كتاب المرضى والطب - 4

عنوان الدرس: 
كتاب المرضى والطب - 4
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب المرضى والطب من مختصر صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 10/ رمضان/ 1435 10:30 ص

سماع الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب والصلاة والسلام على رسول الله، نستكمل ما بدأناه بابٌ من لم يُرق

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

"باب من اكتوى وكوى وغيره" هذا نفسه.

أي نعم.

من أين أتى بالترجمة، هذه التي في البخاري على كل حال اقرأ الحديث لأن الأصل ما فيه ترجمة.

كأن الباب من أضيف للكتاب وليس في الصحيح كما أشار الشيخ

 فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت علي الأمم فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط والنبي ليس معه أحد حتى رفع لي سواد عظيم قلت ما هذا أمتي هذه؟ قيل هذا موسى وقومه، قيل انظر إلى الأفق فإذا سواد يملأ الأفق ثم قيل لي انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء فإذا سواد قد ملأ الأفق قيل هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب، ثم دخل ولم يبين لهم فخاض القوم وقالوا نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله فنحن هم أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام فإنا ولدنا في الجاهلية، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فخرج فقال هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون، فقال عكاشة بن محصن أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال نعم فقام آخر فقال أمنهم أنا قال سبقك بها عكاشة.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قبل هذه الترجمة ثلاث تراجم طواها المؤلف في اختصاره فالترجمة الرابعة عشرة يقول البخاري- رحمه الله تعالى- باب الحجامة على الرأس، والخامسة عشرة باب الحجامة من الشقيقة والصداع، والشقيقة وجع يأخذ في أحد جانبي الرأس أو في مقدمته، والباب السادس عشر باب الحلق من الأذى أي حلق شعر الرأس من الأذى، فإذا تأذى الإنسان بشعره فإنه يحلقه كما هو شأن كعب بن عُجرة وهو محرم حلق رأسه وفدى لأنه يؤذيه هوام رأسه، وكذلك إذا احتيج إلى حلق شيء من الرأس من أجل العلاج ليباشر علاج الجرح أو الحجامة فإنه لا مانع من ذلك، والأصل أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحلق شعره إلا في نسك، يعني شعر الرأس فكان النبي عليه الصلاة والسلام يربي الشعر فيصل أحيانًا إلى المنكبين وأحيانًا إلى فوق ذلك، وقد ينزل ومعروف الكلام في شعره عليه الصلاة والسلام، ولم يحفظ عنه أنه حلق شعره في غير النسك، وهنا باب الحلق من الأذى يعني حلق شعر الرأس إذا احتيج إلى ذلك يحلق على أن الحلق جائز لا إشكال فيه، لأن أولاد جعفر لما قتل أبوهم في مؤتة ورآهم النبي عليه الصلاة والسلام أمر بحلق رؤوسهم لحاجتهم إلى ذلك المقصود أن تربية الشعر اقتداء به عليه الصلاة والسلام إذا كان الإنسان مقتديًا به في جميع أفعاله وتصرفاته فيظن به أنه ربى الشعر اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، أما إذا كان مخالفًا له في مخالفات ظاهرة وتاركًا لواجبات ومرتكب لمحظورات ولم يبق إلا هذا فيقول أنا أقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام فالذي يغلب على الظن أنه اقتدى بغيره، ولو اقتدى به لفعل ما  أوجب الله عليه وترك ما حرم الله عليه. بعد هذا الترجمة التي تلي "من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو" يقول "عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أريد أن أنبه أنني في بداية الحديث عن الطب ذكرت أن كتاب ابن سينا اسمه الشفاء هذا الكلام وهم وسبق لسان الشفاء في المنطق والفلسفة أما كتابه في الطب فاسمه القانون يقول "عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت علي الأمم" يعني ليلة الإسراء وقيل بعد ذلك بالمدينة "فجعل النبي والنبيان يمرون ومعهم الرهط" يمرون معهم الرهط يعني دون العشرة "والنبي"يمر"ليس معه أحد" ممن دعاهم إلى ما بعثه الله به إليهم لعدم إيمانهم، وليس بقادح في النبي ألا يستجيب له أحد ولا يقدح في الداعية ألا يستجيب له أحد ولا يقدح في الآمر والناهي ألا يأتمر المأمور وينتهي المنهي، إنما عليه أن يبذل السبب فإذا بذل السبب فالنتائج بيد الله، وهنا النبي يأتي ليس معه أحد خلافًا لما يزعمه بعض المفتونين ممن ينتسب إلى الإسلام ويتكلم في قنوات وفي صحف يكتب في صحف يقول إن نوحًا عليه السلام فشل في دعوته، يقول: لم ينجح في دعوته؛ لأن أقرب الناس إليه ما استفاد من دعوته، هل يلزم من دعوة خير الناس خير البشر عليه الصلاة والسلام دعا عمه فلم يستجب ونزل في ذلك قول الله جل وعلا (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) فالداعية الرسول فمن دونه ممن يدعو إلى الله على بصيرة لا يلزم منه أن يستجاب له؛ ولذا يقدح كثير من أهل القيل والقال أهل الحديث في المجالس أكلة لحوم الأموات يقدحون في بعض العلماء يقول لو فيه خير ونفع نفع عياله نفع بناته نقول لا يا أخي ينسبون كبار أهل العلم إلى التقصير لأن بعض أولادهم ما استفادوامنهم ما كتب الله لهم هداية ولا كتب الله لهم شيئا من العلم فليس بقادح هذا فيهم، النبي يأتي وليس معه أحد، هل لأنه بُعث إلى غير قوم إلى غير أحد؟ لا، بعث إلى أناس إلى قوم قد يكون فيهم كثرة ويمكث فيهم ألف سنة أو أكثر، نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين ومع ذلك ما استجاب له إلا نفر يسير ابنه ما استجاب له زوجته ما استجابت فيقول فشل نوح في دعوته، والنبي عليه الصلاة والسلام فشل في الدعوة بمكة والطائف ونجح في دعوته بالمدينة هل مثل هذا الكلام يقال في جانب من عصمهم الله جل وعلا؟ في جانب الرسل في جانب أفضل الخلق وأشرف الخلق؟ نسأل الله السلامة والعافية يقول "حتى رفع لي سواد عظيم"يعني أشخاص من بعد أشباح كثيرة جدًا "سواد عظيم قلت ما هذا" يعني هذا السواد "أمتي هذه؟ قيل هذا موسى وقومه" هذا موسى وقومه ولا شك أن من استجاب لموسى خلائق لا يحصون  " فنظرت"فإذا سواد يملأ الأفق ثم قيل لي انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء" يعني من جميع الجهات ينظر "فإذا سواد" قد يملأ الآفاق جميع الجهات "قيل هذه أمتك" والمراد أمة الإجابة الذين استجابوا له عليه الصلاة والسلام وليس المراد بذلك أمة الدعوة "هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا بغير حساب"سبعون ألفًا بغير حساب، وجاء في بعض الروايات: مع كل ألف سبعون ألف، بل جاء في بعض الروايات وفيها كلام مع كل واحد منهم سبعون ألفًا، فإذا ضربت سبعين ألف في سبعين يطلع الناتج كبير جدًا، ولا شك أن هذه الأمة لها شأن ولها عند الله جل وعلا مزية على غيرها من الأمم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: أرجو أن تكون شطر أهل الجنة "هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفًا من غير حساب ثم دخل" النبي عليه الصلاة والسلام حجرته من غير أن يبين "ولم يبين لهم" لم يبين لأصحابه من السبعون ألفًا وما أوصافهم "فأفاض القوم" يعني في الحديث تداولوا الحديث فيما بينهم كل واحد يفسر المراد ويصف هؤلاء السبعين بأوصاف يراها خليقة وجديرة بهذا الوعد فخرج عليهم النبي عليه الصلاة والسلام قال بعضهم "نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله" يعني نحن السبعون ألفًا "فنحن" يعني معشر الصحابة "هم أو أولادنا الذين ولدوا في الإسلام" ما عبدوا غير الله جل وعلا "فإنا ولدنا في الجاهلية" النبي عليه الصلاة والسلام بلغه ذلك "فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم" ذلك القول "فخرج" من حجرته ولم يثرب عليهم لأن المسألة مسألة بحث لا مسألة جزم، وإذا جاء النهي الشديد عن تفسير القرآن بالرأي وعن تفسير كلام النبي عليه الصلاة والسلام والجزم بأن هذا مراده لكن إذا تليت آية أو ذكر حديث في مجلس من المجالس فقال بعضهم لعل المراد كذا أو لعل معنى الآية كذا أو لعل معنى الحديث كذا على سبيل الترجي لا على سبيل الجزم هذا لا بأس به ودليله هذا الحديث، وإلا فأهل العلم الكبار يتوقون الحديث أو التفسير لكلام الله جل وعلا مما لم يقفوا فيه على نص، وكذلك حديث النبي عليه الصلاة والسلام جدير بالتوقي حري بالتحري، النبي عليه الصلاة والسلام مبلغ عن الله فإذا جزمنا بأن هذا مراد النبي عليه الصلاة والسلام جزمنا بأن هذا مراد الله؛ ولذا يقول أهل العلم لا يتكلم في الحديث وفي معنى الحديث إلا من جمع بين معرفة الحديث ومعرفة لغة العرب، يعني لا يكفي أن يكون إماما في اللغة ثم يتكلم في الحديث، سئل الأصمعي وهو يحفظ كما قيل ستة عشر ألف قصيدة، قصائد منها ما يزيد على المئين من الأبيات سئل عن الصقب في قوله: الجار أحق بصقبه فقال: أنا لا أفسر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن العرب تزعم أن الصقب اللصيق يعني الجار الملاصق، هؤلاء أفاضوا في ذكر الأوصاف التي هي ممكن أن يطبق عليها الحديث وتداولوا فخرج عليهم النبي عليه الصلاة والسلام ولا أنكر عليهم "فخرج" من حجرته عليه الصلاة والسلام "فقال هم الذين لا يسترقون" يعني لا يطلبون من يرقيهم لأن السين والتاء للطلب، وجاء في بعض الروايات لا يرقون لكن حكم الحفاظ على هذه الرواية بأنها وهم لأن الراقي محسن على غيره فكيف يحجب عن هذه الميزة وهذه المنقبة والخصيصة لكونه محسنًا، نعم لا يسترقون مطلقًا يعني لا يطلبون أحدًا يرقيهم، وهذا هو مقتضى اللفظ، وبعضهم يقول: لا يسترقون برقى الجاهلية أما الرقى من الكتاب والسنة فلا يمنع منها مانع فلا تمنع من دخول الجنة بلا حساب، وأكثر أهل العلم على أنهم لا يطلبون الرقية مطلقًا ذكرنا بالأمس أن بعض الناس لا يطلب صراحة يقول يا فلان ارقني أو يذهب إلى الراقي ويطلب منه الرقية إنما يشير إشارة، يعني إشارة مُفهمة أنه يطلب الرقية فيفتح أزارير الثوب إذا قدم إليه شخص يزوره وعرف بصلاح ونحوه، فإن مثل هذا لا شك أنه قريب من التصريح، بعض الإشارات قد تكون أبلغ من العبارة لكن في الجملة الإشارة لا تأخذ حكم التصريح في كثير من المواضع بدليل أن أسماء بنت أبي بكر دخلت والناس يصلون صلاة الكسوف فأشارت إلى عائشة وهي تصلي كأنها تستشكل، فأشارت عائشة بأصبعها إلى السماء فنظرت فإذا بالشمس كاسفة فقالت آية فأشارت برأسها أن نعم، ولو نزلنا الإشارة منزلة التصريح لقلنا الصلاة باطلة فالإشارة لا تنزل منزلة الكلام وإن كانت مفهمة "لا يسترقون ولا يتطيرون" لا يتشائمون بالطيور ونحوها ولا تمنعهم ولا تردهم الطيرة، ولو وجد الإنسان في نفسه شيئا فإن الله جل وعلا يثيبه بالتوكل وسيأتي ما يقوله من أصاب قلبه شيء من ذلك "ولا يتطيرون ولا يكتوون" النبي عليه الصلاة والسلام كوى لكن هل اكتوى؟ أثبته القرطبي وجمع من أهل العلم ونفاه آخرون، وابن حجر يقول: لم أقف على خبر يدل على أنه اكتوى لكنه كوى والكي طب شرعي ثبتت به النصوص الصحيحة ومنها ما تقدم وما سيأتي لكن يتركون هذا السبب توكلا على الله جل وعلا. "ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" يدل على أن من أخذ بالعزيمة وقدر على الصبر على ذلك من غير تشكي أنه أفضل كما تقدم في حديث المرأة التي تصرع، فيفوضون أمورهم إلى الله جل وعلا "فقام عكاشة بن محصن" بعض الناس يتظاهر للناس أنه يتوكل على الله ولا يذهب إلى الأطباء ولا يسترقي ولا يفعل ولا كذا لا يذهب إلى الأطباء يخشى أن يكتشف فيه مرض يقلقه ويكدر عليه حياته فمن خوفه لا يذهب إلى الأطباء لا من شدة توكله على الله جل وعلا ،ويظهر للناس أن هذا أن الدافع والمانع له هو شدة عظم توكله على الله جل وعلا، لا شك أن مثل هذا كونه يباشر العلاج أفضل بكثير من كونه يظهر للناس خلاف ما يبطن، وعلى ربهم يتوكلون "فقام عكاشة بن محصن" الأسدي وكان ممن شهد بدرًا "أمنهم أنا يا رسول"وفي رواية: "ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت منهم" وهنا "قال صلى الله عليه وسلم نعم" أي أنت منهم "فقام آخر" يقول الخطيب البغدادي هو سعد بن عبادة ويقول بعض الشراح أنه من المنافقين لكن لا يلزم أن يكون من المنافقين "قام آخر فقال أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام سبقك بها عكّاشة" سبقك بها عكاشة قال ذلك عليه الصلاة والسلام حسمًا للمادة، يعني لما قال لعكاشة أنت منهم ثم قام هذا فقال سبقك لو قال أنت منهم ثم قال ثالث قال أنت منهم ثم قام رابع ما يستحق أن يكون منهم أنت لست منهم ثم تتسلسل المسألة ولا ينتهي فحسم المادة عليه الصلاة والسلام. الباب الثامن عشر باب الإثمد والكحل من الرمد

