شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 20

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 20
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 2:45 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد،،

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحبًا بكم مستمعينا الكرام إلى لقاء جديد في شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، في مطلع هذا اللقاء، يُسعدني أن أرحب بمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقهُ الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، فأهلاً وسهلاً بكم معالي الشيخ.

حياكم الله وبارك فيكم أيها الإخوة المستمعين.

المقدم: لا يزال الكلام موصولًا أيها الإخوة في حديث عمر–رضي الله تعالى عنه- ويستعرض فضيلة الشيخ في هذا اللقاء أطراف هذا الحديث.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فهذا الحديث خرَّجه الإمام البخاري في خمسة مواضع من صحيحه، والمراد بهذا الحديث، حديث ابن عمر.

المقدم: نعم

لا حديث عمر، والمُختصِر لا يلتفت لمثل هذه الفروق، ولذا جاء عدة الأحاديث عنده في المختصر، كم؟ كم عدة الأحاديث في المختصر؟

المقدم: آخرها ألفان ومائة وخمسة وتسعون.

يعني أقل من ألفين ومائتين.

المقدم: نعم.

لأنه ينظر إلى المُتُون، ولا ينظر إلى اختلاف المخارج، مخارج الحديث؛ لأنه على العلم إذا اتحد المخرج فهو حديث واحد، لو وُجد اختلاف في اللفظ لا يُحيل المعنى، وإذا اختلف الصحابي، فهم عندهم حديثان، ولو اتحد اللفظ كما هُنا، ولذا تجدون العدد عند الزبيدي أقل من ألفين ومائتين، وتحرير العدة عند ابن الجحر لحديث الصحيح بدون المُكرر ألفان وخمسمائة وحديثان.

لماذا؟ لأن ابن جحر يعد حديث عمر حديثًا مستقلاًّ، وحديث ابن عمر حديثًا مستقلاًّ، بينما المُختصر لا يعنيه هذا الأمر، يهمه المُتُون.

هذا الحديث أعني حديث ابن عمر خرَّجَهُ الإمام البخاري في خمسة مواضع: فالأول في كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف ليلاً، وهو الموضع المشروح قال –رحمهُ الله-: حدثنا مُسددٌ، قال: حدثنا يحيي بن سعيد عن عُبيد الله قال: أخبرني نافع عن ابن عمر –رضي الله عنهما- أن عمر سأل النبي –صلى الله عليه وسلم-: قال: كنت نَذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام، قال: «أوفِ بنذرك».

وسبق ذكر مُناسبة الحديث، كما سبق شرحهُ. الموضع الثاني: في كتاب الاعتكاف أيضًا، باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم، قال –رحمه الله-: حدثنا عُبيد الله بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو أسامة عن عُبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أن عمر –رضي الله عنه- نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام، قال أُراه: قال ليلةً، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «أوفِ بنذرك».

قال ابن حجر: قوله: باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم، أي هل يلزمه الوفاء بذلك أم لا؟ ذكر في قصة عمر أيضًا، وترجم له في أبواب النذر، بابٌ إذا نذر أو حلف لا يُكلم إنسانًا في الجاهلية ثم أسلم، وكأنه ألحق اليمين بالنذر؛ لاشتراكهما في التعليق، وفيه إشارةٌ إلى أن النذر واليمين ينعقد في الكُفر، حتى يجب الوفاء بهما على من أسلم.

 قوله أُراه قال: ليلةً، بضم أولِه، أي أظنه، وقائل ذلك هو عُبيد بن إسماعيل شيخ البخاري، أو البخاري نفسه، فقد رواه الإسماعيلي وغيره من طريقٍ أخرى عن أسامة شيخ عُبيد بغير شك. والموضع الثالث: في كتاب فرض الخُمس، ما كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يُعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخُمس ونحوه، رواه عبد الله بن زيد عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: -رحمه الله- حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- قال: يا رسول الله: إنه كان عليَّ اعتكافُ يومٍ في الجاهلية، فأمره أن يفي به.

