كتاب الجنايات من المحرر في الحديث - 03

عنوان الدرس: 
كتاب الجنايات من المحرر في الحديث - 03
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 9:30 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- "وعن عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنه-" عمران بن حصين من خيار الصحابة وأجلائهم، جاء في الصحيح أنه في مرضه الذي مات فيه كان يسلَّم عليه، يسلَّم عليه، يسمع السلام قال: فاكتوى، فانقطع التسليم، فندم، فعاد التسليم، هذه كرامة، كرامة لهذا الرجل، الصحابي الجليل يسلَّم عليه، وقد لا تكون حصلت لمن هو أفضل منه، لكن كرامات الأولياء معروفة، وما عليه أهل السنة والجماعة الاعتراف بكرامات الأولياء، وليست بدليل على أنه أفضل من غيره، فقد تحصل للشخص، ولا تحصل لمن هو فوقه في العلم والفضل والدين؛ لحكمة إلهية، إما لتثبيت أو لنفاذ قول، أو ما أشبه ذلك.

 المقصود أن الكرامات موجودة. عمران بن حصين كان يسلم عليه، فاكتوى؛ لأنه مريض، ولا شك أن الكي نوع من أنواع الطب الذي جاء الخبر الصحيح أنه نافع وسبب للشفاء، بإذن الله تعالى، لكنه خلاف الأولى، خلاف الأولى، ولذا جاء في وصف السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يكتوون، لا يكتوون، وهو خلاف الأولى، وجاء في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أنه شفاء، وأنه سبب، وأنه علاج، لكن تركه هو الأولى، لما اكتوى انقطع التسليم؛ لأنه لما ارتكب خلاف الأولى نزل عن درجة الكمال التي يستحق بها هذه الكرام، ندم والندم توبة كما تعلمون، وكما جاء في الحديث، فعاد التسليم، فمن فعل الأوصاف، أو خلاف الأوصاف التي جاءت في وصف السبعين الألف، ثم ندم على ذلك، هل يستحق هذا الوعد أو لا؟

يعني استرقى واكتوى وندم، سمع الحديث وندم على ذلك، أو نقول: إن هذه مرتبة خاصة لأناس هذه أوصافهم، فمن باشر الأوصاف التي لا ينال هذه المرتبة مع وجودها فاتته هذه المرتبة، كونه يدخل الجنة بغير حساب؛ لأنه لا يسترقي، لا يطلب من يرقيه، ولا يكتوي، ولا يتطيَّر، وعلى ربه يتوكل، هذا استرقى، ثم لما سمع الحديث ندم؛ طمعًا في هذه المنزلة العليا، عمران بن حصين لما ندم عاد التسليم، لكن هذا شيء، وذاك شيء آخر.

 وعلى كل حال الإنسان لا يبالغ في الرجاء مع سوء العمل، ولا يبالغ في الخوف مع وجود رحمة أرحم الراحمين؛ لأن الناس بين طرفي نقيض، منهم من يثق بنفسه وبعمله وأدنى شيء يفعله يظنه بلغ مبلغًا لم يبلغه أحد، وإذا جلس وتخلف بعد الناس ربع ساعة بالمسجد، وتحرك الباب، قال: جاء من يسلم عليه، وجاء في تراجم بعض العباد أنه تعبد سبعين سنة، ولم يسأل الله الجنة قال: أنا لست بكفؤ للجنة، إنما يكفيني أن يعيذني من النار.

والمسألة لا هذا ولا هذا، لا إفراط ولا تفريط، لا إفراط ولا تفريط، ينبغي أن يكون المسلم بين الخوف والرجاء بحيث لا يأمن من مكر الله، ولا ييأس من روح الله؛ لأن الأمن واليأس كلاهما من عظائم الأمور، نسأل الله العافية.

