شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 01

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 01
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 10:30 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحبًا بكم إلى حلقةٍ جديدة من شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح من كتاب الصوم.

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: قال المصنف –رحمه الله-: عن زيد بن ثابت –رضي الله عنه- قال: تسحرنا مع النبي –صلى الله عليه وسلم- ثم قام إلى الصلاة، فقيل له: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فراوي الحديث الصحابي الجليل زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري النجاري أبو سعيد، وأبو خارجة صحابي من كُتاب الوحي. قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمسٍ أو ثمانٍ وأربعين، وقيل: بعد الخمسين.

وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري –رحمه الله – بقوله: باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر.

المقدم: عفوًا يا شيخ، زيد -رضي الله عنه- هو الذي اختاره أيضًا أبو بكر لتولي مسألة جمع المصحف وكذلك عثمان –رضي الله عنه-؟

نعم، هو ممن جمع القرآن معروف، من أهل القرآن.

المقدم: لكن اختيارهم –رضي الله عنهم- له لعلمه وفضله وحفظه.

بلا شك؛ لعنايته بالقرآن، لعنايته لأنه من أهل القرآن.

المقدم: رضي الله عنه.

أقول: الحديث ترجم عليه الإمام البخاري –رحمه الله تعالى- بقوله: باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر أي: انتهاء السحور وابتداء الصلاة، يعني: المدة بين انتهاء السحور وابتداء الصلاة؛ لأن المراد تقدير الزمان الذي تُرك فيه الأكل، الفاصل بين نهاية الأكل الذي هو نهاية السحور وإقامة الصلاة.

"والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها" وصلاة الفجر ليس المراد نهايتها؛ لئلا يقال: إن الخمسين آية في نفس الصلاة.

والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها، قاله الزين بن المنيَّر فيما نقله ابن حجر. وقال العيني: مطابقته للترجمة من حيث إن فيه تأخير السحور إلى أن يبقى من الوقت بين الأذان وأكل السحور مقدار خمسين آية.

انظر بين الأذان وبين إقامة الصلاة.

المقدم: نعم؛ لأن انتهاء السحور عندهم بالأذان أو ليس بالضرورة؟

لا، على كلام العيني يبقى مقدار خمسين آية بين السحور وبين الأذان.

المقدم: طيب لمَ يقول هو: صلاة الفجر؟

يُقدَّر وقت صلاة الفجر إلى أن يبقى من الوقت بين الأذان وأكل السحور مقدار خمسين آية. يعني ما الذي يستفاد من كلام العيني؟ وما الذي دعاه إلى أن يقول: "ليس المراد من الصلاة إقامة الصلاة، وإنما المراد أذان الصلاة" الوقت؟

المقدم: أما قال: "المراد بالصلاة الأذان"؛ لأنه منصوص عليه في الحديث «كم كان بين الأذان».

والسحور.

المقدم: نعم.

قال: «قدر خمسين آية».

المقدم: هذا واضح.

لكن كلام ابن المنيّر قبل: أي انتهاء السحور وابتداء السحور، وتكلم على الترجمة، الترجمة: باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر، وهنا قال: كم بين الأذان والسحور؟ قال: «قدر خمسين آية»، معناه أنهم يتركون وقت فراغ بين السحور وبين وقت الأذان مقداره خمسين آية.

الآن الترجمة مطابقة للحديث أم غير مطابقة؟

المقدم: ظاهرًا غير مطابقة.

لأنه يقول: باب قدر كم بين السحور والصلاة.

المقدم: نعم.

والصلاة تستطيع أن تُقدِّر وقت الصلاة يعني: دخول وقت الصلاة، وتستطيع أن تُقدِّر ابتداء وقت الصلاة والشروع فيها كما قدَّره ابن المنير: "والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها" هذا قاله ابن المنير.

العيني يقول: "مطابقته للترجمة من حيث إن فيه تأخير السحور إلى أن يبقى من الوقت بين الأذان وأكل السحور مقدار خمسين آية"، لكن ألا يمكن حمل الأذان في الحديث على الإقامة؟ «بين كل أذانين صلاة».

المقدم: نعم ممكن.

