كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 01

عنوان الدرس: 
كتاب الصلاة من المحرر في الحديث - 01
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 8:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الإمام ابن عبد الهادي -يرحمه الله تعالى- في كتابه المحرر:

كتاب: الصلاة

باب: فرض الصلاة

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة)) رواه مسلم.

وعن بريدة بن الحَصيب

الحُصيب، الحصيب.

وعن بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)) رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والنسائي والترمذي والحاكم، وصححاه.

وقال هبة الله الطبري: هو صحيح على شرط مسلم.

كمل الباب كله.

وعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)) ثم صلاها بين العشاءين، بين المغرب والعشاء. رواه مسلم.

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن عمر جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((والله ما صليتها)) قال: "فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة، وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب" متفق عليه.

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [(14) سورة طـه])) رواه مسلم.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها)) رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد لا يثبت.

وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: "كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسير له، فأدلجنا ليلتنا حتى إذا كان وجه الصبح عرسنا، فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس، قال: فكان أول من استيقظ منا أبو بكر، وكنا لا نوقظ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- من منامه إذا نام حتى يستيقظ، ثم استيقظ عمر، فقام عند نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فجعل يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى إذا استيقظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت، قال: ((ارتحلوا)) فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة" متفق عليه، واللفظ لمسلم.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قفل من غزوة خيبر فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى عرس، فذكر حديث النوم عن الصلاة، وفيه فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة)) قال: فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى. رواه أبو داود وقال: ولم يذكر أحد الأذان في حديث الزهري إلا الأوزاعي وأبان العطار عن معمر.

وأبان العطار عن إيش؟

عن عمر.

عن معمر.

وأبان العطار عن معمر.

وقد ذكر مسلم الحديث من رواية يونس عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال فيه: "وأمر بلالاً فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح" ولم يذكر الأذان.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

كتاب: الصلاة

لما أنهى الشروط التي هي في الأصل متقدمة على المشروط ثنى بذكر الصلاة التي هي المقصد والغاية والتي من أجلها اشترطت تلك الشروط، فقال -رحمه الله-:

كتاب: الصلاة

والكتاب تقدم الحديث عنه في كتاب الطهارة، وقلنا في ذاك: إن الكتاب مصدر كتب يكتب كتاباً وكتابة وكتباً وقلنا: إن المادة تدور في أصلها على الجمع، ومنه تكتب بنو فلان، والكتيبة لجماعة الخيل، والكتابة بالقلم لاجتماع الحروف والكلمات، وكتاب مضاف والصلاة مضاف إليه، والمبتدأ محذوف تقديره هذا، كتاب خبره والصلاة مضاف إليه، والأصل في الكتاب أنه يضم أبواب، والباب يضم فصول، والفصول تندرج تحتها مسائل، وقد توجد ترجمة في كتاب ولا باب تحته، توجد ترجمة بالأبواب ولا كتاب فوقها، وقد يقال: كتاب وتحته فصول، والأمر في ذلك واسع؛ لأنه مجرد اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن الترتيب في عرف أهل العلم أن يبدأ بالكتاب، ثم الباب، ثم الفصل، ثم المسائل تندرج في الفصول على سبيل التدلي من الأعلى إلى الأدنى.

والكتاب الفرعي داخل تحت كتاب أصلي، فكتاب الصلاة من ضمن كتاب المحرر، كما أن كتاب بدأ الوحي وقلنا: إنه كتاب على ما جاء في بعض النسخ، وأكثره على أنه ليس بكتاب، كتاب الإيمان، كتاب العلم، يعني من كتب كتاب صحيح البخاري.

باب: فرض الصلاة

فرض الباب تقدم الكلام فيه، وأنه في الأصل لما يدخل منه، ويخرج معه في المحسوسات، وهو اصطلاح لأهل العلم، ومن باب الحقيقة العرفية عند أهل العلم يسمون ما يندرج تحته فصول ومسائل يسمونه باب.

باب فرض، الفرض هو الواجب عند الجمهور، وإن كان لفظه أقوى من لفظ الواجب لغة ومعنىً، إلا أنهم جعلوه بإزاء الواجب، وفرق بينهما الحنفية، وجعلوا الفرض لما ثبت بدليل قطعي، والواجب لما ثبت بدليل ظني.

