تنقيح الأنظار في معرفة علوم الآثار (01)

عنوان الدرس: 
تنقيح الأنظار في معرفة علوم الآثار (01)
عنوان السلسلة: 
تنقيح الأنظار في معرفة علوم الآثار
تاريخ النشر: 
خميس 12/ جمادى الآخرة/ 1436 6:45 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سم.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف-رحمه الله تعالى-:

الحمد لله الذي رفع أعلام علوم الحديث.

المؤلف-رحمه الله-بدأ قبل ذلك كما في المخطوطة بالبسملة، الأصل أن المحقق يثبت البسملة ويثبت بعدها رب يسر وأعن على التمام؛ لأن المخطوطة فيها هذا الكلام: "بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن على التمام الحمد لله الذي رفع" وترك البسملة وما بعدها لا شك أنه خلل في التحقيق؛ لأن الأمانة العلمية تقتضي أن يذكر جميع ما في الأصل، إذا كان فيه مخالفة شرعية كالتبرك كما يوجد أحيانا في المقدمات فمثل هذا يعلق عليه، يعني يبقى كما هو ويعلق عليه، ويبين الصواب ويفند الباطل.

عفى الله عنك.

قال المؤلف- رحمه الله تعالى-:

"بسم الله الرحمن الرحيم، رب ويسر وأعن على التمام، الحمد لله الذي رفع أعلام علوم الحديث، وفضل العلم النبوي بالإجماع على شرفه في قديم الزمان والحديث، اشترك في الحاجة إليه والحث عليه القرابةُ والصحابة والسلف والخلف، فهو علم قديم الفضل، شريف الأصل، دل على شرفه العقل والنقل، واعتضد الإجماعان عليه من بعد ومن قبل، والصلاة على خاتم الرسل، وعلى آله خير أهل، وعلى أصحابه كنوز الفضل وسيوف الفصل، وبعد فهذا مختصر يشتمل على مهمات علوم الحديث واصطلاحات أهله ولا غنى لطالب هذا العلم عن معرفته أو معرفة مثله.

بركة.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف- رحمه الله تعالى- "بسم الله الرحمن الرحيم" ابتدأ بالبسملة؛ اقتداء بالقرآن الكريم وبالنبي -عليه أفضل الصلاة والتسليم- في مكاتباته، فتبتدأ الكتب بالبسملة؛ لأنها ملحقة بالرسائل، كما أنه دعا بالتيسير والإعانة على إتمام ما شرع فيه من كتاب يبين فيه مسائل علوم الحديث، ثم بعد ذلك حمد الله- جل وعلا- كما في القرآن وكما في خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- فالكتب تشبه الرسائل من وجه وتشبه الخطب من وجه، فالكتب المجردة عن الخطبة يقتصر فيها على البسملة كصحيح البخاري، ليس فيه خطبة وليس فيه حمدلة، وإنما اقتصر الإمام- رحمه الله تعالى- على الحمدلة، والكتب التي تفتتح بخطب يجمع بين البسملة والحمدلة، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- في مراسلاته يسمي ولا يحمد، وفي خطبه يحمد، فإذا كان الكتاب مشتملا على الأمرين لأنه بمثابة الرسالة من المؤلف إلى طلاب العلم يبتدأ بالبسملة وفيه خطبة كهذا وإن كانت مختصرة، وصحيح مسلم فيه خطبة افتتحت بالحمدلة اقتداء بخطب النبي -عليه الصلاة والسلام- ويجمع بينهما، والقرآن الكريم فيه الجمع بين البسملة والحمدلة، وجاء في الحديث المختلف فيه من حديث أبي هريرة وغيره «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر» ولفظ الحمد حسنه ابن الصلاح والنووي وغيرهما، بخلاف سائر الألفاظ كالبسملة والصلاة على النبي والتشهد وما أشبه ذلك كل هذا لا يثبت فيه شيء، وحكم جمع من أهل العلم على الحديث بجميع طرقه وألفاظه بالضعف، ولا يعني أنه إذا حكم على حديث بضعف أنه لا يُعمل بمقتضاه لأمر آخر؛ لأن بعض الناس يقول إذا كان الخبر لا يثبت ولا يجوز العمل بالضعيف مطلقا فإننا لا نبسمل ولا نحمد، مادام الخبر بجميع طرقه وألفاظه ضعيفا لماذا نذكر البسملة نحن نعمل بالضعيف؟! أو نذكر الحمدلة والخبر فيها ضعيف؟! نقول لا، يا أخي، لا يعني كون الخبر الدال على مسألة خاصة ألا يعمل بما سواه من الأمور العامة، يعني مع الأسف أن بعض الناس يضيق عطنه بمثل هذا، مادام لم يثبت فيها شيء لماذا نذكر؟ واطلعنا على كتاب في العقيدة وبكل أسف يقول: كانت الكتب التقليدية يُبدأ فيها بالبسملة والحمدلة كأنه لا يوجد في هذه المسألة إلا هذه الأحاديث الضعيفة فمثل هذا لا شك أنه قصور في النظر، يعني أنت ضاق نظرك في هذه المسألة، الرسول -عليه الصلاة والسلام- وقبله القرآن الكريم مفتتح بالبسملة والحمدلة، ويكفي الاقتداء به ولو لم يرد في المسألة نص خاص، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يسمي، والبسملة مشروعة في كثير من الأمور في ابتدائها، ويحمد الله- جل وعلا- في كثير من الأمور، وهذا ذكر يثاب عليه الإنسان فلا معنى لقول من نفاه، ونظير ذلك بعضهم يرجح تضعيف ما جاء في المكث في المكان الذي يصلى فيه الصبح مع الجماعة والانتظار إلى ارتفاع الشمس ثم صلاة ركعتين وأنه يعدل حجة وعمرة تامة ويقول هذا الحديث مضعف، نقول نعم ضعفه كثير من أهل العلم، ويقول: إذا كان ضعيفا لماذا أجلس بعد صلاة الصبح؟ وتجده يعتب على من يجلس، وإذا جلس إذا كان لديه اطلاع على حال النبي -عليه الصلاة والسلام- وأنه كان يجلس إلى أن ترتفع الشمس كما في صحيح مسلم يقول: لماذا نصلي والخبر ضعيف؟ أقول لماذا لا نصلي صلاة الضحى؛ لأنه إن ثبت الخبر فبها ونعمت، وإن لم يثبت صلاة الضحى ونجلس اقتداء بفعله -عليه الصلاة والسلام- على فرض أن الخبر لم يثبت مع أنه قابل للتحسين ، ويقول بعضهم لبعض تريد أن نخرج أو تصلي صلاة العجائز صلاة الإشراق؟! يعني سبحان الله! إذا ضاق ذهن الإنسان فلا حيلة، وإلا فالجلوس ثابت من فعل النبي -عليه الصلاة والسلام- وصلاة الضحى ثابتة بأحاديث كثيرة فليس لهذا القول معنى، نعم إذا كان لا يرى ثبوت الخبر ولا يريد أن يصلي صلاة الضحى في هذا الوقت ويريد أن يصليها بعد أن تحتر الشمس؛ لأن صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال فلا يلام، لكن لو ثبت الخبر فاته الأجر، وابن القيم- رحمه الله- لما ذكر حال المقربين وحال الأبرار ذكر أن المقربين يجلسون بعد صلاة الصبح حتى تنتشر الشمس ثم يقومون، وذكر أن الأبرار لا ينصرفون حتى يصلوا ركعتين، وكأن الخبر لم يثبت عند ابن القيم، لكن الفرق بين المقربين والأبرار أن المقربين سوف ينصرفون إلى عبادات أخرى، يذهبون إلى بيوتهم أو إلى مدارسهم وأماكن تعليمهم فيصلون ما كُتب لهم أن يصلوا، وأما الأبرار ينصرفون إلى أعمالهم وأمور دنياهم فقد ينشغلون عن صلاة الضحى وهذا الذي يجعلهم يؤدونها لئلا ينشغلوا عنها، أما المقربون فإنهم لن ينشغلوا عنها لأنهم من عبادة إلى عبادة كما ذكر ابن القيم- رحمه الله- في الجدول الذي رسمه من طريقتهم في طريق الهجرتين.

