محفوظ، هذا غير محفوظ". يعني شاذ، "وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك حديث عوف بن مالك"، يستعمل أهل الحديث الأئمة منهم أفعل التفضيل كأصح وأضعف وأوثق وأجود يستعملونها على غير بابها، الأصل فيها أن تكون بين شيئين يجمعهما وصف واحد أن تكون بين شيئين فأكثر، يجمعها وصف واحد، ويكون المخبَر عنه قد فاق غيره في هذا الوصف، الآن البخاري لما يقول: وأصح شيء في هذا الباب حديث عوف بن مالك معناه لو قلنا: إن أفعل التفضيل على بابها أن حديث أبي هريرة صحيح، لكن حديث عوف بن مالك أصح منه، والبخاري- رحمه الله تعالى- يقول: هذا غير محفوظ، إذًا هو يستعمل أفعل التفضيل على غير بابها؛ إذ الصحة مختصة بواحد دون الثاني، والأصل أن أفعل التفضيل يشترك فيه الاثنان فأكثر، يفوق أحدهم أو أحدهما فيه الآخر، فحديث عوف بن مالك أثبت وأقوى وأصح من حديث أبي هريرة، لكن لا يلزم من هذا أن يكون حديث أبي هريرة صحيحًا كما هو مقتضى أفعل التفضيل، بدليل أن الإمام البخاري- رحمه الله تعالى- حكم على حديث أبي هريرة بالشذوذ فقال: هو غير محفوظ، والذي يقابل المحفوظ هو الشاذ.

 وعلى كل حال هو بإسناده حديث أبي هريرة بمفرده ضعيف، لكن ليس ضعفه شديدًا، وإنما يقبل الانجبار، فهو مروي من حديث عبد الرحمن بن عوف ومن حديث ابن عباس، وبهذين الشاهدين وإن اشتركت الثلاثة كلها في الضعف إلا أنها تقبل الانجبار، يجبر بعضها بعضًا فيرتقي الحديث بذلك إلى درجة الحسن لغيره.

 قال: "وقد روي هذا الحديث موقوفًا على عبد الله بن سلام، والله أعلم" موقوفًا على عبد الله بن سلام، هل مثل هذا الذكر في هذا الموضع توقيفي أو اجتهادي؟

يمكن أن يقال من قبل الرأي فينسب إلى عبد الله بن سلام وليس له حكم الرفع، أو نقول: إنه في هذا الموضع توقيفي فلا يمكن أن يقوله عبد الله بن سلام إلا وقد سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه يقول: وقد روي هذا الحديث موقوفًا على عبد الله بن سلام مع أن فيه ضعفًا، فيه ضعف، حتى الموقوف فيه ضعف، لكن على اعتبار ثبوته هل نقول: إن هذا محل اجتهاد فيمكن أن يقوله عبد الله بن سلام من تلقاء نفسه، أو له حكم الرفع؛ لأن الذكر المخصوص في موضع مخصوص من عبادة بعينها لا بد أن يؤثَر فيه أثر، ولا يقال من جهة الرأي، أو نقول: إن الدعاء للميت بأي دعاء يحصل به المقصود ولو لم يرد به أثر؟

 بمعنى آخر هل الدعاء للميت توقيفي أو اجتهادي؟

طالب: ............

لأنه جاء الأمر بالدعاء له والإخلاص في الدعاء له مطلق، لكن كلما كان الإنسان أكثر تقيُّدًا بما ورد كان أولى وأسلم، ولذا على طالب العلم أن يحفظ ما ثبت من الأدعية النبوية؛ لأنه قد يعتدي في الدعاء، وقد يأتي بدعاء جزئي، وفي النص ما يغني عنه وعن غيره من الأدعية التي هي من الجوامع، فيحرص الإنسان على الدعاء المأثور له ولغيره، ومنه هذا الباب، إذا حفظ ما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث عوف بن مالك وهذا الحديث، هذا لا شك أنه أولى وأكمل، لكن إذا لم يتيسر له حفظ هذه الأدعية ودعا له بالمغفرة والرحمة والرضوان والعتق من النار وما أشبه ذلك كفى بعد هذا.

 يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "بابٌ في حمل الجنازة والدفن:

 عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أسرعوا بالجنازة، أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخيرًا تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك» يعني غير صالحة، «فإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم»، ولا شك أن وجود الميت بين ظهراني الأحياء عبء يسارع بالتخلص منه، والأموات ليسوا على مرتبة واحدة كما جاء في الحديث: «مستريح ومستراح منه»، فالأخيار يستريحون بالموت من عناء الدنيا وشقائها، فمثل هؤلاء يسرع بهم، ويبادر بهم؛ ليجدوا الراحة التامة، والنوع الثاني والصنف الثاني سوى ذلك، وهو المستراح منه، هذا يستريح منه الناس ..... فيبادر أيضًا بالتخلص منه يقول: «أسرعوا بالجنازة، أسرعوا بالجنازة» هذا الأصل أنه إذا تُحقق من موته فإنه يبادر بتجهيزه والصلاة عليه ودفنه.

 وكل واحد يدرِك مثل هذا الأمر في أموره العادية إذا كان مقبلاً على ما ينفعه ويسره ود أن تطوى له الأرض، وإن كان مقبلاً على ما يكرهه أو ما هو مكره عليه وَدَّ أن تطول المسافة، وجاء في الخبر أن المؤمن يقول: قدِّموني قدِّموني، وغيره يقول: أخروني أخروني.

 أسرعوا بالجنازة.

 الأمر بالإسراع ما لم يوجَد مصلحة راجحة في التأخير رجل مات فجأة يتأكد من وفاته، يُتأكد من وفاته، والاستعجال في مثل هذه الأمور مذموم، وقد يترتب عليه آثار سيئة يحكم بوفاته وهو في الحقيقة لم يمت، وحصل قضايا من هذا النوع لما جُهِّز وقدم للصلاة تحرك، فما الداعي لمثل هذا الإسراع؟

 قد يقرر الطبيب أنه مات، وهو في الحقيقة مغمى عليه لا يتحرك منه شيء، هناك أجهزة تكشف، أجهزة دقيقة، لكن قد تخلِف هذه الأجهزة، يعني ولو واحد من مليون مثلاً، هذا الواحد له قيمته واعتباره، ينتظر حتى يتأكد أنه مات، ينتظر، فإذا وجد ما يقتضي التأخير من التأكد من الموت مثلاً أو حضور قريب له حق عليه، ولا يترتب على التأخير فساد للجثة، أو تأخير، يعني عرفي بمعنى يطول انتظار أحد، لا، لكن إذا كان في بلد قريب يمكن أن يصل بساعة أو ساعتين أو ما أشبه ذلك ليدرك الصلاة عليه، ومن له حق عليه، مثل هذا ينتظر لاسيما الأقارب إذا اقتضى التأخير أو مصلحة التأخير اقتضته، مثل أن يقتل ولا يدرى عن ظروف القتل، ويقتضي الأمر أن يستدعى أطباء أو شيء ليتناولوا شيئًا من تشريحه من أجل أن يتوصل إلى حقيقة القتل أو ما أشبه ذلك من النواحي الأمنية مثلاً، فمثل هذا لو أخر قليلاً لتتحقق هذه المصلحة وغير ذلك من المصالح الراجحة، لكن الأصل هو الإسراع، «أسرعوا بالجنازة» يعني في تجهيزها وفي المشي بها يسن الإسراع بها دون الخبب، يسن الإسراع بها دون الخبب، يعني دون الإسراع الشديد كما يحصل هنا في المسجد الحرام من أذية للميت ومن أذية للأحياء يدفعون الناس دفعًا، لا شك أن مثل هذا الإسراع إلى هذا الحد مذموم، ولا يتناوله الأمر بالإسراع في الجنازة في الحديث أبدًا.

 وليس المقصود من أسرعوا اجروا به، قد يسقط، وقد يسقط حامله، ويتضرر حامله، ويتضرر الناس بالمدافعة، ونرى كبار السن يكادون يسقطون على وجوههم من شدة الدفع، ليست هذه هي السنة، ليست هذه السنة أبدًا.

 نعم لا يؤخر الميت، ويسرع به فوق المشي العادي، لكن لا يصل به إلى الإضرار بحامليه أو بمن يمرون به.

 «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه» خير تقدمونها إليه، تقدمونها إلى ما أعد الله لها من النعيم في دار البرزخ في القبر روضة من رياض الجنة إن كانت صالحة، «وإن تك سوى ذلك غير صالحة فشر تضعونه عن رقابكم»، عبء؛ لأن الناس يتثاقلون الأشرار أحياء وأمواتًا ما يقال: والله مات، وبدل ما ندفنه اليوم ندفنه غدًا، ما علينا منه، لا، هو عبء على كل حال شر تضعونه عن رقابكم، وهذا يشمل التجهيز، ويشمل الحمل والمشي بالجنازة، والتصريح بأنه يوضع عن الرقاب لا شك أنه في حمله على سريره ونعشه ظاهر بل أظهر، وأما ما يتبع ذلك من سرعة التجهيز والصلاة والدفن فيمكن أن يتناوله اللفظ، ولا يراد بالرقاب حقيقة الرقبة تضعونه عنكم.