يعني الظاهر من الأذان أنه النداء والإعلام بدخول وقت الصلاة، كلام العيني في هذا ظاهر، وكلام ابن المنير وما فهمه البخاري من الحديث قدر كم بين السحور وصلاة الفجر، يعني هذا الظاهر من فهم البخاري المراد: الشروع فيها، هذا فهم البخاري، ويمكن أن يكون البخاري فهم من الأذان إقامة الصلاة، والإقامة أذان «بين كل أذانين صلاة»، لماذا؟ ما الذي يجعل البخاري يفهم هذا الفهم؟

الحث على تأخير السحور، يعني لولا الحث على تأخير السحور لقلنا بأن فهم العيني مناسب جدًّا، العيني له مغزى من كلامه هذا حينما يقول: "إن المراد بالأذان"؛ لأنه يلزم إذا قلنا: المراد إقامة الصلاة والشروع في الصلاة أن تكون الصلاة يُبادَر بها، وتُصلَى بغلس، والحنفية يرون تأخير صلاة الصبح.

المقدم: صحيح، والعيني منهم.

العيني من أئمتهم.  والحديث ذكره الإمام البخاري في كتاب مواقيت الصلاة: باب وقت الفجر.

المقدم: وذكره بلفظ الأذان.

نعم.

قال –رحمه الله تعالى- في رقم خمسمائة وخمس وسبعين: حدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا همام عن قتادة، عن أنس أن زيد بن ثابت حدثه أنهم تسحروا مع النبي –صلى الله عليه وسلم – ثم قاموا إلى الصلاة. قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين يعني: آية.

هذا واضح، يفسر فهم البخاري، ويجعل فهم البخاري راجحًا.

وقال: حدثنا الحسن بن صباح، قال: سمع روحًا، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، عن أنس بن مالك أن نبي الله–صلى الله عليه وسلم- وزيد بن ثابت تسحرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله –صلى الله عليه وسلم– فصلى. قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية.

فهذا ظاهر في أن المراد بالأذان في حديث الباب المراد به: الإقامة، الإقامة للصلاة، بدليل "ثم قاموا إلى الصلاة"، وعلى هذا يترجح فهم البخاري –رحمه الله تعالى-.

وقال -رحمه الله تعالى، أعني البخاري- في باب من تسحر فلم ينم حتى صلى الصبح من كتاب التهجد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن نبي الله– صلى الله عليه وسلم– وزيد بن ثابت –رضي الله عنه– تسحرا.. إلى آخره بنحو ما تقدم، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله –صلى الله عليه وسلم– إلى الصلاة.. إلى آخره.

وكرره المختصر على غير عادته، يعني: جاء به مرةً ثانية، هذا الموضع الثاني الذي يرويه فيه المختصر.

المقدم: في خمسمائة وخمس وسبعين.

نعم.

المقدم: لاختلاف اللفظ يا شيخ؟

كيف؟

المقدم: يعني جاء به في موضعٍ آخر لاختلاف اللفظ؟

فيه شيء من اختلاف اللفظ، عندك في باب وقت الفجر من المختصر يعني: في خمسمائة وخمس وسبعين الذي هو ثلاثمائة وثمانية وأربعون من المختصر: عن أنس –رضي الله عنه- أن زيد بن ثابت –رضي الله عنه- حدثه أنهم تسحروا، ففيه شيء من الاختلاف في اللفظ.

وفيه أيضًا ملحظ: وهو أنه هنا في هذا الموضع في كتاب الصيام هو من مسند زيد، يقول: "عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا" فهو من مسنده، وفي كتاب الصلاة في وقت الفجر –الموضع الذي تقدم– هو من مسند أنس "عن أنس أن زيد بن ثابت"، ويختلف الأمر هنا وهناك فيُحتاج إليه، يحتاج إلى التكرار في مثل هذا، وأيضًا يُحتاج إليه في الموضعين حاجة ماسة، الحاجة تدعو إلى تكراره. 

أقول: كرره المختصر على غير عادته؛ لمسيس الحاجة إليه في البابين، ولأن الإمام خرَّجه على وجهين، فجعله مرةً من مسند أنس، ومرةً من مسند زيد بن ثابت.

قال ابن حجر: استدل به المصنف على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر؛ لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب، والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة وهي قراءة الخمسين آية أو نحوها قدر ثُلث خُمس ساعة، ولعلها مقدار ما يتوضأ، فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر.