يقول- رحمه الله- "الحمد الذي رفع أعلام علوم الحديث" رفع الأعلام: الأعلام جمع علم، وهو الجبل، فرفع هؤلاء الأعلام الذين هم كالجبال الذين لهم العناية بعلوم الحديث، "وفضّل العلم النبوي" وهو ما يضاف إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير أو وصف، وما يعين على فهم هذا العلم الشريف، "وفضّل العلم النبوي بالإجماع على شرفه في قديم الزمان والحديث" قد يقول قائل كيف يُفضَّل العلم النبوي ويُجمَع على شرفه في قديم الزمان والحديث وما يتعلق بالقرآن أعظم؛ لأن القرآن أعظم؟ فضّل على ماذا؟ يعني على سائر العلوم، أو أنه ذكر فضله وأشاد به وأجمع العلماء على شرفه في قديم الزمان والحديث، وهنا يخلو المقال عن التفضيل عن المُفَضَّل عليه، إنما هذا علم أُجمع على شرفه ولا يعني أنه أشرف مما هو أشرف منه وهو القرآن الكريم أو ما يتعلق به، لا شك أن القرآن كلام الل،ه وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، سائر المتكلمين، والسنة وحي كما قال الله- جل وعلا-:   النجم: ٣ - ٤  هذا بالنسبة لكلام الله وكلام رسوله -عليه الصلاة والسلام- أمَّا ما يتعلق بما يخدم القرآن كالتفسير فلا يخلو من أمرين أو من حالين، الأول: أن يكون بالأثر التفسير بالأثر، والثاني: أن يكون بالنظر والرأي فإن كان بالأثر فهو داخل هنا صار من العلم النبوي وإن كان بالنظر والرأي المجرد عن الأثر صار من القسم المذموم؛ ولذا قد يدعي بعض من يتخصص بالقرآن وعلوم القرآن وينشغل بالتفسير عن الحديث ويقول نحن أهل الله وخاصته عنايتنا بالقرآن نقول نعم إذا كان إذا كنت ممن يعتني بتفسير القرآن بالأثر نعم أنت من أهل الله وخاصته، وإن كنت ممن يشتغل عن ذلك بالرأي الذي جاء التحذير منه فلست من هؤلاء، فأنت إلى أهل الكلام أقرب منك إلى أهل إلى أهل القرآن، "وفضّل العلم النبوي بالإجماع على شرفه في قديم الزمان وحديثه" ولم ينازع في شرف علوم السنة أحد، "اشترك في الحاجة إليه والحث عليه القرابة والصحابة" اشتركوا هذا بالنسبة للسلف، القرابة الآل آل البيت والصحابة الذين عايشوا النبي -عليه الصلاة والسلام- ورأوه مؤمنين به وناصروه ونشروا دينه من بعده وحملوا العلم عنه، فلا شك أن القرابة لهم شأن في الإسلام، وهم وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة لهم فضل على من جاء بعدهم من التابعين فمن دونهم لأنهم بواسطتهم وصل الدين إلى من بعدهم، "والحث عليه القرابة والصحابة" والتنصيص على القرابة وإفرادهم من بين الصحابة لا شك أن البيئة لها أثر وإن كان التنصيص عليهم من باب الاعتراف بفضلهم الذي أشار إليه النبي -عليه الصلاة والسلام- في أحاديث وفي قوله- جل وعلا-:      ﭣﭤ الشورى: ٢٣  القرابة والصحابة، ولو لم يذكر القرابة دخلوا في الصحابة يعني ومن تبعهم ممن لم يدرك النبي -عليه الصلاة والسلام- يدخلون في خيار الأمة وفي سلفها ممن كان على الجادة منهم، وإلا وُجد في القرابة من بعد عصر التابعين من حاد عن الجادة، كما أنه وجد من عصر التابعين ومن بعدهم من مالت به الأهواء، "والسلف والخلف" السلف متقدموا هذه الأمة ممن هم في القرون الثلاثة المفضلة التي جاءت الأحاديث الصحيحة في فضلهم «خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» والخلف ممن جاء بعدهم ممن تبعوهم بإحسان، فهم خَلَف بفتح اللام والذين غيروا وبدلوا لا يسمون خَلَفا إنما هم خَلْف، "فهو علم قديم الفضل" يعني متقدم فضله مقارن لوجوده "شريف الأصل" والمنبع؛ لأنه نبع من مشكاة النبوة، شريف الأصل، دل على شرفه العقل والنقل، الأصل النقل، لكن العقل الصريح لا يختلف أبدا مع النقل الصحيح، ومن أراد حقيقة ذلك فليطالع موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، وبعض النسخ وُجد عليها درء تعارض العقل والنقل، ويُعرف عند أهل العلم بكتاب العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيه ابن القيم:

واقرأ كتاب العقل والنقل الذي

 

ما في الوجود له نظير ثاني

الكتاب عظيم يبين أن الشرع النص الثابت لا يمكن أن يختلف مع العقل الصريح الذي لم يتلوث بل باقٍ على فطرته، "دل على شرفه العقل والنقل" بعض المبتدعة يرجحون ما أيده العقل ويجعلونه هو الميزان للإثبات والنفي بالنسبة للمنقولات كالمعتزلة، فإذا خالف المنقول المعقول يقدم العقل، ولا شك أن هذا من اجتيال الشياطين لهم، وإلا فالأصل النقل وإذا صح فإنه لن يخالف العقل، يحكم أهل العلم على الأحاديث بأنها موضوعة بمخالفتها العقل، إذا خالف المنقول العقل حكم أهل العلم بأنه موضوع، يعني جاء في خبر أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا وصلت خلف المقام ركعتين هذا معقول أو غير معقول؟ غير معقول إذًا هو موضوع هذا يتفق مع قول المعتزلة أو لا يتفق؟ لا يتفق هذا حينما يكون الخبر لا أصل له، أما إذا كان له إسناد يثبت به ولم يكن مما أخطأ فيه بعض الرواة ونص أهل العلم على أنه أخطأ فيه، إذا كان له أصل لا بد أن يكون موافقا للعقل، يعني مثل ما جاء في الصحيحين الذي ركب البقرة التفتت إليه فقالت إنا لم نخلق لهذا، هذا قد يقول قائل إنه يخالف العقل لكنه في الصحيحين، ويقول النبي -عليه الصلاة والسلام- آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر، الأول لا أصل له سفينة نوح طافت بالبيت سبعا وصلت خلف المقام ركعتين لا أصل له، وهو يخالف العقل إذًا موضوع الخبر الثاني له أصل موجود في صحاح السنة وفي جميع دواوين الإسلام إذًا لا بد أن يصدق العقل بهذا، فالعقل تابع وليس بمتبوع، بعضهم يجعل العقل والنقل على حد سواء، في أدب الدنيا والدين للماوردي وقد اتُّهم بسبب هذا الكلام قال: المتبوع إما شرع مسموع أو عقل مطبوع، فهنا كأن العبارة توحي بأنهما سيان كل منهما متبوع، وعلى كل حال شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- ما ترك شيئا في هذه المسألة "دل على شرفه العقل والنقل واعتضد الإجماعان عليه من قبل ومن بعد" و الإجماعان إجماع السلف وإجماع الخلف؛ لأنه لا يمكن أن يقال إجماع القرابة وإجماع الصحابة؛ لأن إجماع القرابة مع مخالفة سائر الصحابة لا يعتد به، وإجماع الصحابة مع مخالفة من عاصرهم من القرابة لا يعتد بهم لأن الإجماع هو اتفاق مجتهدي يعني جميع المجتهدين مجتهدي العصر، أما إجماع الخلف وإجماع السلف فيتصور فيمن يرى أن الإجماع اتفاق مجتهدي العصر لا لا اتفاق مجتهدي الأمة، يقول: "واعتضد الإجماعان عليه من بعدُ ومن قبلُ" وبعد وقبل والجهات الست تُبنى على الضم إذا قُطعت عن الإضافة ونُوي المضاف إليه، يعني كأن نقول من بعد ذلك ومن قبله، فإذا نوينا المضاف إليه بنينا على الضم، وإذا قطعنا ولم ننو المضاف إليه أعربنا مع التنوين، وإذا أضفنا ظهر الإعراب على الآخر، "والصلاة على خاتم الرسل وعلى آله خير أهل وعلى أصحابه كنوز الفضل وسيوف الفصل" الصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- جاء الأمر بها في قوله- جل وعلا-: ﭷﭸ ﭿ الأحزاب: ٥٦  وهذا أمر والأصل في الأمر الوجوب، وجمهور أهل العلم على أن الصلاة والسلام عليه -عليه الصلاة والسلام- سنة كلما ذكر، والبخيل من ذكر عنده النبي -عليه الصلاة والسلام- ولم يصل عليه، ولا شك أن الأصل في الأمر الوجوب، ومنهم من يقول أنه يتم الامتثال بمرة واحدة وما عدا ذلك يبقى سنة كلما ذكر -عليه الصلاة والسلام- ولا يتم الامتثال إلا بالجمع بين الصلاة والسلام، وهنا اقتصر على الصلاة فقط ولم يذكر السلام وهذه عادة من يطيل الكلام في الصلاة والسلام، يعني إذا ذكر النبي وصلى عليه وعطف عليه وجاء بكلمات مسجوعة وزاد الكلام ينسى في الغالب السلام، وإلا لو سلم مباشرة قال والصلاة والسلام ثم عطف ما شاء ما نسي، يعني لو أتى بالسلام مباشرة بعد الصلاة لكن إذا طال الفصل كما فعل الإمام مسلم-رحمه الله- جاء بجملة في سطرين فنسي السلام، وهنا نسي السلام، وأطلق النووي كراهة إفراد أحدهما دون الآخر؛ لأن الأمر بالأمرين الأمر في الآية بالأمرين الصلاة والسلام، فكونه يصلي ولا يسلم ويسلم ولا يصلي أطلق النووي في شرح مسلم الكراهة، وخص ابن