باب: فرض الصلاة

باب فرض الصلاة والمراد بالفرض هنا الوجوب لا أنه في وقت فرضها، فلو كان المراد في وقت فرضيتها لأورد حديث الإسراء، لكنه في الأحاديث الآتية يذكر ما يدل على وجوبها وفرضيتها، والصلاة في الإسلام شأنها عظيم، فهي ثانية الأركان بعد الشهادتين، وبها يحقن الدم.

باب: فرض الصلاة

أول ما فرضت الصلاة، في الحديث -حديث عائشة-: أول ما فرضت الصلاة ركعتين، هل المراد به كما هنا حكمها الشرعي الوجوب المتأكد المتعين؟ بهذا قال الحنفية، مع أنه ينخرم عليه مذهبهم؛ لأنهم لا يرون القصر فرض، وإنما يرونه واجب، والجمهور على أن أول ما فرضت يعني قدرت الصلاة ركعتين؛ لأن القصر ليس بواجب عندهم، فأول ما فرضت، وهنا باب فرض الصلاة المراد به عند الحنفية الوجوب، وعند غيرهم التقدير، فالفرض كما يطلق على الوجوب يطلق أيضاً على التقدير، والفرائض في قسم التركات الفروض المقدرة للورثة، وذكرنا أن الصلاة ثانية أركان الإسلام كما في حديث جبريل حينما سأل النبي -عليه الصلاة والسلام- وفي حديث عبد الله بن عمر: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة...)) إلى آخره.

والصلاة يتفق الصحابة على أن تركها كفر، في كلام عبد الله بن شقيق كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، ويقصد بذلك الصحابة، فالصلاة كما أشرنا شأنها عظيم، وجاء في النصوص تعظيمها، والتحذير والتهديد الأكيد بالنسبة لمن تركها، ولذا أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- حديث جابر في مسلم يقول: "عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة))" ((بين الرجل)) وتدخل فيه المرأة؛ لأن النساء يدخلن في عموم خطاب الرجال إلا فيما دل الدليل على اختصاص الرجال به، والنساء شقائق الرجال في هذا، فالصلاة مفروضة على النساء كما هي مفروضة على الرجال، وإذا قيل بكفر تارك الصلاة شمل الرجال والنساء ((بين الرجل)) والرجل يطلق على المكلف، فدل على أن غير المكلف لا يدخل في مثل هذا الوعيد وإن أمر بها، إذا أتم سبع سنين وضرب عليها إذا أكمل عشر سنين، إلا أنه لا يدخل في مثل هذا النص؛ لأنه لم يجر عليه قلم التكليف ((بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة)) فإذا ترك الصلاة دخل في حيز الشرك وفي حيز الكفر، إذا ترك الصلاة دخل في حيز الشرك، صار مشركاً يشمله عموم قول الله -جل وعلا-: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [(48) سورة النساء] بهذا نعلم أن استدلال من استدل بهذه الآية على عدم كفر تارك الصلاة فيه ما فيه؛ لأن الحديث يدل على أن الذي يترك الصلاة مشرك، كما أن الذي يصلي ولو لم ينطق بالشهادة مسلم حكماً؛ لأن أهل العلم يقولون: فإن صلى فمسلم حكماً، يعني يحكم بإسلامه، الأصل أن الناس يقاتلون كما أمر بذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) افترضنا أن شخصاً من الكفار ما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وإنما دخل مع المسلمين وصلى، نقول: هذا مسلم حكماً، فإن أتى بما يناقض الإسلام فهو مرتد؛ لأنه لم يبق على كفره الأصلي.

في المساجد القريبة من المدارس تجد بعض سائقي الأسر ممن ينقل الأولاد أو البنات إذا جاء والمساجد قد فتحت وفيها التكييف وخارج المسجد فيه الشمس، فتجد هذا السائق ولو لم يكن مسلماً يدخل إلى المسجد، وإذا أقيمت الصلاة صلى معهم؛ لأنه لن يُترك يدخل المسجد ولا يصلي، فماذا نقول عن مثل هذا؟ هذا حاصل، هل نقول: إن هذا مسلم حكماً، أو يقبل قوله إذا قال: إنه صلى لمجرد الدخول في المسجد؟ لأنه الفرق بين المسألتين بين أن يكون كافر أصلي أو يكون مرتد واضح، نعم؟

طالب:.......

