كتاب الجهاد من سبل السلام (1)

عنوان الدرس: 
كتاب الجهاد من سبل السلام (1)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ صفر/ 1441 7:00 ص

سماع الدرس

نعم.

"أحسن الله إليك.

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 قال -رحمه الله تعالى- في البلوغ وشرحه في كتاب الجهاد: عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله".

ما عندك تعريف الجهاد؟

"قال: كتاب الجهاد: الْجِهَادُ مَصْدَرُ جَاهَدْت جِهَادًا أَيْ بَلَغْت الْمَشَقَّةَ، هَذَا مَعْنَاهُ لُغَةً، وشرعًا بَذْلُ الْجَهْدِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ أَوْ الْبُغَاةِ".

الجهاد والاجتهاد: بذل الوسع واستفراغ الوسع وبذل الجهد؛ لتحصيل أمر، ولا بد فيه من المشقة، فلا يقال: جهاد إلا إذا كان فيه مشقة، ولا يقال: اجتهاد إلا إذا كان فيه كلفة ومشقة، يمثلون يقولون: اجتهد فلان في حمل الرحى، الرحى شاقة ثقيلة، لكن هل يقال: اجتهد في حمل القلم أو حمل نواة؟

لا، ما يقال: يجتهد، ما يحتاج إلى اجتهاد ولا جهاد.

"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ» أي بالغزو «مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْعَزْمِ عَلَى الْجِهَادِ، وَأَلْحَقُوا بِهِ كُلّ فعل وَاجِبٍ، قَالُوا: فَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الْمُطْلَقَةِ كَالْجِهَادِ وَجَبَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ عِنْدَ إمْكَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ وَجَبَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ".

يعني لا بد للمسلم أن يُبيت في نفسه دومًا أنه لا يرتكب محظورًا، وأنه يفعل المأمور، ثم يبقى فعل المحظور بدون استثناء، ترك المحظور بدون لا يحتاج إلى استثناء، وفعل المأمور مع القدرة عليه وعند حصوله ووجوده؛ لأنه إذا عُدِم لا يمكن أن يمتثل، يعني في بلد وشخص ما عنده مال، هو يعزم على الزكاة إذا وُجِد النصاب، لكن لو بيّت في نفسه أنه لن يزكي ولو وُجد عنده نصاب أو بيّت في نفسه أنه لن يجاهد حتى ولو وجد الجهاد، هذا يأثم، يأثم بهذه النية، ومع ذلك عليه أن يعزم على فعل الواجبات وترك المحرمات.

"وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَدِيثِ هُنَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَغْزُ بِالْفِعْلِ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ النِّفَاقِ، فَقَوْلُهُ: وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَزْمِ الَّذِي مَعْنَاهُ عَقْدُ النِّيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ، بَلْ مَعْنَاهُ هُنَا: لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنْ يَغْزُوَ، وَلَا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ وَلَوْ سَاعَةً مِنْ عُمْرِهِ وَلَوْ حَدَّثَهَا بِهِ، وَأَخْطَرَ الْخُرُوجَ لِلْغَزْوِ بِبَالِهِ حِينًا مِنْ الْأَحْيَانِ خَرَجَ مِنْ الِاتِّصَافِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ النِّفَاقِ".

يعني فرقٌ بين من يقول: الحمد لله أنه ما فيه جهاد، وبين من يقول بأن من يسأل الله -جلّ وعلا- أن يرفع علم الجهاد، بون شاسع، وبين هاتين المرتبتين من لا يدعو بحصول الجهاد، ومن لا يرى أن ذلك نعمة أو فضل من الله أن الجهاد لم يوجد، أنه متى وُجِد مستعد، مجهِّز نفسه أنه متى وجد الجهاد جاهد، فهي مراحل، من الناس من يقول: الحمد لله أني أعرج حمدًا، لله أني أعمى ما يلزمني جهاد، وبين من يقول: ليتي كنت بصيرًا فأجاهد، وثالث يرضى بما كتب الله له فلا يفرح بكونه معذورًا، ولا يتمنى أن يوجد الجهاد، فهي مراحل، ثلاث مراتب، فكون الإنسان يوطِّن نفسه أنه متى حضر وقت الوجوب في أي عبادة من العبادات أنه لن يتأخر عن أدائها هذا يكفي.

"وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ» أَيْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأُمُورِ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ غَيْرُ الْعَزْمِ وَعَقْدِ النِّيَّةِ".