 وفيه عن أم عطية وذكر فيه حديث المحدة وأنها لا تكتحل بالإثمد فدل على أن غيرها له أن يكتحل بالإثمد الترجمة التي تليه التاسعة عشرة.

بابٌ الجذام

 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر وفِر من المجذوم كما تفر من الأسد".

يقول رحمه الله تعالى "باب الجذام" وهو كما يقول العلماء علة رديئة، سمي بذلك لتجذم الأصابع والأطراف وتقطعها يقول رحمه الله تعالى "عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفروفر من المجذوم كما تفر من الأسد"   "لا عدوى" كلام أهل العلم في هذا الحديث طويل جدًا وابن القيم أفاض فيه في مفتاح دار السعادة وغيره من أهل العلم أطالوا في شرح هذا الحديث فقوله لا عدوى لأهل العلم في ذلك مسالك، منهم من ينفي العدوى مطلقًا وهو مقتضى النفي هنا لا عدوى يعني لا يوجد عدوى فمخالطة المريض لا تختلف عن مخالطة الصحيح السليم، والصحيح السليم لا يتأثر بحال من الأحوال بمخالطة المريض، أحاديث تدل على عدم المخالطة والتحذير من المخالطة فر من المجذوم فرارك من الأسد لا يورد ممرض على مصح كما سيأتي، قالوا لا عدوى باق على عمومه في النفي، المرض لا ينتقل من المريض إلى الصحيح بحال مهما باشر منه، طيب الأحاديث التي تدل على العدوى قالوا لئلا يصاب الصحيح بنفس المرض فيقع في نفسه وقوع العدوى ووجود العدوى إذا أصيب بنفس المرض، والنبي عليه الصلاة والسلام نفى العدوى، فمن أصيب بنفس المرض لا بد أن يقع في قلبه أن العدوى موجودة فيكون بهذا خالف النص؛ فدفعًا لهذا الحرج خشية أن يقع في نفسه تكذيب الخبر قيل له لا تخالط المريض، فر من المجذوم، لا يورد ممرض على مصح، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له الإبل الصحيحة ترد إليها وتخالطها  الواحدة من الإبل وفيها شيء من الجرب فيعدي فيتعدى منها إلى أن يقال من أعدى الأول من أعدى الأول هذه طريقة من ينفي العدوى مطلقًا وموقفه من فر من المجذوم كما تفر من الأسد ولا يورد ممرض على مصح، قالوا إنه قد يقع فيه شيء من المرض فيظن وجود العدوى، والنبي عليه الصلاة والسلام قد نفى هذه العدوى فيقع في نفسه شيء من مخالفة الخبر، فحسمًا لهذه المادة قيل له لا تخالط المريض، والفريق الثاني وجمع من أهل العلم يقولون المنفي لا عدوى نفي سراية المرض بنفسه كما كانت الجاهلية تعتقد إن المرض يسري بنفسه من المريض إلى السليم وما عندهم إشكال في فر من المجذوم ولا في لا يورد ممرض على مصح؛ لأن العدوى موجودة لكن المنفي منها اعتقاد الجاهلية في كون المرض يسري بنفسه لا بتقدير الله جل وعلا فالنفي هنا لا شك أنه لنوع خاص من العدوى وهو ما كان يعتقده العرب في الجاهلية، وعلى كل حال هما طريقان لأهل العلم والذي نرى عليه الأطباء الآن هو أنهم يثبتون العدوى إذًا كيف تثبت العدوى والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لا عدوى، يكون النفي منصبا على عدوى معينة مخصوصة كانت العرب تزعمها وأن المرض يسري بنفسه، وأما إذا كانت السراية بإذن الله جل وعلا هذه لا تنفى، وهما مسلكان لأهل العلم منهم من يقول أنه لا عدوى في أي مرض من الأمرضا مطلقًا إلا في الجذام؛ لأنه قال في حديث واحد لا عدوى وفر من المجذوم، إذًا الجذام مخصوص من النفي العام وجميع الأمراض لا تعدي إلا الجذام، ولا شك أن الذي عليه الأطباء الآن هو القول الثاني و أن المخالطة سبب للانتقال لكنه ليس بسبب لازم، قد يتأثر السليم بمخالطة الصحيح بمباشرة هذا السبب وقد لا يتأثر لوجود مانع يمنع السراية من هذا المريض إلى الصحيح، وعلى كل حال الأمر فيه سعة مادام فيه خلاف لأهل العلم فالمسألة فيها سعة وهما قولان يمكن توجيه الحديث على ضوئهما وإلا فنحن نرى المرافقين يرافقون المرضى ويتولونهم ويباشرونهم مباشرة تامة ما ينتقل إليهم شيء من المرض وهذا كثير وقد يصاب، ولو طلبنا نسبة من يصاب إلى نسبة من لا يصاب مع المخالطة فلا شك أن النسبة كبيرة مع أن الأطباء يفرقون بين الأمراض ليست الأمراض على حد سواء عندهم "لا عدوى ولا طيرة" من التطير وهو التشاؤم وإذا أراد الواحد من العرب في الجاهلية سفرًا وخرج ومر به طائر عن شماله تشاءم فرجع إلى بيته، مر عن يمينه استمر في طريقه من السوانح والبوارح وهذه منفية لأن هذه الطيور لا علاقة لها ولا دخل لها في السعد ولا في النحس "ولا هامة" بالتخفيف كان العرب يتشاءمون بالهامة التي يسمونها البومة ومن وقعت على داره أو في بيته قالوا إنها تنعيه أو تنعي أحدًا من أهل بيته فيتشاءمون بها، ومنهم من يشدد فيقول هامّة والهامّة واحدة الهوام لكن الأكثر على التخفيف "ولا صفر" والشراح يختلفون في المراد به هل هو صفر الشهر المعروف الذي يلي المحرم؟ والعرب يتشاءمون بصفر كما أنهم يتشاءمون بالنكاح في شهر شوال يتشاءمون بصفر ماعلاقة صفر أو شوال ليكون له دخل وعلاقة في السعد والنحس وفي السعادة والشقاء؟ كان هذا اعتقادا سائدا في الجاهلية فنفاه النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهم من يقول أنه دابة أو دويبّة أو عشرة تصيب البطن يسمونها صفر، وعلى كل حال منهم من يقول هو ألم، ومنهم من يقول أنه دابة يتسبب عنها الألم، وعلى كل حال هو منفي سواء كان شهر أو الدابة أو الألم الذي يحدث في البطن يسمونه صفر "وفر من المجذوم كما تفر من الأسد"الأمر بالفرار من المجذوم هل لأن الجذام يسري والمصاب بمرض الجذام يعدي؟ أو لئلا يصاب الصحيح بهذا المرض فيقع في نفسه تكذيب الخبر فيقع في حرج عظيم؟أو أنه يسري بتقدير الله جل وعلا لا بنفسه؟ على ما تقرر سابقًا هذا الباب التاسع عشر، وأما الباب العشرون فيه باب المن شفاء للعين، حديث الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين إذا كانت من المن، إذا المن فيه شفاء للعين، وإن كان الترجمة أوسع من الحديث، المن يشمل الكمأة ويشمل غيرها وما يوجد في الأخص قد لا يوجد في الأعم، يعني كون الكمأة من المن لا يعني أن جميع أنواع المن فيه شفاء للعين، والحديث الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين. والباب الذي يليه الحادي والعشرين باب اللدود، وهو فيه حديث عائشة قالت لددناه صلى الله عليه وسلم في مرضه يعني لما تعب النبي عليه الصلاة والسلام لدوه فجعل يشير إلينا ألا تلدوني، يشير إليهم بعدم ذلك فقالوا كراهية المريض للدواء والا لا بد أن نلدوه أمرهم بالانصراف وعدم اللد لماذا؟ قالوا المريض يكره الدواء لكنه عليه الصلاة والسلام لما لدوه واللدود هو الدواء يصب في أحد جانبي الفم، لما أفاق عليه الصلاة والسلام أمر أن يلدوا كلهم إلا العباس لأنه لم يحضر، معاقبة بمثل الجناية. والباب الذي يليه الثاني والعشرون بدون ترجمة، بابٌ حدثنا فلان وجرت عادته- رحمه الله- أن يجعل مثل هذا الباب بمثابة الفصل من الباب الذي قبله، الباب الثالث والعشرون باب العذرة سبق أن العذرة وجع في الحلق يصيب الصبيان وأنه يعالج بالعود الهندي وتقدم، الرابع والعشرون باب دواء المبطون وتقدم حديث في العسل اسقه عسلاً والباب الذي يليه الخامس والعشرون سم.