العلماء يقولون: فإن صلى فمسلم حكماً، وذلكم لأن الصلاة تتضمن الشهادة، فماذا نقول عن مثل هذا؟ هذا متصور أو غير متصور؟ متصور، ونوقش بعضهم قيل له: أنت مسلم؟ قال: بابا مسلم، يعني الكفيل، الكفيل مسلم، وما دخل للمسجد إلا من أجل حرارة الجو خارج المسجد، فهل نقول: إن هذا مسلم حكماً لأنه صلى وليس لنا إلا الظاهر، أو نقبل دعواه إذا ادعى؟ أو نقول: إذا قامت القرينة القوية على صدقه قبل قوله وإلا فلا؟

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

إحنا ما لنا إلا الظاهر، رأيناه واقف مع الناس ويركع ويسجد هذه الصلاة الشرعية، ما لنا إلا الظاهر، هل نؤاخذه بصلاته هذه، ونقول: إنه مسلم، فإن فعل ما يناقض فهو مرتد يجب قتله؟ ((من بدل دينه فاقتلوه)) أو نقول: هو باقٍ على كفره وعلى عهده والعقد الذي دخل به؟

يعني لو دخل وقت المغرب أو وقت العشاء تضعف القرينة في دعواه عدم إرادة الصلاة، لكن لو دخل الظهر حين يقوم قائم الظهيرة، الشمس لا يطاق الجلوس فيها في الصيف، وصلى مع الناس تقوى القرينة على صدقه، وحينئذٍ لا يحكم بإسلامه من أجل هذا، إذا قال: أنا والله دخلت من أجل حر الشمس، مسألة ظاهرة وإلا ما هي بظاهرة يا إخوان؟ لأن العلماء يقولون: إن صلى فمسلم حكماً، يعني يؤاخذ، فلو ارتد بعد ذلك يقتل ((من بدل دينه فاقتلوه)) لأنه مسلم، وإذا ادعى أنه دخل من أجل حر الشمس، وصلى مع الناس؛ لأنه لا يمكن أن يدخل المسجد ويجلس بدون صلاة، المسلمون ما يمكنونه من هذا، وإن وجد التساهل حقيقة في بعض الجهات وجد من ينام في المسجد ولا يوقظ للصلاة، وجد، وهذا مع التساهل العام الذي اجتاح بلدان المسلمين، والله المستعان، فإذا قامت القرينة القوية الدالة على صدقه أنه إنما دخل إلى المسجد وصلى مع الناس هروباً من الشمس قبلت دعواه، وإلا فالأصل أنه مسلم حكماً، وليس لنا إلا الظاهر.

((بين الرجل وبين الشرك)) فالذي لا يصلي مشرك، ويدخل في قوله -جل وعلا-: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [(48) سورة النساء] وهذا ليس داخل في المغفرة، والحديث مع الآية دليل على كفر تارك الصلاة.

((أو الكفر)) (أو) هذه للشك، يعني هل قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: بين الرجل وبين الشرك أو قال: بين الرجل وبين الكفر؟ وفي بعض الروايات بالواو ((بين الرجل وبين الشرك والكفر)) والواو تأتي بمعنى (أو) وكما أن (أو) تأتي بمعنى الواو.

((ترك الصلاة)) الترك يبحث في هذا اللفظ الترك يعني عدم الإتيان بالصلاة، وهل يطلق على من ترك فرضاً واحداً بأنه تارك للصلاة، أو لا بد أن يترك فروض؟ ويفرق بين من لا يصلي ألبتة وبين من يصلي أحياناً ويترك أحياناً؟ والترك مصدر ترك يترك تركاً، والفاعل تارك، والفعل بهذه الصيغة ينطبق على من تركها مرة واحدة؛ لأن الترك يحصل بمرة واحدة، لكن لو قيل: تراك صيغة مبالغة، أو تروك اتجه القول بأنه لا يكفر بتركها مرة واحدة، فماذا عن من يصلي أحياناً ويترك أحياناً؟ نقول: مثل هذا بحسب ما يختم له به، فإن ختم له بفعلها فهو مسلم، وإن ختم له بتركها فهو تارك، والذي يترك فرض واحد كافر، وإذا تعمد إخراج الصلاة عن وقتها ولو فرض واحد فإنه حينئذٍ لا يقضي؛ لأنه بهذا كفر.