 "متفق عليه، واللفظ للبخاري. وعند مسلم: تقدمونها عليه" تقدمونها إليه، وعند مسلم تقدمونها عليه، تقدمونها إليه، ولعل رواية مسلم: تُقْدمونها عليه من القدوم على الشيء والتقديم إلى الشيء.

 "وفي لفظ له: «قربتموها إلى الخير»" يعني اختصرتم الوقت على هذا الميت بدلاً من أن يجهز بمدة طويلة فينقطع عما أعد له أنتم تقربونه إلى هذا الخير الذي أعد له في دار البرزخ.

 وعنه، يعني "عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان»".

 قيراطان غير قيراط الصلاة أو مع قيراط الصلاة؟ معه، يعني من صلى عليها فله قيراط فقط، من شهدها له قيراط فقط، ومن صلى عليها وشهدها وتبعها حتى تدفن له قيراطان، القيراط جزء من أربعة وعشرين جزءًا من المثقال، يعني شيء يسير جدًّا، يعني ثلاثة قراريط تعادل جرامًا واحدًا ثلاثة قراريط تعادل جرامًا واحدًا، يعني مثل هذا يستحق التعب، تذهب من مكان إلى مكان لتصلي على هذا الميت؛ من أجل ثلث جرام من الأجر هذا الذي يعرفونه جزء من أربعة وعشرين جزءًا من المثقال أو من الدينار هذا قد يكون في نظر كثير من الناس لا ينهز الإنسان إلى أن ينتقل من مكان إلى مكان ليصلي ثم ينتقل، وقد يكون في وقت شديد الحر أو شديد البرد. استشكلوا هذا الأمر؛ لأن المقام مقام حث، المقام مقام حث على الصلاة والترغيب في صلاة الجنازة، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»، قال: «مثل الجبلين العظيمين». الآن حينما يصلي الإنسان على جنازة ملاحظًا هذا الأجر العظيم هل هذا من التشريك في العبادة أو نقول: إنه ما ذُكر إلا ليستحضَر فيكون باعثًا على الحرص على صلاة الجنازة؟ هل هذا مؤثر في الإخلاص لله -جل وعلا-؟

 أنت ترجو ثواب الله أو ترجو تعمل ابتغاء مرضات الله أو ترجو هذا الثواب؟ نعم هذا الثواب ما رُتِّب على هذا العمل إلا لأنه يرجى به وجه الله -جل وعلا-، فليس هذا من التشريك، فليس هذا من التشريك، يعني كون الإنسان يصلي من أجل أن يثاب بدخول الجنة وينجو من النار، هل هذا تشريك أم ما هو تشريك؟ أنت تعمل لله أم تعمل للجنة؟ أنت تعمل لله -جل وعلا- ابتغاء مرضاة الله، أو تعمل من أجل أن تنجو من عذاب الله؟ أيهما؟

طالب: ...........

تنجو من عذاب الله يعني ابتغاء وجه الله، يعني ما يخطر على بالك؟ أنت تعمل لله- جل وعلا- وترجو ثوابه بدخول الجنة والنجاة من النار، يعني لو افترضنا أن شخصًا هددك وبيده عصا أو بيده سيف أنت تخاف من السيف أو من حامل السيف؟

طالب: ...........

السيف بمفرده ماذا يفعل؟ إذًا أنت حينما تعمل هربًا من النار إنما هو هرب ممن يعذِّب بالنار ظاهر أم ما هو بظاهر، فآل الأمر كله في الخوف والرجاء إلى الله -جل وعلا-.

 قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»، أحيانًا يكون الترغيب بأمر من أمور الدنيا، الآن القيراط ثواب عظيم عند الله -جل وعلا- هذا ينفع في الآخرة، قد يكون الترغيب بشيء ينفع في الدنيا، فإذا لاحظت هذا المرتب عليه فأنت ملاحظ دنياك أو ملاحظ أخراك، يعني من قرأ الآيتين من آخر البقرة في ليلة كفتاه ومن نزل منزلاً فقال: أعوذ بالله، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، ثلاثًا، لم يضره شيء، أنت حينما تسمع هذا الخبر وتنزل الوادي وتقول هذا الذكر تلاحظ إيش ألا تتضرر أثناء بقائك في هذا الوادي لم يضره شيء، فأنت لحظت أمرًا دنيويًّا أو أخرويًّا؟

وهذا ذكر مما يبتغى به وجه الله، وينبغي أن يكون خالصًا لله، يعني كونك تلاحظ أمرًا ينفعك في الآخرة مثل القيراط فهذا لا إشكال فيه، لكن كونك تلاحظ أمرًا دنيويًّا هل يؤثر في الإخلاص أو لم يؤثر؟ لو كان مؤثرًا لما ذُكر لما ورد في النص، يعني لو كان مؤثرًا لما ورد في النص.

 قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»، هذا في الصلاة على الجنازة أجر عظيم، جاء في بعض الروايات مثل جبل أحد القيراط، وفي بعض الروايات: أصغرهما مثل جبل أحد ثواب عظيم، ونجد بعض المحرومين يصلى على الجنازة وهو في المسجد ولا يصلي، ويعتذر بأنه صلى أمس على جنازة، سبحان الله! طيب من اقتنى كلبًا غير ما استثني من كلب الصيد والزرع والماشية نقص من أجره كل يوم قيراط كل يوم قيراط، وفي رواية: قيراطان، هل نقول: إن القيراط في نقص أجر من اقتنى الكلب مثل القيراط هنا مثل جبل أحد؟ ينتهي الأجر بيوم واحد، إذا قلنا مثل هذا ينتهي الأجر بيوم واحد، نعم المسلم يأتي بأعمال أمثال الجبال كما جاء، لكن يبقى أنه لو قلنا: إن القيراط في اقتناء الكلب مثل القيراط في الصلاة على الجنازة فهذا أمر عظيم، يعني ماذا يبقي له إذا كان اليوم الواحد ينقص من أجره مثل جبل أحد أو مثل الجبل العظيم، الأمر في غاية الخطورة، لكن أهل العلم يقولون: إن القيراط قيراط الوعيد غير قيراط الوعد، فضل الله -جل وعلا- وكرمه يقتضي التفريق بين هذا وهذا.

 على كل حال من يقتني الكلب آثم، ومتسبب في ضياع أجوره إلا ما استثني، إلا ما استثني مما له مصلحة راجحة ككلب الصيد وكلب الماشي وكلب الزرع.

 «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فليه قيراطان» قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيم»، متفق عليه. ولمسلم: «أصغرهما مثل جبل أحد»أحد جبل عظيم من الجبال الكبار في جزيرة العرب، وله حتى توضع في اللحد، حتى توضع في اللحد هل يتم القيراط الثاني بمجرد وضعها في اللحد أو حتى تدفن أو حتى يفرغ من دفنها؟ حتى يفرغ من دفنها.

 "وله" لمسلم: «حتى توضع في اللحد»، مجرد ما توضع في اللحد انتهى، ثبت القيراط. "وللبخاري": من تبع جنازة مسلم لا كافر، «من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا»؛ لأن حال كثير من الناس يصلي على الجنائز ويتبعها حتى تدفن، كثير من الناس يفعل ذلك مكافأة، ويصرح بعضهم بذلك تقول له: والله ما رأيناك في جنازة فلان، ما رأيناك في جنازة فلان! قال: والله والدي مات قبل أيام أو قبل أشهر ولا حضر، أولاده ما صلوا على والدي، ولا تبعوه، هذه مكافأة، يعني هل هذا يمكن أن يكون إيمانًا واحتسابًا إذا خرج؛ لأنهم خرجوا في جنازة والده أو قريبه؟!

بعضهم يصرح بهذا، والله ما يستحقون، مات عمهم وطلعنا معهم، ومات أبي ولا طلعوا معنا، إلى متى يقولون مثل هذا الكلام، يصرحون به مع أن هذه الأجور العظيمة لمن تبعها إيمانًا واحتسابًا من غير ملاحظة أي شيء مؤثر.

 «من تبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها» يعني ما يكفي أن توضع في اللحد كما في الرواية السابقة، نعم توضع في اللحد وتدفن ويفرغ من دفنها، وبهذا يترتب الأجر الكامل القيراط، ومن نقص نقص أجره بحسبه.

