كتاب الجنايات من سبل السلام (7)

عنوان الدرس: 
كتاب الجنايات من سبل السلام (7)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 9:15 م

سماع الدرس

نعم.

"أحسن الله إليك، بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 قال الشارح -رحمه الله تعالى- في باب دعوى الدم والقسامة: بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرُ أَقْسَمَ قَسَمًا وَقَسَامَةً. وَهِيَ الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ إذَا ادَّعَوْا الدَّمَ، أَوْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ الدَّمُ".

مصدر قَسَمَ. ما هو بأقسم، قسم يقسم قسمًا وقسامة، أما أقسم فمصدره الإقسام، والقَسَم والقَسَم من أقسم اسم، والقسم من أقسم اسم المصدر، وليس هو المصدر، {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا}[نوح:17] هذا اسم مصدر، والمصدر الإنبات.

"بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ مَصْدَرُ قَسَمَ قَسَمًا وَقَسَامَةً. وَهِيَ الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ إذَا ادَّعَوْا الدَّمَ، أَوْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ الدَّمُ وَخُصَّ الْقَسَمُ عَلَى الدَّمِ بِالْقَسَامَةِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْقَسَامَةُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يُقْسِمُونَ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ اسْمٌ لِلْأَيْمَانِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْقَسَامَةُ الْجَمَاعَةُ يُقْسِمُونَ عَلَى الشَّيْءِ وَيَأْخُذُونَهُ، أَوْ يَشْهَدُونَ. وَفِي الضِّيَاءِ: الْقَسَامَةُ الْأَيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى خَمْسِينَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، أَوْ الْقَرْيَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا الْقَتِيلُ لَا يُعْلَمُ قَاتِلُهُ، وَلَا يَدَّعِي أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ عَلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ.

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَاسْمُ أَبِي حَثْمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَامِرٍ أَوْسِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بِضَمِّ الْمِيمِ فَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ فَصَادٌ مُهْمَلَةٌ ابْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إلَى خَيْبَرَ مِنْ جُهْدٍ- بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا الْمَشَقَّةُ هُنَا- أَصَابَهُمْ فَأُتِيَ مُحَيِّصَةُ- مُغَيَّرَ الصِّيغَةِ- فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ- مُغَيَّرَانِ أَيْضًا- فِي عَيْنٍ فَأَتَى -أَيْ مُحَيِّصَةُ- يَهُودَ- اسْمُ جِنْسٍ يُجْمَعُ عَلَى يَهْدَانَ- فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاَللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ- بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَصَادٌ مُهْمَلَةٌ مُشَدَّدَةٌ- وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ حُوَيِّصَةَ.

وَفِي رِوَايَةٍ: فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «كَبِّرْ كَبِّرْ»".

مع أنه هو صاحب الشأن، المقتول أخوه.

"بِلَفْظِ الْأَمْرِ فِيهِمَا، الثَّانِي تَأْكِيدٌ لِلْأَوَّلِ يُرِيدُ السِّنَّ، مُدْرَجٌ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: كَبِّر،ْ أَيْ يَتَكَلَّمُ مَنْ كَانَ أَكْبَرَ سِنًّا.

فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إمَّا أَنْ يَدُوا» أَيْ الْيَهُودُ صَاحِبَكُمْ أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ «وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ»، فَكَتَبَ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُمْ قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ، فَكَتَبُوا -أَيْ الْيَهُودُ- إنَّا وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ أَيْ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: لَا.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالُوا: لَمْ نَحْضُرْ وَلَمْ نَشْهَدْ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ، قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ: أَتَحْلِفُونَ؟ قَالَ: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ»".

الآن غلبة الظن في القاتل غلبة الظن أن القتلة هم اليهود أن القتلة هم اليهود، فلو حلفوا بناء على غلبة الظن، هم تورعوا فلم يحلفوا، طلب منهم الحلف قالوا: لم نحضر ولم نشهد، والحلف على غلبة الظن، يعني يجوزها أهل العلم، والله ما بين لابتيها، لكن هل يقال بغلبة الظن فيما يتعلق بحقوق الناس، التي فيها أطراف وخصومات؟ يعني يغلب على الظن أن فلانًا هو الصادق، وخصمه كاذب، يجوز أن تحلف أم ما يجوز؟ ما يجوز بحال، ما فيه الخصومات، نعم.