بابٌ لا صفر

 وعنه رضي الله عنه في رواية قال قال أعرابي يا رسول الله فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الضباء فيدخل بينها البعير الأجرب فيدخل بينها فيجذمها قال فمن أعدى الأول؟

قوله رحمه الله "بابٌ لا صفر" ثم بعد ذلك أورد حديثا لا يدل على الترجمة،: يقول باب لا صفر وعرفنا أنه داء يأخذ البطن وهذا جزم به البخاري، قال هو داء يأخذ البطن، قال بعضهم هي حية تكون في البطن أو دودة، وبعضهم قال هو الشهر المعروف على ما تقدم، في الحديث الذي أورده "وعنه" يعني في الحديث السابق عن أبي هريرة "في رواية" للحديث السابق، هو يريد من القارئ أن يستحضر الحديث السابق وجرت عادته رحمه الله أنه لا يأتي بالشيء الصريح، ما قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صفر ليطابق الترجمة، عادته أن يأتي بالشيء الغامض ويترك الصريح من  أجل أن يشحذ ذهن القارئ، ترجم لا صفر والحديث ليس فيه لا صفر، نقول لا بد أن ترجع للحديث الذي قبله، في البخاري باب النهي عن رفع البصر إلى السماء وقول الله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) المفترض أن يأتي بالآية التي تليها: وإلى  السماء ترك الآية الصريحة وأتى بالآية الخفية الغامضة، وهذا من دقيق نظره؛ لأن كونه يأتي بالآية الثانية ما يحتاج القارئ إلى أن ذكر الآية، يفهم الناس لأن الآية صريحة، كيف يقول أفلا ينظرون إلى الإبل والنهي عن رفع البصر إلى السماء، يشير إلى أمر يخفى على كثير من الناس: أن الناظر إلى الإبل وهي أرفع منه بكثير اضطر إلى النظر إلى السماء هذا خفي غامض دقيق ويترك الصريح هذه عادته رحمه الله، فهو بطريقته هذه يولد لدى القارئ ولدى المتفقه على كتابه ملكة تجعله يستخرج الدقائق والأمور الخفية ما يحتاج إلى عناء "وعنه رضي الله عنه في رواية قال أعرابي يا رسول الله" مع أن منهم من قال إن الإبل من أسماء السحاب والذي ينظر إلى السحاب ينظر إلى السماء "قال أعرابي يا رسول فما بال إبلي ثم قال لا عدوى قال الأعرابي ما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الضباء" يعني في غاية الصحة والسلامة والعافية والقوة والنشاط كأنها الضبا "فيدخل بينها البعير الأجرب فيجربها" يريد أن يستدرك على قوله عليه الصلاة والسلام لا عدوى "قال النبي عليه الصلاة والسلام فمن أعدى الأول؟" من الذي أعدى الأول؟ وهذا جواب في غاية البلاغة من أين جاء الجرب إلى الذي أعدى إبلك بزعمك؟ فإن أجابوا من بعير آخر لزم التسلسل إن قال أعداه بعير آخر طيب البعير الآخر من أعداه بعير آخر إلى آخره تسلسل ما يمكن تصير في النهاية آخر واحد، من الذي أعداه لا بد أن ينقطع أو يكون بسبب آخر، فليفصحوا به، يعني لما يقول الطبيب هذا المريض أعدى المرافق طيب من الذي أعدى المريض؟ نفس الجواب، فلا شك أن مثل هذا ينبغي النظر إليه بعناية، نعم الاحتياطات مطلوبة وكون الإنسان لا يعرض نفسه إلى ما يكون مريضًا بسببه أو يقع في حرج مخالفة الحديث كل هذا مطلوب، ولذلك قال: فر من المجذوم فرارك من الأسد الذي يليه.

بابٌ ذات الجنب

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة والأذن قال أنس كويت من ذات الجنب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وشهِدني أبو طلحة وأنس بن النضر وزيد بن ثابت وأبو طلحة كواني.

يقول رحمه الله تعالى "باب ذات الجنب" يقول ابن حجر في تعريف ذات الجنب قال ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع، وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة وتقدم ذكرها، تقدم ذكر ذات الجنب قال"وعن أنس رضي الله عنه أنس بن مالك رضي الله عنه قال أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بيت من الأنصار" هم آل عمرو بن حزم أن يرقوا يعني "بأن يرقوا"أذن لهم بالرقية "من الحُمَة" وهو إصابة ذوات السموم يعني من لدغ الحية والعقرب وما أشبه ذلك "والأذن" أي من وجعها من الحُمَة "والأذن" يعني من وجع الأذن "فقال أنس كُويت من ذات الجنب" أذن بالرقية من الحُمَة والأذن، واستشكل ذلك مع قوله لا رقية إلا من عين أو حُمَة، أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل بيت من الأنصار بأن يرقوا من الحمة والأذن هذا لا شك أنه يستشكل مع حديث لا رقية إلا من عين أو حمة فقول لا رقية إلا من عين هذا ما يحتاج إلى إذن، فكيف يؤذن لهؤلاء خاصة أن يرقوا من العين والحمة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لا رقية إلا من عين أو حمة؟ ففيه إذن للناس كلهم فكيف يخص أهل هذا البيت من الأنصار بالرقية من العين والحمة أو من الحمة والأذن مع أنه لا رقية إلا من عين أو حمة؟ وهذا إذن للجميع، ولا شك أن هذه أمثلة للأمراض التي تفيد فيها الرقية، وإن كانت الرقية مفيدة في جميع الأمراض، لكن هذه الأمراض دخولها أولي في الانتفاع بالرقية؛ ولذا قال لا رقية إلا من عين أو حمة، وقال في الحديث إن من الحمة والأذن، أجيب باحتمال الرخصة بعد المنع لا رقية، ولا يسترقون، ثم بعد ذلك رخص بالرقية من الحمة والأذن، ومن أيضًا العين والحمة أو لا رقية نفعها أكثر من نفع الرقية من العين والحمة، ولم يرد بذلك نفي الرقية مطلقًا بدليل أنه رقى عليه الصلاة والسلام ورقاه جبريل، وقال: اعرضوا علي رقاكم فدل على أن الرقية نافعة والقرآن شفاء وفيه شفاء، فقال أنس كُويت من ذات الجنب كويت مبني للمجهول "من ذات الجنب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي" يعني ولم ينكر عليّ، وإذا أرادوا أن يستدلوا على مشروعية شيء فعلوه قالوا فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون تقريره عليه الصلاة والسلام لهذا الفعل دليل على جوازه "وشهدني أبو طلحة وأنس بن النضر وزيد بن ثابت وأبو طلحة كواني"يعني باشر الكي، أبو طلحة شهد وباشر الكي، قال ابن حجر: لم أر في أثر صحيح أنه عليه الصلاة والسلام اكتوى إلا أن القرطبي نسب إلى كتاب أدب النفوس للطبري أنه عليه الصلاة والسلام اكتوى وذكره الحليمي بلفظ اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد، وقال الحافظ ابن حجر: الثابت في الصحيح كما في غزوة أحد يعني من صحيح البخاري أن فاطمة أحرقت الحصير فحشت به جرحه، ولكن يختلف هذا الصنيع عن الكي يعني حشت به الجرح بعد أن طفئت عنه النار، والكي النار موجودة فلا يمكن أن يحمل على أنه اكتوى بصنيع فاطمة- رضي الله عنها- ولكن لا شك أن هذا يختلف عن الكي المعهود. الترجمة التي تلي هذه رقم سبع وعشرين باب حرق الحصير ليسد به الدم يعني لإيقاف الدم يحرق الحصير وهذا في قصة جرحه عليه الصلاة والسلام في أحد التي أشرنا إليها آنفًا.