المقدم: والساعة المراد بها عندهم ولا القريبة من عندنا الآن؟

الساعة الفلكية وُجدت في زمان ابن حجر، يعني: تقسيم الليل والنهار إلى ثنتي عشرة ساعة موجود، تقسيم الليل إلى اثني عشر والنهار إلى ثنتي عشرة ساعة.

المقدم: إذا قلنا: خُمس الساعة اثني عشر.

حينها أربع دقائق.

المقدم: أي يعني قليل جدًّا.

أربع دقائق، لكن قوله: "ولعها مقدار ما يتوضأ" يتوضأ بأربع دقائق بالراحة، لكن يبقى أن قراءة خمسين آية كيف تُقرأ بأربع دقائق؟

المقدم: ما يمكن هذا.

والمراد بالآيات الآيات المتوسطة، ليست من آيات المائدة، ولا من آيات الشعراء، آيات متوسطة هذا كذا إذا أُطلق، وأيضًا القراءة تكون متوسطة ليست قراءة هذ، وليست بقراءة إطالة المدود.

يقول: ولعلها مقدار ما يتوضأ، فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر. وهذا ما يُعجب العيني الذي جعل الفاصل إلى طلوع الفجر بغض النظر عن الصلاة، لكن قوله: "إن قراءة خمسين آية قدر ثُلث خُمس ساعة" يعني لو كان المراد بالساعة المقدار من الزمان ما جاء مثل هذا التحديد؛ لأنها لا تتبعض، مقدار من الزمان لا يتبعض، يمكن في عهدهم إطلاق الساعة على مقدار من الزمن تُقرأ فيه بساعة خمسين آية، كيف يقول: قدر ثلث خُمس ساعة إلا إن كان المراد به ساعة محددة معينة لا تزيد ولا تنقص، وهي عندنا على كلامه مقدار أربع دقائق، وبالإمكان ما يتوضأ، على كلام ابن حجر الوضوء ممكن.    

المقدم: صح في أربع دقائق.

نعم، الوضوء عندهم ليس من السهولة مثل ما عندنا، وإحضار الماء وإعداده والإداوة وما أشبه ذلك.

المقدم: ومن يساعد أحيانًا.

قد يحتاج إلى شيء من الوقت، أما عندنا فممكن الوضوء بأقل من ذلك، بأقل بكثير.

أقول: إن كان التحديد بما ذُكر –يعني بما ذكره ابن حجر – مرده الساعة الفلكية التي هي عبارة عن ستين دقيقة فالقدر المذكور أربع دقائق، وإلا فالأصل أن الساعة مقدارٌ غير محدد الزمن قد تطول وقد تقصر فيُراد به مدة من الزمن، علمًا بأن الآيات تتفاوت في الطول والقصر، فآيات المائدة تختلف عن آيات الشعراء مثلًا، وتُحمل في هذا على الآيات المتوسطة لا الطويلة ولا القصيرة.

وقد جرت عادة العرب تقدير الأوقات بالأعمال، ما عندهم ساعات، لكن بالأعمال يقدرون، يقولون: قدر حلب ناقة مثلًا، وقدر نحر جزور، وقدَّر العلماء أوقات الصلوات بالأمور المنضبطة عند تعذر التقديرات الشرعية.

يعني: شخص ما يعرف كيف تزول الشمس، ولا يعرف كيف تطلع الشمس، أو مثلًا في مكانٍ مظلم باستمرار عمله يقتضي هذا، أو مسجون أو مطمور في قبو أو شيء.

المقدم: ما يعرف الوقت.

ما يدري كيف، متى تطلع الشمس، ومتى تغيب، ومتى تزول، قدَّروا ذلك بأمور شبه منضبطة.

أقول: جرت عادة العرب تقدير الأوقات بالأعمال.. إلى آخره، وقدَّر العلماء أوقات الصلوات بالأمور المنضبطة عند تعذر التقديرات الشرعية كالنجار الذي يعمل عملًا محددًا بزمنٍ محدد، يعني: جرت عادة هذا النجار، عادته جرت أنه يصنع هذه الطاولة بساعتين مثلًا، أو بين صلاة الظهر وصلاة العصر، فإذا انتهى من عمل هذه الماصة.