"«قَالَ: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ، قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ»".

ما يترددون في الحلف؛ لأنهم كفار.

"وَفِي لَفْظٍ قَالُوا: لَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ الْيَهُود، وَفِي لَفْظٍ: كَيْفَ نَأْخُذُ بِأَيْمَانِ كُفَّارٍ؟ «فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ عِنْدِهِ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ مِائَةَ نَاقَةٍ. قَالَ سَهْلٌ: فَقَدْ رَكَوتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي ثُبُوتِ الْقَسَامَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا، وَهُمْ الْجَمَاهِيرُ، فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوهَا، وَبَيَّنُوا أَحْكَامَهَا.

وَنَتَكَلَّمُ عَلَى مَسَائِلَ: الْأُولَى: أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ الْقَسَامَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مِنْ دُونِ شُبْهَةٍ إجْمَاعًا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَدَاوُد ثُبُوتُهَا مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمَا، وَإنما اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشُّبْهَةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْقَسَامَةُ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الشُّبْهَةَ اللَّوْثَ، وَهُوَ كَمَا فِي النِّهَايَةِ: أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إقْرَارِ الْمَقْتُولِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي، أَوْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى عَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا، أَوْ تَهْدِيدٍ لَهُ مِنْهُ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَهو مِنْ اللَّوْثِ".

ومن ومن.

"ومن اللوث التَّلَطُّخُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْه كَالْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: وُجُودُ الْمَيِّتِ وَبِهِ أَثَرُ الْقَتْلِ فِي مَحَلٍّ يَخْتَصُّ بمحصورَين".

بمحصورِين.

"بِمَحْصُورِينَ تَثْبُتُ بِهِ الْقَسَامَةُ عِنْدَهُمْ إذَا لَمْ يَدَّعِ الْمُدَّعِي عَلَى غَيْرِهِمْ. قَالُوا: لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ.

وَرُدَّ بِأَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ أَصَحُّ مَا وَرَدَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اللَّوْثِ، وَحَقِيقَتُهُ شُبْهَةٌ يَغْلِبُ الظَّنُّ الْحُكْم بِهَا، كَمَا فَصَّلَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَهُوَ هُنَا الْعَدَاوَةُ، فَلِهَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهَذَا قَسَامَةٌ إلَّا إذَا كَانَ بَيْنَ الْمَقْتُولِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ عَدَاوَةٌ كَمَا كَانَ فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ، قَالُوا: فَإِنَّهُ يَقْتُلُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، وَيُلْقِيهِ فِي مَحَلِّ طَائِفَةٍ؛ لِيُنْسَبَ إلَيْهِمْ. وَقَدْ عَدُّوا مِنْ صُوَرِ اللَّوْثِ قَوْلَ الْمَقْتُولِ قَبْلَ وَفَاتِهِ: قَتَلَنِي فُلَانٌ.

قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَثَرٌ، أَوْ يَقُولُ: جَرَحَنِي، وَيَذْكُرُ الْعَمْدَ، وَادَّعَى مَالِكٌ أَنَّهُ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.

وَتعقبه ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرُهُ، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ اللَّيْثُ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِقِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ، فَإِنَّهُ أُحْيي الرَّجُل وَأَخْبَرَ بِقَاتِلِهِ.

 وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ لِنَبِيٍّ، وَتَصْدِيقُهَا قَطْعِيٌّ".

يعني هذا الرجل الذي ضُرب ببعضها، ببعض البقرة، ثم أحياه الله، هل يتصور منه أن يكذب في قاتله بعد أن رأى وعاين؟ لا يمكن، وهل يطرد هذا في كل من هذه حاله؟

شخص على مشارف الموت، وبه أثر ضرب، يقبل قوله إذا ادعى على أحد؟ لا يقبل قوله، وإنما يكون قرينة قرينة يؤخذ بها هذا المتهم ويقرر، فإن اعترف وإلا خُلي سبيله، وإلا يُخلى سبيله، والقسامة قد تتجه في مثل هذه الصورة.

