التعليق على تفسير القرطبي - سورة الشعراء (02)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

قال الإمام القرطبي- رحمه الله تعالى-:

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)} [سورة الشعراء:69-77]

قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ} [سورة الشعراء: 69] نَبَّهَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى فَرْطِ جَهْلِهِمْ إِذْ رَغِبُوا عَنِ اعْتِقَادِ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ وَهُوَ أَبُوهُمْ. وَالنَّبَأُ الْخَبَرُ، أَيِ اقْصُصْ عَلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ خَبَرَهُ وَحَدِيثَهُ وَعَيْبَهُ عَلَى قَوْمِهِ مَا يَعْبُدُونَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُلْزِمًا لَهُمُ الْحُجَّةَ. وَالْجُمْهُورُ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى تَخْفِيفِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ أَحْسَنُ الْوُجُوهِ".

الأولى في {نَبَأَ} والثانية في {إِبْرَاهِيمَ}، {نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} الثانية مخففة يقول: هذا أحسن الوجوه، وفيه وجوه أُخر يذكرها المفسر- رحمه الله-.

" لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَخْفِيفِ الثَّانِيَةِ مِنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ نَحْوَ آدَمَ. وَإِنْ شِئْتَ خففتهما"

 حَقَّقْتَهُمَا

"وَإِنْ شِئْتَ حَقَّقْتَهُمَا فَقُلْتَ: {نَبَأَ إِبْراهِيمَ}. وَإِنْ شِئْتَ خَفَّفْتَهُمَا فَقُلْتَ:" نَبَا ابْرَاهِيمَ". وَإِنْ شِئْتَ خَفَّفْتَ الْأُولَى."

يعني وحققت الثانية.

" وَثَمَّ وَجْهٌ خَامِسٌ إِلَّا أَنَّهُ بَعِيدٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يُدْغِمَ الْهَمْزَةُ فِي الْهَمْزَةِ كَمَا يُقال: رأس}

رأاس.

"رأاس"

نعم.

"كَمَا يُقال: رأاس للذي يبيع الرؤوس. وَإِنَّمَا بَعُدَ؛ لِأَنَّكَ تَجْمَعُ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ كَأَنَّهُمَا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَسُنَ فِي فَعَّالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي إِلَّا مُدْغَمًا. {إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ} [سورة الشعراء:70] أي أي شيء تعبدون؟ {قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً} [سورة الشعراء:71] وَكَانَتْ أَصْنَامُهُمْ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنُحَاسٍ وَحَدِيدٍ وَخَشَبٍ. {فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ} [سورة الشعراء:71] أَيْ فَنُقِيمُ عَلَى عِبَادَتِهَا. وَلَيْسَ الْمُرَادُ وَقْتًا مُعَيَّنًا بَلْ هُوَ إِخْبَارٌ عَمَّا هُمْ فِيهِ. وَقِيلَ: كَانُوا يَعْبُدُونَهَا بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، وَكَانُوا فِي اللَّيْلِ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ."

لأنَّ الفعل ظلَّ إنَّما يُقال لِما يفعل بالنهار بخلاف بات، هذا الأصل، وإن كان يُستعمل كل واحد منهما مقام الأخر.

"فَيُقَالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا إِذَا فَعَلَهُ نَهَارًا وَبَاتَ يَفْعَلُ كَذَا إِذَا فَعَلَهُ لَيْلًا. {قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} [سورة الشعراء:72] قَالَ الْأَخْفَشُ:.."

ومن هذا أخذوا، أخذ الحنابلة ومن معهم من قوله- عليه الصلاة والسلام-:«فإنَّه لا يدري أين باتت يده» تخصيصه بنوم الليل؛ لأنَّ البيتوتة لا تكون إلا بالليل. والذي يقول: إنَّ بات مثل ظلَّ تكون لما يكون بالليل والنهار، التوسع في استعمالها يدل على هذا، تصرفهم في العربية يدل على أنَّها أعم من أن تكون بالليل، وبهذا أخذ الشافعية، وقالوا: إنَّ النوم ناقض سواء كان بالليل أو بالنهار، الذي هو غسل اليد، وجوب غسل اليد من الانتباه من النوم بعد الاستيقاظ من النوم سواء كان بالليل أو بالنهار.

"قَالَ الْأَخْفَشُ: فِيهِ حَذْفٌ، وَالْمَعْنَى: هَلْ يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ؟ أو هل يسمعون دعاءكم، قال الشاعر:.."

لأنَّ ذواتهم لا تُسمع، الذوات لا تُسمع، قال: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} [سورة الشعراء:72] يعني يسمعون ذواتهم؟ لا، ليس المراد هذا، إنَّما يسمعون منهم، يعني من كلامهم أو دعائهم، أو ندائهم، أو ما أشبه ذلك.

"قال الشاعر:

الْقَائِدُ الْخَيْلَ مَنْكُوبًا دَوَابِرُهَا

 

الخيلَ أو الخيلِ يجوز هذا وهذا؛ لأنَّه اسم فاعل يعمل عمل فعله فينصب ما بعده مثل فعل قاد، قاد الخيلَ منكوبًا، فهو اسم فاعل يعمل عمل فعله ويجوز إضافته إلى ما بعده.

 

قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَاتُ الْقِدِّ وَالْأَبَقَا

قَالَ: وَالْأَبَقُ الْكَتَّانُ فَحُذِفَ."

الأبق الكتان والقد: هو معروف إنَّما سيور من جلد يربط بها إذا يبست تكون من أقوى ما يُربط به.

" وَالْمَعْنَى، وَأُحْكِمَتْ حَكَمَاتِ الْأَبَقِ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالْأَبَقُ بِالتَّحْرِيكِ الْقِنَّبُ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَرَأَ:"هَلْ يُسْمِعُونَكُمْ" بضم الياء، أي أهل يُسْمِعُونَكُمْ أَصْوَاتَهُمْ {إِذْ تَدْعُونَ(72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [سورة الشعراء:72-73]"

يعني على قراءة" هَلْ يُسْمِعُونَكُمْ" يعني إذا خاطبتموهم هل يردون عليكم بصوت؟ هل يردون عليكم بصوت؟ يُسْمِعُونَكُمْ أصواتهم؟ كل هذا على سبيل الإنكار.

" أَيْ هَلْ تَنْفَعُكُمْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ وَتَرْزُقُكُمْ، أَوْ تَمْلِكُ لَكُمْ خَيْرًا أَوْ ضَرًّا إِنْ عَصَيْتُمْ؟! وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ لِتَقْرِيرِ الْحُجَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَنْفَعُوكُمْ وَلَمْ يَضُرُّوا فَمَا مَعْنَى عِبَادَتِكُمْ لَهَا. {قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ} [سورة الشعراء:74] فَنَزَعُوا إلى التقليد مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ."

هذه حجة من لا حجة له، دعوى التقليد وهذه عادة الكفار؛ لأنَّهم ليس لديهم حجة يحتجون بها إلا ما ورثوه عن آبائهم.

" {قالَ} [سورة الشعراء:75] إِبْرَاهِيمُ {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} [سورة الشعراء:75] مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَامِ، {أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ} [سورة الشعراء:76] الْأَوَّلُونَ، {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [سورة الشعراء:77] وَاحِدٌ يُؤَدِّي عَنْ جَمَاعَةٍ"

نعم، عدو ولم يقل: أعداء.

" وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: هِيَ عَدُوُّ اللَّهِ وَعَدُوَّةُ اللَّهِ، حَكَاهُمَا الْفَرَّاءُ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ: مَنْ قَالَ عَدُوَّةُ اللَّهِ وَأَثْبَتَ الْهَاءَ قَالَ هِيَ بِمَعْنَى مُعَادِيَةٍ، وَمَنْ قَالَ عَدُوٌّ لِلْمُؤَنَّثِ وَالْجَمْعِ جَعَلَهُ بِمَعْنَى النَّسَبِ. وَوَصَفَ الْجَمَادَ بِالْعَدَاوَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِنْ عَبَدْتُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ: {كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [سورة مريم:82]. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مِنَ الْمَقْلُوبِ، مَجَازُهُ: فَإِنِّي عَدُوٌّ لَهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ عَادَيْتَهُ عَادَاكَ. ثُمَّ قَالَ: {إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ} [سورة الشعراء:77] قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَيْ إِلَّا مَنْ عَبْدَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِلَّا عَابِدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: قَالَ النَّحْوِيُّونَ: هُوَ استثناء لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ، وَأَجَازَ أَبُو إِسْحَاقَ.."

يعني أنَّه استثناء منقطع؛ لأنَّ المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فهو منقطع ليس من الأول، فليس بمتصل.

"وَأَجَازَ أَبُو إِسْحَاقَ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ- عَزَّ وَجَلَّ- وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ الْأَصْنَامَ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِمَّا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ. وَتَأَوَّلَهُ الْفَرَّاءُ عَلَى الْأَصْنَامِ وَحْدَهَا وَالْمَعْنَى عِنْدَهُ: فَإِنَّهُمْ لَوْ عَبَدْتُهُمْ عَدُوٌّ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: تَقْدِيرُهُ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ إِلَّا رَبَّ العالمين فإنهم عدو لي. وإلا بِمَعْنَى دُونَ وَسِوَى، كَقَوْلِهِ: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى}[سورة الدخان:56] أَيْ دُونَ الْمَوْتَةِ الاولى.

قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [سورة الشعراء:78] أَيْ يُرْشِدُنِي إِلَى الدِّينِ. {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [سورة الشعراء:78] أَيْ يَرْزُقُنِي. وَدُخُولُ (هُوَ) تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُطْعِمُ وَلَا يَسْقِي، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ هُوَ الَّذِي فَعَلَ كَذَا، أَيْ لَمْ يَفْعَلْهُ غَيْرُهُ."

يعني من جنس تعريف جزئي الجملة، تعريف جزئي الجملة يدل على الحصر، فإذا قلت: زيدٌ هو الذي يفعل كذا، أو هو الذي فعل كذا، يعني لا غيره، فالإخبار بمعرفة وهو الضمير عن زيد وهو معرفة يدل على الحصر.