باب الحمى من فيح جهنم

 عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها كانت إذا أتيت بالمرأة قد حُمَّت تدعو لها أخذت الماء فصبته بينها وبين جيبها فقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نبردها بالماء.

يقول رحمه الله تعالى "باب الحمى من فيح جهنم" يعني من شدة حرها وسطوعه ووهجه ونسبة الحمى إلى جهنم قيل حقيقية، يعني هذه مما يعذب به أهل جهنم، لكن على هيئة تختلف لأنه ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، فهي حقيقية يعني مما يعذب به أهل النار هذه الحمى فنسبتها إلى جهنم حقيقي، ومنهم من يقول أنها من باب التشبيه والجمع الحرارة في كلٍّ، وجاء في حديث الإبراد بصلاة الظهر إذا اشتد الحر فأبردوا فإن شدة الحر من فيح جهنم، فجهنم أذن لها لما اشتكت إلى الله جل وعلا وأن بعضها أكل بعضا أذن لها بنفسين نفس في الصيف فأشد ما يوجد من الحر من هذا النفس وأشد ما يوجد من البرد في الشتاء فهو من نفس الزمهرير، نسأل الله السلامة والعافية يقول "عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قال كانت إذا أتيت"مبني للمفعول بالمرأة "قد حمت تدعو لها" يعني إما تدعو برفع هذه الحمى أو ترقيها، والرقية نوع من الدعاء "أخذت الماء فصبته بينها"يعني بين جسد المحمومة "وبين جيبها" يعني فتحة الثوب العليا أو مع أي جهة يكون فيها فتحة ككم ونحوه، قالت أسماء "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نبردها بالماء" لأنها حرارة، والحرارة تبرد بالماء، في حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: الحمى من فيح جهنم فأطفؤوها بالماء فأمر بإطفاء حرارتها بالماء شربًا وغسلاً للأطراف، فتبين بهذا أنه غسل على وجه مخصوص لا اغتسال جميع البدن؛ لأن بعضهم يذكر أن في غسل المريض غمسًا كاملاً في الماء يذكر فيه ضررًا وله نتائج سيئة، يعني تغسل الأطراف ويصب شيء من الماء على بعض البدن فيمتص هذه الحرارة، وبعض الأطباء إذاجيء بالطفل وقد ارتفعت حرارته قال اغمسوه بالماء والأمر إليكم؛ لأن هذا مسألة تجارب يعني أن الشراح يقولون أن بعضهم يقول أن غمس المريض كاملاً بالماء يضره.

طالب: هو الله يحفظك المقصود منه أن ملامسة الماء للجسد تمتص الحرارة من الجسد وهذا إذا امتصت الحرارة من الجلد فإنه الحرارة الداخلية تنقص بنقصان الدم الذي يصير للإطراف فالأمر أعتقد أن فيه سعة سواء كان صبًا بالجيب أم يعني طلب منه أن يستحم لكن الذي تجدر الإشارة إليه أنه لا ينبغي أن يكون باردًا أو مثلجًا كما يعمل به في كثير من المستشفيات هذا في الحقيقة لا ينصح به لأنه يسبب تقلص في الأوردة التي ملامسة للجلد فتبقى الحرارة الداخلية وتبرد الأطراف ولا يؤدي الغرض المقصود منه.

جزاك الله خير. الترجمة التي تلي هذه رقم تسعة وعشرين: باب من خرج من أرض لا تلائمه وذكر البخاري رحمه الله تعالى في هذه الترجمة حديث العرنيين لما قدموا إلى المدينة واجتووها واستوخموها وجدوا أن الجو لا يناسبهم فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يخرجوا من المدينة وأن يلحقوا بإبل الصدقة والحديث تقدم ذكره مرارا.

باب ما يذكر في الطاعون

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون شهادة لكل مسلم.

يقول رحمه الله تعالى "باب ما يذكر في الطاعون" الطاعون بوزن فاعول مشتق من الطعن، ويطلق على الموت العام كالوباء، قال في النهاية: هو المرض العام الذي يفسد بسببه الهواء ويفسد به أيضًا الأمزجة والأبدان، ويقول عياض: أصل الطاعون القروح الحادثة في الجسد، الطاعون لا شك أنه وباء عام شامل، ووقع الطاعون نسأل الله السلامة والعافية وإن كان الطاعون فيه شهادة كما في حديث الباب وقع على مر التاريخ مرارا، وذهب بسببه خلائق، من ذلك الطاعون عماواس في السنة الثامنة عشرة وذهب به جمع من خيار الصحابة، وباعتباره شهادة كما في هذا الحديث فالميت بالطاعون شهيد، يقول أهل العلم إذا نزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون- يستثنون الطاعون لأنه شهادة- فإن الإمام يقنت في الفرائض، وهذا قنوت النوازل، فالطاعون لا يدعى برفعه إذا وقع لكنه لا يدعى بوجوده وحصوله، كالنهي عن تمني لقاء العدو، وإصابة الأمراض مكفرة لكن لا يحسن بالإنسان ولا يليق بالمسلم أن يدعو على نفسه بمرض أو شبهه ولو ترتب على هذا المرض تكفير السيئات، بل يسأل الله العافية، ويمكن أن تكفر سيئاته وهو صحيح سليم معافى باجتناب المحرمات، بفعل الحسنات، بفعل الواجبات، وترك المحرمات تكفر به السيئات، (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) فليس التكفير خاص بهذه الأمراض ليدعو الإنسان على نفسه بها، يعني إذا سمع شخص أن من مات وله ثلاثة من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم يدعو على ثلاثة من أولاده بأن يموتوا من أجل أن يحصل له، لا لكن إذا حصل عليه يرضى ويسلم، فالطاعون شهادة فلا يدعى بحصوله ولا يدعى برفعه إذا حصل، وإذا حصل بأرض والمسلم موجود فيها لا يجوز له أنه يخرج وإذا وقع بأرض لا يجوز له أن يقدم عليها "عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون شهادة لكل مسلم" أي يصاب به ووقع التقييد بثلاثة قيود وذكرت هذه القيود في حديث عائشة الذي يلي هذا الباب في صحيح البخاري ذكرت في حديث عائشة ثلاثة قيود وفيه: فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد، فلا بد أن يمكث وأن يصبر ويحتسب وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه الأمراض العامة التي يموت بسببها خلائق مثل ما يسمى في بلادنا سنة الرحمة، سنة ألف وثلاثمائة وسبع وثلاثين مات في نجد ألوف مألفة خلائق بعض البيوت كلها خلت وأغلقت أبوابها لايوجد أحد ويصلى في الوقت الواحد على سبعين ثمانين ممن يموت بهذا الوباء، فمثل هذه الأوبئة التي تكتسح البلدان لا شك أن لها ثوابها وأجرها العظيم. الترجمة التي تلي هذه الباب الحادي والثلاثون يقول: باب أجر الصابر على الطاعون وذكر فيه حديث عائشة، الترجمة التي تليها اثنان وثلاثون باب الرقى بالقرآن والمعوذات، والترجمة التي تليها ثلاث وثلاثون باب الرقى بفاتحة الكتاب وذكر قصة أبي سعيد أنه لما لدغ كبير القوم الذين استضافهم أبو سعيد فلم يضيفوهم لدغ سيدهم فطلبوا من يريقه فرقاه أبو سعيد بفاتحة الكتاب فبرئ وأخذوا الجعل ثلاثين رأسًا الغنم، والباب الذي يليه رقم أربعة وثلاثون باب الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب يعني مشارطة من يقرأ عليه، أبو سعيد ومن معه نزلوا هذا المكان وطلبوا الضيافة فلم يضيفوهم فلدغ كبيرهم ومقدمهم فقال أبو سعيد لا نرقيكم إلا بكذا اتفقوا على ثلاثين رأسا من الغنم، هذه مشارطة، وضربوا للنبي عليه الصلاة والسلام بسهم، وقال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله، وليس في هذا مستمسك لمن يجعل الرقية وظيفة له يتكسب من ورائها لكنه إذا رقى واستفاد المرقي من رقيته وأخذ منه شيئًا لا مانع، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله، وليس من عادة ولا طريقة ولا ديدن خيار الأمة أنه تفرغ لرقية بحيث يكون مصدر دخله الرقية، ما عرف هذا في سلف هذه الأمة، فليست مهنة تمتهن لكن من يستطاع أن ينفع أخاه فلينفعه، وإذا كان بحاجة إلى أخذ أجرة على هذه الرقية ولم تكن هي وظيفته ولا مهنته ولم يتفرغ لها فإنه لا يوجد ما يمنع من ذلك والباب الخامس والثلاثون تفضل.

بابٌ رقية العين

 عن عائشة رضي الله عنها قالت أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر أن يسترقى من العين وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال استرقوا لها فإن بها النظرة.