 ابن القيم -رحمه الله- في الطرق الحكمية ذكر قصة، وهو أن شخصًا استؤجر ليذبح كبشًا في خرِبة، فذبحها في هذه الخربة، ثم أراد أن يخرج منها، فإذا على بابه رجل يتشحط بدمائه، وهذا الجزار بيده السكين مشهورة، والدم يقطر منها، فأُخذ، واعترف بأنه هو القاتل، قال: يعذب ولن يُصدَّق، فلما جيء به للتنفيذ خرج القاتل الحقيقي وقال: أنا القاتل، اعترافه بأنه هو القاتل يأثم به أو لا يأثم؟

نعم. يأثم، اللهم إلا إذا أُكره وخاف من شيء هو عنده أعظم من القتل؛ لأن بعض أنواع التعذيب أشد من القتل، من الناس من يرتاح بالقتل من بعض أنواع التعذيب، فقد يعترف بما لم يفعله، وإن كان يتضرر به؛ خشيةً مما يسمع من أنواع للتعذيب الذي لا يطاق، ونسأل الله السلامة والعافية.

"قُلْت: وَلِأَنَّهُ أَحْيَاهُ اللَّهُ تعالى بَعْدَ مَوْتِه يعين قَاتِلَهُ".

يعني هو أُحيي من أجل هذه المصلحة، وهو أن يتعين القاتل، فلا يتصور أن يكذب في التعيين وهو إنما أحيي من أجله.

"فَإِذَا أَحْيَا اللَّهُ مَقْتُولًا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَعَيَّنَ قَاتِلَهُ قُلْنَا بِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ بِأَنَّ الْقَاتِلَ يَطْلُبُ غَفْلَةَ النَّاسِ".

نعم هذه القصة لن تتكرر، هذه القصة لن تتكرر.

"وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ بِأَنَّ الْقَاتِلَ يَطْلُبُ غَفْلَةَ النَّاسِ فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُ الْمَجْرُوحِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى إبْطَالِ الدِّمَاءِ غَالِبًا، وَلِأَنَّهَا حَالَةٌ يَتَحَرَّى فِيهَا الْمَجْرُوحُ الصِّدْقَ، وَيَتَجَنَّبُ الْكَذِبَ، والمعاصي، ويتحرى التقوى والبر، فوجب قبول قوله".

لا سيما إذا كان الجرح بالغًا صار على على مشارف مفارقة هذه الدنيا فإنه يبعد أن يكذب في دعواه.

"وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ، وَقَدْ عَدُّوا صُوَرَ اللَّوْثِ مَبْسُوطَةً فِي كُتُبِهِمْ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْقَتْلِ، وَكُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ تَثْبُتُ دَعْوَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ الْقَسَامَةَ فَتَثْبُتُ أَحْكَامُهَا، ومِنْهَا الْقِصَاصُ عِنْدَ كَمَالِ شُرُوطِهَا؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «تَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِذِمَّتِهِ»".

أليس برمته؟

طالب: عندي بالذال يا شيخ.

ماذا؟

طالب: برمته.

برمته، أنا عندي بالذال، لكن ليس صحيحًا.

"«فيدفع برمته»، وَقَوْلُهُ: دَمَ صَاحِبِكُمْ فِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرمته»، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: «إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ» يُشْعِرُ بِعَدَمِ الْقِصَاصِ إلَّا أَنَّ هَذَا التَّصْرِيحَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَقْوَى فِي الْقَوْلِ بِالْقِصَاصِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ ثَبَتَ الْقَوَدُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ حَلَفُوا، وَثَبَتَتْ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّ.

وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ، وَالْأَوَّلُ هو الصَّحِيحُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا حُلِّفَ خَمْسِينَ يَمِينًا".

 أو حلف يا شيخ؟

حَلَف وحُلِّف ما فيه فرق.

"فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَازِمَةٌ لِلْوَرَثَةِ ذُكُورًا كَانُوا، أَوْ إنَاثًا عَمْدًا كَانَ القتل أَوْ خَطَأً، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْهَا أَنْ يُبْدَأَ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ فِي الْقَسَامَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الدَّعَاوَى، كَمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ». وَفِي إسْنَادِهِ لِينٌ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ جَنْبَةَ الْمُدَّعِي إذَا قَوِيَتْ بِشَهَادَةٍ أَوْ شُبْهَةٍ، صَارَتْ الْيَمِينُ لَهُ، وَهُنَا الشُّبْهَةُ قَوِيَّةٌ، فَصَارَ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَةِ مُشَابِهًا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْمُتَأَيَّدِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ.

وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِينَ، فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ مَا قَتَلْنَاهُ، وَلَا عَلِمْنَا قَاتِلَهُ، وَإِلَى هَذَا جَنَحَ الْبُخَارِيُّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْأَنْصَارِ وَيَهُودِ خَيْبَرَ، فَيُرَدُّ الْمُخْتَلَفُ إلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ المدعى عَلَيْهِ. فَإِنْ حَلَفُوا فَهَلْ تَلْزَمُهُمْ الدِّيَةُ أَمْ لَا؟ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهَا تَلْزَمُهُمْ الدِّيَةُ بَعْدَ الْأَيْمَانِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُمْ إذَا حَلَفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا بَرِئُوا، وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِمْ، ويدل له قِصَّةُ أَبِي طَالِبٍ الْآتِيَةُ، وَاسْتَدَلَّ الْجَمَاعَةُ الْمَذْكُورَةُ وَمَنْ مَعَهُمْ فِي إيجَابِ الدِّيَةِ بِأَحَادِيثَ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ رَفْعِهَا عِنْدَ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ".

لا داعي للدية؛ لأن الدية بديلة عن القود، والقود سقط بحلف المُدَّعى عليهم، فما كان بدلاً منه يسقط.

"وَقَوْلُهُ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ عِنْدِهِ. وَفِي لَفْظِ أَنَّهُ وَدَاهُ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ. فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ اقْتَرَضَهَا مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَمَّا تَحَمَّلَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْقَضَاءِ عَنْ الْغَارِمِ لِمَا غَرِمَهُ؛ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَلَمْ يَأْخُذْهَا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِنَفْسِهِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَلَكِنْ جَرَى إعْطَاءُ الدِّيَةِ مِنْهَا مَجْرَى إعْطَائِهَا من الْغُرْمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبِينِ.

وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ، فَلَا يَصِحُّ، فَإِنَّ غَارِمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ. كَذَا قِيلَ.

قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْيَهُودَ لَمْ تَلْزَمْهُمْ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعُونَ كَمَا عَرَفْت، فَمَا وَدَاهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلَّا تَبَرُّعًا مِنْهُ؛ لِئَلَّا يُهْدِرَ دَمَهُ.

وَأَمَّا رِوَايَةُ النَّسَائِيّ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَسَمَهَا عَلَى الْيَهُودِ وَأَعَانَهُمْ بِبَعْضِهَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، فَإِنَّ الدِّيَةَ لَا تَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْقَتِيلِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إقْرَارٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ، أَوْ أَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ عَرَضَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْمُدَّعِينَ أَنْ يَحْلِفُوا، فَأَبَوْا، فَكَيْفَ يُلْزِمُ الْيَهُودَ بِالدِّيَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؟ انْتَهَى".

بمجرد الدعوى المجردة عن البينة واليمين، ليست عندهم بينة، ورفضوا أن يحلفوا.

"قُلْت: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُكْمٌ مِنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْقَسَامَةِ أَصْلًا كَمَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ، وَإِنَّمَا دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى حِكَايَةٍ لِلْوَاقِعِ لَا غَيْرُ، وَذَكَرَ لَهُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِصَّةَ الْحُكْمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَمِنْ ثَمَّ كَتَبَ إلَى يَهُودَ بَعْدَ أَنْ دَارَ بَيْنَهُمْ الْكَلَامُ الْمَذْكُورُ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ. وَقَوْلُهُ: فَكَتَبُوا وَاَللَّهِ مَا قُتلناه فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْمُكَاتَبَةِ وَبِخَبَرِ الْوَاحِدِ مَعَ إمْكَانِ الْمُشَافَهَةِ.