حجر الكراهة فيمن كان ديدنه ذلك يعني يصلي ولا يسلم أو يسلم ولا يصلي، وقد وقع إفراد الصلاة دون السلام في كلام الإمام الشافعي وفي كلام كثير من أهل العلم، حتى النووي الذي أطلق الكراهة وقع في بعض كتبه في هذا، فمن كان ديدنه يصلي ولا يسلم هذا تتجه إليه الكراهة أو العكس، ومن كان يصلي أحيانا ويسلم أحيانا ويجمع بينهما أحيانا مثل هذا يقال إنه خلاف الأولى ولا تتجه الكراهة إليه، "والصلاة على خاتم الرسل" -عليه الصلاة والسلام- ومحمد -عليه الصلاة والسلام- لا نبي بعده وهو خاتَم وخاتِم فالختم به حصل، خُتمت به الرسالات فلا نبي بعده، وبوفاته -عليه الصلاة والسلام- انقطع خبر السماء، ومن أهل الضلال ممن يدعي النبوة لنفسه أو لغيره كالقاديانية مثلا يقولون أو البهائية أو غيرهم يقول نعم هو خاتَم الرسل، خاتَم يعني أنه بالنسبة لهم كالخاتَم وليس بخاتِم يعني خاتِم النهاية آخرهم وممن يدعي النبوة سمى نفسه: (لا)، لا نبيَّ بعده «لا نبيَّ بعدي» قال أنه اسمه: (لا) وأن هذا إخبار عنه أنه يأتي بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- ويكون نبيا، وعلى كل حال أخبار المتنبئين وحكاياتهم الهزيلة المضحكة التي يُتندر بها في كتب الأدب كثيرة، وأخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه يأتي بعده كذابون ثلاثون كلهم يدعون النبوة ولا نبي بعده -عليه الصلاة والسلام- من النوادر التي ذكرها بعض الأدباء عن بعض المتنبئين، قال: جيء للرشيد بشخص ادعى النبوة و زعم أنه موسى بن عمران، فقال له الرشيد أنت موسى بن عمران؟ قال نعم، قال: ولعل هذه العصا التي بيدك هي عصا موسى قال نعم، قال: ألقها لننظر هل تكون حية أو جمادا ما تتحرك، قال إذا قلت أنا ربكم الأعلى ألقيتها، هذا لا شك أنه من إحياء الشيطان عليه، فقال شاب أو طفل صغير اجلده فإن صبر كما صبر أولو العزم فهو نبي، فصحيح من أولي العزم ممَّن صبر، فلما جلده وعلا صراخه قال لست منهم، فمثل هذه الحجج الشيطانية تجد من يجيب عليها، على كل حال أخبارهم يتندر بها في كتب الأدب فهي أشبه ما تكون بالمضحكات، "والصلاة على خاتم الرسل وعلى آله خير أهل" خير أهل كأنه يميل إلى أن الآل كما قال الأزهري وغيره أصلها أهل ولذا تصغر على أهيل فترد الهمزة إلى أصلها والآل هم القرابة الذين تحرم عليهم الصدقة آل النبي -عليه الصلاة والسلام- وهذا قول ومعروف ويدخل فيهم دخولا أوليا زوجاته -عليه الصلاة والسلام- لأن التنصيص على أهل البيت في القرآن إنما جاء بصدد الحديث عن نساء النبي -عليه الصلاة والسلام-      الأحزاب: ٣٣  يعني هذا الكلام في زوجاته -عليه الصلاة والسلام- فدخول الزوجات في الآل والأهل دخول قطعي، وأيضا جاء في حديث التشهد بدلا من كلمة آل «اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته» فهن داخلات في الآل على رغم أنوف من نفى ذلك بالنصوص الصحيحة القطعية وإلا فكيف تقبل من يدعي نصرة الآل والتعصب للآل ويطعن في الزوجات والله المستعان، "وعلى آله خير أهل وعلى أصحابه" وعلى أصحابه يعني تأثير البيئة في المؤلف ما جعله يتجاهل الأصحاب، ولا شك أن المنهج والمذهب عند أهل السنة والجماعة مذهب يجمع بين الصحب والآل خلافا لطوائف المبتدعة الذين يقتصرون على الآل ويتبرؤون من الصحابة كالرافضة أو العكس كالنواصب فالجمع بين الفريقين هي سمة أهل السنة والجماعة، "وعلى آله وعلى أصحابه كنوز الفضل" الأصل أن الكنوز ما يخفى تحت الأرض لنفاستها وهم بالنسبة للأمة كالكنوز، كنوز الفضل يعني من عرف واحدا منهم بسيرته المتكاملة لا شك أنه عثر على كنز، من عرف قولا من أقوالهم عثر على كنز؛ ولذا تنبغي العناية بسيرهم والاطلاع على أقوالهم، "وسيوف الفصل" الذين فصل الله بهم بين الحق والباطل، فهم السيوف البتارة في نحور أعداء الملة والدين، وبهم انتشر ووصل إلى شرق الأرض وغربها في أقل من نصف قرن، "وبعدُ" يقولون هذه الواو قائمة مقام أما وإلا فالأصل أما بعدُ، وجاءت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في أكثر من ثلاثين حديثا بهذا اللفظ أما بعد، فالإتيان بها في الخطب سواء كانت في خطب المناسبات أو في