يقول رحمه الله تعالى "باب رقية العين" يعني رقية المريض الذي أصيب بسبب العين "عن عائشة رضي الله عنها قالت أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر" أمرني أو أمر غيره هذا شك "أن يسترقى من العين" يعني تطلب الرقية ممن يعرفها بسبب العين، وفيه مشروعية الرقية لمن أصيب بالعين، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغسل منه المعين أو يغتسل منه المعين أو تغسل أطرافه، على كل حال هذا دواء شرعي وهو في سنن أبي داود الحديث الذي يليه "عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة" سواد بقعة سواد أو حمرة يعلوها سواد أو صفرة بسبب النظرة وهي العين "فقال استرقوا لها فإن بها النظرة" العين كما قال ابن حجر في فتح الباري نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر، بعض الناس يقول أنه مادام ما فيه شيء مباشر ولا يرى شيء ينتقل من مكان إلى مكان كيف تحصل العين؟ يقول نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر، وقال بعضهم إنما يحصل ذلك من سَم سَم وسُم وسِم مثلثة السين وأفصحها الفتح من سم، يحصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون، ونظير ذلك كما قال ابن حجر أن الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، يدها مغسولة بالصابون نظيفة ما فيها شيء تضعه في اللبن فيفسد ولو وضعته بعد طهرها لم يفسد، وأن الصحيح ينظر في عين الأرمد فيرمد ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب، يعني انتقال أمور معنوية من جسم إلى جسم، لكن وضع اليد من الحائض في اللبن يحتاج إلى استقراء يحتاج إلى تتبع، مثل هذا ليس هناك ما يدل عليه، بل الحائض في هذا الباب هي كالطاهر سواء بسواء، أما التثاؤب وانتقاله إلى غير المتثائب فهذا مجرب، يعني لو تثاءب واحد في المجلس تجد الذي يليه يتثاءب، تجد الثالث يتثاءب، وهكذا، ومن الحيل أن يؤتى بقرد لسرقة محل، والمحل فيه حارس وهذا جرب من حيل الأشرار ومن حيل اللصوص يأتي بقرد ثم إذا كان الحارس صاحي ما فيه إشكال، ثم يتثاءب القرد، يتثاءب، ثم يتثاءب، وينام الحارس فيأخذ القرد ما يشاء لا شك أن هذه من حيل الأشرار، والتثاؤب ينتقل من شخص إلى شخص ويسري من شخص إلى آخر وإن كان أمرًا معنويًا. الترجمة رقم ستة وثلاثين تلاحظون يا إخوان أننا نمشي مشي سريع حثيث لأن الطب أحاديث كثيرة جدًا ولا أريد أن نترك شيئًا منها ستة وثلاثين "العين حق" وفيه حديث أبي هريرة بهذا اللفظ العين حق فلا تنكر الحديث في الصحيح في البخاري، والواقع يشهد بذلك وقضايا كثيرة بسبب العين حصلت حصل بسببها ما يفضي بالمعين إلى الموت، وأنكر ذلك طوائف من المبتدعة لغير معنى، كيف تسري هذه العين وتؤثر ما فيه شيء محسوس يدل على هذا لكن الواقع والنص الشرعي يدل على ذلك سبع وثلاثين سم.

باب رقية الحية والعقرب

 عن عائشة رضي الله عنها قالت رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة.

يقول رحمه الله "باب رقية الحية والعقرب" أي مشروعية ذلك قال "عن عائشة رضي الله عنها قالت رخص النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة" يعني من كل ذي سم من لدغ ذوات السموم والرخصة إنما تكون بعد النهي لأن الرخصة ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، بخلاف العزيمة التي ما ثبت على وفق الدليل الشرعي، الرخصة إنما تكون بعد النهي وكان صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الرقى فانتهوا عنها ثم رخص لهم إذا عريت عن  شيء من رقى الجاهلية التي تليها.

باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم

 عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا.

يقول رحمه الله:"باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم" يعني التي كان يرقي بها، الرقية بالفاتحة شرعية ثابتة، في الصحيح الرقية بالمعوذات الرقية بمثل هذا المذكور في هذا الباب يقول عنها يعني "عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول للمريض بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا"

"تربة أرضنا" يعني المدينة لبركتها ومنهم من يقول كل أرض من أراض المسلمين يصدق عليها أنها أرضنا "تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا" يقول النووي كان صلى الله عليه وسلم يأخذ من ريق نفسه بأصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها من التراب فيمسح بها على الموضع الجريح أو العليل ويتلفظ بهذه الكلمات "تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا" يمسح بها على الموضع الجريح أو العليل ويتلفظ بهذه الكلمات في حال المسح، ولا شك أن هذا من الأدوية النبوية والرقى الشرعية. الترجمة التي تلي هذه رقم تسعة وثلاثين: باب النفث في الرقية، جاء النفث، وجاء النفخ، وفي هذا رد على من كره النفث مطلقًا تمسكًا بقول الله جل وعلا (ومن شر النفاثات في العقد) جاء النفث على سبيل الذم؛ لأن من يستعمله أو ممن يستعمله السحرة فكره النفث، لكن النفث يستعمل على وجه صحيح ويستعمل على وجه فاسد، فعلينا أن نستعمل الوجه الصحيح ونترك الوجه الفاسد، بعض الناس يكره ما يخرج من فم الراقي سواء كان على بدنه أو على وجهه أو على مائه الذي ينفث فيه فهذه الكراهية حقيقة لا أثر لها إن أراد الشفاء فليقبل ولو نفخ نفخًا بدون ريق كفى، لكن بعض الناس لا يمكن أن ينفخ إلا ويخرج منه شيء. الترجمة التي تليها: باب مسح الراقي الوجع بيده اليمنى وتقدم في حديث ابن مسعود أنه وضع يده على النبي عليه الصلاة والسلام، وفي الباب الذي يليه باب المرأة ترقي الرجل، وفيه حديث رقية عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ثقل عن رقية نفسه، كان النبي عليه الصلاة والسلام يرقي نفسه فثقل عن رقية نفسه فكانت ترقيه وتمسح بدنه بيديه ؛لأن بدنه فيه بركة دون من سواه، والمرأة ترقي الرجل إذا كان من محارمها فعائشة زوجته لا يؤخذ بهذا على إطلاقه كما أن الرجل يرقي المرأة من محارمه وإذا لم تكن من محارمه وأمنت الفتنة وحصل الاحتياط لهذا الأمر بحضور المحرم فالأمر فيه شيء من السعة، لكن حسم المادة أولى فالمرأة ترقيها المرأة والرجل يرقيه الرجل، وكم من كارثة حصلت بسبب التساهل في هذا الباب؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وقد تكون المرأة المرقية فيها شيء مما يغري الراقي، والراقي وإن كان الأصل فيه أن ظاهره الصلاح إلا أنه ليس بمعصوم، وقد حصل بعض الوقائع من بعض الرقاة لا سيما وأنه قد امتهن هذه المهنة الشريفة، امتهن بعض غير الأكفاء فحصل منهم ما حصل، المقصود أن المرأة ترقي الرجل إذا كان من محارمها والعكس، ولا ينبغي أن يسترسل في رقية النساء للرجال والعكس. الباب الذي يليه رقم اثنين وأربعين باب من لم يرق نفسه ولا رقاه غيره وذكر حديث السبعين الألف الذين لا يسترقون. والباب الذي يليه رقم ثلاثة وأربعين باب الطيرة وذكر فيه حديث لا عدوى ولا طيرة والمناسبة ظاهرة رقم أربعة وأربعين باب الفأل.

بابٌ الفأل: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا طيرة وخيرها الفأل قالوا وما الفأل يا رسول قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم.

نعم يقول رحمه الله تعالى "باب الفأل" بفاء ثم همز وقد تسهل فيقال الفال الفال وتعريفه قال وما الفأل؟ قال: الكلمة الصالحة إلى آخره، تعريفه منصوص عليه في الحديث ويتداول بين الناس أن الإنسان إذا أتى بخبر وألقاه على شخص قال: فال الله ولا فالك هذا مجرد خبر يعني نقل إليه خبر فهل مثل هذا الكلام مقبول أو غير مقبول؟ ما معنى فال الله؟

طالب: ..............

يعني المقصود به الدعاء أن مثل ما أخبرت به لا يحصل وإنما يحصل نقيضه من الخير، المعنى وإن كان صحيحا لكن ينبغي أن يحتاط فيما يتلفظ به مما فيه ذكر لله جل وعلا ،لا بد من الاحتياط يقول "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا طيرة وخيرها الفأل"خيرها إضافة الخير للطيرة يدل بل يشعر بأن الفأل من جملة الطيرة لأن الإضافة تقتضي هذا، خيرها الفأل خيرة الطيرة إذًا هو منها لكنه مستثنى "قالوا وما الفأل يا رسول الله قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" كالمريض يسمع شخصًا يدعو شخصًا اسمه سالم يقول: سالم يتفاءل بهذا الاسم، طالب الحاجة يدعو شخصًا اسمه واجد مثلاً أو موصوف بكذا المقصود أن مثل هذه الكلمات التي تسمع يتفاءل بها، لكن ضد ذلك التشاؤم يوجد في بعض الجهات إذا فتح المحل في أول الصباح ثم جاء أول زبون مسفر الوجه منور الوجه يتفاءل به وينشرح صدره، نعم هذا فأل لا بأس لكن إذا جاءه شخص على العكس من ذلك في بعض الجهات إذا كان أول من يدخل على المحل رجل أعمى أو أعور يغلق الباب ويمشي ويقفل المحل هذا التشاؤم فلا يجوز أما الفأل "قالوا وما الفأل يا رسول الله قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" مثل ما قلنا كالمريض يسمع شخصًا يدعو سالمًا فيتفاءل بالسلامة أو فاقد الحاجة وطالبها يسمع يا واجد فيتفاءل بوجود حاجته، "روى أبو داود عن عروة بن عامر قال ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خيرها الفأل ولا ترد مسلمًا فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيآت إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله".