والصلاة لا تصح قبل دخول وقتها، كما أنها لا تصح بعد خروجه إذا تركت عن عمد فلا تقضى، وابن حزم نقل على هذا الاتفاق، مع أن من أهل العلم من نقل الاتفاق على خلافه، بمعنى أنه لو تعمد ترك الصلاة حتى يخرج وقتها وفي نيته أن يصلي إذا خرج وقتها كمن يضبط المنبه على الدوام، يضبط الساعة على السابعة ويقول: إذا قام للدوام صلى الفجر، ومعروف أن هناك فتوى تداولها الناس أنه يكفر بهذا، يعني ممن يعتد بقوله من أهل العلم، وهذا جار على الإجماع الذي نقله ابن حزم.

وأما ما نقله غيره من أنه يجب عليه قضاؤها اتفاقاً، وهذه من المسائل النادرة التي ينقل الاتفاق على طرفيها، القول بعدم القضاء اتفاق نقله ابن حزم، والقول بالقضاء وبوجوبه اتفاق نقله بعضهم، وقالوا: إنه إذا أُمر المعذور بقضاء الصلاة فلأن يؤمر من لا عذر له من باب أولى، هذا إذا كان عازماً على قضائها بعد خروج وقتها، يعني ما في نيته الترك المطلق، وإنما يقول: إذا انتبهت إلى الدوام صليت، لا شك أن هذا مرتكب موبقة من الموبقات، وعلى خطر عظيم، لكن الكفر شأنه عظيم أيضاً.

أما بالنسبة لمن تركها جاحداً لوجوبها فالإجماع على أنه يكفر بدون تردد؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، وأما من أقر بوجوبها اعترف بها، لكنه يتركها تهاوناً وكسلاً، فالأدلة الصحيحة الصريحة دلت على كفره، وقال جمع من أهل العلم أنه لا يكفر، مستدلين بقول الله -جل وعلا-: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [(48) سورة النساء] والصلاة دون الشرك، وعرفنا من خلال هذا الحديث أن ترك الصلاة شرك؛ لأن الحد الفاصل بين المسلم والمشرك الصلاة، الحديث نص في هذا، وهو مخرج في مسلم: ((بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة)) فإذا ترك الصلاة صار مشركاً، فدخل في الآية، وفي الحديث: ((أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)) وهل يتصور أن يوجد في قلب من يترك الصلاة ذرة من إيمان؟ لأنه إذا صار مشركاً بدلالة الحديث هل يكون في قلبه شيء من الإيمان؟ لا، لأنه لو قلنا بهذا للزمنا أن نقول: من وقر الإيمان في قلبه ولم ينطق بالشهادة، ما حكمه مسلم وإلا كافر؟

طالب:.......

نعم؟

طالب:.......

ولم ينطق بالشهادة، ما نطق بالشهادة ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) كافر بلا شك، كافر هذا محل اتفاق أنه إذا لم ينطق فهو كافر، المسألة مسألة كلها حكم فيما يظهر للناس، أما ما بين العبد وبين ربه الله -جل وعلا- يتولاه، ولسنا بمكلفين في بما في قلوب الناس، لكن افترض أنه قال: لا إله إلا الله، وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان بالنسبة لنا مسلم، لكن إذا امتنع ولم ينطق بالشهادة فهو كافر، فإذا حكمنا بكفره مع ما في قلبه من إيمان يدعيه؛ فلأن نحكم بكفره إذا ترك الصلاة؛ لأنه مشرك بالنص، وما في القلب لا شك أن الإيمان في الأصل محله القلب، والتقوى هاهنا، لكن ما الذي يدري الناس عما في القلب إلا ما يظهر من قول أو فعل، ولذا جعل أهل العلم الإيمان مركب من ثلاثة أجزاء، هذا قول أهل السنة قاطبة، اعتقاد وقول وفعل، قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، هذا هو الإيمان، فإذا اختل واحد من هذه الثلاثة فلا إيمان، يعني إذا كان مجرد دعوى، إنسان يدعي أنه مؤمن، وما نطق بالشهادتين يقبل وإلا ما يقبل؟ لا يقبل، إذا أقر ونطق ولم يعمل عمل ألبتة هذا أيضاً لا تقبل دعواه؛ لأن الإيمان مركب من الثلاثة، والعمل جنسه كما يقرر أهل العلم شرط لصحة الإيمان، هذا بالنسبة لمن تمكن من العمل فلم يعمل.