" {وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [سورة الشعراء:79] قَالَ: {مَرِضْتُ} رِعَايَةً لِلْأَدَبِ وَإِلَّا فَالْمَرَضُ وَالشِّفَاءُ مِنَ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- جَمِيعًا."

يعني ما قال: وإذا أمرضني فهو يشفين؛ لأنَّه ليس من الأدب أن يُضاف الشر إلى الله- جلَّ وعلا-، كما جاء في الحديث: «والشر ليس إليك» وجاء في قول الله تعالى: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ} [سورة الجن: 10] بني للمجهول، {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} فليس من الأدب في التعبير أن يُضاف الشر إلى الله- جلَّ وعلا- وإن كان الكل مقدرًا من الله- جلَّ وعلا-.

" وَنَظِيرُهُ قَوْلُ فَتَى مُوسَى: {وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ} [سورة الكهف:]. {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [سورة الشعراء:80] يُرِيدُ الْبَعْثَ وَكَانُوا يَنْسُبُونَ الْمَوْتَ إِلَى الْأَسْبَابِ، فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُمِيتُ وَيُحْيِي. وَكُلُّهُ بِغَيْرِ يَاءٍ: { يَهْدِينِ}، { يَشْفِينِ}"

الله- جلَّ وعلا- هو الذي يحيي ويميت، ولا يمنع أن يكون هناك سبب جعله الله- جلَّ وعلا- لهذه الحياة، أو لذلك الموت، وهذا الموت يجريه الله- جلَّ وعلا- على يد ملائكته {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [سورة الأنعام:61] المقصود أنَّ الفاعل الحقيقي هو الله- جلَّ وعلا- وقد يُتجوز في التعبير فيُقال: مات زيد، والله هو الذي أماته، ويُقال: نبت الربيع، والله هو المنبت، كل هذا من باب التوسع والتجوز لكن إذا خطر على قلب الإنسان أنَّ المتصرف غير الله- جلَّ وعلا- لا يجوز إلا أن يُنسب لفظًا ومعنًا إلى الله- جلَّ وعلا-.

"{يَهْدِينِ}، و{يَشْفِينِ} وَكُلُّهُ بِغَيْرِ يَاءٍ: {يَهْدِينِ}، و{يَشْفِينِ}؛ لِأَنَّ الْحَذْفَ فِي رُءُوسِ الْآيِ حَسَنٌ لِتَتَّفِقَ كُلُّهَا. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَلَى جلالته ومحله من العربية هذه كلها بِالْيَاءِ؛ لِأَنَّ الْيَاءَ اسْمٌ، وَإِنَّمَا دَخَلَتِ النُّونُ لعلة. فإن قيل: فهذه صفة لجميع الْخَلْقِ، فَكَيْفَ جَعَلَهَا إِبْرَاهِيمُ دَلِيلًا عَلَى هِدَايَتِهِ وَلَمْ يَهْتَدِ بِهَا غَيْرُهُ؟ قِيلَ: إِنَّمَا ذَكَرَهَا احْتِجَاجًا عَلَى وُجُوبِ الطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَنْعَمَ وَجَبَ أَنْ يُطَاعَ وَلَا يُعْصَى لِيَلْتَزِمَ غَيْرُهُ مِنَ الطَّاعَةِ مَا قَدِ الْتَزَمَهَا، وَهَذَا إِلْزَامٌ صَحِيحٌ. قُلْتُ: وَتَجَوَّزَ.."

لا شك أنَّ الله- جلَّ وعلا- هو الذي يشفي المرضى كلهم، وهو الذي يُميت الناس، هو الذي يحيهم وبقية المخلوقات، هو الذي يحيي، وكون إبراهيم- عليه السلام- يضيفها إلى نفسه كأنَّه يتفرد بهذا؛ لأنَّه هو المقر الإقرار الحقيقي الذي يترتب عليه العمل، بسبب هذا الإقرار، وأمَّا من أقر بأنَّ الله- جلَّ وعلا- هو الذي خلق، وهو الذي يحيي، وهو الذي يميت، وهو الذي يشفي، لكنه لم يعبده، أقر بالربوبية لكنه لم يقر بالألوهية، إقراره وجوده مثل عدمه.

"قُلْتُ: وَتَجَوَّزَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِشَارَاتِ فِي غَوَامِضِ الْمَعَانِي، فَعَدَلَ عَنْ ظَاهِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ إِلَى مَا تَدْفَعُهُ بِدَائةُ الْعُقُولِ"

بَدَائه. تدفعه بدَائه العقول.

"إِلَى مَا تَدْفَعُهُ بِدَاءةُ الْعُقُولِ"

لا، بَدَائه العقول، جمع بديهة.

"إِلَى مَا تَدْفَعُهُ بَدَائَهُ الْعُقُولِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [سورة الشعراء:79] أَيْ يُطْعِمُنِي لَذَّةَ الْإِيمَانِ".

يعني ليس المراد به الطعام الحسي، والشراب الحسي؛ لأنَّ هذا لا يستقل به إبراهيم- عليه السلام- إنَّما هو شيء معنوي، يعني كما جاء في النبي- عليه الصلاة والسلام- حينما ذكر لهم الوصال وقالوا له إنَّك تواصل قال: «إني لست مثلكم، إنَّما أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، ومعلوم أنَّ هذا الطعام وهذا الشراب ليس بحسي إنَّما هو معنوي، ولو كان حسيًّا ما كان وصالًا.

"أَيْ يُطْعِمُنِي لَذَّةَ الْإِيمَانِ وَيَسْقِينِ حَلَاوَةَ الْقَبُولِ. وَلَهُمْ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [سورة الشعراء:80] وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا- إِذَا مَرِضْتُ بِمُخَالَفَتِهِ شَفَانِي بِرَحْمَتِهِ. الثَّانِي- إِذَا مَرِضْتُ بِمُقَاسَاةِ الْخَلْقِ، شَفَانِي بِمُشَاهَدَةِ الْحَقِّ."

وكل هذا خلاف الظاهر.

" وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ: إِذَا مَرِضْتُ بِالذُّنُوبِ شَفَانِي بِالتَّوْبَةِ. وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [سورة الشعراء:81] عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَالَّذِي يُمِيتُنِي بِالْمَعَاصِي يُحْيِينِي بِالطَّاعَاتِ. الثَّانِي: يميتني بالخوف يحييني بِالرَّجَاءِ. الثَّالِثُ: يُمِيتُنِي بِالطَّمَعِ وَيُحْيِينِي بِالْقَنَاعَةِ. وَقَوْلٌ رَابِعٌ: يُمِيتُنِي بِالْعَدْلِ وَيُحْيِينِي بِالْفَضْلِ. وَقَوْلٌ خَامِسٌ: يُمِيتُنِي بِالْفِرَاقِ وَيُحْيِينِي بِالتَّلَاقِ. وَقَوْلٌ سَادِسٌ: يُمِيتُنِي بِالْجَهْلِ وَيُحْيِينِي بِالْعَقْلِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْهُ مُرَادٌ مِنَ الْآيَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الْغَامِضَةَ، وَالْأُمُورَ الْبَاطِنَةَ، إِنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ حَذَقَ وَعَرَفَ الْحَقَّ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي عَمًى عَنِ الْحَقِّ وَلَا يَعْرِفُ الْحَقَّ فَكَيْفَ تُرْمَزُ لَهُ الْأُمُورُ الْبَاطِنَةُ، وَتُتْرَكُ الْأُمُورُ الظَّاهِرَةُ؟ هَذَا مُحَالٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ."

مثل هذه الأمور لا تنتهي هذه التأويلات التي لا تستند إلى دليل، هذه لا تنتهي، فكل من جاء بعد هؤلاء يؤوِّل بمثل هذه التأويلات حينئذٍ لا يُحتكم فيها إلى نص، ولا يُعرف المصيب من المخطئ، لكن تُجرى الأمور على ظواهرها كما هو الأصل أنَّ اللفظ ظاهره مراد إلا إذا منع من إرادة الظاهر ما هو أقوى منه وأصرح، فإنَّه حينئذٍ يُلجأ إلى تأويله، وهذا الشأن في جميع التأويل الذي هو في الأصل مرجوح، يسمونه التأويل، اعتماد القول المرجوح لمعارضة الراجح بما هو أقوى منه يُلجأ إليه أحيانًا عند المعارضة، وإلا فالأصل اعتماد الاحتمال الراجح.

" قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [سورة الشعراء:81]، {أَطْمَعُ} أَيْ أَرْجُو. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْيَقِينِ فِي حَقِّهِ، وَبِمَعْنَى الرَّجَاءِ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ سِوَاهُ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ:" خَطَايَايَ" وَقَالَ: لَيْسَتْ خَطِيئَةً وَاحِدَةً. قَالَ النَّحَّاسُ: خَطِيئَةٌ بمعنى خَطَايَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ".

لأنَّ المفرد إذا أضيف دل على العموم، المفرد مع الإضافة من صيغ العموم كما هو معروف.

" وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى التَّوْحِيدِ فِي قَوْلِهِ- عَزَّ وَجَلَّ-: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ} [سورة الملك:11] وَمَعْنَاهُ بِذُنُوبِهِمْ."

نعم؛ لأنَّه مفرد مضاف فيقتضي العموم.

" وَكَذَا {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [سورة البقرة:43] مَعْنَاهُ الصَّلَوَاتُ، وَكَذَا {خَطِيئَتِي} [سورة الشعراء:81] إِنْ كَانَتْ خَطَايَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ."

والصلاة هنا الجنسية، وتشمل جميع الصلوات.

" قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْلَهُ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [سورة الأنبياء:63] وَقَوْلَهُ: {إِنِّي سَقِيمٌ}[سورة الصافات:89] وَقَوْلَهُ: إِنَّ سَارَّةَ أُخْتُهُ. زَادَ الْحَسَنُ وَقَوْلُهُ لِلْكَوْكَبِ: {هَذَا رَبِّي}[سورة الصافات: 76]، وَقَدْ مَضَى بَيَانُ هَذَا مُسْتَوْفًى."