 «حتى يصلى عليه ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين» قيراط الصلاة وقيراط الدفن، «كل قيراط مثل أحد»، هل يشترط في ثبوت القيراط أن يشارك في الدفن؟

الحديث حتى يُفرَغ من دفنها ليس فيه اشتراط للمشاركة، لكن المشاركة إن كان لا يقوم بها إلا هو تعين عليه، وإذا كان يقوم بها هو وغيره مجتمعين فلا بد أن يشارك، وإن كان قيامه بها لمجرد حصول الأجر بالنسبة له فسنة إذا كان يقوم بها؛ لأن الدفن فرض كفاية، فيحرص على أن يشارك.

 «فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومَن صلى عليها ثم رجع» يعني لم يتبعها ولم يشيعها إلى المقبرة، «ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» قيراط الصلاة، قيراط الصلاة التشييع الأول أن يكون من البيت إلى المسجد تبعها، ويشمل هذا، لكن القيراط الثاني مرتب على ما بعد الصلاة، يعني من شيعها من بيتها إلى المسجد ثم صلى عليها قيراط واحد، لكن إذا شيعها وتبعها من المسجد إلى المقبرة، والمراد بالاتباع أن يكون معها من خروجها من المسجد حتى تفرغ من الدفن؛ لأن بعض الناس يقول: الطريق مزدحم، ويستغرق الوقت مع هذا الازدحام من المسجد إلى المقبرة ساعة، لماذا لا أصلي الراتبة، وأقرأ جزءًا أو جزأين من القرآن، وأصل معهم، أركب سيارتي وأصل معهم، بدل ما أقطع الطريق بساعة أقطعه بربع ساعة، هل هذا مشيع؟ هل هذا تابع للجنازة؟ يتم له الاتباع بهذا؟

لا يتم له الاتباع ولا التشييع، نعم يشارك في الدفن، ويفرغ منها، نعم له أجر الدفن، لكن التشييع والاتباع ينقص من أجره بقدره، ينقص من أجره بقدره، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط.

 "وعن جابر بن سمرة قال: أتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بفرس معرورًا" يعني عارٍ عن السرج وما يركب عليه.

 "فركبه حتى انصرف من جنازة ابن الدحداح ونحن نمشي حوله" يعني الركوب، يعني تشييع الجنازة كما يكون على الأقدام يكون على الدواب وغيرها من وسائل النقل، وغيرها من وسائل النقل، النبي -عليه الصلاة والسلام- ركب الفرس، وسيأتي ما يدل على أن المشاة يكونون أمام الجنازة، والركبان يكونون خلفها، فالركوب لا يؤثِّر، ليس مثل الذهاب إلى صلاة الجمعة الذي فيه التنصيص على المشي، ومشى ولم يركب لا ذاهبًا إلى الجمعة ولا راجعًا منها، الأجر لا يتم إلا بالمشي، وهنا يتم بالركوب كما يتم بالمشي؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- ركب، وقد تستدعي الحال الركوب بعد المقبرة مثلاً أو شدة الحر أو شدة البرد أو المرض مثلاً من المشيِّع التابع للجنازة أو كبر السن أو ما أشبه ذلك قد يحتاج معه إلى الركوب.

 وعلى كل حال مثل هذا لا يؤثر في الأجر، ليس مثل الأجر المرتب على المشي لصلاة الجمعة والرجوع منها، أو حتى إلى المسجد؛ لأن له بكل خطوة حسنة، فإذا ركب ما ثبت له هذا الأجر.

 "فركبه حتى انصرف من جنازة ابن الدحداح ونحن نمشي حوله" يعني مشاة، فالمشي يترتب عليه الثواب، كما أن الركوب أيضًا يترتب عليه الثواب.

 "رواه مسلم عن الزهري عن سالم عن أبيه، أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم"-، الزهري عن سالم عن أبيه، وبهذا الإسناد يكون أصح الأسانيد عند مَن؟ عند مَن هذا أصح الأسانيد؟

طالب: ...........

ماذا؟

طالب: ...........

ما أسمع، ماذا تقول؟

طالب: ...........

لا.

طالب: ...........

البخاري؟

البخاري مالك عن نافع عن ابن عمر.

..........البخاري فقيل مالك

 

عن نافع بما رواه الناسك

مولاه.........................

 

.......................

هذا اختيار البخاري، لكن هذا اختيار الإمام أحمد.