كما تقدم بنا مرارًا أن مراتب القصد خمسة: الخاطر، الهاجس، حديث النفس، الهم، العزم، مراتب القصد خمسٌ هاجسٌ ذكروا أو خاطرٌ ذكروا فهاجسٌ أو فخاطر في الترتيب فخاطرٌ فحديث النفس فاستمع.

مراتب القصد خمسٌ هاجس ذكروا      فخاطر فحديث النفس واستمع

 يليه همٌ فعزمٌ كلها رُفعت                إلا الأخير ففيه الإثم قد وقع

الذي هو العزم، نعم.

"وَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِفِعْلِ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهَا أَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ مَنْ لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهَا أَصْلًا".

يعني وجبت عليه صلاة، ومات في أثناء الوقت، ومعروف، عادته مطردة منذ وُلِد وهو يُصلي منذ كُلِّف وهو يصلي، هل نقول: إنه آثم بحيث دخل عليه الوقت وصلّى وعازم على أن يصلي، هذا يكفيه العزم ما لم تخرج الصلاة عن وقتها، ويأثم إذا لم يؤدها مع الجماعة، لكن لا يقال: إنه تارك للصلاة حتى يخرج الوقت.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

هو له شُعبة أو تعلُّق بالقلب؛ لأن العزم من أعمال القلوب.

"وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ".

جاهدوا المشركين بأموالكم، وأكثر النصوص تُقدِّم الجهاد بالمال على النفس، أكثر النصوص فيها تقديم الجهاد بالمال على النفس، وما جاء في القرآن إلا مرة واحدة في تقديم النفس {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}[التوبة:111] نعم، الألسنة يدخل فيها الكلام، ويدخل فيها الكتابة والأقلام وما أشبه ذلك، فمجاهدة الكفار على أنحاء وأنواع منها ما يكون بالمال، ومنها ما يكون بالنفس، ومنها ما يكون باللسان، ومنها ما يكون بالقلم وهكذا.

"الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْجِهَادِ بِالنَّفْسِ، وَهُوَ بِالْخُرُوجِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلْكُفَّارِ، وَالْمَالِ وَهُوَ بَذْلُهُ لِمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ النَّفَقَةِ فِي الْجِهَادِ وَالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُراد مِنْ عِدَّةِ آيَاتٍ فِي الْقُرْآنِ {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 41].

 وَالْجِهَادُ بِاللِّسَانِ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَدُعَائِهِمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَبِالْأَصْوَاتِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالزَّجْرِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ نِكَايَةٌ لِلْعَدُوِّ {وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120]. «وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِحَسَّانَ: إنَّ هَجْوَ الْكُفَّارِ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ».

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟» هُوَ خَبَرٌ فِي مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَعَلَى النِّسَاءِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: «قَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَأْذَنْت النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ».

 وَفِي لَفْظٍ لَهُ آخَرَ: «سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنْ الْجِهَادِ فَقَالَ: نِعمَ الْجِهَادُ الْحَجُّ»".

يعني هذا هو الجهاد المتاح بالنسبة للنساء، هذا ليس عليهن جهاد أو مقاتلة الأعداء، إنما يجاهدن في الحج، وجاءت تسميته في سبيل الله كما جاءت تسمية الجهاد في سبيل الله، ففيه وجه شبه بين الجهاد والحج، ولذا يرى جمعٌ من أهل العلم أن الزكاة تُصرَف في الحج، كما تُصرف في الجهاد.

 وعلى كل حال الجهاد الحج في سبيل الله هو جهاد من لا يستطيع الجهاد حقيقةً أو حكمًا، حقيقةً أو حكمًا، يعني نظير ما يقال في مثل هذه الأيام إن الجهاد المتاح في مثل هذه الأيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه ضرب من ضروب الجهاد، هذه مجاهدة للفساق، مجاهدة للمنافقين، مجاهدة لهوى النفس وما أشبه ذلك.

"وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «جِهَادُ الْكَبِيرِ أَيْ الْعَاجِزِ وَالْمَرْأَةِ وَالضَّعِيفِ الْحَجُّ»، دَلَّ مَا ذُكِرَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَنَّ الثَّوَابَ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ ثَوَابِ جِهَادِ الرِّجَالِ حَجُّ الْمَرْأَةِ وَعُمْرَتُهَا؛ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسَاءَ مَأْمُورَاتٌ بِالسَّتْرِ وَالسُّكُونِ، وَالْجِهَادُ يُنَافِي ذَلِكَ؛ إذْ فِيهِ مُخَالَطَةُ الْأَقْرَانِ، وَالْمُبَارَزَةُ، وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ، وَأَمَّا جَوَازُ الْجِهَادِ لَهُنَّ فَلَا دَلِيلَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَقَدْ أَرْدَفَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْبَابَ بِبَابِ: خُرُوجِ النِّسَاءِ لِلْغَزْوِ وَقِتَالِهِنَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ".

يعني الجهاد لا على سبيل الإلزام على النساء، يعني هل يجب على النساء؛ لأن على كذا يعني من الألفاظ التي يستدل بها على الوجوب، فلا يجب عليهن جهاد، لكن لو خرجت المرأة، المرأة ليس عليها جمعة، لكن لو حضرت أجزأتها، المسافر ليس عليه جمعة، لكن لو حضر أجزأه، الأعرج ليس عليه جهاد، لكن لو شارك، الأعمى ليس عليه جهاد، لكن لو شارك أُجِر.

طالب: ....

نعم.

طالب: ....

هو فيه على حسب المصلحة المرتبة والمفسدة المترتبة، إذا كان هناك مصلحة من خروجها، وليس هناك أدنى مفسدة فمثل هذا النساء في عهده -عليه الصلاة والسلام- منهن من يخرج لنقل الماء، ولمداواة الجرحى، وما أشبه ذلك، لكن على سبيل الإيجاب لا.

طالب: ...

أنت من الأولين. نعم معروف هذا.

طالب: ...

أم ورقة ماذا فيها؟

طالب:...

هو لا بأس أن تخرج، لكن لا يجب عليها ولا يلزمها، وهذا أيضًا مربوط بالمصالح والمفاسد؛ لأنها مُنعت لوجود مصلحة راجحة ومفسدة ظاهرة، لكن إذا انتفت المفسدة، وترجحت المصلحة، وأرادت أن تخرج من غير إلزام كان من باب العزيمة.

"وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ خِنْجَرًا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَقَالَتْ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اتَّخَذْتُهُ إنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْت بَطْنَهُ»، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِتَالِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تقتل إلَّا مُدَافِعَةً".

تقاتل، لا تقاتل إلا مدافعَة. تقاتل.

"لا تقاتِل إلا مدافعَة، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا تَقْصِدُ الْعَدُوَّ إلَى صَفِّهِ وَطَلَبَ مُبَارَزَتِهِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جِهَادَهُنَّ إذَا حَضَرْنَ مَوَاقِفَ الْجِهَادِ سَقْيُ الْمَاءِ، وَمُدَاوَاةُ الْمَرْضَى، وَمُنَاوَلَةُ السِّهَامِ.

وعن عبد الله بن عمروٍ أنه جاء".

ابن عمرو أم ابن عمر؟

طالب: عندي عمرو يا شيخ.

عندي ابن عمر، ماذا عندك؟

طالب:...

نعم.

"قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-يستأذنه في الجهاد فقال: «أحيٌ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد». متفقٌ عليه، سُمي إتعاب النفس في القيام بمصالح الأبوين، وإرغام النفس في طلب ما يرضيهما، وبذل المال في قضاء حوائجهما جهادًا، من باب المشاكلة لما استأذنه في الجهاد من باب قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}[الشورى:40] فيحتمل أن يكون مجازًا".

فالسيئة الأولى سيئة بلا شك، والسيئة التي هي معاقبة الجاني حسنة ليست بسيئة، لكن هذا من باب المشاكلة.

"ويحتمل أن يكون مجازًا بعلاقة الضدية".

أو استعارة؟

طالب:...

استعارة نعم.

"لأن الجهاد فيه إنزال الضرر بالأعداء، فاستعمل في إنزال النفع بالوالدين، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُ الْجِهَادِ مَعَ وُجُودِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا؛ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ".

يسقط فرضه إذا منع. إذا منع إذا أذنا فلا يسقط.

"مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ أَنَّ أَبَاهُ جَاهِمَةَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْت الْغَزْوَ وَجِئْت لِأَسْتَشِيرَك فَقَالَ: «هَلْ لَك مِنْ أُمٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: الْزَمْهَا»، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَسَوَاءٌ تَضَرَّرَ الْأَبَوَانِ بِخُرُوجِهِ أَوْ لَا. وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجِهَادُ عَلَى الْوَلَدِ إذَا مَنَعَهُ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ؛ لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَالْجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلَا.