على كل حال الكذبات الثلاث التي صدرت منه- عليه السلام- وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- معروفة ثابتة في الصحيح، الحديث الصحيح حديث الشفاعة، وأنَّها كلها في ذات الله، يعني ما فيها شيء لحظ نفسه.

" وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْأَنْبِيَاءُ بَشَرٌ فَيَجُوزُ أَنْ تَقَعَ مِنْهُمُ الْخَطِيئَةُ، نَعَمْ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْكَبَائِرُ؛ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْهَا."

نعم لا تجوز عليهم الكبائر إجماعًا، ولا ما يكون مخلًّا بالتبليغ، ولا ما يخل بالتبليغ اتفاقًا، والخلاف في صدور الخطايا والصغائر هل تقع منهم أو لا؟ وعلى كل حال المسألة معروفة عند أهل العلم، والخلاف فيها مسطر. أمَّا قبل النبوءة فيقع منهم شيء من ذلك، وأمَّا بعد العصمة فقد يقع منهم ما هو خلاف الأولى وينبهون عليه، وقد يخطؤون في الاجتهاد فينبهون على أنَّ اجتهادهم وإن كان له وجه إلا أنَّه مرجوح، خلاف الصواب، كما في قصة أسرى بدر وما أشبهها.

" {يَوْمَ الدِّينِ}[سورة الشعراء:81] يَوْمَ الْجَزَاءِ، حَيْثُ يُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ. وَهَذَا مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِظْهَارٌ لِلْعُبُودِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».

طالب:..........

نعم.

طالب:.........

قيل: إنَّه خلاف الظاهر، يعني هي زوجته وإن كانت أخته في الدين، وليس على الدين إلا هو وهي، فهي أخته من هذه الحيثية، وفيه تعريض هذا، يسمى من المعاريض لا من الكذب، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}[سورة الشعراء:82]، {حُكْماً} مَعْرِفَةً بِكَ وَبِحُدُودِكَ وَأَحْكَامِكَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فَهْمًا وَعِلْمًا وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ. وقال الكلبي: نبوة ورسالة إِلَى الْخَلْقِ. {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أَيْ بِالنَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِي فِي الدَّرَجَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ تَأْكِيدُ قَوْلِهِ:" هَبْ لِي حُكْمًا". قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [سورة الشعراء:82] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ اجْتِمَاعُ الْأُمَمِ عَلَيْهِ."

هو تأكيد معنوي لما سبقه من قوله: {هَبْ لِي حُكْماً}؛ لأنَّه إذا وهب الحكم الصائب إذا وهب هذا فقد لحق بالصالحين.

"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ اجْتِمَاعُ الْأُمَمِ عَلَيْهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُوَ الثَّنَاءُ وَخُلْدُ الْمَكَانَةِ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَذَلِكَ أَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ، وَكُلَّ أُمَّةٍ تَتَمَسَّكُ بِهِ وَتُعَظِّمُهُ، وَهُوَ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُحَمَّدٌ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَقَالَ مَكِّيٌّ: وَقِيلَ مَعْنَاهُ سُؤَالُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَنْ يَقُومُ بِالْحَقِّ، فَأُجِيبَتِ الدَّعْوَةُ فِي مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ إِلَّا أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ لَا يُعْطِيهِ إِلَّا بِتَحَكُّمٍ عَلَى اللَّفْظِ. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: أَرَادَ الدُّعَاءَ الْحَسَنَ إِلَى.."

{وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [سورة الشعراء:82] يعني كونه محمدًا يدعو بأن يكون من ولده من يذكره في الأخرين كمحمد- عليه الصلاة والسلام- بالنسبة إلى إبراهيم، لو لم يذكر هذا القول يعني ما تنبه له الكثير من الناس؛ لأنَّ لفظ الآية لا يعطيه مباشرة هناك مدلولات ألفاظ، ومدلولات معاني، ومدلولات سياق، لكن يبُعد أن يستنبط هذا من اللفظ ولا من المعنى أيضًا.

"وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: أَرَادَ الدُّعَاءَ الْحَسَنَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِنَّ زِيَادَةَ اللفظ مَطْلُوبَةٌ فِي حَقِّ.."

الثَّوَابِ. فإن زيادة الثَّوَابِ.

" فَإِنَّ زِيَادَةَ الثَّوَابِ مَطْلُوبَةٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ.

قُلْتُ: وَقَدْ فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ؛ إِذْ لَيْسَ أَحَدٌ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَخَاصَّةً فِي الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى الْمَنَابِرِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْحَالَاتِ وَأَفْضَلُ الدَّرَجَاتِ. وَالصَّلَاةُ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ. والمراد باللسان الْقَوْلُ، وَأَصْلُهُ جَارِحَةُ الْكَلَامِ. قَالَ الْقُتَبِيُّ: وَمَوْضِعُ اللِّسَانِ مَوْضِعُ الْقَوْلِ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ، وَقَدْ تُكَنِّي الْعَرَبُ بِهَا عَنِ الْكَلِمَةِ. قَالَ الْأَعْشَى:

إِنِّي أَتَتْنِي لِسَانٌ لَا أُسَرُّ بِهَا"

يعني كلمة، عبَّر باللسان؛ لأنَّها تصدر عنه.

" مِنْ عَلْوُ لَا عَجَبٌ مِنْهَا وَلَا سَخَرُ

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُرْوَى مِنْ عَلْوُ بِضَمِّ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا. أَيْ أَتَانِي خَبَرٌ مِنْ أَعْلَى، وَالتَّأْنِيثُ لِلْكَلِمَةِ. وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ خَبَرُ مَقْتَلِ أَخِيهِ الْمُنْتَشِرِ. رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ-:{وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} لَا بَأْسَ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أَنْ يُثْنَى عَلَيْهِ صَالِحًا وَيُرَى فِي عَمَلِ الصَّالِحِينَ، إِذَا قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي}[سورة طه:31]"

لا بأس بذلك إذا كان الهدف منه أن يُقتدى به، يٌقتدى به ويعمل بعمله من أجل أن يكون له مثل أجر من عمل بهذا العمل إذا كان هذا هو القصد فلا مانع أن يُحب أن يُذكر بهذا العلم من أجل أن يُهتدى به، والله- جلَّ وعلا- يقول: {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [سورة آل عمران:188] استنبط منها بعضهم أنَّ من يُحب أن يُحمد بما فعل أنَّه لا يتناوله الذنب، وعلى كل حال كلما كان العمل أخفى كان أعظم أجرًا وأقرب إلى الإخلاص، اللهم إلا إذا ترتب على ذلك مصلحة راجحة كالاقتداء والاتساء ليناله من أجر مثل أجر من عمل به، فهذا مقصد حسن إن شاء الله تعالى.

" وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا} [سورة مريم:96] أَيْ حُبًّا فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَثَنَاءً حَسَنًا، فَنَبَّهَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ:{وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [سورة الشعراء:82]عَلَى اسْتِحْبَابِ اكْتِسَابِ مَا يُورِثُ الذِّكْرَ الْجَمِيلَ. قال اللَّيْثُ بْنُ سُلَيْمَانَ: إِذْ هِيَ الْحَيَاةُ الثَّانِيَةُ. قِيلَ:

قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَحْيَاءُ"

نعم، يقول الشاعر:

عمر الفتى ذكره لا طول مدته

وموته خزيه لا يومه الداني

فكون الإنسان يُذكر بالخير هذه حياته، أمَّا كونه يُعمَّر مئة سنة ولا يذكر بشيء فهذا لا قيمة له، هذا العمر لا قيمة له؛ لأنَّ العمر عبارة عن أنفاس وساعات ودقائق وأيام وليالي هذه لا تنفعه، إذ لم تضره ما نفعته إلا ما يودع فيها؛ لأنَّها خزائن ما ينفعه في الدار الأخرة.

"قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ شُيُوخِ الزُّهْدِ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُكْسِبُ الثَّنَاءَ الْحَسَنُ، قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ.. » الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةٍ «إِنَّهُ كَذَلِكَ فِي الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ وَكَذَلِكَ فِيمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا يُكْتَبُ لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي آخِرِ (آل عمران) والحمد لله."

نعم، جاء في عشر خصال أنَّها تستمر، يستمر عملها ولا ينقطع منها الثلاثة التي ذُكرت في الحديث، ومنها الغرس، ومنها توريث المصحف، ومنها البئر يحفرها، وما أشبه ذلك، المقصود أنَّها عشر خصال مذكورة عند أهل العلم.

" قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} [سورة الشعراء: 85] دُعَاءٌ بِالْجَنَّةِ وَبِمَنْ يَرِثُهَا، وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: لَا أَسْأَلُ جَنَّةً وَلَا نَارًا."

إنَّما يسأل الرضا من الله- جلَّ وعلا- لكن الله- جلَّ وعلا- ذكر عن خيار خلقه أنَّهم يسألونه الجنة ويستعيذون بالله من النار، وليس الإنسان على أي حال كان أفضل حالًا منهم، ومنهم من يجعل سؤال الجنة والاستعاذة من النار هذا من الشرك- نسأل الله السلامة والعافية- استدل بآخر آية في سورة الكهف، {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف:110] وأنَّه إذا نظر إلى الجنة والهرب من النار أنَّه قد أشرك بالله، ولا شك أنَّ هذا ضلال في الفهم؛ لأنَّ الله- جلَّ وعلا- ما ذكر لنا الجنة وبيَّن لنا أوصافها ورغبنا فيها إلا لنسأله إيَّاها، وما ذكر لنا النار وما فيها وما تشتمل عليه من أهوال إلا لنستعيذ بالله من شرها.

وبعضهم من باب هضم النفس يقول: إنَّه لا يسأل الله الجنة وإنَّما يكتفي بالاستعاذة من النار، يُذكر عن شخص أنَّه تعبد سبعين سنة، وأنَّه ما قال في يوم من الأيام إنَّه يسأل الجنة، ويذكر بأنَّه ليس بكفء للجنة، وإنَّما يكفيه أن يُعاذ من النار، وهو إذا أعيذ من النار دخل الجنة، ولا شك أنَّ مثل هذا قنوط ويشتمل على يأس وعدم ثقة بما عند الله- جلَّ وعلا-.