أما من لم يتمكن، لم يتمكن من العمل فمثل هذا لو شهد أن لا إله إلا الله ثم مات أو قتل انتهى هذا مسلم، ما أحد يعترض عليه.

((بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة)) رواه مسلم.

وعن بريدة بن الحصيب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) وتعريف جزئي الجملة يدل على إيش؟ على الحصر؟ ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) وهذا فيه دلالة على أن تارك الصلاة كافر كالذي قبله، فالمرجح من أقوال أهل العلم أن تارك الصلاة كافر، والناس إلى وقت قريب لا يصدقون أن مسلماً يدعي الإسلام ويترك الصلاة، ووجد الآن في صفوف المسلمين بكثرة -لا كثرهم الله- من يترك الصلاة، وفي القرن السابع شخص من المغاربة يقول: إن الخلاف في حكم تارك الصلاة افتراضي، يعني مسألة فقهية مجردة افتراضية كما يقال في الفرائض توفي زيد عن ألف جدة، افتراض وليس بواقع؛ لأنه لا يتصور أن مسلماً يدعي الإسلام ويترك الصلاة، ثم قال: إلا إن كان هذا في آخر الزمان حينما لا يقال: الله الله، يعني بعد خروج الدجال، وبعد العلامات الكبرى احتمال، هذا يدل على إيش؟ يدل على أن الصلاة ما كان أحد يدعي أنه مسلم ويقدم على تركها؛ لأن هذا الذي تكلم من أهل العلم.

وحكم تارك الصلاة حكم المرتدين يجب قتله ردة على القول بكفره، وحداً على القول بعدم كفره، وهذا معروف عند الشافعية والمالكية، وأما بالنسبة للحنفية فإنهم يقولون: لا يقتل، إنما يحبس ويضيق عليه حتى يصلي أو يموت، وكثير من المسلمين -نسأل الله العافية- الصلاة لا وزن لها عنده حتى على مذهب أبي حنيفة، يحبس حتى يموت، هذا الأمر ليس بالسهل.

وبعض من لا يرى القتل يقول: ما نفذ على مر التاريخ قتل شخص ترك الصلاة، ما نفذ، نقول: ما نفذ لأنه لم يقع، بدليل كلام المغربي هذا الذي سقناه، لا يتصور مسلم يترك الصلاة، لكن لما خف الدين كله بجملته خف أعظم أركانه، وصار الناس يتساهلون في مثل هذا الأمر، حتى وجد في بيوت المسلمين من لا يصلي.

((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) يقول -رحمه الله-: "رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان والنسائي والترمذي والحاكم، وصححاه".

"وقال هبة الله الطبري" المعروف باللالكائي: "هو صحيح على شرط مسلم" في شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة.

هبة الله الطبري: أحياناً يذكر الشخص بما لم يشتهر به، يعني لو قال: قال اللالكائي عرفه الناس، وعرفوا كتابه، لكن هبة الله الطبري يوقع طالب العلم في إشكال؛ لأنه قد لا يعرفه بهذه النسبة، وأحياناً يقال: قال الرازي، ثم طالب العلم لا يدري من الرازي؟ لأنه منسوب إلى الري، وأحياناً يريد بذلك أبا حاتم مثلاً، وقد شهر بكنيته، فالاقتصار على الرازي لا يكفي؛ لأنه وإن كان الكلام يحدد المقصود، لكن فيه تعمية، وفيه توعير على الطالب، لو قال: قال أبو حاتم الرازي، ما وقع في لبس؛ لأن بعض الطلاب لا يستطيع أن يحدد المطلوب من خلال السياق، ومن النبهاء من يستطيع، لكن قال الرازي فيه توعير؛ لأنه منسوب إلى بلد كبير، فلا يدرى من هو؟ هل هو الرازي أبو حاتم؟ هل هو الفخر الرازي؟ هل هو أبو بكر الرازي الجصاص؟ ولذا ينبغي أن يذكر الشخص بأخص أوصافه الذي اشتهر بها بين أهل العلم، ولو قال: قال هبة الله، قال اللالكائي يكفي.