خطب الكتب سنة، اقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- ولا يتم الامتثال إلا بهذا اللفظ أما بعدُ، ويقولون أن الواو قائمة مقام أما؛ ولذا جاء خبرها مقترنا بالفاء، وبعد سبقت الإشارة إليها وأنها مبنية على الضم، "وبعد فهذا" الفاء واقعة في جواب الشرط المحذوف أما الذي قام مقامه الواو، "فهذا مختصر" والإشارة بهذا إما أن لموجود في الأعيان إن كانت هذه المقدمة كُتبت بعد الفراغ من تأليف الكتاب، أو إلى موجود في الأذهان إن كانت المقدمة كُتبت قبل الفراغ من الكتاب، يعني كتب المقدمة قبل الكتاب يقول فهذا يشير إلى ماذا؟ إلى موجود في ذهنه، وإن كانت المقدمة كتبت بعد الفراغ من الكتاب وهذا هو الكثير الغالب عند أهل العلم تكون الإشارة إلى موجود في الأعيان، "فهذا مختصر"، الاختصار والتلخيص والتهذيب متقاربة المعاني، وهو الكلام الذي تقل ألفاظه وتكثر معانيه، فتجد المؤلف يعمد إلى كتاب مطوّل ويجمع مقاصده بحيث لا يخل بشيء من مقاصده في نصف حجمه أو ثلث حجمه، وأحيانا في ربع حجمه ويأتي بجميع مقاصده هذا اختصار وهذا تلخيص وهذا يسمى في البلاغة إيجازا يقابله الإطناب الذي ألفاظه أكثر من معانيه، والمساواة يستوي فيها الألفاظ والمعاني، "فهذا مختصر يشتمل" يعني يحتوي "على مهمات علوم الحديث" يعني اقتصر على المهمات، يعني مما ينبغي أن يهتم به من مسائل هذا العلم من مهمات علوم الحديث "واصطلاحات أهله" اصطلاحات جمع اصطلاح والاصطلاح الاتفاق بين أناس مخصوصين يشملهم وصف وهو العرف الخاص، يصطلح أهل الحديث على مصطلحات، يصطلح أهل اللغة على مصطلحات، الفقهاء لهم اصطلاحات، وهكذا، والعلماء يطلقون لا مشاحة في الاصطلاح، وهذه الكلمة يطلقونها وينبغي أن تقيد؛ لأن الاصطلاح إذا كان مما يخالف ما تقرر في نص أو اتفق عليه في فن من الفنون فمخالفته يحصل فيها المشاحة ولا بد من المشاحة فيها، أما إذا كان لا يتعارض مع نص ولا يلزم عليه مخالفة ما اتفق عليه أهل فن من الفنون أو استقر في علم من العلوم أو تغيير حكم شرعي فإنه لا مشاحة فيه، يعني لو أن إنسانا قال أهل المنطقة الفلانية يسمون والد الزوجة عما وأنا أسميه خالا، وقال آخر العكس، أهل القصيم يسمونه خالا وأنا أسميه عما نقول لا مشاحة في الاصطلاح لماذا؟ لأنه سواء كان عما أو خالا لا يتأثر الأمر، لا يترتب عليه حكم شرعي، لكن لو قال: أنا أسمي أخ الأب خالا، وأخ الأم عمًّا نقول لا، فيه مشاحة في الاصطلاح وأنا أكتب في الفرائض والعلماء يقولون أن أخ الأب الذي هو عم الرجل يسمى عما، وأخ الأم خالا وهذا مما اتفق عليه وله أحكام شرعية إذا قلبنا الاصطلاح تغيرت هذه الأحكام، نقول عام يشاحح فيه ولا يوافق عليه ويرد عليه، ففرق بين هذا وهذا، يعني لو قال قائل: أنا إذا استقبلت القبلة في هذه البلاد صار عن يميني الشمال وصار عن يساري جهة الجنوب قال لا، أنا أسمي من عن يميني الجنوب وعن يساري الشمال، فالشام في اصطلاحه تقع جنوب الجزيرة واليمن تقع في اصطلاحه شمال الجزيرة يشاحح أو ما يشاحح؟ يشاحح بلا شك لأن هذا خلط، ولا شك أنه يطمس معالم قد قررت في كتب، لكن لو قال: أهل الجغرافيا في الخريطة يجعلون الشمال فوق والجنوب تحت أنا أعكس ولا يتغير من الواقع شيء، قلنا لا مشاحة في الاصطلاح وابن حوقل فعل هذا ولا أحد رد عليه لا مشاحة في الاصطلاح؛ لأن هذا لا يغير من الواقع شيئا؛ لأنك لو مثلا اشتريت بيتا بصك ومعروف الحدود من شماله كذا وجنوبه كذا وشرقه كذا ثم بعد ذلك ذهبت تطالب وقلت أنا أتبع فلانا الذي يقول الشام جهة الجنوب واليمن في جهة الشمال من يضبط حقوق الناس المبنية على هذا الاصطلاح؟ تضيع الحقوق فإطلاق هذه العبارة لا مشاحة في الاصطلاح ليس بجيد وليس بحسن بل هناك ما يشاحح فيه وهناك اصطلاحات لا مشاحة فيها، "ولا غنى لطالب هذا العلم عن معرفته" يعني يذكر المهمات التي لا يستغني عنها طالب العلم، فهو يقتصر على المهم الذي تمس الحاجة إليه "أو معرفة مثله" لأنه بالأمثال تتبين أمثالها، فإذا عرفت نظير هذه المسألة ومثل هذه المسألة عرفت النظير الآخر، فإما أن يذكر ما لا غنى لطالب العلم أو يذكر نظيره ومثيله وبه يعرف ما ترك.