 الباب الذي يليه رقم خمسة وأربعين باب لا هامة وأورد فيه حديث لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، والمناسبة ظاهرة تفضل.

بابٌ الكَهانة

 عن أبي هريرةرضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصابت بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة فقال ولي المرأة التي غرمت كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما هذا من إخوان الكهان.

يقول رحمه الله تعالى "باب الكهانة" والكهانة إدخالها في مثل كتاب الطب لا شك أنهم في الجاهلية يوجد خلط بين الطب والعلاج والكهانة والشعوذة يعني هي مزيج واستمر مع الأسف وجود مثل هذا الأمر مقترنا بالطب؛ لأن من الأطباء من يتطبب وليس بطبيب لكنه يتذرع بالطب ويصرف أدوية ومركبات ويدخن أدخنة ويتكهن للناس ويزعم أنه عراف ومنجم ويعرف الأمور الغيبية كل هذه مرتبط بعضها ببعض في الجاهلية واستمرت إلى يومنا هذا، لا تجد شخصا ساحرا أو كاهنا ما عنده إلا السحر أو الكهانة تجده يظهر للناس أنه راقي مثلاً وقد يرقيهم بفاتحة الكتاب، وقد يكتب لهم فاتحة الكتاب على ورقة، أو على جام، أو على صحن، ويتركهم يشربونه وقد يكتب لهم آية الكرسي، وكل هذا من باب التلبيس على الناس وثبت بالتجربة أن هؤلاء أعني السحرة لا يكتبون القرآن على وجهه إلا وفيه دخن، فبعضهم يمزج الحبر بالبول تقربًا إلى الشياطين؛ لأن معاملته مع الشياطين، وتجده عنده أدوية وعلاجات معروفة يلبس بها على الناس فمن هذه الحيثية أدخلت الكهانة في باب السحر، وقد يدخل في هذا الباب الكيمياء، يعني في كتب الطب غير الكيمياء ما جاء لها أثر أو خبر صحيح من الحديث أو من أقوال الصحابة والتابعين من أجل أن تدخل في مثل هذا الكتاب، لا إنما يذكرون الكيمياء ويذمونها ذمًا شديدًا وهي نوع من الشعوذة والسحر لا أعني الكيمياء الموجودة الآن القائمة على التجارب،  لكن فيما ذكره أهل العلم ويحكمون بتحريمها ويحذرون منها هي قلب الأعيان إلى أضدادها يقلب الحجر إلى ذهب والعكس هذا سحر، فتدخل في السحر، وتكلم عليها أهل العلم ونصوا على تحريمها وهنا يقول باب الكهانة وهي بكسر الكاف ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجني السمع من الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن وقد يطلق على العراف والمنجم، الآن إطلاق ادعاء علم الغيب المبني على مقدمات يعني مثل ما يقال درجة الحرارة غدًا كذا غدًا فيه رياح شديدة، وغدًا فيه كذا، لا شك أن هذا غيب لأنه لا يعلم ما في الغد إلا الله جل وعلا فحقيقة هذا مشكل، إلا أنهم في الأخير بدؤوا يقرنون هذا بمشيئة الله، وكل هذا بأمر الله وقدر الله، ويبنون على مقدمات قد تصدق وقد لا تصدق، على كل حال هذا الأصل ألا يوجد، ولو كانت مقدماته مبنية على رصد سابق من سنوات ماضية أو ارتباط بفصول السنة أو ما أشبه ذلك الأصل ألا يوجد؛ لأنه يوجِد لبسا على عامة الناس ويدخل ويلج من خلاله بعض من يدعي الغيب فإذا قال بأن شيئًا سيحدث قيل أنتم في إذاعتكم تقولون غدا فيه رياح، وإذا اختلط الحق بالباطل وجب منع الجميع، فحسم هذه المادة أمر لا بد منه، يقول "عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا" الاقتتال هنا مضاربة بينهما اقتتلتا من هذيل مدركة بن إياس فرمت إحداهما" وهي أم عفيف بنت مسروح الأخرى" مليكة بنت عويمر "بحجر فأصاب الحجر بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها" أسقطت مات الولد وسقطت "فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة" ما في بطنها سواء كان ذكر أو أنثى أو خنثى "غرة عبد أو أمة" أو هذه شك أو تقسيم؟ تقسيم وليست بشك وتقدر الغرة بعشر دية الأم، بخمس من الإبل "فقال ولي المرأة التي غرمت" يعني قتلت الجنين وقضى عليها النبي عليه الصلاة والسلام قال وليها وهو زوجها حمل بن مالك الهذلي "كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟" يعني هذا فيه شيء وفيه غرامة وهو ما نطق "من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا  استهل" يعني ما صاح عند ولادته نزل من بطن أمه ميتًا فكيف نغرم قيمة مثل هذا "فمثل ذلك يطل" يعني مثل هذا يهدر ما له قيمة، وروي ومثل ذلك بطل بالباء من البطلان، وهو يريد أن يعترض على الحكم الشرعي، النبي عليه الصلاة والسلام عذره بجهله لكنه "قال عليه الصلاة والسلام إنما هذا من إخوان الكهان" يعني حمل هذا من إخوان الكهان لأنهم هم الذين عرفوا بمواجهة الحق بالباطل وأكثر كلامهم سجع؛ ولذا جاء في بعض الروايات أن هذا من سجع الكهان لمشابهة كلامه كلامهم، وفي الحديث ذم للكهان ومن تشبه بهم ولو لم يكن منهم حيث يستعمل السجع في إبطال الشرع وتمسك بهذا من يرى ذم السجع مطلقًا، فبعض العلماء أخذ من هذا الحديث ذم السجع مطلقًا لأنه من فعل الكهان ولا شك أن السجع المتكلف مذموم لماذا؟ لأنه في الغالب يكون على حساب المعاني أما غير المتكلف فليس بمذموم، وجاء في بعض الأحاديث جمل مسجوعة ولا شك أنه من حلية الكلام إذا لم يكن متكلفًا، وعلى كل حال هو من البيان حسنه حسن، وما ينصر به الحق لا شك أنه ممدوح، وما ينصر به الباطل فهو من المذموم، وجاء في الباب الذي يليه إن من البيان لسحرًا ونتكلم عليه في وقته لكن التراجم التي ذكرها المؤلف بعد ذلك الإمام البخاري قال: بابٌ يعني سبع وأربعين باب السحر وقول الله تعالى: (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) وذكر فيه سحر النبي عليه الصلاة والسلام فاليهود سحروه وسمّوه أيضًا. والذي يليه باب الشرك والسحر من الموبقات، وفيه حديث اجتنبوا السبع الموبقات. والذي يليه باب تسعة وأربعين باب يستخرج السحر وفيه النشرة. والذي يليه رقم خمسين باب السحر كذا في بعض النسخ وسقطت الترجمة لبعضهم وهو الصواب؛ لأنها تقدمت فيه برقم سبع وأربعين الترجمة واحد وخمسين تفضل.

بابٌ إن من البيان لسحرًا

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قدم رجلان من أهل المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما فقال رسول الله صلى الله عليه إن من البيان لسحرًا أو إن بعض البيان سحرًا.

يقول رحمه الله تعالى في هذا الباب"بابٌ إن من البيان سحرًا" يعني بدون اللام المؤكِّدة، وجاء بعض الروايات مقرونة باللام لام التأكيد وبعضها مجردة قال "عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قدم رجلان" قال ابن حجر لم أقف على تسميتهما صريحًا "من أهل المشرق" يعني من جهة المشرق، والمشرق ما كان شرق الحجاز وهذان قدما من العراق "فخطبا" يعني من أطراف العراق مما يلي جزيرة العرب "فخطبا فعجب الناس لبيانهما" فعجب الناس لبيانهما "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرًا"يعني بعض البيان سحر أو "إن بعض البيان سحرًا" فمن هذه تبعيضية، يقول الخطابي: البيان نوعان أحدهما ما يقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان يعني مما يبين المراد، والثاني: ما دخلته الصنعة بحيث يروق للسامعين ويستميل قلوبهم ويدخله الذم والمدح، فإذا نصر به الباطل فهو مذموم، وإلا فهو ممدوح، يعني تشبيه البيان بالسحر بجامع أن كلاً منهما له تأثير، والشخص الذي لديه من البيان ما لديه من القوة لا شك أن بعض البيانيين وبعض الخطباء يلعب بعقول السامعين ويؤثر فيهم تأثير السحر، فإذا استعمل هذا البيان في نصر الحق فهو ممدوح، وإذا استعمل في نصر الباطل فهو مذموم، ومن أهل العلم من يذم البيان مطلقًا ومنهم من يمدحه مطلقًا، على كل حال على حسب ما يؤول إليه ويستعمل فيه فنصر الحق مطلوب، فإذا استعمل في المطلوب فهو مطلوب، وإذا استعمل في المذموم فهو مذموم، الترجمة التي تلي هذه رقم اثنين وخمسين باب الدواء بالعجوة للسحر وفيمن اصطبح بسبع تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر، يعني التصبح بسبع تمرات، يعني أكلها في الصباح قبل كل شيء البداءة بها في الصباح لم يضره في ذلك سَمٌّ ولا سحر، وبعض الأحاديث مطلقة وبعضها مقيدة أو نقول أن بعض الأحاديث عامة وبعضها خاصة، جاء التمر من دون ذكر لجنسه ولا بلده وجاء بالتقييد عجوة، وجاء تقييده بكونه من تمر العالية، مع أنه جاء من تصبح بسبع تمرات وترا لم يضره ذلك اليوم سَم ولا سحر، ليس فيه تخصيص لا للعجوة ولا لتمر العالية يعني تمر المدينة، فمن أهل العلم من يرى التخصيص ولا شك أن الإنسان إذا قدر على أن يحقق هذه الأوصاف المذكورة أو هذه الأفراد المذكورة من أفراد التمر فهو أولى؛ لأنه لا يذكر الخاص مع ذكر العام إلا للاهتمام بشأن الخاص والعناية به، ولكن إذا لم يجد فليصطبح بسبع تمرات ليشمله النص العام، وإذا رجعنا إلى قواعد الترجيح هل نقول أن النص على العجوة من العالية قيد يقيد به المطلق أو هو فرد من أفراد المطلق؟ يعني تمر العالية فرد من أفراد التمر؟ التمر له أكثر من ألف صنف منها هذا الصنف فهو فرد من أفراده أو نقول أن العجوة وصف من أوصاف التمر؟ فإذا قلنا فرد من أفراده قلنا ليس فيه تخصيص؛ لأن التنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص إذا ذكر بحكم موافق لحكم العام، إذا قلنا هذا وصف قلنا لا بد من تقييد المطلق بالمقيد وحمله على عمومه لا شك بالنسبة لمن تعذر عليه العجوة وتمر العالية أنه يصطبح بأي تمر كان يشمله النص العام. الترجمة ثلاثة وخمسين: باب لا هامة، وفيه حديث لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة مع أنه تقدم برقم خمسة وأربعين فهذه الترجمة مكررة ويقال فيها مثل ما قال ابن حجر أن الأولى حذف هذه الترجمة؛ لأنها توجد في بعض النسخ دون بعض وإذا وجدت بحروفها لا داعي لذكرها الترجمة رقم أربعة وخمسين تفضل.