 "وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- أن غلامًا" يعني صغير لم يكلف وليس معناه أنه عبد، ويمكن حمله على أنه عبد، لكن قالوا: هو صغير، ما الذي دعاهم إلى ذلك، غلامًا صغيرًا "لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتوا النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يجعل لهم شيئًا".

لأنه لو كان كبيرًا، لو كان كبيرًا لأقيد الجروح قصاص الأذن بالأذن، الأذن بالأذن يقتص منه، لكن هذا الصغير، ولو كان متعمدًا فإنه لا يقتص منه؛ لأن عمد الصبي والمجنون حكمه حكم الخطأ، حكمه حكم الخطأ، فلم يقتص منه؛ لأنه صغير، ولم تأخذ منه الدية؛ لأن الدية على العاقلة وهم فقراء، والفقير لا يُلزَم بدفع شيء، وإن كان من العاقلة، لكن هل تذهب أذن الغلام الثاني هدرًا؟

 أكثر الشراح قالوا على أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وداه من بيت المال، وداه من بيت المال، كما حصل في القسامة النبي -عليه الصلاة والسلام- دفع دية المقتول من بيت المال، "فأتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يجعل لهم شيئًا".

 يعني على العاقلة؛ لأنهم فقراء، ولم يحصل القود من هذا الغلام؛ لأنه صغير، وعمد الصغير عمد الصبي والمجنون حكمه حكم الخطأ، لا يقاد به، وإنما تلزم الدية هذا أوضح ما قيل في شرح الحديث هذا أوضح ما قيل، وللعلماء أقوال أخرى، منهم من يقول: غلام يعني رقيق قطع الأذن أذن غلام، لكن الغلام بمعنى الرقيق يقاد ويقتص منه {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [سورة البقرة:178]، يقتص منه، وذهبوا يتأولون أشياء، لكن أوضح ما قيل إن هذا الغلام كان صغيرًا، فلم يقتص منه ولم يقد امتثالاً لقوله -جل وعلا-: {وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ} [سورة المائدة:45]؛ لأنه صغير، ولو كان متعمدًا؛ لأنه صغير، ومثل ما قلنا: عمد الصغير والمجنون حكمه حكم الخطأ، ولم يجعل دية هذه الأذن على العاقلة؛ لأنهم فقراء، لأناس فقراء، والفقير لا يؤخذ منه شيء لا يكلف ما لا يطيق في باب العاقلة؛ لأن العاقلة ما هي مثل الجناية، العاقلة ليست مثل الجناية. يعني لو افترضنا أن هذا الغلام وارث، وعنده مال، هل نقول: العاقلة في ماله أو في عاقلته هذه الدية، الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: «الدية على العاقلة»، بمعنى أن الجاني ما عليه شيء، وسيأتي في كتاب الديات ما يوضح ذلك إن شاء الله تعالى.

 "رواه أحمد وأبو داود والنسائي ورواته ثقات مخرج لهم في الصحيح".

 ثم قال- رحمه الله -: "وعن عمرو بن شعيب، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً طعن رجلاً بقرن"، القرن: العظم الذي ينبت في رأس بعض الدواب كالغنم والماعز والضأن لاسيما الذكور والبقر وغيرها من الحيوانات، وهو معروف لا يحتاج إلى تعريف.

 "أن رجلاً طعن رجلاً بقرن في ركبته فجاء" المطعون "إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: أقِدْني"، اقتص لي منه قال: يا رسول الله، أقدني يعني اقتص لي منه، "فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «حتى تبرأ»".

 والحديث فيه كلام سيأتي في تخريجه أنه من رواية ابن إسحاق وهو مدلس والطريق الأخرى فيها ابن جريج وهو مدلس أيضًا، لكن على فرض أن هذا يجبر هذا كما قال بعضهم، ويكون حينئذ حسنًا لغيره، فيُحتَج به، فمعناه صحيح، ما فيه إشكال.