"قَوْلُهُ تعالى: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [سورة الشعراء:86] كَانَ أَبُوهُ وَعَدَهُ فِي الظَّاهِرِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ لِهَذَا، فَلَمَّا بَانَ أَنَّهُ لَا يَفِي بِمَا قَالَ تَبَرَّأَ مِنْهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى. {إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ} أَيِ الْمُشْرِكِينَ. وَ(كانَ) زَائِدَةٌ. {وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [سورة الشعراء:87] أَيْ لَا تَفْضَحْنِي عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، أَوْ لَا تُعَذِّبْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَرَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ» وَالْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ. وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ: يا رب إنك وعدتني ألا تخزيني يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ» انْفَرَدَ بِهِمَا الْبُخَارِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ} [سورة الشعراء:88] {يَوْمَ} بَدَلٌ مِنْ {يَوْمَ} الْأَوَّلِ. أَيْ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ أَحَدًا. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {وَلا بَنُونَ} الْأَعْوَانُ؛ لِأَنَّ الِابْنَ إِذَا لَمْ يَنْفَعْ فَغَيْرُهُ مَتَى يَنْفَعُ؟ وَقِيلَ: ذَكَرَ الْبَنِينَ؛ لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْرُ وَالِدِ إِبْرَاهِيمَ، أَيْ لَمْ يَنْفَعْهُ إِبْرَاهِيمُ. {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [سورة الشعراء:89] هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْكَافِرِينَ، أَيْ لَا يَنْفَعُهُ مَالُهُ وَلَا بَنُوهُ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، أَيْ لَكِنْ {مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يَنْفَعُهُ لِسَلَامَةِ قَلْبِهِ."

هذا يسمونه استثناءً منقطعًا؛ لأنَّه من غير الجنس، هو الاستثناء المنقطع على ما تقدم.

" وَخَصَّ الْقَلْبَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي إِذَا سَلِمَ سَلِمَتِ الْجَوَارِحُ، وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَتْ سَائِرُ الْجَوَارِحِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ (الْبَقَرَةِ). وَاخْتُلِفَ فِي الْقَلْبِ السَّلِيمِ فَقِيلَ: مِنَ الشَّكِّ وَالشِّرْكِ، فَأَمَّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ، قَالَهُ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: الْقَلْبُ السَّلِيمُ الصَّحِيحُ هُوَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ؛ لِأَنَّ قَلْبَ الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ مَرِيضٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [سورة البقرة:10] وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ السَّيَّارِيُّ: هُوَ الْقَلْبُ الْخَالِي عَنِ الْبِدْعَةِ الْمُطْمَئِنُّ إِلَى السُّنَّةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: سَلِيمٌ مِنْ آفَةِ الْمَالِ وَالْبَنِينَ. وَقَالَ الْجُنَيْدُ: السَّلِيمُ فِي اللُّغَةِ اللَّدِيغُ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ قَلْبٌ كَاللَّدِيغِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: السَّلِيمُ الْخَالِصُ."

السليم يُطلق على اللديغ سليم من باب التفاؤل، وإلا هو ضد اللديغ ضد السليم، لكنهم يطلقون عليه سليمًا من باب التفاؤل بسلامته، وكونه ضدًّا، يعني أنَّ الأصل خلافه، وحمل الآية على خلاف الأصل لا شك أنَّه مسلك غير مرضي، يعني {مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يعني لديغ، إنسان لديغ يعني كاللديغ من خوف الله- جلَّ وعلا-، لا شك أنَّ الخوف من الله- جلَّ وعلا- دالًا على سلامته، لكنه لا يُشبَّه باللديغ؛ لأنَّ اللدغ هذا مرض في الأصل.

" قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ شَتَاتَ الْأَقْوَالِ بِعُمُومِهِ وَهُوَ حَسَنٌ، أَيِ الْخَالِصُ مِنَ الْأَوْصَافِ الذَّمِيمَةِ، وَالْمُتَّصِفُ بِالْأَوْصَافِ الْجَمِيلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا بَنِيَّ لَا تَكُونُوا لَعَّانِينَ فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَلْعَنْ شَيْئًا قَطُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [سورة الشعراء:89]. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: الْقَلْبُ السَّلِيمُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ» يُرِيدُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي أنها خالية من كل ذَنْبٍ، سَلِيمَةٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، لَا خِبْرَةَ لَهُمْ بِأُمُورِ الدُّنْيَا، كَمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ."

المعروف أنَّه ضعيف، حديث ليس بصحيح، ضعيف، ما حكمه عندك؟

طالب:..........

لا، يكفي أنَّه قال ضعيف، كونهم أكثر أهل الجنة لا يقدح في الصحابة؛ يعني من الصحابة هم من القليل، لكنه ضعيف، سنده لا يستقيم.

 "أَيِ الْبُلْهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ."

يعني هم أصحاب الغفلة، أصحاب الصدور السليمة من الغش والحقد، الذين لا يحملون حقدًا على أحد، ولا يغشون الناس، وإنَّما هم أهل النصيحة.

" قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْأَبْلَهُ هُنَا هُوَ الَّذِي طُبِعَ عَلَى الْخَيْرِ وَهُوَ غَافِلٌ عَنِ الشَّرِّ لَا يَعْرِفُهُ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: الْبُلْهُ هُمُ الَّذِينَ غَلَبَتْ عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة الشعراء:90} أَيْ قُرِّبَتْ وَأُدْنِيَتْ لِيَدْخُلُوهَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قَرُبَ دُخُولُهُمْ إياها. {وَبُرِّزَتِ} [سورة الشعراء:91] أَيْ أُظْهِرَتِ {الْجَحِيمُ} يَعْنِي جَهَنَّمَ. {لِلْغاوِينَ} أَيِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ ضَلُّوا عَنِ الْهُدَى. أَيْ تَظْهَرُ جَهَنَّمُ لِأَهْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوهَا حَتَّى يَسْتَشْعِرُوا الرَّوْعَ وَالْحُزْنَ، كَمَا يَسْتَشْعِرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْفَرَحَ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ} [سورة الشعراء:92-93] مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ {هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ} [سورة الشعراء:93] مِنْ عَذَابِ اللَّهِ {أَوْ يَنْتَصِرُونَ} [سورة الشعراء:93] لِأَنْفُسِهِمْ. وَهَذَا كُلُّهُ تَوْبِيخٌ. {فَكُبْكِبُوا فِيها} [سورة الشعراء:94] أي قلبوا على رؤوسهم. وَقِيلَ: دُهْوِرُوا وَأُلْقِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَقِيلَ: جُمِعُوا. مَأْخُوذٌ مِنَ الْكَبْكَبَةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ كَوْكَبِ الشَّيْءِ أَيْ مُعْظَمِهِ. وَالْجَمَاعَةُ مِنَ الْخَيْلِ كَوْكَبٌ وَكَبْكَبَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جُمِعُوا فَطُرِحُوا فِي النَّارِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: دُهْوِرُوا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قُذِفُوا. وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. تَقُولُ: دَهْوَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتَهُ ثُمَّ قَذَفْتَهُ فِي مَهْوَاةٍ. يُقَالُ: هُوَ يُدَهْوِرُ اللُّقَمَ إِذَا كَبَّرَهَا. وَيُقَالُ: فِي الدُّعَاءِ كَبَّ اللَّهُ عَدُوَّ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُقَالُ أَكَبَّهُ. وَكَبْكَبَهُ، أَيْ كَبَّهُ وَقَلَبَهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَكُبْكِبُوا فِيها} [سورة الشعراء:94] وَالْأَصْلُ كُبِّبُوا فَأُبْدِلَ مِنَ الْبَاءِ الْوُسْطَى كَافٌ اسْتِثْقَالًا لِاجْتِمَاعِ الْبَاءَاتِ. قَالَ السُّدِّيُّ: الضَّمِيرُ في {فَكُبْكِبُوا} لمشركي العرب {وَالْغاوُونَ} الآلهة. {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ} [سورة الشعراء:95] مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ. وَقِيلَ: كُلُّ مَنْ دَعَاهُ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ فَاتَّبَعَهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: {الْغاوُونَ} هُمُ الشَّيَاطِينُ."

جنود إبليس أعم من أن يكونوا ممن دعاهم الشيطان فاتبعهم، قد تكون هذا في البداية ثم بعد ذلك هم يتولون مهمة إبليس- نسأل الله السلامة والعافية- فهم جنوده الذين يدعون الناس إلى ترك الحق واعتماد الباطل هم جنود إبليس، والله المستعان.

"{الْغاوُونَ} هُمُ الشَّيَاطِينُ. وَقِيلَ: إِنَّمَا تُلْقَى الْأَصْنَامُ فِي النَّارِ وَهِيَ حَدِيدٌ وَنُحَاسٌ لِيُعَذَّبَ بِهَا غَيْرُهُمْ. {قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ} [سورة الشعراء: 96] يَعْنِي الْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ وَالْغَاوِينَ وَالْمَعْبُودِينَ اخْتَصَمُوا حِينَئِذٍ. {تَاللَّهِ} [سورة الشعراء:97] حَلَفُوا بِاللَّهِ {إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سورة الشعراء:97] أَيْ فِي خَسَارٍ وَتَبَارٍ وَحَيْرَةٍ عَنِ الحق بينة إذا اتَّخَذْنَا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً فَعَبَدْنَاهَا كَمَا يُعْبَدُ، وهذا معنى قوله: {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ} [سورة الشعراء:98] أَيْ فِي الْعِبَادَةِ وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ الْآنَ نَصْرَنَا وَلَا نَصْرَ أَنْفُسِكُمْ. {وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} [سورة الشعراء:99] يَعْنِي الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ زَيَّنُوا لَنَا عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ. وَقِيلَ: أَسْلَافُنَا الَّذِينَ قَلَّدْنَاهُمْ."

نعم، {الْمُجْرِمُونَ} يعني الشياطين، هم شياطين الإنس والجن هم الذين أضلوهم.