المقدم: راح يصلي.

راح يصلي.

المقدم: ضابطها بهذا الوقت.

نعم، أو شرع يصلي؛ لأنه المفترض أن ما عنده أحد، يفترض أن ما عنده أحد يعينه على معرفة الوقت.

نقول: شخص مسجون في مكانٍ مظلم.

المقدم: فهو يُقدِّر في الغالب.

يُقدِّر، دعنا مثلًا من النجار. الذي يقرأ القرآن وعنده الجزء منضبط بدقائق محدودة، يقرأ في الساعة خمسة أجزاء، فإذا قرأ عشرة أجزاء عرف أن وقت صلاة المغرب حضر مثلًا، بين العصر والمغرب ساعتان على تقديره مثلًا، جرت عادته لما كان حرًّا طليقًا يقرأ بين صلاة العصر والمغرب في مثل هذه الأيام عشرة أجزاء في ساعتين، أو يقرأ مثلًا ستة أجزاء في ساعتين على قدر عادته.

أقول: كالنجار الذي يعمل عملًا محددًا بزمن محدد، والقارئ الذي تنضبط معه القراءة على وتيرةٍ واحدة وهكذا. وفي المنتهى وشرحه: ومن جهل الوقت فلم يدرِ أدخل أم لا، ولا تُمكنه مشاهدة ما يعرف به الوقت لعمىً مثلًا أو مانعٍ ما ولا مُخبر عن يقين بدخول الوقت، صلى إذا ظن دخوله –أي: الوقت– بدليل من اجتهادٍ أو تقدير الزمن بصنعةٍ أو قراءةٍ ونحوه؛ لأنه أمر اجتهادي فاكتُفي به بغلبة الظن كغيره.

لكن الأعمال لاسيما القراءة، القراءة مجربة منضبطة، القراءة منضبطة، وقد يرتب الإنسان لوقته أو لنفسه مقدارًا معينًا يقرأه في اليوم فينتهي في الوقت المحدد، ينتهي نفس المقدار بالوقت المحدد.

قوله: تسحرنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم– أي: أكلنا السحور، ثم قام النبي –صلى الله عليه وسلم– إلى الصلاة هي صلاة الفجر كما هو معلوم، فقيل له -وفي الأصل قلت-: كم كان بين الأذان والسحور؟

المقدم: نعم، أصل الصحيح.

"ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟".

المقدم: الراوي عن زيد يقوله.

نعم، عندك يقول: فقيل له، عندك في المختصر: "فقيل له: كم كان بين الأذان والسحور".

المقدم: قيل لزيد؟

نعم، وعندك "قلت".

المقدم: الذي هو الراوي عن زيد.

الراوي عن زيد وهو أنس.

قلت: كم كان بين الأذان والسحور، قال: «قدر خمسين آية»، لماذا بناه للمجهول؟ لأنه حذفه من الإسناد فاحتاج أن يبنيه للمجهول.

وفي الأصل: قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال ابن حجر: هو مقول أنس، والمقول له: زيد بن ثابت، وقد سأل قتادة أنسًا عن ذلك، قتادة الراوي عن أنس سأله أيضًا عن ذلك.

المقدم: كم كان بين..

كم كان بين السحور والأذان، قال له كذلك.

وفي رواية أحمد أن أنس قال: قلت لزيد، قال: «قدر خمسين آية» أي: متوسطة لا طويلة ولا قصيرة، لا سريعة ولا بطيئة، يعني: القراءة ليست سريعة ولا بطيئة، وقدرُ: بالرفع على أنه خبر المبتدأ، ويجوز النصب على أنه خبر كان المقدرة في جواب زيد لا في سؤال أنس.

عندك كان ظاهرة في سؤال أنس "كم كان" قال: قدرَ، كم كان قدرَ، يمكن أن تكون جواب (كان) المذكورة، يمكن أو ما يمكن؟ أو تكون في جواب زيد، قال: كان المقدار قدرَ خمسين آية.

يقول: ويجوز النصب على أنه خبر كان المقدرة في جواب زيد لا في سؤال أنس؛ لئلا تصير كان واسمها من قائل، والخبر من قائلٍ آخر.

في رواية مسلم، قال: «خمسين آية» بدون (قدر)، كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: «خمسين آية».