فَائِدَةٌ: اخْتَارَ مَالِكٌ إجْرَاءَ هَذِهِ الدَّعْوَى فِي الْأَمْوَالِ فَأَجَازَ شَهَادَةَ الْمَسْلُوبِينَ عَلَى السَّالِبِينَ، وَإِنْ كَانُوا مُدَّعِينَ قَالَ: لِأَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ الْغَفْلَةِ وَالِانْفِرَادِ عَنْ النَّاسِ انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ هَذَا إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَكَمَ بِالْقَسَامَةِ، وَقد عَرَّفْنَاك عَدَمَ نُهُوضِ ذَلِكَ، وَسَنَزِيدُهُ بَيَانًا عَنْ قَرِيبٍ".

القياس قياس الأموال على الدماء مع الفارق؛ لأن الدماء شأنها أعظم وإهدار دم مسلم ما فيه شك أنه يعرض بقية المسلمين لمثل هذا الخطر، لكن الأموال أمرها أخف، ويقتصر في القسامة على مورد النص في الدماء.

"وَإِذَا ثَبَتَ فَهَذَا قِيَاسٌ مِنْ مَالِكٍ مُصَادِمٌ لِنَصِّ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ» إلَّا أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ جَوَازَ تَخْصِيصِ عُمُومِ النَّصِّ بِالْقِيَاسِ، وَلِلْعُلَمَاءِ كَلَامٌ فِي حُجِّيَّةِ الْعَامِّ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ".

العام بعد تخصيصه يبقى حجة فيما يتناوله من بقية الأفراد إلا أن قوته تضعف عما لو حُفظ من التخصيص.

"وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ نَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ: عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي قِصَّةِ الْهَاشِمِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَفِيهَا أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ لِلْقَاتِلِ: اخْتَرْ مِنَّا إحْدَى ثَلَاثٍ: إنْ شِئْت أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنَّك قَتَلْت صَاحِبَنَا خَطَأً، وَإِنْ شِئْت حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِك أَنَّك لَمْ تَقْتُلْهُ، وَإِنْ أَبَيْت قَتَلْنَاك بِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْقَتْلِ بِالْقَسَامَةِ.

وَاعْلَمْ أَنَّا قَدْ أَشَرْنَا إلَى أَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ الْقَسَامَةَ إلَّا الْجَمَاهِيرُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ عَنْهُمْ، وَذَهَبَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ".

يعني هذا الحصر من حيث التركيب فيه ضعف، لم يثبت القسامة إلا الجماهير باستثناء أكثر من النصف، وهذا ضعيف حتى عند من يقول به.

"وَذَهَبَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو قِلَابَةَ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَالنَّاصِرُ إلَى عَدَمِ شَرْعِيَّتِهَا؛ لِمُخَالَفَتِهَا الْأُصُولَ الْمُتَقَرِّرَةَ شَرْعًا؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي إثْبَاتِ الدِّمَاءِ، وَبِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى مَا عُلِمَ قَطْعًا، أَوْ شُوهِدَ حِسًّا، وَبِأَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَحْكُمْ بِهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ حُكْمًا جَاهِلِيًّا فَتَلَطَّفَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِيُرِيَهُمْ كَيْفَ لَا يَجْرِي الْحُكْمُ بِهَا عَلَى أُصُولِ الْإِسْلَامِ. وَبَيَانُ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لَهُ: وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَحْضُرْ وَلَمْ نُشَاهِدْ؟ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّ هَذَا الْحَلِفَ فِي الْقَسَامَةِ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا وَشَرْعُهُ بَلْ عَدَلَ إلَى قَوْلِهِ: «يَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ، قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ»، فَلَمْ يُوجِبْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَيُبَيِّنْ لَهُمْ أَنْ لَيْسَ لَكُمْ إلَّا الْيَمِينُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا مُسْلِمِينَ كَانُوا، أَوْ غَيْرَهُمْ بَلْ عَدَلَ إلَى إعْطَاءِ الدِّيَةِ مِنْ عِنْدِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا لَبَيَّنَ وَجْهَهُ لَهُمْ، بَلْ تَقْرِيرُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا حَلِفَ إلَّا عَلَى شَيْءٍ مُشَاهَدٍ مَرْئِيٍّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حَلِفَ فِي الْقَسَامَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْيَهُودَ لِلْإِجَابَةِ عَنْ خُصُومِهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ".