 

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ارفع الملف الصوتي للأسئلة والأجوبة: 
س: 
هذا يسأل عن نسخ الكتاب وأنها لا توجد.
ج: 

الكتاب طُبع أخيرا، قبل هذه الطبعة لم يطبع، وإنما هو في ثنايا شرحه المسمى توضيح الأفكار للصنعاني ثم بعد ذلك طبع أخيرا، والنسخ الموجودة في المكتبات لاسيما في بريدة نفدت، ويصور ويخبر الطلاب- إن شاء الله تعالى- بمكانه، والكتاب من كتب المصطلح التي يخفى أمرها على كثير من طلاب العلم الذين يجرون على الجادة في طلب هذا العلم، يقتصرون على الكتب المشهورة مثل النخبة، وعلوم الحديث لابن الصلاح ومختصراته لابن كثير والنووي، والألفية مع شروحها ألفية العراقي، ومنهم من يعتني بالبيقونية، ومنهم من يعتني بألفية السيوطي، إلى غير ذلك من الكتب المتداولة المشهورة، وفي هذه الدورات وقد أتينا على كثير من المتون- ولله الحمد- أحببنا لفت نظر الطلاب إلى بعض الكتب المهمة في هذا الشأن وإن كانت غير مشهورة في هذه البلاد، هذا الكتاب اسمه تنقيح الأنظار في معرفة علوم الآثار لمحمد بن إبراهيم المعروف بابن الوزير اليماني المولود سنة خمس وسبعين وسبعمائة بعد وفاة الحافظ ابن كثير بسنة، المتوفى سنة أربعين وثمانمائة فهو من معاصري ابن حجر ومات قبله باثنتي عشرة سنة، لكنه من معاصريه، وهو من الفحول المعروفين وكتبه شاهدة بذلك، له العواصم والقواصم كتاب لا يستغني عنه طالب علم، قد نختلف معه في بعض وجهات النظر، وله إيثار الحق على الخلق، ويدل على تجرد للنصوص، وعدم تأثر بالمذاهب، وله أيضا البرهان القاطع في إثبات الصانع، ومن مؤلفاته ترجيح أساليب القرآن على منطق اليونان، وهو كتاب في غاية الأهمية، وكتبه كثيرة لكن هذه أهمها، طلب العلم في بلده اليمن وعُرف بين العلماء، وتُرجم له بتراجم مستفيضة وكاشفة، وأثنى عليه أهل العلم ثناء عاطرا، ولا شك أن كتبه تدل على أنه على قدر كبير من الفهم والحفظ وحصل من العلم الشيء الكثير، نعم كونه عاش في بيئة زيدية لا يعني أنه لم يتأثر بها؛ ولذا أدخل مذاهب الزيدية في كتابه هذا، ذكر أقوالهم وذكر أقوال أئمتهم وهو معدود في أهل السنة، لكن مع ذلك أثرت فيه البيئة كما أثرت في الصنعاني والشوكاني، ولم يكن ذلك مانعا من الإفادة من كتبهم؛ ولذا مما يذكر من مزايا هذا الكتاب ذكره لمذاهب مهجورة لم يطلع عليها، وأرى أن مثل هذه المذاهب الاطلاع عليها بعد معرفة ما يكفي في هذا الفن وفي غيره من الفنون في غاية الأهمية؛ لأن معرفة قول المخالف يتسنى به الرد عليه، وكون الشوكاني والصنعاني ينقلان أقوالهم لا يعني أنهم منهم بل تذكر أقوالهم، وإن كان المحرر المحقق عند أهل السنة أن أقوالهم لا يعتد بها، ولكن الحق ضالة المؤمن قد يجد كلمة تنفعه وإن كانت من مخالف، فليس جميع ما يقال من قبل هؤلاء باطل بل يوافقوننا في كثير من المسائل، وقد تبحث المسألة عند شخص مخالف ببحثها تنفتح آفاق، ولو لم يكن في ذلك إلا معرفة أقوال المخالفين للرد عليها، قد يقول قائل مادامت أقوالهم لا يعتد بها ولا يلتفت إليها ولا أثر لها في الوفاق ولا في الخلاف لماذا نشغل أنفسنا بقراءتها والرد عليها، نقول طالب العلم المبتدئ يقتصر على معرفة الحق بدليله، وإذا تمكن من العلم وصارت لديه أهلية الرد فلا مانع من أن يطلع على أقوال المخالفين، فالزيدية أقرب فرق الشيعة إلينا، وتنقل أقوالهم ونطلع عليها، وهم في كثير من أبواب العقائد يوافقون المعتزلة، والمعتزلة نطلع على أقوالهم، وذكرها شيخ الإسلام وغيره من أجل الرد عليها وكذلك الأشعرية، وكذلك سائر المبتدعة، أما البدع المغلظة التي لا يدل عليها عقل ولا نقل فمثل هذه لو لم يلتفت إليها طالب العلم كان أولى، يعني مثل بدع أهل وحدة الوجود مثلا غلاة الصوفية أو غلاة الرافضة، كل هؤلاء لا لا يطلع عليها إلا الواحد من الألف من أجل يتصدى للرد عليها وإلا فكثير منها مكشوف فلا يحتاج أيضا إلى رد، بعض ما يقال ويتداول في كتب المذاهب الأخرى التي هي قريبة يعني ليست بدع مكفرة لا مانع من الاطلاع عليها وقبول الحق منها ورد ما يخالفوننا فيه، ولو اعتمدنا المنهج الحاسم الذي يدعو إليه مثل الإمام مالك رحمه الله تعالى وأننا لا نطلع على كتبهم ولا نروي عن أحد منهم لحرمنا الشيء الكثير لاسيما فيما يتعلق بالتفسير وشروح الحديث؛ لأنك لو تطلبت تفسيرا خاليا من البدع ما وجدت إلا ابن جرير وابن كثير ونحوهما، وجل التفاسير لا تسلم وفيها فوائد وفيها نفع كثير يستفاد منها، والبدع مردودة على أهلها، وشروح الأحاديث أكثر الشراح لا يسلمون من شوب بدعة ومع ذلك أهل العلم يستفيدون من كتبهم، فعلى هذا نستفيد من هذا الكتاب ولو ذكر فيه أقوال الزيدية، ولو جمع بين ما يبحث في مسائل هذا الفن في علمي أصول الحديث وأصول الفقه وهذه نعتبرها ميزة لهذا الكتاب؛ لأن بعض طلاب العلم يدعو إلى تجريد كتب المصطلح من الأبحاث الأصولية وهذا الكلام لا يقبل؛ لأن طالب العلم لا غنية له عن كتب الأصول، فلا بد له من النظر في كتب الأصول وكون الكتب يضم بعضها إلى بعض وتذكر المباحث المناسبة لعلوم الحديث لاسيما ما يتعلق بالسنة من كتب الأصول ويقارن بين أقوال أهل النظر مع أهل الأثر هذا لا شك أنه نافع جدا لطالب العلم، فمن مزايا هذا الكتاب أنه