قال: وأصاب عمر جاريتين من سبى حُنين مطولاً، وزاد جُرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، وقال من الخُمس؛ لأن الرواية المصدر بها الباب عن نافع أن عمر، فنافع يحكي قصة لم يشهدها، نعم وبيّن البخاري– رحمة الله- أنها عن نافع عن ابن عمر، فلا يضر مثل هذا الانقطاع؛ لأنه موصولٌ في الصحيح نفسه، وبيّن أنه قال من الخُمُس، والكتاب كتاب فرض الخُمس، ورواه معْمَر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر في النذر ولم يقل يوم، قال ابن حجر موضع الترجمة منه، وأصاب عمر جاريتين من سبي حُنين.

نعم، هي من الخُمس ومن السبي، لكن ما كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يُعطي المؤلفة قلوبهم، يعني هل عمر –رضي الله عنه- من المؤلفة قلوبهم أم ممن رسخ ووقر ما في قلبه في السنة الثامنة؟ لا يمكن، ليس من المؤلفة قلوبهم، وإنما هو ممن رسخ الإيمان في قلبه، فإعطاؤه مثل غيره من المغنم، على كل حال موضع الترجمة لا يلزم أن يكون بالمطابقة التامة، كما تقدم له نظائر.

الموضع الرابع: في كتاب المغازي، في باب قول الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثم أنزل الله سكينته}، إلى قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} ]التوبة:25 [

قال –رحمه الله-: حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر –رضي الله عنه- قال: يا رسول الله: حاء.

وحدثني محمد بن مقاتلٍ: مرت بنا الحاء مراراً إلا أنها تمر في البخاري على قلة بخلاف مرورها في صحيح مسلم، فقد أكثر منها مسلم –رحمه الله-، والمراد بها حاء التحويل من إسناد إلى إسناد، وفي مثل هذا الموضع لا تفيد اختصار السند كما هي في اختصار المواضع المذكورة في صحيح مسلم، حتى إن بعضهم قال: إنها تُنطق الحديث وليست للتحويل في مثل هذا الموضع، أو أنها خاء، يعني عاد الإسناد إلى البخاري الذي رمزه خاء، هكذا قال الشُراح، قال حاء وحدثني مُحمد بن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: لما قفلنا من حُنين سأل عمر النبي –صلى الله عليه وسلم- عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكافٍ عن نذر، اعتكافٍ بدل، فأمره النبي –صلى الله عليه وسلم- بوفائه.

وقال بعضهم: حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي –صلى الله عليه وسلم- ، ورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ابن حجر: وجه دخول الحديث في باب غزوة حُنين، ما سبق ذكره في الرواية السابقة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أعطاه جارية من الخُمس، في الحديث السابق جاريتين، أصاب عمر جاريتين من الخُمس، وهو من غنائم حُنين، وإلا فالمتن الذي ساقه في هذا الباب ليس فيه ذكر لحُنين، ولا للخُمس، ولا للغنيمة، إنما فيه النذر فقط، لكن يقول ابن حجر: وجه دخول الحديث في باب غزوة حُنين ما سبق ذكره في الرواية السابقة، وعرفنا مرارًا أن البخاري –رحمه الله تعالى- يترجم بشيء ويورد تحته حديثًا، لا يشير فيه إلى ما يدل على الترجمة، وإنما يؤخذ ما يدل على الترجمة من طرق الحديث الأخرى كما هُنا.

الموضع الخامس: في الأيمان والنذور، باب إذا نذر أو حلف ألا يُكلم إنسانًا في الجاهلية ثم أسلم، باب إذا نذر أو حلف ألا يُكلم إنسانًا في الجاهلية ثم أسلم، قال –رحمه الله-: حدثنا محمد بن قاتل أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله وهو ابن مبارك، قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر -رضي الله عنه- قال يا رسول الله: إني نذرت.. عن ابن عمر أن عمر على ما تقدم من الحديث المسند ابن عمر، قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام، قال: «أوف بنذرك».