طالب:..........

المرائي إذا استمر معه الرياء ولم يقاومه فيجعل من ينظر إليه بمنزلة الرب- جلَّ وعلا- هذه تسوية من هذه الحيثية.

" قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةُ: {الْمُجْرِمُونَ} إِبْلِيسُ وَابْنُ آدَمَ الْقَاتِلُ هُمَا أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْكُفْرَ وَالْقَتْلَ وَأَنْوَاعَ الْمَعَاصِي. {فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ} [سورة الشعراء:100] أَيْ شُفَعَاءَ يَشْفَعُونَ لَنَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ. {وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [سورة الشعراء:101] أَيْ صَدِيقٍ مُشْفِقٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْإِخْوَانِ فَإِنَّهُمْ عُدَّةُ الدُّنْيَا وَعُدَّةُ الآخرة، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ النَّارِ: {فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [سورة الشعراء:100-101] قال الزَّمَخْشَرِيُّ: وَجُمِعَ الشَّافِعُ لِكَثْرَةِ الشَّافِعِينَ وَوُحِّدَ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا امْتُحِنَ بِإِرْهَاقِ ظَالِمٍ مَضَتْ جَمَاعَةٌ وَافِرَةٌ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ لِشَفَاعَتِهِ، رَحْمَةً لَهُ وَحِسْبَةً وَإِنْ لَمْ تَسْبِقْ لَهُ بِأَكْثَرِهِمْ مَعْرِفَةٌ، وَأَمَّا الصَّدِيقُ فَهُوَ الصَّادِقُ فِي وِدَادِكَ الَّذِي يُهِمُّهُ مَا يُهِمُّكَ فَأَعَزُّ مِنْ بِيضِ الْأُنُوقِ، وَعَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّدِيقِ فَقَالَ: اسْمٌ لَا مَعْنَى لَهُ."

يعني لا وجود له.

" وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالصَّدِيقِ الْجَمْعَ. وَالْحَمِيمِ الْقَرِيبَ وَالْخَاصَّ، وَمِنْهُ حَامَّةُ الرَّجُلِ أَيْ أَقْرِبَاؤُهُ. وَأَصْلُ هَذَا مِنَ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ، وَمِنْهُ الْحَمَّامُ وَالْحُمَّى، فَحَامَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يُحْرِقُهُمْ ما أحرقه، يُقال: هم حُزَانَتُهُ أَيْ يُحْزِنُهُمْ مَا يُحْزِنُهُ. وَيُقَالُ: حُمَّ الشَّيْءُ وَأَحَمَّ إِذَا قَرُبَ، وَمِنْهُ الْحُمَّى؛ لِأَنَّهَا تُقَرِّبُ مِنَ الْأَجَلِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: إِنَّمَا سُمِّيَ الْقَرِيبُ حَمِيمًا؛ لِأَنَّهُ يَحْمَى لِغَضَبِ صَاحِبِهِ، فَجَعَلَهُ مَأْخُوذًا مِنَ الْحَمِيَّةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُذْهِبُ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- يَوْمَ الْقِيَامَةِ.."

أيضًا الحمية مأخوذة من الحرارة التي سبقت الإشارة إليها، مأخوذة منها؛ لأنَّ من يَحمى على أحد من الحمية لا شك أنَّه يؤثر عليه، فيحصل له شيء من الحرارة والغضب ويشتاط لذلك.

"وَقَالَ قَتَادَةُ: يُذْهِبُ اللَّهُ- عَزَّ وَجَلَّ- يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَوَدَّةَ الصَّدِيقِ وَرِقَّةَ الْحَمِيمِ. وَيَجُوزُ: {وَلَا صَدِيقٌ حَمِيمٌ} بِالرَّفْعِ عَلَى مَوْضِعِ { مِنْ شافِعِينَ}؛ لِأَنَّ {مِنْ شافِعِينَ} فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ."

لأنَّ (مِن) في الأصل زائدة من حيث المعنى، من حيث الإعراب يستقيم بدونها كما أنَّ {شافِعِينَ} وتُزاد (من) في سياق النفي للتأكيد، وإلا لو حذفت لاستقام المعنى.

" وَجَمْعُ صَدِيقٍ أَصْدِقَاءُ وَصُدَقَاءُ وَصِدَاقٌ. وَلَا يُقَالُ صُدُقٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ النَّعْتِ وَغَيْرِهِ. وَحَكَى الْكُوفِيُّونَ: أَنَّهُ يُقَالُ فِي جَمْعِهِ صُدْقَانُ. قال النَّحَّاسُ: وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا جَمْعُ مَا لَيْسَ بِنَعْتٍ نَحْوَ رَغِيفٍ وَرُغْفَانٍ. وحموا أيضًا صديق وأصادق. وأفاعل إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ أَفْعَلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَعْتًا نَحْوَ أَشْجَعَ وَأَشَاجِعَ. وَيُقَالُ: صَدِيقٌ لِلْوَاحِدِ والجماعة وللمرأة، قال الشاعر:

نَصَبْنَ الْهَوَى ثُمَّ ارْتَمَيْنَ قُلُوبُنَا

بِأَعْيُنِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صَدِيقُ

يعني مثل ما تقدم في عدو، يعني يُقال لمذكر ومؤنث ومفرد وجمع ومثنى مثله صديق.

"وَيُقَالُ: فُلَانٌ صُدَيِّقِي أَيْ أَخَصُّ أَصْدِقَائِي، وَإِنَّمَا يُصَغَّرُ عَلَى جِهَةِ الْمَدْحِ، كَقَوْلِ حباب ابن الْمُنْذِرِ:

أَنَا جُذَيْلُهَاالْمُحَكَّكُ

وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ

ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. قال النَّحَّاسُ: وَجَمْعُ حَمِيمٍ أَحِمَّاءٌ وَأَحِمَّةٌ، وَكَرِهُوا أفعلاء للتضعيف. {فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً} [سورة الشعراء:102] (أَنَّ) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، الْمَعْنَى وَلَوْ وَقَعَ لَنَا رُجُوعٌ إِلَى الدُّنْيَا لَآمَنَّا حَتَّى يَكُونَ لَنَا شُفَعَاءُ. تَمَنَّوْا حِينَ لَا يَنْفَعُهُمُ التَّمَنِّي، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ حِينَ شَفَعَ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ. قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَقُولُ فِي الْجَنَّةِ مَا فَعَلَ فُلَانٌ وَصَدِيقُهُ فِي الْجَحِيمِ؟ فَلَا يَزَالُ يَشْفَعُ لَهُ حَتَّى يُشَفِّعَهُ اللَّهُ فِيهِ فَإِذَا نَجَا قَالَ الْمُشْرِكُونَ: {فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [سورة الشعراء:100-101]». وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا اجْتَمَعَ مَلَأٌ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ، فِيهِمْ عَبْدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا شَفَّعَهُ اللَّهُ فِيهِمْ، وَإِنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ لَيَشْفَعُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ شَافِعُونَ مُشَفَّعُونَ. وَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا صَدِيقَيْنِ فِي الدُّنْيَا، فَيَمُرُّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُجَرُّ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ لَهُ أَخُوهُ: وَاللَّهِ مَا بَقِيَ لِي إِلَّا حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ أَنْجُو بِهَا، خُذْهَا أَنْتَ يَا أَخِي فَتَنْجُو بِهَا مِمَّا أَرَى، وَأَبْقَى أَنَا وَإِيَّاكَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ. قَالَ: فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِهِمَا جَمِيعًا فَيَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ. {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء:103]"

الدليل الصحيح يدل على خلاف ذلك وأنَّ كل شخص يقول: نفسي نفسي، الأم تقول ذلك وهي ترى ولدها، والولد يقول ذلك وهو يرى أمه يكاد أن يهلك، أمَّا المروي عن كعب من أخبار بني إسرائيل.

"{إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [سورة الشعراء:103-104] تَقَدَّمَ، وَالْحَمْدُ لله.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الشعراء:104] قَالَ: {كَذَّبَتْ} وَالْقَوْمُ مُذَكَّرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى كَذَّبَتْ جَمَاعَةُ قَوْمِ نُوحٍ، وَقَالَ: {الْمُرْسَلِينَ}؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَّبَ رَسُولًا فَقَدْ كَذَّبَ الرُّسُلَ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَسُولٍ يَأْمُرُ بِتَصْدِيقِ جَمِيعِ الرُّسُلِ. وَقِيلَ: كَذَّبُوا نُوحًا فِي النُّبُوَّةِ وَفِيمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ مَجِيءِ الْمُرْسَلِينَ بَعْدَهُ. وَقِيلَ: ذَكَرَ الْجِنْسَ وَالْمُرَادُ نُوحٌ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي (الْفُرْقَانِ).

{إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ} [سورة الشعراء:105] أَيِ ابْنُ أَبِيهِمْ، وَهِيَ أُخُوَّةُ نَسَبٍ لَا أُخُوَّةُ دِينٍ. وَقِيلَ: هِيَ أُخُوَّةُ الْمُجَانَسَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ} [سورة إبراهيم:4] وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي (الْأَعْرَافِ). وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: يَا أَخَا بَنِي تَمِيمِ. يُرِيدُونَ يَا وَاحِدًا مِنْهُمْ. قاله الزَّمَخْشَرِيُّ. وَمِنْهُ بَيْتُ الْحَمَاسَةِ:

لَا يَسْأَلُونَ أَخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ

فِي النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانًا

في مثل هذا السياق {إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} [سورة الشعراء:105] بالنسبة لنوح وغيره من الأنبياء الأخوة هنا أخوة نسب، هي أخوة نسب، فيجوز أن يقال: زيد أخو عمرو وإن اختلفا في الدين؛ لأنَّهما أخوان في النسب، أمَّا إذا كان لا يجمعهما نسب فلا تطلق الأخوة، ولو جمعتهم الإنسانية على حد زعمهم، وإلا فالأصل أنَّ الأخوة خاصة بمن يجمعه معه دين واحد {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [سورة الحجرات:10] وإذا لم يجتمع معه في الدين فليس بأخ له إلا إذا كان يجمعه معه النسب، فيجوز أن يقال: أخوه يعني من النسب، وإلا فالأصل أنَّ الأخوة هي أخوة الدين، الإيمان، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وتقطعت بهم الأسباب والعلائق والأنساب كلها تتقطع لا قيمة لها، لكن يجوز أن يُقال: زيد أخو عمرو؛ لأنَّه ابن أبيه، وابن أمه هو أخوه من حيث النسب، لكنه من حيث الدين من أبعد الناس عنه. 