 "فقال: «حتى تبرأ»" لماذا؟

لأن السراية لها حكم الجناية، السراية لها حكم الجناية إذا برئت، وعرفنا أن الأمر عاد كما كان يقرر المطلوب، لكن مادام الجرح لم يندمل بعد واحتمال أن يزيد، احتمال أن يقضي على الحياة، يسري على الرجل، ثم الرجل تتآكل، فتكون حينئذ الجناية أعظم، فينتظر حتى الشفاء، هذا استعجل فقال: أقدني، قال: حتى تبرأ، ذهب ثم رجع بعد مدة قبل أن يبرأ.

 "ثم جاء إليه -عليه الصلاة والسلام- فقال: أقدني"، الرسول -عليه الصلاة والسلام- في المرة الثانية أراد أن يؤدب هذا وأمثاله. قيل لك انتظر حتى تبرأ ثم تقول: أقدني، "فأقاده" يعني اقتص له منه، "ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله، إني عرجتُ"، يوم جاءه في المرة الأولى والثانية ما فيه عرج، لكن سرت الجناية، وتأثرت الرجل، فصار أعرج، وهذا لو انتظر لكان له نصيبه في الإقادة، في القصاص.

 "قال: يا رسول الله، إني عرجت" يعني صرت أعرج، "فقال -عليه الصلاة والسلام"- وهذا على تقدير أو على قول من يقبل هذا الحديث يعني إن كان ضعيفًا فلا يتكلف.

 "فقال: «قد نهيتك وعصيتني»، قال: «قد نهيتك وعصيتني»"، فأنت الجاني على نفسك، أنت الذي أضعت حقك، «فأبعدك الله»، يعني الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول له انتظر حتى تبرأ ويستعجل بعد ذلك؟!

«فأبعدك الله، وبطل عرجك»، يعني أبطل عرجك أو بطل عرجك، يعني ما لك شيء، أنت الذي اخترت أن تقتص في ذلك الظرف، وحينئذ ليس لك غير ذلك.

 "ثم نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه" من أجل إيش؟

ضمان عدم السراية؛ لأنه مادام الجرح لم يبرأ فهو عرضة لأن يسري ويزيد، وقد يتضاعف، وقد يأتي على بقية العضو، بل قد يقضي على حياة الإنسان، حصل له شيء من الالتهاب، أو حصل له شيء من التعثر في الشفاء فإنه حينئذ لا يأمن أن يزيد فيُزَاد في القصاص منه، لكن لو افترضنا أنه لما طعن ركبته في القرن أخذ له مدة، وتردد على المستشفيات، وعلى الأطباء فأخطأ طبيب وأعطاه علاجًا غير مناسب، فزادت أو بُتِرَت القدم، من الذي يتحمَّل؟

الطبيب يتحمل، الطبيب يتحمل، وإذا كان الطبيب ماهرًا ومشهودًا له فخطؤه من بيت المال، وإذا كان متطببًا ومتساهلًا في الكشف وفي صرف الدواء، كما نشاهده في حالات كثيرة، بعض الناس يتردد على الطبيب سنين، وحالته تتردى، ثم ينتقل إلى غيره فيقول: علاجك كل هذه المدة خطأ، والله المستعان.

 يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "رواه أحمد عن يعقوب عن أبيه عن ابن إسحاق"، ابن إسحاق معروف بالتدليس، ابن إسحاق إمام في المغازي، لكنه في الحديث فيه كلام لأهل العلم، ولا يعني أنه إذا كان إمامًا في فن أن تستصحب هذه الإمامة في بقية الفنون، فهناك أئمة في فنون، وفي فنون أخرى يكون فيهم كلام لأهل العلم. الإمام الأعظم أبو حنيفة في الفقه من أبرز الأئمة -رحمه الله-، وفي الحديث متكلم فيه.