يجمع بين أقوال أهل الحديث وأقوال الأصوليين، وهذه بلا شك ميزة، ذكرنا أن بعض طلاب العلم ممن تحمله الغيرة على علم الحديث يدعو إلى تنقية كتب المصطلح مما هو مباحث علم الأصول الذي تأثر بعلم الكلام، ويقول النقل عن الغزالي في كتب علوم الحديث لا داعي له ولا نحتاج إليه، وقد صرح عن نفسه بأن بضاعته في هذا الفن مزجاة، فمادامت بضاعته في الحديث مزجاة لماذا نتشاغل بنقل ومناقشة أقواله، والرازي أيضا مشارك في هذا العلم وأقواله تتداول في كتب المصطلح، وإذا كان الرازي من أهل النظر وليس من أهل الأثر، بل قال الألوسي في خبر ذكره في تفسير سورة العصر نقلا عن الرازي قال: تفرد بذكره الإمام، والإمام عند الأصوليين وكثير من شراح الحديث والمفسرين إذا أطلق الإمام فالمراد به الرازي، قال: "تفرد به الإمام ولعمري أنه إمام في نقل ما لا يعرفه أهل الحديث" فلا شك أن بضاعته في الحديث أقل من الغزالي على أن بضاعة الغزالي مزجاة بضاعته أيضا أقل، والآمدي أبعد منهما فكيف نذكر أقوال الآمدي والرازي والغزالي وغيرهم في كتب علوم الحديث ونطلخ هذه الكتب التي يعتمد عليها في التصحيح والتضعيف ونسودها بذكر أقوال هؤلاء، أقول لا مانع بذكر أقوالهم ولا مانع من مناقشة أقوالهم؛ لأن مسائل المصطلح على نوعين منها ما هو نقل محض وهذا ليس إلا لأئمة الحديث، للإمام أحمد ويحيى بن معين وعلي بن المديني وأبي حاتم وأبي زرعة ونظرائهم هذا نقل محض، ولو قلت إن المتأخرين لا دور لهم في هذا النقل المحض لما بعدت، وهناك مما يتعلق بعلوم الحديث ومسائله ما يمكن أن يدرك بالنظر، يعني للنظر والاجتهاد فيه مجال، ومثل هذا هم من أهل النظر ولديهم عقول وآراء وأفادوا في هذا الفن من هذه الحيثية، ولو قلنا إنه يجرد هذا العلم من القسم الثاني المبني على النظر لقلنا إن دخولنا في هذا العلم لا قيمة له؛ لأنا لسنا من الأئمة الحفاظ وإنما نقرر المسائل العلمية حسب ما يترجح لدينا، ونضرب مثال واحد يبين لنا أن النظر له مدخل في هذا العلم، ابن الصلاح ذكر مثال ادعى فيه أن الإمام أحمد ويعقوب بن شيبة يفرقان بين صيغة عن وصيغة أن يفرقان بين السند المعنعن والمأنأن أو المأنن، وذكر حديثا يذكر عن محمد بن الحنفية عن عمار بن ياسر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر به، عن محمد بن الحنفية عن عمار بن ياسر قال مر بي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن محمد بن الحنفية عن عمار والرواية عن محمد بن الحنفية أن عمارا مر به النبي -صلى الله عليه وسلم- قال أحمد ويعقوب بن شيبة في الطريق الأول متصل وفي الطريق الثاني منقطع وادعى ابن الصلاح أن سبب اختلاف الحكم على الطريقين هو اختلاف الصيغة وليس الأمر كذلك؛ ولذا يقول الحافظ العراقي:
كذا له ولم يصوب صوبه
ما انتبه إلى سبب الخلاف أو الاختلاف في الحكمين حينما قال: عن محمد بن الحنفية عن عمار قال: مر بي النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكي قصة عن صاحبها، يروي محمد بن الحنفية هذه القصة عن عمار وفي الطريق الثاني عن محمد بن الحنفية أن عمارا مر به النبي -صلى الله عليه وسلم- يحكي محمد بن الحنفية قصة لم يشهدها ولا حضرها فهي منقطعة وهذا هو السبب في الاختلاف في الحكم على الطريقين، ومثل هذا يدرك بالنظر، يعني لا يحتاج أن يكون الذي يحكم على هذا حافظ لمائة ألف حديث مثل الأئمة الكبار، أو مائتي ألف ويمكن ولا يحفظ ولا الأربعين النووية ويمكن أن يدرك مثل هذا وخفي على ابن الصلاح الفرق وهو من أهل الأثر؟ فأقول دخول مثل هؤلاء لا شك أن لهم تنبيهات أفادت في هذا العلم وإن كانوا محسوبين على أهل البدع وليسوا من أهل الأثر بل بعيدون كل البعد عن الأثر، هم من أهل النظر، وللنظر في هذا الباب مجال في مسائل دون أخرى لأنه مبني على أثر ونظر مبني على رواية وعلى دراية، مبني على حفظ وعلى فهم، فالذي يفوته الحفظ يدرك ما يدركه بالفهم والعكس، ولو قلنا إنه لا يتكلم في هذا الباب إلى الأئمة الحفاظ لما تسنى لأحد أن يتكلم في هذا العلم ألبتة بعد الأئمة، ما يوجد حفاظ على مستوى الأئمة الكبار الذين هم أهل الشأن، بل قد يتكلم في هذا العلم من لا يحفظ إلا النزر اليسير من الأحاديث يعني مما أسعفته حافظته لحفظه، والناس يتفاوتون، قد يكون الشخص من أبرع الناس في الكلام على الأحاديث وفي الكلام على مصطلح الحديث لكنه لا يستغني عن كتابه لا يحفظ، هذا يقال له لا تَدرُس ولا تُدرِّس؟ لا يمكن أن يقال هذا، وقد يكون من أحفظ الناس ومع ذلك فهمه ضعيف، وحينئذ يقال له اقرأ على الناس من حفظك لكن لا تتكلم على الدراية والاستنباط؛ لأن فهمك ليس بالمستوى الذي يؤهلك إلى هذا، ومن جمع الله له بين الأمرين بين الحفظ والفهم فقد كملت آلته، أما من كان حفظه أكثر من فهمه فمثل هذا لا شك أنه ينفع في باب الرواية ومن كان فهمه أكثر من حفظه نفعه أكثر في باب الدراية ونحن بحاجة إلى الأمرين معًا، فلا يقال لمن لم يحفظ البخاري لا تشرح البخاري، ولا يقال لمن ليست له رواية بالبخاري لا ترو عن البخاري كما قال ابن خير الإشبيلي في فهرسته ونقل الإجماع عليه أنه لا يجوز أن تنقل ولا تستدل ولا تحتج بحديث ليست لك فيه رواية.
قلت ولابن خير امتناع
نقل سوى مرويه إجماع