قال القرطبي: كذا الرواية بالياء لا بالواو، وهو على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه وهو شاذٌ، لكن سوَّغه دلالة السؤال المتقدم.

يقول المهلب وغيره في تقدير الأوقات بأعمال البدن: وعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة، لماذا ما قال زيد: كان بينهما مقدار حلب ناقة مثلًا كما كانوا يقدرون؟ هذا تقدير العرب.

يقول: وعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارةً إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة يعني: ما بين الأذان إلى الإقامة وقت العبادة بالتلاوة والذِكر.

يقول: إشارةً أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة؛ لأنهم كانوا يستغلون هذا الوقت في التلاوة، فأخذه من واقعهم.

وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارةٌ إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقةً بالعبادة، وفيه تأخير السحور؛ لكونه أبلغ في المقصود، وجاء الحث على تأخيره «ولا تزال الأمة بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور».

وقال ابن أبي جمرة: كان -صلى الله عليه وسلم- ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله، لماذا؟ لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه، فيشق على بعضهم، ولو تسحَّر في جوف الليل لشقَّ أيضًا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يُفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى مجاهدة بالسهر.

وقال: وفيه أيضًا تقويةٌ على الصيام؛ لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو تُرك –يعني السحور- لشقَّ على بعضهم لاسيما من كان صفراويًّا فقد يُغشى عليه، فيُفضي إلى الإفطار في رمضان.

لاشك أن ترك السحور مظنة إلى أن يجوع الإنسان فقد يصل به إلى حد الإغماء لاسيما في الأوقات التي الأكل فيها فيه شُح، أما في أوقاتنا التي نعيشها فقد يمكث الإنسان الوقت الطويل ولا يحس بجوع، ولله الحمد.

فيُفضي إلى الإفطار في رمضان، وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة يعني: يأكل معهم عليه الصلاة والسلام، وهكذا ينبغي أن يكون حال المضيف مع ضيفه، أن يأكل معه، وجواز المشي بالليل للحاجة، من أين؟

المقدم: ثم قام إلى الصلاة. 

لا.

المقدم: الذين جاؤوا إليه -عليه الصلاة والسلام-.

نعم؛ لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي –صلى الله عليه وسلم-. قاله ابن حجر: يلزم منه أنه كان يمشي بالليل من بيته إلى النبي –عليه الصلاة والسلام – يتسحر معه.

يقول: وجواز المشي بالليل لحاجة؛ لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي –صلى الله عليه وسلم -.

طيب المشي بالليل من غير حاجة، حكمه؟

المقدم: جواز.

لأنه يقول: جواز المشي بالليل للحاجة.

المقدم: هل يُفهم منه عدم جواز المشي لغير حاجة؟

نعم، قد يُفهم منه هذا، ولا شك أن الليل والظلام مؤثر على بعض الناس فيُخشى عليه، وأيضًا مظنة لأن يُتهم إذا كان يمشي بغير حاجة في الليل، والمسألة مفترضة في ظلام ويمشي بين بيوتات الناس بالليل، يعني على أقل الأحوال أنه خلاف الأولى.

تعقبه العيني بقوله: "لا نُسلم"، يقول ابن حجر: ما كان يبيت مع النبي –عليه الصلاة والسلام- يعني: زيد، تعقبه العيني بقوله: لا نُسلم نفي بيتوته مع النبي –صلى الله عليه وسلم – في تلك الليلة التي تسحر فيها مع النبي –صلى الله عليه وسلم–، ولا يلزم من ذلك أن يبيت معه في كل ليلة.

أنا أقول: لكن ليس فيه ما يُشعر بأنه بات عنده، ولم يثبت في طريقٍ من طرق الحديث أنه بات عند النبي– عليه الصلاة والسلام–، والأصل أنه إنما بات في بيته.

المقدم: أحسن الله إليكم، لعلنا نستكمل بإذن الله ما تبقى، وخصوصًا هل مرَّ ضبط السَّحور والسُّحور يا شيخ؟

يأتي إن شاء الله.

المقدم: سيأتي إن شاء الله.

المقدم: إذًا لعلنا نُكمل في حلقةٍ قادمة، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، شكرًا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.