باب لا عدوى

 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يردن ممرض على مصح.

يقول رحمه الله تعالى "باب لا عدوى" وتقدم تفسير العدوى والمراد بها ومسالك أهل العلم في النفي يقول "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوردنّ" بنون التوكيد الثقيلة وفي بعضها بالخفيفة لا يوردنْ "ممرَض أو ممرِض على مصح" يعني صاحب إبل مريضة لا يوردها على صاحب إبل صحيحة فلا تورد الإبل المريضة على الصحيحة فالنهي هنا لا يورد إبله المريضة على إبل غير الصحيحة فربما تصاب بذلك المرض فيقع في المحظور في مخالفة لا عدوى، وتقدم الكلام في العدوى هل تسري أو لا تسري؟ ومسالك العلماء في ذلك، والترجمة رقم خمسة وخمسين باب ما يذكر في سَم النبي صلى الله عليه وسلم وفيه حديث الشاة المسمومة حينما أضافه اليهود، أضافوا النبي عليه الصلاة والسلام فقدمت له امرأة من اليهود شاة مسمومة فأثر فيه السم عليه الصلاة والسلام لكن الله -جل وعلا- نجاه منه.

باب شرب السم والدواء به وما يخاف منه والخبيث

 وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا أبدًا ومن تحسى سمًا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدا فيها أبدًا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يلجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى "باب شرب السم" ونكرر ما قلناه مرارًا أن هذه التراجم ليست من صنيع المختصِر إنما هي في الأصل في البخاري فنقلها المحققون الذين نشروا هذا المختصر إلى أماكنها من المختصر مع أنه حصل لهم أوهام، أحيانًا يذكرون الترجمة والحديث غير الحديث الذي ذكره البخاري في هذه الترجمة يقول "باب شرب السم والدواء به وما يخاف منه والخبيث" أي الدواء الخبيث، السم قاتل والدواء به لا يجوز لأنه قاتل لكن وضع نسبة منه لا تقتل لا تقتل الإنسان بل تقتل الجرثومة التي في الإنسان هذا مجرب ومادام جُرب ولا يضر فإنه لا مانع من استعماله، يعني يوضع في مركب وهو مستعمل لقتل الجراثيم ولا تقوى هذه النسبة لقتل الإنسان مع أن الأصل أن السم قاتل والدواء به وما يخاف منه يعني أي دواء تخاف منه لا يجوز لك أن تقدم عليه، يعني أعطاك الطبيب دواء، أعطاك مضاد خمسمائة وما اعتدت، كل ما ذهبت إلى الأطباء بما فيهم المهَرة الذين ترتاح لهم يعطونك مائتين وخمسين فأعطاك هذا خمسمائة، لا يجوز أن تقدم على هذا الدواء وأنت تخاف منه حتى تتأكد أن جسدك يناسب هذا الدواء، فأي دواء تولجه وتدخله في بطنك وأنت لم تتأكد أنه أو يغلب على ظنك أنه يضرك فإنه لا يجوز لك أن تقدم عليه، وما يخاف منه والخبيث لا يجوز التداوي به "وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من تردى" أي أسقط نفسه "من جبل فقتل" أي تعمد قتل "نفسه فهو في نار جهنم"تعمد قتل نفسه وإلا فمجرد التردي لا يدل على تعمد يعني لو طلع على الجبل وتردى من غير قصد فهذا لا يدخل في الحديث لكن لو رقي على الجبل وفي نيته أنه ينتحر فهذا يدخل في الحديث "فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" يعني إن لم يعف الله عنه واستحل ذلك يكون مرتدًا وحكمه الخلود في النار، لكن إن لم يستحل ذلك يعرف أنه فعل محرما لكنه ضاقت به الأرض بما رحبت وأراد أن يرتكب هذا المحرم لا شك أن الوعيد شديد فهو في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها، والخلود لا يعني البقاء الدائم وإنما يراد به طول المقام كما جاء في القاتل عمدا في سورة النساء "ومن تحسى سَمًا فقتل نفسه" به "فسَمَه في يده يتحساه" يتجرعه "في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ" يعني يطعن "بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" والمراد بذلك المكث الطويل أو هو محمول على من استحل ذلك ولا شك أن هذا من أحاديث الوعيد التي تمر كما جاءت؛ لأنه أبلغ في الزجر ويستغل مثل هذه الأحاديث الخوارج الذين يكفرون الناس بكبائر الذنوب، وعلى كل حال هذا الحديث من أحاديث الوعيد فإن استحل ذلك كفر وصارخلوده الدائم حقيقة، وإلا فالمراد بالخلود طول المقام، وينبغي أن ينبه إلى أنه لا يوجد في النصوص أو لا أعرف نصا شرعيا يبيح للإنسان أن يباشر قتل نفسه مهما كان السبب، يتسبب في قتل نفسه لا بأس،  يوجد سببًا يقرب من المباشرة وجد له أصل، يعني الغلام الذي سيقت قصته قصة المدح في شرعنا دلهم على كيفية قتله لكنه ما باشر قتل نفسه فدلهم على السبب ولم يباشر وهذا السبب قريب جدًا من المباشرة لكنني لا أعلم نصا يبيح المباشرة لقتل النفس قد يستدل بقول الله- جل وعلا- الفتنة أشد من القتل فإذا خشي الإنسان أن يعرض لفتنة يرتد بسببها ويفقد رأس ماله بسببها يفقد الدين يموت على كفر فقد يقال إن مثل هذا قد يباح له في مثل هذه الصورة إذا جزم بأنهم يفتنونه عن دينه ويموت على غير الإسلام، مثل هذا مع أن الإكراه مستثنى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) ومن خشي أن يفضي بمعلومات تضر بالمسلمين بحيث إذا أسر وضغط عليه أفضى بمعلومات تضر بالأمة مثل هذا أفتاه من أفتاه بأن ينتحر لأن هذا ارتكاب لأخف الضررين، وأما بالنسبة لي فلا أعلم نصًا شرعيًا يبيح للإنسان أن يباشر قتل نفسه وإن كان في قوله: (والفتنة أكبر من القتل) (والفتنة أشد من القتل) فيه ما قد يومئ بأن الإنسان إذا خشي على دينه بحيث يجزم بأنه يموت على غير الإسلام طائعًا مختارًا لا مكرهًا فإن له أن يقتل أو يمكن من قتله أو يتحرش بمن يقتله فيكون متسببًا والله أعلم. بعد هذا الباب رقم سبعٍ وخمسين باب ألبان الأُتن، والأتن جمع أتان وهي أنثى الحمار ألبان الأتن كانوا يعالجون بها ويتداوون بها من السعال من الكحة، وباب ألبان الأتن ما ورد فيها شيء بخصوصها لكن الحُمر الأهلية حُرِّم أكلها، وقال النبي عليه الصلاة والسلام إنها رجس، ومادامت محرمة الأكل لحمها حرام وهي رجس يعني نجسة إذًا ألبانها محرمة ولا تتداووا بحرام إذًا التداوي بألبان الأتن محرم بخلاف ألبان الإبل كما تقدم ثمان وخمسين.

باب إذا وقع الذباب في الإناء

 وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء.