" {أَلا تَتَّقُونَ} [سورة الشعراء:105] أَيْ أَلَا تَتَّقُونَ اللَّهَ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [سورة الشعراء:106] أَيْ صَادِقٌ فِيمَا أُبَلِّغُكُمْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: {أَمِينٌ} فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَرَفُوا أَمَانَتَهُ وَصِدْقَهُ مِنْ قَبْلُ كَمُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي قُرَيْشٍ. {فَاتَّقُوا اللَّهَ} [سورة الشعراء:108] أَيْ فَاسْتَتِرُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عِقَابِهِ."

يعني اجعلوا بينكم وبين عقاب الله وقاية.

" {وَأَطِيعُونِ} [سورة الشعراء:108] فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ من الايمان. {وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [سورة الشعراء:109] أَيْ لَا طَمَعَ لِي في مالكم. {إِنْ أَجْرِيَ} أَيْ مَا جَزَائِي {إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ}. {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [سورة الشعراء:110] كررهَ تَأْكِيدًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [سورة الشعراء:111] فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ} أَيْ نُصَدِّقُ قَوْلَكَ. {وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} (الْوَاوُ) لِلْحَالِ وَفِيهِ إِضْمَارُ (قَدْ) أَيْ وَقَدِ اتَّبَعَكَ. و{الْأَرْذَلُونَ} جَمْعُ الْأَرْذَلِ،.."

(الواو) هذه (واو) الحال، (واو) الحال إذا دخلت على المضارع فلابد من تقدير، لابد من تقدير حوت ضميرًا ومن الواو خلت، وإذا اقترنت بالمضارع فلابد من تقدير ليكون الحال جملة؛ ولذا قدّر فيه قال:" وَفِيهِ إِضْمَارُ (قَدْ) أَيْ وَقَدِ اتَّبَعَكَ" فالحال أنَّه قد اتبعك، لابد من أن تكون جملة، لابد من تقدير ضمير والضمير لا يستقل بنفسه إلا إذا أُدخل عليه عامله، فقلت: والحال أنَّه قد اتبعك، والشأن والحال أنَّه قد اتبعك.

وذات بدأ بمضارع ثبت

حوت ضميرًا ومن الواو خلت.

يقول: ماذا؟

وذات بدأ بمضارع ثبت

حوت ضميرًا ومن الواو خلت.

الأصل أنَّهت تخلو من الواو، لكن

وذات واو بعدها أنو مبتدأ

له المضارع اجعلن مسندًا

يعني اجعل المضارع هذا خبرًا لمبتدأ محذوف ليتم كون الحال جملة.

" {الْأَرْذَلُونَ} جَمْعُ الْأَرْذَلِ، المِكْسَر"

الْمُكَسَّرُ، يعني جمع التكسير، يعني الجمع السالم، جمع المذكر السالم من أرذلون، جمع الأرذل والْمُكَسَّرُ يعني جمع التكسير الْأَرَاذِلُ.

" {الْأَرْذَلُونَ} جَمْعُ الْأَرْذَلِ، الْمُكَسَّرُ الْأَرَاذِلُ وَالْأُنْثَى الرُّذْلَى وَالْجَمْعُ الرُذْل".

رُّذْلُ، رُّذْلُ.

"وَالْجَمْعُ الرُذْل، قَالَ النَّحَّاسُ: وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ في شيء مِنْ هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ عَلِمْنَاهُ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالضَّحَّاكُ وَيَعْقُوبُ الْحَضْرَمِيِّ وَغَيْرُهُمْ،"وَأَتْبَاعُكَ الْأَرْذَلُونَ". قال النَّحَّاسُ: وَهِيَ قِرَاءَةٌ حَسَنَةٌ، وَهَذِهِ (الواو) أكثرها تتبعها الأسماء والأفعال بقد. وَأَتْبَاعٌ جَمْعُ تَبَعٍ وَتَبِيعٍ يَكُونُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ. قَالَ الشَّاعِرُ:

لَهُ تَبَعٌ قَدْ يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ

عَلَى مَنْ يُدَانِي صَيِّفٌ وَرَبِيعُ

ارْتِفَاعُ "أَتْبَاعُكَ" يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالِابْتِدَاءِ وَ {الْأَرْذَلُونَ} الْخَبَرُ، التَّقْدِيرُ: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَإِنَّمَا أَتْبَاعُكُ الْأَرْذَلُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: {أَنُؤْمِنُ لَكَ} وَالتَّقْدِيرُ: أَنُؤْمِنُ لَكَ نَحْنُ وَأَتْبَاعُكَ الْأَرْذَلُونَ فَنُعَدُّ مِنْهُمْ، وَحَسُنَ ذَلِكَ الْفَصْلُ بِقَوْلِهِ:" لَكَ" وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي الْأَرَاذِلِ فِي سُورَةِ (هُودٍ) مُسْتَوْفًى.

وَنَزِيدُهُ هُنَا بَيَانًا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ: الثَّانِيَةُ- فَقِيلَ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ بَنُوهُ وَنِسَاؤُهُ وَكِنَّاتُهُ وَبَنُو بَنِيهِ. وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ أَمْ لَا. وَعَلَى أَنَّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَالْكُلُّ صَالِحُونَ".

وعلى أنَّ أو على أي؟ عندك وعلى أنَّ الوجهين؟

طالب: نعم.

يعني الأظهر وعلى أي الوجهين؛ لأنَّ هذا المعنى مراد، أي هذا ظاهر، وعلى أي الوجهين كان فالكل صالحون سواء كانوا من ذريته وتبعه فقط، أو معهم غيرهم. لا شك أنَّ الذين اتبعوه هم الصالحون سواء كانوا من أقاربه ومعارفه أو ذريته أو من غيرهم.

" وَعَلَى أَي الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَالْكُلُّ صَالِحُونَ، وَقَدْ قَالَ نُوحٌ: {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء:118] وَالَّذِينَ مَعَهُ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وَلَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ قَوْلِ الْكَفَرَةِ شَيْنٌ وَلَا ذَمٌّ بَلِ الْأَرْذَلُونَ هُمُ الْمُكَذِّبُونَ لَهُمْ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَقَدْ أُغْرِيَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَوَامِّ بِمَقَالَةٍ رُوِيَتْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: هُمُ الْحَاكَةُ وَالْحَجَّامُونَ. وَلَوْ كَانُوا حَاكَةً كَمَا زَعَمُوا لَكَانَ إِيمَانُهُمْ بِنَبِيِّ اللَّهِ وَاتِّبَاعُهُمْ لَهُ مُشَرِّفًا كَمَا تَشَرَّفَ بِلَالٌ وَسَلْمَانُ بِسَبْقِهِمَا لِلْإِسْلَامِ، فَهُمَا مِنْ وُجُوهِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَنْ أَكَابِرِهِمْ، فَلَا ذُرِّيَّةَ نُوحٍ كَانُوا حَاكَةً وَلَا حَجَّامِينَ، وَلَا قَوْلَ الْكَفَرَةِ فِي الْحَاكَةِ وَالْحَجَّامِينَ إِنْ كَانُوا آمنوا بهم أَرْذَلُونَ مَا يُلْحِقُ الْيَوْمَ بِحَاكَتِنَا ذَمًّا وَلَا نَقْصًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ الْكَفَرَةِ إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْكَفَرَةُ حُجَّةً وَمَقَالَتَهُمْ أَصْلًا، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ، وَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الصِّنَاعَاتِ لَيْسَتْ بِضَائِرَةٍ فِي الدِّينِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة الشعراء:112] (كَانَ) زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى: وَمَا عِلْمِي بِمَا يَعْمَلُونَ، أَيْ لَمْ أُكَلَّفِ الْعِلْمَ بِأَعْمَالِهِمْ إِنَّمَا كُلِّفْتُ أَنْ أَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ، وَالِاعْتِبَارِ بِالْإِيمَانِ لَا بِالْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ، وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا اتَّبَعَكَ هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءُ؛ طَمَعًا فِي الْعِزَّةِ وَالْمَالِ. فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهِمْ، وَإِنَّمَا إِلَيَّ ظاهرهم. وقيل: المعنى إني لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ وَيُضِلُّكُمْ وَيُرْشِدُهُمْ وَيُغْوِيكُمْ وَيُوَفِّقُهُمْ وَيَخْذُلُكُمْ. {إِنْ حِسابُهُمْ} [سورة الشعراء:113] أَيْ فِي أَعْمَالِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ {إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} [سورة الشعراء:113]"

(إن) هذه نافية، هذه نافية بدليل الاستثناء بعدها، {إِنْ حِسابُهُمْ} [سورة الشعراء:113] يعني ما حسابهم إلا على ربي.

"وَجَوَابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، أَيْ لَوْ شَعَرْتُمْ أَنَّ حِسَابَهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ لَمَا عِبْتُمُوهُمْ بِصَنَائِعِهِمْ.

 وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: {تَشْعُرُونَ} بِالتَّاءِ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ لِلْكُفَّارِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ السميقع: "لو يشعرون" بالياء كأنه خبر عَنِ الْكُفَّارِ وَتَرَكَ الْخِطَابَ لَهُمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: {حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [سورة يونس:22]. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ سُفْيَانَ عَنِ امْرَأَةٍ زَنَتْ وَقَتَلَتْ وَلَدَهَا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ، هَلْ يُقْطَعُ لَهَا بِالنَّارِ؟ فَقَالَ: {إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ}. {وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء:114] أَيْ لِخَسَاسَةِ أَحْوَالِهِمْ وَأَشْغَالِهِمْ. وَكَأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ طَرْدَ الضُّعَفَاءِ كَمَا طَلَبَتْهُ قُرَيْشٌ. {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [سورة الشعراء:115] يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ مَا أَرْسَلَنِي أَخُصُّ ذَوِي الْغِنَى دُونَ الْفُقَرَاءِ، وإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ أُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ، فَمَنْ أَطَاعَنِي فَذَلِكَ السَّعِيدُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ} [سورة الشعراء:116] أَيْ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا وَعَيْبِ دِينِنَا {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [سورة الشعراء:116] أَيْ بِالْحِجَارَةِ، قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: مِنَ الْمَقْتُولِينَ. قَالَ الثُّمَالِيُّ: كُلُّ مَرْجُومِينَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الْقَتْلُ إِلَّا فِي مَرْيَمَ: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} أَيْ لَأَسُبَّنَّكَ. وَقِيلَ: {مِنَ الْمَرْجُومِينَ} مِنَ المشتومين".

الرجم كما يكون بالحجارة يكون بالكلام، والرجم باللسان أحيانًا يكون أقوى من الرجم بالحجارة كالقذف، الأصل في القذف أنَّه في الحجارة، لكن لمَّا كان القذف باللسان أنكى من القذف بالحجارة أُطلق عليه مثل الرجم.

"وَقِيلَ: {مِنَ الْمَرْجُومِينَ} مِنَ المشتومين، قاله السدى. ومنه قول أبي دؤاد. {قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء:117-118] قَالَ ذَلِكَ لَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ. وَالْفَتْحُ الْحُكْمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. {فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [سورة الشعراء:119] يُرِيدُ السَّفِينَةَ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا. وَالْمَشْحُونُ الْمَمْلُوءُ،.."

يعني هل ذُكر قول أبي دؤاد؟ ذُكر عندكم أم ما ذُكر؟

"وَالْمَشْحُونُ الْمَمْلُوءُ، وَالشَّحْنُ.."

طالب:.........

كيف؟

طالب:........

في النسخ كما عندنا، كذا في جميع النسخ، وهنا سقط لعله بيت من الشعر أورده المؤلف شهد

على أنَّ الرجم معناه الشتم.

" وَالشَّحْنُ مَلْءُ السَّفِينَةِ بِالنَّاسِ وَالدَّوَابِّ وغيرهم. ولم يؤنث الفلك ها هنا؛ لأنَّ الفلك ها هنا وَاحِدٌ لَا جَمْعٌ. {ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ} [سورة الشعراء:120] أَيْ بَعْدَ إِنْجَائِنَا نُوحًا وَمَنْ آمَنَ. {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [سورة الشعراء:121-122].

قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ} [سورة الشعراء:123] التَّأْنِيثُ بِمَعْنَى الْقَبِيلَةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَتَكْذِيبُهُمُ الْمُرْسَلِينَ كَمَا تَقَدَّمَ. {إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ} [سورة الشعراء:124-127] بَيِّنٌ الْمَعْنَى وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [سورة الشعراء:128] الرِّيعُ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، جَمْعُ رِيعَةٍ. وَكَمْ رِيعُ أَرْضِكَ أَيْ كَمِ ارْتِفَاعُهَا؟ وَقَالَ قَتَادَةُ: الرِّيعُ الطَّرِيقُ. وهو قول الضحاك والكلبي ومقاتل والسدي. وقاله ابن عباس أيضًا. ومنه قول المسيب ابن عَلَسٍ:

فِي الْآلِ يَخْفِضُهَا وَيَرْفَعُهَا

رِيعٌ يَلُوحُ كأنه سحل

شَبَّهَ الطَّرِيقَ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ. قال النَّحَّاسُ: وَمَعْرُوفٌ.."

السحل جمعه سحول، الذي جاء في الحديث تكفينه- عليه الصلاة والسلام- «أنَّه كُفِّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية»، السحول جمع سحل، وقال هنا: (شَبَّهَ الطَّرِيقَ بِثَوْبٍ أَبْيَضَ)، وهي منسوبة إلى سحول قرية من قرى اليمن كما قال الشراح، وهي ثياب بيضاء.

" قال النَّحَّاسُ: وَمَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ أَنْ يُقَالَ لِمَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ: ريع، وللطريق ريع. قال الشاعر:

طِرَاقُ الْخَوَافِي مَشْرِقٌ فَوْقَ رِيعَةٍ

نَدَى لَيْلِهِ فِي رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ

وَقَالَ عِمَارَةُ: الرِّيعُ الْجَبَلُ، الْوَاحِدُ رِيعَةٌ، وَالْجَمْعُ رِيَاعٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْفَجُّ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ. وَعَنْهُ: الثَّنِيَّةُ الصَّغِيرَةُ. وَعَنْهُ: الْمَنْظَرَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: كَانُوا يَهْتَدُونَ بِالنُّجُومِ إِذَا سَافَرُوا، فَبَنَوْا عَلَى الطَّرِيقِ أَمْثَالًا طِوَالًا ليهتدوا بها، يدل عليه قوله تعالى: {آيَةً} أَيْ عَلَامَةً. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: الرِّيعُ بُنْيَانُ الْحَمَامِ، دَلِيلُهُ {تَعْبَثُونَ} أَيْ تَلْعَبُونَ، أَيْ تَبْنُونَ بِكُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ آيَةً. عَلَمًا تَلْعَبُونَ بِهَا عَلَى مَعْنَى أَبْنِيَةِ الْحَمَامِ وَبُرُوجِهَا. وَقِيلَ: تَعْبَثُونَ بِمَنْ يَمُرُّ فِي الطَّرِيقِ. أَيْ تَبْنُونَ بِكُلِّ مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ لِتُشْرِفُوا عَلَى السَّابِلَةِ فَتَسْخَرُوا مِنْهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّهُ عَبَثُ الْعَشَّارِينَ بِأَمْوَالِ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الريع الصَّوْمَعَةُ، وَالرِّيعُ الْبُرْجُ مِنَ الْحَمَامِ يَكُونُ فِي الصَّحْرَاءِ. وَالرِّيعُ التَّلُّ الْعَالِي. وَفِي الرِّيعِ لُغَتَانِ: كَسْرُ الرَّاءِ وَفَتْحُهَا وَجَمْعُهَا أَرْيَاعٌ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ} [سورة الشعراء:129] أَيْ مَنَازِلَ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقِيلَ: حُصُونًا مُشَيَّدَةً، قَالَه ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

تَرَكْنَا دِيَارَهُمْ مِنْهُمْ قِفَارًا

وَهَدَّمْنَا الْمَصَانِعَ وَالْبُرُوجَا

الأصل في المصانع تستعمل في الحياض الكبار التي تتخذ لجمع الماء، ويذكرها الفقهاء كمصانع طريق مكة في كتاب الطهارة باب المياة، نحو أنَّها لا تتأثر بما يرد عليها من نجاسات إلا إذا تغيرت، يشق نزحها؛ لأنَّها كبيرة. فالذي يظهر أنَّها مصانع خوابئ لجمع الماء، خوابئ كبيرة.

طالب:........

لا، هي المصانع هذا اللفظ، {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [سورة الشعراء:129]؛ لأنَّ وجود الماء وتوفره من أسباب البقاء.

" وَقِيلَ: قُصُورًا مُشَيَّدَةً، وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ أَيْضًا. وَعَنْهُ: بُرُوجُ الْحَمَامِ، وَقَالَهُ السُّدِّيُّ. قُلْتُ: وَفِيهِ بُعْدٌ عَنْ مُجَاهِدٍ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الرِّيعِ أَنَّهُ بُنْيَانُ الْحَمَامِ، فَيَكُونُ تَكْرَارًا فِي الْكَلَامِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَآجِلُ لِلْمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ. وَكَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّهَا مَصَانِعُ الْمَاءِ، وَاحِدَتُهَا مُصْنَعَةٌ وَمَصْنَعٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

بَلِينَا وَمَا تَبْلَى النُّجُومُ الطَّوَالِعُ

وَتَبْقَى الجبال بعدنا والمصانع

قال الْجَوْهَرِيُّ: الْمُصْنَعَةُ كَالْحَوْضِ يَجْتَمِعُ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ، وَكَذَلِكَ الْمُصْنُعَةُ بِضَمِّ النُّونِ. وَالْمَصَانِعُ الْحُصُونُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ لِكُلِّ بِنَاءٍ: مُصْنُعَةٌ. حَكَاهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: الْمَصَانِعُ عِنْدَنَا بِلُغَةِ الْيَمَنِ الْقُصُورُ الْعَاديةُ".

القصور العاديَّة يعني القديمة.

"الْمَصَانِعُ عِنْدَنَا بِلُغَةِ الْيَمَنِ الْقُصُورُ الْعَادِيَّةُ. {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [سورة الشعراء:129] أَيْ كَيْ تَخْلُدُوا. وَقِيلَ: (لَعَلَّ) اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ أَيْ فَهَلْ {تَخْلُدُونَ} كَقَوْلِكَ: لَعَلَّكَ تَشْتُمُنِي أَيْ هَلْ تَشْتُمُنِي؟ رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: كَيْمَا تَخْلُدُونَ لَا تَتَفَكَّرُونَ فِي الْمَوْتِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: كَأَنَّكُمْ خَالِدُونَ بَاقُونَ فِيهَا. وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ" كَأَنَّكُمْ تَخْلُدُونَ" ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. وَحَكَى قَتَادَةُ: أَنَّهَا كَانَتْ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ" كَأَنَّكُمْ خَالِدُونَ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [سورة الشعراء:130] الْبَطْشُ السَّطْوَةُ وَالْأَخْذُ بِالْعُنْفِ. وَقَدْ بَطَشَ بِهِ يَبْطُشُ وَيَبْطِشُ بَطْشًا. وَبَاطَشَهُ مُبَاطَشَةً."

أمَّا قوله: {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [سورة الشعراء:129] فاللام هذه (لام) التعليل، اتخذتم ما سبق وما ذُكر من أجل خلودكم، العلة في اتخاذهم ما ذُكر هي الخلود.