وجزم ابن حنبل بالزهري

 

عن سالم أي عن أبيه البر

هذا اختيار الإمام أحمد الزهري عن سالم عن أبيه، لكن هل يلزم من هذا أن يكون كل ما روي بهذه الصيغة صحيح؟

هذا الحديث فيه كلام طويل، الحديث فيه كلام طويل سيأتي عند المصنِّف- رحمه الله تعالى- "وعن الزهري عن سالم عن أبيه، أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، يمشون أمام الجنازة"، فالمشاة أمام الجنازة، والركبان خلفها، هذا هو الأولى، لكن إذا تقدم الركبان وتأخر بعض المشاة؛ لضعف فيهم، أو مشوا عن يمينها أو عن شمالها للكثرة مثلاً فلا يوجد ما يمنع من ذلك، لكن الأولى أن يكون المشاة أمام الجنازة، والركبان خلفها.

 "أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو حاتم البستي"، ابن حبان، أبو حاتم البستي هو ابن حبان.

 "وقد روي عن الزهري قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكره مرسلاً" يعني من غير ذكر ابن عمر، من غير ذكر ابن عمر، وقال "قال الترمذي: وأهل الحديث يرون أن المرسل أصح"، الزهري عن سالم أن عبد الله بن عمر كان يمشي أمام الجنازة، أو كان ابن عمر يمشي أمام الجنازة، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر، وفي بعض الروايات: عثمان يمشون أمام الجنازة، فيكون الخبر من رواية سالم، وهو يروي قصة لم يشهدها، هو يروي شيئًا لم يشهده، فيكون حينئذ مرسلاً.

 "قال الترمذي: وأهل الحديث يرون أن المرسل أصح" نعم سالم رأى أباه يمشي أمام الجنازة، لكنه ما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر يمشون أمامها، فهذا مرسل، "وقال النسائي: الصواب أنه مرسل، الصواب أنه مرسل"، نعم حكى ما شاهده بالنسبة لأبيه، وحكى ما لم يشهده بالنسبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر، وقال الخليلي، أبو يعلى الخليلي صاحب الإرشاد، كتاب مطبوع محقق في ثلاثة مجلدات: "وقال الخليلي في هذا الحديث: وهو من الصحاح المعلولات، وهو من الصحاح المعلولات"، هل يجتمع الوصف بالصحة مع العلة؟ من الصحاح المعلولات؟

طالب: ...........

معلومات أم معلولات؟

طالب: ...........

موثق النص من الإرشاد؟

طالب: ...........

نعم، لكن الكلام على من رجع إلى كلام الخليلي في الإرشاد موثق من الإرشاد؟

طالب: ...........

لا، عندنا موثق من الإرشاد من الكتاب الأصلي، طيب يحصل مثل هذا التعبير صحاح معلولة؛ لأن من العلل ما هو مؤثِّر في الصحة، ومن العلل ما لا يؤثِّر، يعني كون الحديث يروى موصولًا، ويروى مرسلًا قد يعلون الموصول بالمرسل، وهذا كثير عند أهل الحديث، يعلون به الموصول، وقد يكون الإرسال غير مؤثِّر وغير قادح في الموصول، بمعنى أنه قد ينشط فيذكر الواسطة، يذكر الصحابي، وقد لا ينشط فيسقطهم، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، يعني في الموطأ كثير من المراسيل، كثير من المراسيل، وهي مخرجة من طريق مالك في الصحيحين موصولة، يسقط الصحابي مالك، يحيى بن يحيى عن مالك عن نافع أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرسل، ثم يرويه البخاري من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أن النبي -عليه الصلاة والسلام-، هل نقول: إن رواية البخاري تعل برواية مالك؟ لا؛ لأن مالكًا يرى أن المرسل صحيح، ويعمل بالمراسيل، فلا يؤثر عنده الإرسال، فكونه يروى مرسلاً لا يعل به الموصول لما سمعنا، ولذا قال: من الصحاح المعلولات، فيه علة، لكنها غير مؤثرة. "وقال البيهقي: ومن وصله واستقر على وصله" استمر على الوصل، "ولم يختلف عليه فيه هو سفيان بن عيينة حجة ثقة".