قوله هنا: ولو كان الحكم ثابتًا لبينه إلى آخره، بل تقريره -صلى الله عليه وسلم- على أنه لا حلف إلا على شيء مشاهد مرئي دليل على أنه لا حلف في القسامة، هذا الدليل مقلوب، طلب الدليل من قبله -عليه الصلاة والسلام- وهو لا يطلب إلا أمرًا مشروعًا دليلٌ على أن حال الحلف القسامة، وكونهم يعتذرون بأنهم لم يروا ولم يشاهدوا ولم يبرئهم هذا من الإلزام، بحيث لا يلزمون باليمين، كونهم يتورعون عن هذه الأيمان، لا يعني أنهم يلزمون بها، وكونه -عليه الصلاة والسلام- طلب منهم الأيمان هذا مما يدل على جوازها، ولو لم تكن جائزة لما طلبها النبي -عليه الصلاة والسلام-.

طالب:...

نعم.

طالب: ........

 على غلبة الظن، ما فيه إلا غلبة الظن، يعني إذا وُردت كل الاحتمالات بالسبر والتقسيم، وعُرف أن جميع هذه الاحتمالات غير واردة، لم يبق إلا واحد يعني إثباتها بالسبر والتقسيم.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

هم يقولون: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- أقرهم أنهم ما شاهدوا، وأعفاهم من الأيمان، فدل على أن الأيمان غير صحيحة لأمر لم يُشاهد، نقول النبي -عليه الصلاة والسلام- طلب منهم الأيمان، ولو لم يكن هذا الطلب شرعيًّا ما طلبه منهم.

طالب:...

الصنعاني يعني انتصر للقلب.

"فَالْقِصَّةُ مُنَادِيَةٌ بِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مَخْرَجَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؛ إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَهَذَا أَقْوَى دَلِيلٍ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا تَلَطَّفَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيَانِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِهَذَا التَّدْرِيجِ الْمُنَادِي بِعَدَمِ ثُبُوتِهَا شَرْعًا، وَأَقَرَّهُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَنَّهُمْ لَا يَحْلِفُونَ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَهُ، وَلَا يشَاهَدُوهُ، وَلَا حَضَرُوهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ أَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ، وَبِذَا تَعْرِفُ بُطْلَانَ الْقَوْلِ بِأَنَّ فِي الْقِصَّةِ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ؛ إذْ لَا حُكْمَ فِيهَا أَصْلاً. وَبُطْلَانُ الْجَوَابِ عَنْ كَوْنِهَا مُخَالِفَةً لِلْأُصُولِ بِأَنَّهَا مُخَصَّصَةٌ مِنْ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ لِلْقَسَامَةِ شُرِعت سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا مُنْفَرِدَةً مُخَصِّصَةً لِلْأُصُولِ كَسَائِرِ الْمُخَصِّصَاتِ لِلْحَاجَةِ إلَى شَرْعِيَّتِهَا حِيَاطَةً لِحِفْظِ الدِّمَاءِ وَرَدْعِ الْمُعْتَدِينَ.

وَوَجْهُ بُطْلَانِهِ أَنَّهُ فَرعَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِهَا عَنْ الشَّارِعِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهَا لَكَانَ هَذَا جَوَابًا حَسَنًا، ولكن لم يثبت الحكم بها كما عرفناك".

فيه سقط عندنا، فيه سقط؟

طالب: ........

 ماذا؟

طالب:...

أعد قبل سطر، ووجه بطلانه.

"وَوَجْهُ بُطْلَانِهِ أَنَّهُ فَرعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِهَا عَنْ الشَّارِعِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهَا لَكَانَ هَذَا جَوَابًا حَسَنًا، ولكن لم يثبت الحكم بها كما عرفناك، وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا بَيْنَ نَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ»".

أعد، ووجه بطلانها.

"وَوَجْهُ بُطْلَانِهِ أَنَّهُ فَرعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِهَا عَنْ الشَّارِعِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِهَا لَكَانَ هَذَا جَوَابًا حَسَنًا، ولكن لم يثبت الحكم بها كما عرفناك، وَأَمَّا مَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا بَيْنَ نَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى يَهُودِ» فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَقْضِ بِهَا فِيهِ كَمَا عرفناك".

كما قررناه.