 عاصم بن أبي النَّجود في القراءة من أندر القراء، ومع ذلك في الحديث؛ وهذا لأن الإنسان إذا اتجه إلى شيء وحرص عليه ضبطه وأتقنه، وغفل عما عداه، فإنه يأتيه الخلل من هذه الغفلة، وهذا كما هو موجود عندنا الآن في التخصص، تجد المتخصص في فن يوليه عنايته كلها، يتقنه، لكن انصرافه على هذا العلم يورثه غفلة عن غيره من العلوم. الإنسان- العمر لا يستوعب كل شيء، لا يستوعب كل شيء.

قلنا: إن ابن إسحاق إمام في المغازي، وفيه كلام طويل لأهل العلم، فيه كلام كثير جدًّا لأهل العلم، لكن قالوا: إنه إذا صرح بالتحديث فحديثه حسن، وهنا لم يصرِّح بالتحديث، ماذا قال ابن إسحاق "قال: وذكر عمرو" يعني كأنه يذاكر في أحاديث عمرو بن شعيب قال: وذكر عمرو هذه لا تدل على أنه سمع الحديث من عمرو، لاسيما وأنه مدلس، لا بد أن يقول: سمعت عمرو بن شعيب يقول كذا، لا بد من التصريح، فالحديث ضعيف؛ بسبب عنعنة ابن إسحاق، وهو معروف بالتدليس عند أهل العلم. وقوله: وذكر عمرو كما قال المؤلف "كأنه لم يسمعه منه"، وهذا ما يُخشَى منه في عنعنة المدلس أنه إذا لم يقل: حدثني أو سمعت فما يُضمَن؛ لأن الوصف ثابت عنده فيه الذي هو التدليس.

 "ورواه الدارقطني من رواية محمد بن عمران، وهو صالح الحديث، عن ابن جريج عن عمرو" أيضًا بالعنعنة، وابن جريج مدلس، ابن جريج مدلس، منهم من رأى أن حديث المدلس- وهذا أشار إليه ابن حجر في شرح النخبة- أنه يقبل الانجبار، يعني رواية ابن جريج تجبر رواية ابن إسحاق، ولهذا حكم بعضهم على هذا الحديث بأنه حسن، ومنهم من يقول: المدلس إذا لم يصرح فالغالب على الظن أنه أسقط، وهذا الساقط ما ندري ما حاله، والمنقطع مع المنقطع لا ينجبر. على كل حال نحن شرحنا الحديث، ومعناه من حيث المعنى صحيح، وعلى قول من يحسنه لا إشكال؛ لأن المعنى صحيح، وأما بالنسبة على لقول من يضعفه فالضعيف لا يُتَكَلَّف، ولا تبنى عليه أحكام، لكن هل الحكم الذي تضمنه الحديث يُعمَل به أو لا يُعمَل به؟ معمول به، معمول به عند الأئمة، لا قود إلا بعد الشفاء.

 ثم قال رحمه الله: "وعن أنس -رضي الله تعالى عنه-" أنس بن مالك، أنس بن مالك بن النضر، أنس بن مالك بن النضر، محتاج إلى جده، "أن الربيِّع" بنت النضر "عمته كسرت ثنيَّة جارية، كسرت ثنية جارية" يعني شابة صغيرة، مثل ما قلنا في الغلام سابقًا هذه جارية، يعني صغيرة شابة، وإلا فهي حرة، وإلا فهي حرة.

 "فطلبوا إليها العفو" طلبوا يعني أهل الربيع الجانية من أهل الجارية الشابة العفو، "فأبوا" أبوا إلا القصاص، بمعنى أنه تكسر ثنية الربيع، ومن حقهم أن يرفضوا إلا القصاص، "فعرضوا الأرش" يعني دية السن، دية السن، وبقدر ما كسر منه تكون الدية، "فأبوا" أصروا إلا القصاص، الله- جل وعلا- يقول: {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [سورة المائدة:45]، يعني لو قلع السن كاملًا فلا بد أن يقلع سن الجاني كاملاً، السن بالسن، لكن هذا كسر، فمن يضمن المماثلة؟ قالوا: يُبْرَد، نعرف المبرد؟ يُبْرَد حتى يؤخذ منه بقدر ما كسر من سن المجني عليها، وكونه يبرد نقله أبو داود في سننه عن الإمام أحمد قال: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول: يبرد، يعني يؤتى بالمبرد ويحك السن حتى يؤخذ منه بقدر ما كسر من سن المجني عليه.