وكذلك الكتب لو تقول: قال في الزاد، وتنقل من زاد المعاد هذا لا شك أن فيه على الطالب تعسير وتوعير، أو تقول: قال في الزاد وتقصد زاد المسير، هذا أيضاً ما اشتهر بين الناس بهذا، فينبغي أن يعتنى بمثل هذه الألفاظ، وكم من وهم حصل بمثل هذا، قال أبو حاتم والمسألة لغوية تجد الطالب يترجم لأبي حاتم الرازي مثلاً، قال أبو حاتم والكلام منقول في صحيح ابن حبان، هو ابن حبان، قال أبو حاتم، والمسألة لغوية أبو حاتم السجستاني وهكذا، فطالب العلم ينبغي أن يكون نبيه لمثل هذه الأمور، كما أن من يكتب ينبغي ألا يوعر الطريق على طالب العلم فيحدد بدقة، وكم من وهم حصل بمثل هذا، وذكرت أكثر من مرة أن باحثاً بل باحثة نقلت عن تفسير القرطبي قوله: "ولقد سمعت شيخنا أبا العباس مراراً يقول" وترجمت لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن ابن القيم يكثر من هذا الأسلوب، ابن القيم في منصفاته دائماً يقول: سألت شيخنا أبا العباس، وقد يقول مراراً، فيقع اللبس، والقرطبي التلميذ المفسر قبل شيخ الإسلام، فلا بد من الانتباه لمثل هذه الأمور.

هناك أمور لا تخفى على آحاد المتعلمين، لكن يقع فيها بعضهم بالخطأ، في صحيح البخاري في حديث أبي موسى "الهرج" بلغة الحبشة: القتل، قال أبو موسى: الهرج بلغة الحبشة القتل، ويترجم لأبي موسى المديني اللي في القرن السادس، والكلام في صحيح البخاري، والراوي أبو موسى يفسر هذه الكلمة، وهو أبو موسى الأشعري، فلا المؤلف الكاتب يترك القارئ في حيرة، ولا القارئ يهجم على الكلمة من غير روية، كثيراً ما يقال في كتب اللغة: قال الليث، ثم يترجم لليث ابن سعد، ما له علاقة الليث ابن سعد في كتب اللغة، فعلى طالب العلم أن ينتبه لمثل هذه الأمور.

"قال هبة الله الطبري"...

اتصل واحد من الباحثين يقول: أبا الحسن الزازان لم أجد له ترجمة، قلت له: أين وقفت على هذا الاسم؟ قال: في مغني المحتاج الجزء كذا، صفحة كذا، ذهبت إلى الكتاب فإذا بالطابع أخطأ، وضع النقطتين بعد النون، فقرأها القارئ الزازان، وهو بدون ألف ونون، أبو الحسن الزاز: إن كذا، تبع الكلام، تبع كلامه، وهذا يحصل، يعني يحصل مثل ما يحصل في الإيهام والتوعير الذي ذكرناه يحصل أيضاً في علامات الترقيم، وقلنا: إن من حقق مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب في قسم الحديث جاء إلى حديث اقتناء الكلب، من اقتنى كلباً غير ما استثني نقص من أجره كل يوم قيراط، رواه مسلم، وفي رواية ووضع نقطتين له قيراطان، كيف له قيراطان؟ وقال: إن هذه الرواية لم تثبت، ولا توجد في صحيح مسلم، ولا كذا ولا كذا، وهي في رواية له يعني لمسلم ضع النقطتين بعدها، قيراطان يعني ينقص من أجره قيراطان، فعلى طالب العلم أن يكون منتبهاً لمثل هذه الأمور.

"هو صحيح على شرط مسلم"...

ابن القيم أيضاً في كتاب حكم تارك الصلاة قال: إسناده على شرط مسلم، وأطال العلماء في بيان معنى شرط الشيخين، والمعتمد عند المتأخرين أن المراد بشرطهما رجالهما، فهذا الحديث مروي برجال خرج لهم الإمام مسلم -رحمه الله-.

ثم قال: "وعن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب" يعني في الخندق، في غزوة الخندق، يوم الأحزاب، يوم تحزب الناس على النبي -عليه الصلاة والسلام-، وحاصروا المدينة: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)) ثم صلاها بين العشاءين، بين المغرب والعشاء.