 فَإِنْ قِيل: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ أَيْضًا، وَالْجِهَادُ عِنْدَ تَعْيِينِهِ فَرْضُ عَيْنٍ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ، فَمَا وَجْهُ تَقْدِيمِ الْجِهَادِ؟

قُلْت: لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ أَعَمُّ؛ إذْ هِيَ لِحِفْظِ الدِّينِ، وَالدِّفَاعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، فَمَصْلَحَتُهُ عَامَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا، وَهُوَ يُقَدَّمُ عَلَى مَصْلَحَةِ حِفْظِ الْبَدَنِ.

وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ، وَأَنَّ الْمُسْتَشَارَ يُشِيرُ بِالنَّصِيحَةِ الْمَحْضَةِ؛ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَ مِنْ مُسْتَشِيرِهِ لِيُدِلَّهُ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ. وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ وَوَالِدَاهُ فِي الْحَيَاةِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا كَمَا دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ: وَزَادَ أبو سعيد في رواية، وزاد أَيْ أَبُو سَعِيدٍ فِي رِوَايَةٍ: «ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَك» بِالْخُرُوجِ لِلْجِهَادِ «وَإِلَّا فَبِرَّهمَا» بِعَدَمِ الْخُرُوجِ لِلْجِهَادِ وَطَاعَتِهِمَا.

 وعن جرير البجلي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أنا بريء من كل مسلمٍ يقيم بين المشركين» رواه الثلاثة، وإسناده صحيح، ورجح البخاري إرساله، وكذا رجح أبو حاتم وأبو داوود والترمذي والدراقطني إرساله إلى قيس بن حازم، ورواه الطبراني موصولاً.

 والحديث دليل على وجوب الهجرة من ديار المشركين من غير مكة، وهو مذهب الجمهور؛ لحديث جريرٍ هذا، وَلِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا بلفظ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ عَمَلًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ أَوْ يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ»، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97] الْآيَةَ، وَذَهَبَ الْأَقَلُّ إلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ مَنْسُوخَة، وهو قوله".

للحديث الآتي، للحديث الآتي، وهو قوله..

على كل حال الهجرة جاءت فيها النصوص في مدحها، والأمر بها، وأنها باقية إلى قيام الساعة، من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وأما المنسوخ فالهجرة من مكة إلى المدينة؛ لأنها صارت دار إسلام، كما جاء في حديث: «لا هجرة بعد الفتح» يعني من مكة، وأما من بقية بلاد الكفر فهي ما زالت باقية إلى قيام الساعة.

 ولا شك أن الذي يبقى في بلاد الكفر مع قدرته على الهجرة أنه ظالم لنفسه، وأنه معرض لدينه للخطر، ودين أولاده، والوقائع تشهد بذلك، فكم من أسرة ارتد أفرادها أو أطفالها أو نساؤها عن الإسلام؛ بسبب الإقامة بين ظهراني المشركين، وكون الإنسان المسلم يجعل المشركين والكفار يتولون تربية أولاده هذه خيانة في الأمانة التي كُلف بها، وهي حفظ الأولاد والنساء والذراري، وقد يتغير الإنسان نفسه، نسأل الله العافية.

 المغريات تجره إلى أن يعصي، والمعاصي تجره إلى ما هو أعظم من ذلك، إلى أن يصل إلى حد الردة، كما هو حاصل في كثير من بلاد الكفار، وحصل من المسلمين الذين هاجروا إليها حصلت كوراث ووقائع يندى لها الجبين، مسلمون هاجروا من بلاد المسلمين- نسأل الله السلامة والعافية- إيثارًا للدنيا على الدين، فالدين يلزم المسلم بالهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وهؤلاء يهاجرون -على حد زعمهم- من بلاد الإسلام إلى بلاد الشرك، نسأل الله السلامة والعافية.

 الإنسان قد يحصل له تضييق في ماله أو في بدنه أو شيء من ذلك، لكن ليس هذا مبررًا أن يرتكب أعظم المفاسد؛ من أجل أن يقي بدنه أو ماله أو ما أشبه ذلك، والله المستعان.

طالب:...

نعم.

طالب: ....

العلة واحدة العلة واحدة.