" وَقَدْ بَطَشَ بِهِ يَبْطُشُ وَيَبْطِشُ بَطْشًا. وَبَاطَشَةً مُبَاطَشَةً"

وَبَاطَشَهُ.

"وَبَاطَشَهُ مُبَاطَشَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْبَطْشُ الْعَسْفُ قَتْلًا بِالسَّيْفِ وَضَرْبًا بِالسَّوْطِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ظُلْمًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هُوَ ضَرْبٌ بِالسِّيَاطِ، وَرَوَاهُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَقِيلَ: هُوَ الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ فِي غَيْرِ حَقٍّ. حَكَاهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالْحَسَنُ: هُوَ القتل على الغضب مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ. وَكُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَى الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مِنْ غَيْرِ عَفْوٍ وَلَا إِبْقَاءٍ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَ مَالِكٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مُوسَى: {فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يَا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ} [سورة القصص:19] وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمْ يَسُلَّ عَلَيْهِ سَيْفًا وَلَا طَعَنَهُ بِرُمْحٍ، وَإِنَّمَا وَكَزَهُ وَكَانَتْ مَنِيَّتُهُ فِي وَكْزَتِهِ. وَالْبَطْشُ يَكُونُ بِالْيَدِ وَأَقَلُّهُ الْوَكْزُ وَالدَّفْعُ، وَيَلِيهُ السَّوْطُ وَالْعَصَا، وَيَلِيهُ الْحَدِيدُ، وَالْكُلُّ مَذْمُومٌ إِلَّا بِحَقٍّ. وَالْآيَةُ نَزَلَتْ خَبَرًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ، وَوَعْظًا مِنَ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- لَنَا فِي مُجَانَبَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الَّذِي ذَمَّهُمْ بِهِ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ."

نعم، هذه فائدة القصص، ما قصَّه الله- جلَّ وعلا- في كتابه عن الأمم السابقة إنَّما أراد من ذلك أن نعتبر ونتعظ ونترك الأسباب التي من أجلها أُخذوا وعُذبوا، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} [سورة يوسف:111] إنَّما يُقصد به أن نعتبر؛ ولذا جاء عن عمر- رضي الله عنه- قوله: مضى القوم ولم يُرد به سوانا، فهذه هي فائدة القصص في القرآن وغيره الاعتبار.

طالب:........

كيف؟

طالب:.........

على كل حال الآيات الأولى بالاعتبار بها والادكار المسلمون، هم الذين يبحثون عن هذه الأمور وإن كان البحث من أجل الآثار فقط فليس بطلب شرعي ولا هدف، كونه يوقف على ديارهم أو معرفة أحوالهم من غير أن نعتبر ولا نتعظ فلا قيمة، فالقرآن فيه عبرة وكفاية.

" قُلْتُ: وَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الْمَذْمُومَةُ قَدْ صَارَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَا سِيَّمَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مُنْذُ وَلِيَتْهَا الْبَحْرِيَّةُ".

البحرية المماليك، يقصدون بالمماليك البحرية.

" فَيَبْطِشُونَ بِالنَّاسِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا فِي غَيْرِ حَقٍّ. وَقَدْ أخبر- صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وكذا»."

نعم، هذا التبرج، تبرج الجاهلية الأولى وهو موجود الآن مع الأسف في كثير من أوساط المسلمين تجد المرأة كاسية عارية، تجد عليها من اللباس والنعم الشيء الكثير وهي شبه عارية كأنَّها في قعر بيتها- نسأل الله السلامة والعافية-.

طالب:........

على كل حال العورة لها حد عند الرجال، ولها حد عند النساء، ولها حد عند الأجانب، ولها حد عند المحارم، فعورة المرأة عند النساء كعورتها عند محارمها، ما تبديه لأبيها وأخيها وابن زوجها وعمها وخالها تبديه للنساء، وما عدا ذلك فلا؛ لأنَّ النساء عُطفن على المحارم في آيتي النور وآية أيضًا الأحزاب.

طالب:.........

نعم، إذا كانت تبديه لأبيها، هل جرت العادة بهذا؟ لا، ما يُمكن، فلا يُمكن أن تبدي لأبيها ما يحرُم نظره إليه، والنساء مثله.

طالب:.........

على كل حال المسألة مسألة شرعية، والستر لابد منه، والصيانة لابد منها، على المرأة أن تستتر وتصون نفسها، ولا تعرض نفسها ولا غيرها للفتنة.

" وخرج أبو داود مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ”. {جَبَّارِينَ} [سورة الشعراء:130] قَتَّالِينَ. وَالْجَبَّارُ الْقَتَّالُ فِي غَيْرِ حَقٍّ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ} [سورة القصص:19] قاله الهروي. وقيل: الجبار الْمُتَسَلِّطُ الْعَاتِي، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [سورة ق:45] أَيْ بِمُسَلَّطٍ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

سَلَبْنَا مِنَ الْجَبَّارِ بِالسَّيْفِ مُلْكَهُ

عَشِيًّا وَأَطْرَافُ الرِّمَاحِ شَوَارِعُ

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [سورة الشعراء:131] تَقَدَّمَ.

{وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ} [سورة الشعراء:132] أَيْ مِنَ الْخَيْرَاتِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِقَوْلِهِ: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (132) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [سورة الشعراء:132-133] أَيْ سَخَّرَ ذَلِكَ لَكُمْ وَتَفَضَّلَ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ وَيُشْكَرَ وَلَا يُكْفَرَ. {إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [سورة الشعراء:134] إِنْ كَفَرْتُمْ بِهِ وَأَصْرَرْتُمْ عَلَى ذَلِكَ. {قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ} [سورة الشعراء:135] كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ لَا نَسْمَعُ مِنْكَ وَلَا نَلْوِي عَلَى مَا تَقُولُهُ. وَرَوَى الْعَبَّاسُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَبِشْرٍ عَنِ الْكِسَائِيِّ: {أَوَعَظْتَ}"

التاء مشددة.

" {أَوَعَظْتَّ} مُدْغَمَةٌ الظَّاءِ فِي التَّاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الظَّاءَ حَرْفُ إِطْبَاقٍ إِنَّمَا يُدْغَمُ فِيمَا قَرُبَ مِنْهُ جِدًّا وَكَانَ مِثْلَهُ وَمَخْرَجَهُ. {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} [سورة الشعراء:136] أَيْ دِينُهُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: عَادَةُ الْأَوَّلِينَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ:" خَلْقُ الْأَوَّلِينَ"، والْبَاقُونَ {خُلُقُ}. قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَقَوْلُهُ- عَزَّ وَجَلَّ-: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأولين} أي اختلافهم وَكَذِبُهُمْ، وَمَنْ قَرَأَ: {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} فَمَعْنَاهُ عَادَتُهُمْ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَدَّثَنَا فُلَانٌ بِأَحَادِيثِ الْخُلُقِ أَيْ بالخرافات والأحاديث المفتعلة. وقال ابن الاعرابي: الْخَلَقُ الدِّينُ، وَالْخُلُقُ الطَّبْع،ُ وَالْخُلُقُ الْمُرُوءَةُ. قَالَ النَّحَّاسُ: {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} عِنْدَ القراء"

الْفَرَّاءِ، الْفَرَّاءِ.

" {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} عِنْدَ الْفَرَّاءِ يَعْنِي عَادَةَ الْأَوَّلِينَ. وَحَكَى لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} مَذْهَبُهُمْ وَمَا جَرَى عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَانِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى الله عليه وسلم-: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» أَيْ أَحْسَنُهُمْ مَذْهَبًا وَعَادَةً وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ-، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ فَاجِرًا فَاضِلًا، وَلَا أَنْ يَكُونَ أَكْمَلَ إِيمَانًا مِنَ السَّيِّئِ الْخُلُقِ الَّذِي لَيْسَ بِفَاجِرٍ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: حُكِيَ لَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ مَعْنَى {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ}"

قال محمد بن يزيد الذي تكرر ذكره المُبَرِّد.

" أَنَّ مَعْنَى {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} تَكْذِيبُهُمْ وَتَخَرُّصُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَمِيلُ إِلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَ؛، لِأَنَّ فِيهَا مَدْحَ آبَائِهِمْ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ الْقُرْآنُ فِي صِفَتِهِمْ مَدْحُهُمْ لِآبَائِهِمْ، وَقَوْلِهِمْ: {إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ} [سورة الزخرف:22]. وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ قَرَأَ:" خُلْقُ" بِضَمِّ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ تَخْفِيفُ" خُلُقُ". وَرَوَاهَا ابْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَصْحَابِ نَافِعٍ عَنْ نَافِعٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى {خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} دِينُ الْأَوَّلِينَ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [سورة النساء:119] أَيْ دِينَ اللَّهِ. وَ{خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} عَادَةُ الْأَوَّلِينَ: حَيَاةٌ ثُمَّ مَوْتٌ وَلَا بَعْثَ. وَقِيلَ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْكَرْتَ عَلَيْنَا مِنَ الْبُنْيَانِ وَالْبَطْشِ إِلَّا عَادَةُ مَنْ قَبْلَنَا فَنَحْنُ نَقْتَدِي بِهِمْ {وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سورة الشعراء:138] عَلَى مَا نَفْعَلُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى خَلْقُ أَجْسَامِ الْأَوَّلِينَ، أَيْ مَا خُلِقْنَا إِلَّا.."

ما خَلْقُنَا.

" أي ما خَلْقُنَا إلا كَخَلْقِ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ خُلِقُوا قبلنا وماتوا، ولم ينزل بهم شيء مِمَّا تُحَذِّرُنَا بِهِ مِنَ الْعَذَابِ. {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ} [سورة الشعراء:139] أَيْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ عَلَى مَا يَأْتِي فِي (الْحَاقَّةِ). {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء:139] قَالَ بَعْضُهُمْ: أَسْلَمَ مَعَهُ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ وَمِئُونَ وَهَلَكَ بَاقِيهِمْ. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [سورة الشعراء:140].

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد.

"
مباشر شرح المقنع في فقه الإمام أحمد