قال ابن حجر: قوله باب إذا نذر أو حلف ألا يُكلم إنسانًا في الجاهلية ثم أسلم، أي هل يجب عليه الوفاء أم لا؟

والمراد بالجاهلية، جاهلية المذكور، وهي حاله قبل إسلامه، وأصل الجاهلية ما قبل البعثة، وقد ترجم الطحاوي لهذه المسألة: من نذر وهو مُشركٌ ثم أسلم، من نذر وهو مُشرك ثم أسلم فأوضح المراد؛ لأن قوله: إني نذرت في الجاهلية، يحتمل أن يكون قبل البعثة، ويحتمل أن يكون.

المقدم: قبل الفتح.

لا

باعتباره أن مصطلح..

ويحتمل أن يكون في جاهلية عمر الخاصة، بعد بعثة النبي–صلى الله عليه وسلم- وقبل إسلامه، لكن كلام الطحاوي ترجم كما ترجم لهذه المسألة، من نذر وهو مُشركٌ ثم أسلم، فأوضح المراد، يعني جاهلية الناذر الخاصة، وذكر في حديث ابن عمر في نذر عمر في الجاهلية أنه يعتكف، فقال له النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أوف بنذرك».

قال ابن بطال: قاس البخاري اليمين على النذر، وترك الكلام على الاعتكاف، هُنا ترك الكلام على الاعتكاف، باعتبار أنه تقدم في أبواب من كتاب الاعتكاف، فمن نذر أو حلف قبل أن يُسلم على شيء يجب الوفاء به لو كان مسلمًا، فمن نذر أو حلف قبل أن يُسلم على شيء يجب الوفاء به لو كان مسلمًا، فإنه إذا أسلم يجب عليه، على ظاهر قصة عمر.

قالوا به يقول الشافعي وأبو ثور: كذا قال وكذا نقله ابن حزم عن الإمام الشافعي، والمشهور عند الشافعيّة أنه وجهٌ لبعضهم، وأن الشافعيّ وجُل أصحابه على أنه لا يجب أن يُستحب، وكما قال المالكية والحنفية، وعن أحمد في رواية أنه يجب، وبه جزم الطبري، والمُغيرة بن عبد الرحمن من المالكيّة والبخاري وداود وأتباعه..

قلت: -القائل ابن حجر- إن وجد عند البخاري التصريح بالوجوب قبل (يعني في موضع آخر)، وإلا فمجرد ترجمته؛ لأنه قال: بابٌ إذا نذر أو حلف ألا يكلم إنسانًا في الجاهلية ثم أسلم ما في شيء، ما ذكره، ما ذكر الحكم.

قال ابن حجر: إن وجد عند البخاري التصريح بالوجوب قُبل، وإلا فمجرد ترجمته لا يدل على أنه يقول بوجوبه؛ لأنه محتمل؛ لأنه يقول بالندب، فيكون تقدير جواب الاستفهام يُندب له ذلك، وقال القابسي: لم يأمر عمر على جهة الإيجاب، بل على جهة المشورة، كذا قال: وقيل أراد أن يعلمهم أن الوفاء بالنذر من آكد الأمور، فغلّظ أمره بأن أمر عمر بالوفاء، وإلا فالأصل على كلامه، أنه لا يجب عليه الوفاء، لكن ليبين لهم أنه يُؤمر بالوفاء من نذر في الجاهلية، فمن باب أولى أن يؤمر بالوفاء من نذر في الإسلام.

المقدم: أحسن الله إليكم ونفع بما قلتم معالي الشيخ، أيها الإخوة المستمعون الكرام، وبهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة، أتقدم في ختامها بالشكر الجزيل لمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، شكر الله لفضيلته، ولكم أنتم مستمعينا الكرام نفعنا الله بما نقول ونسمع، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وإلى لقاء بإذن الله.