 مادام الذي وصله ثقة، هذا على قواعد المتأخرين مطرد أن الوصل زيادة ثقة مقبولة، وينقلون عليها الاتفاق، لكن بالنسبة لعمل الأئمة المتقدمين لا يحكمون بقواعد مطردة، قد يرجحون المرسل، وقد يرجحون الموصول ......... ولا يمنع أن ينشط الراوي فيصله ويستعجل ويرسله ويرسله، وذكرنا من الأمثلة الكثير، وأشرنا إلى أن موطأ الإمام مالك فيه أمثلة كثيرة من هذا النوع يرويها الإمام مالك مرسلة، وتروى من طريقه في الصحيحين موصولة، ولا يؤثر ولا يعل الموصول بالمرسل.

 قال -رحمه الله-: "وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، إذا رأيتم الجنازة فقوموا»" القيام للجنازة إذا مرت بك جنازة وأنت جالس قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع»، متفق عليه".

 نعم إذا مرت الجنازة في أول الأمر جاء الأمر بالقيام حتى تغيب وتتوارى عنك؛ وذلك هيبة لجنازة المسلم إذا كان الميت مسلمًا أو للملك الذي قبض روحه، كما يقول أهل العلم، إذا كانت الجنازة لغير مسلم، على أنه جاء ما يدل على نسخ هذا الأمر قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع» "متفق عليه.

 وقال أبو داود: روى الثوري هذا الحديث عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال فيه: حتى توضع في الأرض، ورواه أبو معاوية عن سهيل قال: حتى توضع في اللحد".

 ومن تبعها فلا يجلس حتى توضع، توضع أين؟ توضع أين؟ توضع على الأرض في المقبرة، أو توضع في اللحد؟ يعني يستمرون قيامًا حتى توضع في اللحد، لو قدر أنهم حضروا ولما يجهز القبر يستمرون قيامًا حتى توضع في اللحد، أو بمجرد أن توضع على الأرض؟ النبي -عليه الصلاة والسلام- ثبت أنه جلس هو وأصحابه ما استمروا قائمين حتى توضع في اللحد، فالمرجَّح أنها توضع في الأرض، من تبعها فلا يجلس حتى توضع على الأرض، لا يجلس قبلها. "وسفيان أحفظ من أبي معاوية"، "قال أبو داود: روى الثوري هذا الحديث عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: حتى توضع بالأرض، ورواه أبو معاوية" محمد بن خازم الضرير، "قال: حتى توضع في اللحد"، أيهما أرجح؟ قال: "وسفيان أحفظ من أبي معاوية"، فالمرجح في اللفظين حتى توضع بالأرض.

 "وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قعد" قام ثم قعد، يعني قام لما مر بالجنازة، ثم بعد ذلك لما مُرَّ بجنازة أخرى قعد، يعني كان هذا في أول الأمر، ثم قعد في آخر الأمر، مما دل على أن الأمر بالقيام منسوخ، ومنهم من يقول: إن هذا القعود؛ لبيان الجواز، مما يدل على أن الأمر ليس على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل الاستحباب.

 "وروى الإمام أحمد بإسناد غير قوي" بإسناد ضعيف "عن علي قال: ما فعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قط غير مرة"، يعني القيام ما فعله "غير مرة برجل من اليهود كانوا أهل كتاب، وكان يتشبه بهم"، كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر كان يحب موافقة أهل الكتاب، بدليل ما صنعه في شعره حينما فرقه، ثم ترك.

 المقصود أنه كان يحب موافقة أهل الكتاب؛ لأنهم أهل كتاب، يتألفهم بذلك، فلما أيس منهم ترك موافقتهم، ومنع من التشبه بهم، ومنع من التشبه بهم.

 قال: "وكان يتشبه بهم، فإذا نهي انتهى، فما عاد لها بعد"، يعني ما قام للجنازة بعد ذلك، وعلى كل حال هذا الخبر ضعيف؛ لأن مداره على ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف عند أهل العلم، كما هو معروف.

 قال -رحمه الله-: "وعن شعبة عن أبي إسحاق" شعبة بن الحجاج، وأبو إسحاق هو السبيعي، "قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد" أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد الخَطْمي، صحابي معروف.

 "فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر" يعني يسله سلاًّ من قبل رجليه، فيقدم رجليه على رأسه، "وقال: هذا من السنة، وقال: هذا من السنة، رواه أبو داود، وقال البيهقي: وهذا إسناد صحيح، وقد قال: هذا من السنة، وقد قال: هذا من السنة، فصار كالمسند. "

قول الصحابي من السنة أو

 

نحو أمرنا حكمه الرفع ولو

بعد النبي قاله بأعصر

 

على الصحيح وهو قول الأكثر

قول الصحابي: من السنة، محمول على سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، فهو مرفوع.