هذا الباب الأخير من كتاب الطب يقول المؤلف رحمه الله تعالى أعني الإمام البخاري "باب إذا وقع الذباب في الإناء" يعني فما الحكم؟ والذباب جمعه ذِبان كغربان ويختلفون في سبب  التسمية منهم من يقول ذباب من التذبذب من كثرة الحركة والاضطراب، ومنهم من يقول أنه من ذُبَّ فآب، ذب يعني طرد فرجع، وعلى كل حال هذا لا يعنينا لأنه حشرة معروفة لا تخفى على أحد "وعنه رضي الله عنه" الضمير يعود إلى راوي الحديث قبل السابق والسابق أيضًا وهو أبو هريرة رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم"وفي رواية في طعام أحدكم وفي رواية في شراب أحدكم "فليغمسه كله" فيما وقع فيه لمقابلة الداء بالدواء "ثم ليطرحه" يعين يلقيه بعد استخراجه من الإناء "فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء" يعني أنفس الناس لا سيما مع توافر النعم وكثرتها تعاف مثل هذا الأمر فهل يأثم من عافت نفسه مثل هذا الطعام وهو يجد الطعام فيه كثرة أو هو يحتاج إلى كوب أو كوبين أو ثلاثة أو خمسة من الشاي فوقع في واحد فأراقه يلام أو ما يلام؟ يعني هل غمسه في الإناء من باب التعبد مما يطلب شرعًا؟ يعني في وقت الشح هذا يختلف، يعني الناس سيشربونه؛ لأنه مشروب ما هو أشد منه لكن مثل هذا الأمر في قوله فليغمسه ثم ليطرحه هل يترتب عليه أن يأكل هذا الطعام أو يشرب هذا الشراب؟وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال فدل على أنه إذا غمسه ثم طرحه يشرب ما في الإناء وكون النفس تعاف أو لا تعاف فهذا أمر يرجع إلى الشخص نفسِه، لا سيما مع كون الأثر قد يكون كلا شيء بالنسبة لحال الناس اليوم، وعلى كل حال الخبر صادق ولا يتخلف، وخبر المعصوم لا بد من تحققه، قد يقول قائل لووجدنا هذا الذباب وأحضرناه أمام المجاهر والمكبرات التي تجعل المكروبات التي لا ترى أضعاف أضعاف ألوف من أحجامها والذباب يرى بالعين المجردة فإذا وضعناه تحت المجهر فما وجدنا شيئا هل نقول أن الخبر ليس بصحيح؟ نقول صحيح وصدق الله وكذبت آلاتكم وقد أثبت الطب أيضًا أن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء لكن في أي الجناحين يكمن الداء وفي أي الجناحين يكمن الدواء؟ يقول ابن حجر: لم يقع في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء من غيره لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر فعُرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، يقع على جناحه الأيسر فعُرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء، والمناسبة في ذلك ظاهرة؛ لأن الشمال في الغالب للأمور المستقذرة والجانب الأيمن للأمور المستحسنة، وفيه دلالة على أن الذباب لا ينجس بالموت؛ لأنه إذا وقع في شيء حار وغُمس مات ولو كان يموت وينجس نجّس ما باشره فدل على أنه لا ينجس بالموت ولا ينجس ما وقع فيه، وطرده العلماء وألحق به العلماء كل ما لا نفس له سائلة والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وأرجو من الإخوة أن يعذرونا على هذا الاختصار الشديد لأن هذا ما يناسب الوقت اللهم صلى على محمد.

نعتذر عن بقية الأسئلة ونود أن ننبه الإخوان إلى أن الشهادات للحضور ستسلم في القاعة المجاورة وأن الدورة مسجلة وموثقة وقد وافق فضيلة الشيخ مشكورًا على طباعتها وعرضها عليه في ختام اللقاء أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزل الأجر والمثوبة لشيخنا العلامة الشيخ عبدالكريم وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته وأن يبارك في علمه وعمله وأن ينفع به الإسلام والمسلمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ارفع الملف الصوتي للأسئلة والأجوبة: 
س: 
الحقيقة لدينا بعض الأسئلة فسنقتصر على سؤالين منها نظرًا لانشغال البعض والشيخ لديه التزام حفظكم الله يا شيخنا فضلاً تعرفنا استخدام القسط الهندي أو البحري.
ج: 

هو استعاط استعاط مع مع الأنف كذا لأن عندنا واحد من الإخوان طبيب طبيب ومن خيار طلاب العلم ويزاول هذه المهنة الكيفية يا شيخ.
طالب: ....................
ينقع بماء؟
طالب: ....................
يعني من الداخل أو برى؟
طالب: ....................
من الداخل.
طالب: ....................
يمكن عن طريق الغرغرة أو يذر وهو جاف مسحوق أو يستعط به كما هو الأصل من طريق الأنف.
طالب: ....................
جيد يعني التبخر به بأن يوضع على الجمر فيتصاعد منه دخان وأبخرة يمكن أن تستعط هذه فيطابق ما جاء في الخبر.

ارفع الملف الصوتي للأسئلة والأجوبة: 
س: 
بعض الأطباء النفسيين يزهِّد في الرقية الشرعية من خلال المبالغة في ذكر أخطاء القراء وكذلك يذكر في أن القرآن لا يشفي مرض الانفصام الشخصي فما حكم ذلك؟
ج: 

الرقية الدلالة على نفعها قطعي جاء في الكتاب والسنة وننزل من القرآن ما هو شفاء وننزل من القرآن وأهل العلم يقولون أن من هذه بيانية فالقرآن كله شفاء وبعض العلماء يقول إنها تبعيضية فبعض القرآن شفاء للأمراض وبعضها للأحكام وبعضها للآداب إلى غير ذلك يعني كما أن الآية هذه لا يستنبط منها حكم لكن يستنبط منها أدب يستنبط منها علاج قلبي يستنبط منها علاج البدن وهكذا قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء وكيف يقال أن الرقية لا تنجع ولا تنفع؟ إلا تنفع والذي يقول ذلك لا شك أنه يزهد بما أشاد الله به ورسوله عليه الصلاة والسلام ولا شك أن مثل هذا هو متهم في الجملة حينما يزهد في الرقية من أجل أن يأتيه الناس للكسب ولو اعتمد الناس هذه الرقية وتركوه لا شك أنه متضرر فقوله لا يقبل في مثل هذا إنما المرجع في ذلك لأهل العلم وكون الساحة يوجد فيها من يستغل مثل هذا الأمر ويستعمله على غير وجهه لا يعني إلغاء الحكم الأصلي وهذا في جميع أبواب الدين يعني لو وجدنا شخص ظاهره الصلاح ويستغل هذا الظاهر في فساد لا يعني أن كل من ظاهره الصلاح يعمل مثل هذا وإن كان بعض المغرضين يتذرع يفرح أن يقع من من ظاهره الصلاح أدنى هفوة فيعمم بها سائر الناس وهذا أمر يتشوف إليه كثير من الناس من القِدم يعني شهر بن حوشب وهو من الرواة ومن القراء اتهم بسرقة خريطة وضُعف في رواية الحديث من أجل هذا وهو ليس بمعصوم قد يسرق الخريطة لكن الشاعر ماذا قال؟ ماذا قال الشاعر؟ كيف؟
فمن يأمن القراء بعدك يا شهر؟
فمن يأمن القراء بعدك يا شهر
جعل كل الناس كل القراء سراق هذا الكلام صحيح بعض من في قلبه مرض يفرح أن يجد على أهل الالتزام والاستقامة أدنى مخالفة فيعممها على الجميع وقعت مخالفة في التحفيظ قال كل طلاب التحفيظ وكل مقرئ التحفيظ على هذه الطريقة ما هو بصحيح هذا لا شك أن هذه أقول بغض ما جاء عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام وهذا خطر عظيم.
لقد باع شهر دينه بخريطة . فمن يأمن القراء بعدك يا شهر .
والله المستعان.

ارفع الملف الصوتي للأسئلة والأجوبة: 
س: 
ما الدليل على عدم جواز الدعاء برفع الطاعون؟
ج: 

أهل العلم قالوا ونصوا على أن الطاعون لا يطلب رفعه لأنه شهادة لأنه شهادة وقالوا إذا نزلت بالمسلمين نازلة فيقنت الإمام يعني نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض أي نازلة كانت الطاعون باعتباره الشهادة وماذا يرجو الإنسان من بقائه في هذه الدنيا إلا الازدياد من الحسنات وتكفير السيئات فإذا حصلت له هذه الشهادة وكُفرت سيئاته وضمنت له الجنة فبقاؤه في الدنيا لا قيمة له.

ارفع الملف الصوتي للأسئلة والأجوبة: 
س: 
آخر سؤال هل يصح أن يقال أن العسل مضر في بعض الأحوال كاستخدامه لمن عنده قرحة أو استخدامه للطفل أقل من سنة قد يسبب نوعًا من الشلل فهل هذا يعارض ما ورد في الكتاب أن الشفاء بالعسل؟
ج: 

إذا ثبت بالتجربة أنه ضار لبعض الناس فيتقى ولا يمنع أن يكون الأصل فيه النفع قد يتضرر به بعض الناس كما أن التمر مفيد وجاء مدحه وذكره ومع ذلك هو ضار بالنسبة لبعض الناس يعني النصوص التي جاءت في التمر هل يقال للمريض بالسكر كل تمر وأنت تتضرر به؟ بعض الناس يتضرر بالخبز مثلاً كذلك يتضرر باللبن كذلك فإذا ثبت بالتجربة أن هذا يتضرر من هذا الدواء الذي جاء مدحه في الكتاب والسنة فمعناه أن أنه الأصل فيه النفع وقد يكون في بدن هذا من التركيب ما يأبى هذا النفع ما يأبى هذا النفع والنبي عليه الصلاة والسلام قال أردت أن أنهى عن الغيلة أردت أن أنهى عن الغيلة والغيلة إرضاع الصبي أثناء الحمل حمل الأم وعندنا في بلادنا الصبي يتضرر النبي عليه الصلاة والسلام قال أردت أن أنهى عن الغيلة فإذا فارس والروم يغيلون ولا يتضررون الدين عالمي للناس كلهم وكم نسبة من في هذه الجزيرة إلى سائر الناس؟ نسبتهم قليلة والحكم للغالب ومادام غالب الناس ما يتضرر لا ينهى عن هذا ويبقى أن من يتضرر ينهى رفعًا للضرر وبعض من في قلبه مرض كتب عن هذا الحديث قال إن الثقافة الإسلامية والديانة المحمدية مزيج من الثقافات ومن المعارف والعلوم في الديانات الأخرى فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن ينهى فاستفاد من فارس والروم من علوم فارس والروم استفاد فلم ينه عن الغيلة فصار لعلومهم دخل في الأحكام الشرعية نقول الدين عالمي وغالب الناس خارج هذه الجزيرة فإذا كانوا لا يتضررون لا حاجة للنهي فمن يتضرر ينه والذي لا يتضرر لا ينه والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.