مع أنه نقل الإجماع على خلافه أن الإنسان يرجع إلى المراجع ويفيد منها ولو لم يحفظها ويستدل منها ويحتج بها بدون إشكال، ولو لم تكن له رواية متصلة بهذه الكتب، فهذه تقدمة لنبين فيها أنه قد يمر بنا أقوال كثيرة لأئمة الزيدية، وأقوال للفقهاء والأصوليين، وأقول هذا لا يضيرنا شيئا، الحق حق والباطل باطل ونتصدى للرد على من خالف ولو كان من أقرب الناس إلينا، وناقشنا شيخ الإسلام وابن القيم في مسائل كثيرة وما الذي يمنع؟! والحكمة ضالة المؤمن والله المستعان، نعم الذي يخشى عليه من قراءة الكتب التي فيها شيء من النقول عن المخالفين الذي ليست لديه أهلية، مثل هذا لا يستقل بمطالعة هذه الكتب، لكن كونه يحضر درس عند من يستطيع الرد عليهم أو مناقشة أقوالهم هذا ينفعه كثيرا، ولسنا بحاجة إلى الكلام على تعريف علوم الحديث، ولا المبادئ العشرة المتعلقة به، ولا تسلسل التأليف الزمني عند أهل العلم فهذا بيناه في مقدمات كتب كثيرة، كالألفية والنخبة واختصار علوم الحديث والبيقونية وغرامي صحيح وكتب المصطلح التي شرحناها وهي مسجلة يرجع إليها من أرادها.