"كما قَرَّرْنَاهُ، وَقَدْ عَرَفْت مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ الْقَاتِلُ لَا الْعَاقِلَةُ كَمَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ إمَّا أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهَا مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ عَاقِلَتِهِ، أَوْ يَحْلِفَ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِك، أَوْ تُقْتَلَ، وَهُنَا فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ لَمْ يَحْلِفُوا وَلَمْ يُسَلِّمُوا دِيَةً وَلَمْ يُطْلَبْ مِنْهُمْ الْحَلِفُ. وَلَيْسَ هَذَا قَدْحًا فِي رِوَايَةِ الرَّاوِي مِنْ الصَّحَابَةِ، بَلْ فِي اسْتِنْبَاطِهِ".

لأن الحلف من جهة المدعين تركه مبرر بعدم الرؤية والمشاهدة والحلف من جهة المدعى عليهم تركه؛ لأنهم قوم كفار، فلا تكون جميع الدعاوى في القسامة على هذا النحو، يعني كونها لم تتم القسامة في هذه الصورة؛ لأن من طُلِب منهم الحلف من المدعين تورعوا عن الحلف؛ لأنهم لم يشاهدوا، ومن طُلب منهم الحلف لم يقبل منهم الحلف؛ لأنهم لا يتورعون، بل يحلفون ولو قتلوا؛ لأنهم قومٌ كفار، فإذا وجدت الصورة بين مسلمين مثلاً في حي من أحياء المسلمين، وجد قتيل من غير أهل الحي، وبين أهل هذه الحي وبين أهل القتيل لوث وعداوة، ولا شيء تتجه القسامة في مثل هذا، ولن يقولوا: لن نقبل هذه الأيمان؛ لأنهم قوم هو قوم مسلمون.

"لِأَنَّهُ قَدْ أَفَادَ حَدِيثُهُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ قَضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْقَسَامَةِ مِنْ قِصَّةِ أَهْلِ خَيْبَرَ، وَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْقِصَّةِ قَضَاءٌ. وَعَدَمُ صِحَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ جَائِزٌ عَلَى الصَّحَابِيِّ وَغَيْرِهِ اتِّفَاقًا".

لأنه فهم يفهمه الصحابي قد يوفق، وقد يكون المبلَّغ من قِبل هذا الصحابي يكون فهمه أدق، نعم.

"وَإِنَّمَا رِوَايَتُهُ لِلْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ، أَوْ بِمَعْنَاهُ هِيَ الَّتِي يَتَعَيَّنُ قَبُولُهَا. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الزِّنَادِ: "قَتَلْنَا بِالْقَسَامَةِ وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ، إنِّي لَأَرَى أَنَّهُمْ أَلْفُ رَجُلٍ فَمَا اخْتَلَفَ مِنْهُمْ اثْنَانِ"، فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: إنَّمَا نَقَلَهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ وَإِلَّا فَأَبُو الزِّنَادِ لَا يَثْبُتُ أَنَّهُ رَأَى عَشَرَةً مِنْ الصَّحَابَةِ فَضْلًا عَنْ أَلْفٍ. انْتَهَى.

قُلْت: لَا يَخْفَى أَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ؛ لِثُبُوتِ مَا رَوَاهُ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ الْفَقِيهِ الثِّقَةِ، وَإِنَّمَا دَلَّسَ أَبُو الزِّنَادِ بِقَوْلِهِ: قَتَلْنَا، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ قَتَلَ مَعْشَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُمْ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ غَايَتَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عَنْ خَارِجَةَ فِعْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ حَتَّى يَكُونَ حُجَّةً، وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ فِعْلِ عُمَرَ بِالْقَسَامَةِ، وَإِنْ اخْتُلَفَ عَنْهُ فِي الْقَتْلِ بِهَا إنَّمَا نِزَاعُنَا فِي ثُبُوتِ حُكْمِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ".

اللهم صل وسلم على محمد.

طالب: ........

هذا آخر الدروس إن شاء الله، تستأنف إن شاء الله الدروس في الأسبوع الثاني من الفصل القادم إن شاء الله.

طالب:...

نعم.

طالب: ........

على إطلاقة في وقت الحاجة، أما إلى وقت الحاجة فلا مانع، يجوز تأخير البيان إذا لم يحتج إليه إلا فيما بعد.