 يسن إدخال الميت القبر من جهة رجليه، يسن أن يسل سلاًّ من جهة رجليه، وجاء ما يدل على أنه من جهة القبلة، يوضع في قبلي القبر ثم يدخل إليه سلاً معتدلاً متساويًا رأسه مع رجليه.

 وعلى كل حال يفعل به الأرفق، الأرفق به وبغيره.

 قال: "ورواه سعيد وزاد: ثم قال: انشطوا الثوب"، يعني انزعوا الثوب، كأنهم لما أرادوا إدخاله في قبره ستروه بثوب، ستروه بثوب، فقال: انشطوا الثوب، كأنما نشط من عقال، يعني نزع عنه العقال الذي ربط به، فقام سويًّا، انشطوا الثوب، انزعوه، ارفعوه.

 "فإنما يصنع هذا بالنساء"، يعني الذي يغطى عند إدخاله القبر ويوارى بالثوب إنما هو المرأة لا الرجل؛ لمزيد الاحتياط بالنسبة للنساء، والرجال هو مستور بالكفن، والرجل لا يفتن أحجامه التي يبديها الكفن؛ لأنه مربط، فحجم الميت ظاهر، لكن إذا كان الميت امرأة فقد يفتتن بها ضعاف النفوس، فتستر عن الناظرين.

 قال: "وعن همام عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، وعن همام عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله» وفي لفظ: «وعلى سنة رسول الله»، رواه الإمام أحمد وهذا لفظه، وأبو داود والنسائي في اليوم والليلة وأبو حاتم البستي، وقال البيهقي: الحديث ينفرد برفعه همام بن يحيى بهذا الإسناد، وهو ثقة إلا أن شعبة وهشام الدستوائي روياه عن قتادة موقوفًا على ابن عمر. وقال الدارقطني في الموقوف: هو المحفوظ".

 إذا نظرنا إلى هذا التعارض، تعارض الوقف والرفع، همام بن يحيى يتفرد برفعه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وشعبة وهشام الدستوائي يوقفانه على ابن عمر، وإذا تعارض الوقف مع الرفع فأقوال أهل العلم معروفة، منهم من يرجح الرفع مطلقًا كالوصل، ويقول: إن مع الرافع زيادة خفيت على من وقف، ومنهم من يرجح الوقف كالإرسال ويقول: إن المرسل والواقف متيقن، والرافع أو الواصل أو الرفع و الوصل مشكوك فيه، يعني ابن عمر متفق عليه بين من رفع ومن وصل ذكره متفق عليه، فهو متيقن، لكن ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد ابن عمر مشكوك فيه، من الرواة من ذكره، ومنهم من لم يذكره، فيقتصر على المتيقن، فيحكم حينئذ للوقف والإرسال دون الرفع والوصل، هذا منهج يستروح ويميل إليه كثيرًا أبو حاتم والدارقطني يرجحان الإرسال في الغالب.

 ومن أهل العلم من يرجح الوصل؛ لأنه زيادة من ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، ومنهم من يقول: يرجح الأكثر، الأكثر هنا شعبة وهشام أكثر من همام بن أبي يحيى، والعدد الكثير كما يقول الإمام الشافعي أولى بالحفظ من الواحد، العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، فروايتهما مرجحة على روايته، فالحكم حينئذ للوقف.

 ومنهم من يرجح الأحفظ، ولا شك أن شعبة وهشام مجتمعين أو منفردين أحفظ من همام بن يحيى، أحفظ من همام بن يحيى.

 وعلى كل حال الحديث سواء قلنا: إنه مرفوع، وهذا قال به جمع من أهل العلم، وصححوا الحديث، أو قلنا: إنه موقوف على ابن عمر، فإن ابن عمر لا يمكن أن يقول مثل هذا من تلقاء نفسه إلا وأنه قد سمعه من النبي -عليه الصلاة والسلام-.

 "وقال الدارقطني في الموقوف: هو المحفوظ"؛ لأنه رواية الأكثر، وهو رواية الأحفظ، والرفع مشكوك فيه، فيندرج فيه ثلاثة الأقوال للمتأخرين، يندرج في ثلاثة الأقوال، ويتفرد من رجح الوصل بقول واحد من الأربعة.

 وعلى كل حال أئمة الحديث لا يحكمون في مثل هذا الاختلاف بحكم عام مطرد، إنما ينظرون إلى ما ترجحه القرائن.

والله أعلم.

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

"