 "فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأبوا إلا القصاص"، أصروا، من حقهم ولا يلامون، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [سورة البقرة:179]، ما تستقيم أمور الناس إلا بهذا، هذا شرع الله.

 "فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالقصاص، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالقصاص، فقال أنس بن النضر" أخوها عم أنس بن مالك "فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟!" يعني أخته، "لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها"، أنس أخوها أقسم ألا تكسر ثنيتها، هل هذا من باب الاعتراض على الحكم الشرعي {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [سورة النساء:65]؟ هذا من خيار الصحابة {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [سورة النساء:65]، لا بد من التسليم لحكم الله.

 فقال "لا، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها" طيب، "فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا أنس كتاب الله القصاص»" ،يعني هذا حكم الله الذي جاء في كتابه {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [سورة المائدة:45]، «كتاب الله القصاص» أنت حلفت الآن! أنت الآن أقسمت، وكتاب الله القصاص! "فرضي القوم" بر الله -جل وعلا- بقسمه، "فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره»".

 ما الذي جعلنا نقول: إن يمين أنس هذه وحلفه ليس اعتراضًا على الحكم؟ هذا الكلام؛ لأنها لو كانت اعتراضًا على الحكم لاستحق الزجر الزجر الشديد؛ لأن الاعتراض على حكم الله أمره خطير، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [سورة النساء:65]، لكن لما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره»، دل على أنه من باب الثقة بالله -جل وعلا- من باب الثقة بالله -جل وعلا-، «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره»، يعني ليس له شأن عند الناس، لكن شأنه عند الله عظيم، له شأن عند الله- جل وعلا-.

 لكن في مثل هذه المضايق هل الأحسن والأفضل للإنسان أن يقسم على ربه أو ألا يعرِّض نفسه لمثل هذا الامتحان؟

 قد يقسم ولا يُبَرّ، وقد يكون في مأزق وفي موضع ابتلاء، ويترتب عليه آثار، وأحيانًا يطلب من الإنسان هذا القسم أو هذا الطلب من الله -جل وعلا-، فإذا لم يحصل حصل من الطالب نوع نكسة.

 واحد من الدعاة جاء إلى قبيلة من الكفار قد قحطوا وأجدبوا، وكادوا أن يهلكوا من الجوع، فدعاهم إلى الإسلام قالوا: ادع لنا ربك إن نزل المطر أسلمنا، ابتلاء لو لم ينزل المطر ماذا يصير؟! لا شك أن هذا موضع اختبار، يقول: قام وتوضأ وتوكل على الله، وأعظم الثقة بالله والرجاء، فصار يدعوهم ويقول: اللهم لا تحرمهم من هذه النعمة نعمة الدين بسببي، فمطروا، لكنه موضع ابتلاء، موضع ابتلاء الإنسان الذي عنده تردد في إخلاصه وثقته بالله لا يعرض نفسه لمثل هذه الأمور؛ لأنه ليس بأهل لمثل هذا.

 «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره»، وبعض الناس شأنه عند الناس عظيم، ما أعلمه، ما أحلمه، ما أعقله، وما عنده ذرة من إيمان، الناس يظنون فيه الخير، وهو ما عنده شيء، فالعلم عند الله -جل وعلا- في الموازنة والمفاضلة بين الناس؛ لأن هذا تابع لما وقر في القلوب. يقول الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، إنما الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال.

 يقول: "متفق عليه، واللفظ للبخاري".

 وبهذا يكون الجنايات انتهى، ونقف على كتاب الديات.