((شغلونا)) يعني ألهونا عن الصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر، وجاء التنويه بها في قول الله -جل وعلا-: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى} [(238) سورة البقرة] والعطف عطف الخاص على العام يدل على الاهتمام بشأن الخاص والعناية به، فالصلاة الوسطى لها شأن، صلاة العصر، والحديث نص في أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، ومع ذلك الخلاف في المراد بها بين أهل العلم ذكروا ثمانية عشر قولاً في المراد بالصلاة الوسطى، قد يقول قائل: كيف تبلغ الأقوال والصلوات خمس؟ كيف تبلغ ثمانية عشر قولاً والصلوات خمس؟ يعني افترض أن واحد قال: الفجر، مجموعة قالوا: الفجر، وآخرون قالوا: الظهر، فريق ثالث قال: المغرب، العصر، إلى آخر الصلوات الخمس، فالأقوال تكون خمسة، لا، هناك أقوال مركبة، وهناك أقوال مبهمة، الصلاة الوسطى هي الصلوات المفروضة، الصلاة الوسطى صلاة الجمعة، الصلاة الوسطى صلاة مبهمة لا بعينها كإبهام ليلة القدر، وإبهام ساعة الجمعة، وإبهام الأسماء الحسنى، وشعب الإيمان، وما أشبه ذلك.

المقصود أن الأقوال يعني يعجب الإنسان حينما تتنوع وتكثر إلى هذه العدة في صلوات خمس، والخلاف في ليلة القدر بلغت الأقوال فيه إلى خمسين قولاً، خمسين قول، وذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، فلا يستغرب أن يكون في الصلاة الوسطى ثمانية عشر قولاً، والصلوات خمس، لكن منهم من قال: هي صلاة الفجر؛ لأنها تقع بين صلاتين ليليتين، وصلاتين نهاريتين، فهي متوسطة بين صلوات الليل وصلوات النهار، ومنهم من قال: هي الظهر؛ لأنها متوسطة بين طرفي النهار بين صلاتي طرفي النهار، ومنهم من قال: هي العصر وهو المرجح بالنص كالذي معنا، ومنهم من قال: هي المغرب؛ لأن عدد ركعاتها متوسطة بين الثنتين وبين الأربع، ومنهم من قال: العشاء؛ لأنه تقدمها صلاتان من صلوات المساء، ويعقبها صلاتان.

وعلى كل حال العدد المركب من مجموع فردي كل واحد من أفراده يصح أن يكون الأوسط، يعني مثل هذا يعني لو قدر أن الأعداد ثلاثة، فالثاني هو الأوسط؛ لأنه يتقدمه الأول والثالث، الأول أوسط لأنه تقدمه واحد ويتلوه واحد، لا سيما مع الدوران كالصلوات الخمس.

فمثل هذه لا ينظر فيها إلى ما تقدم وما تأخر؛ لأن كل هذه الصلوات إن شئت تقدمها قلت: تقدمها أربع صلوات صحيح، العشاء تقدمها أربع صلوات، وإن قلت: إنه يتلوها أربع صلوات صحيح، وإن قلت: تقدمها صلاتين، ويتلوها صلاتين صحيح، فالمعول في مثل هذا على النص، يعني النص الصحيح الصريح يدل على أنها العصر، وجاء في تعظيمها وشأنها من النصوص الصحيحة ما يؤهلها لأن تكون بهذه المثابة.

((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ بيوتهم وقبورهم ناراً)) هذا فيه الدعاء على الكفار، ويقول التابعي: أدركنا الصحابة وهم يدعون على اليهود والنصارى، كما في موطأ الإمام مالك، ففيه الدعاء على الكفار، وقاتل الله اليهود ((قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) فالدعاء في النصوص عليهم كثير.

((ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)) بعض الناس إذا سمع من يدعو على الكفار قال: ادع لهم بالهداية، هدايتهم مطلوبة، وعليك أن تبذل الأسباب لهدايتهم، لكن دعائك عليهم لا سيما من تعدى شره إلى المسلمين شرعي.

"((ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)) ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء" بين العشاءين هل المراد أنه صلاها بين صلاتي المغرب والعشاء أو بين وقتي المغرب والعشاء؟ صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء، يعني بين وقتيهما أو بين صلاتيهما؟ يعني صلى المغرب، ثم صلى العصر، ثم صلى العشاء، أو نقول: إنه لما دخل وقت المغرب وصار الآن بين دخول وقت المغرب، وبين دخول وقت العشاء صلى العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، نعم؟

طالب:.......

بين الوقتين بدليل ثم صلى بعدها المغرب في الرواية الأخرى.

النبي -عليه الصلاة والسلام- أخر الصلاة عن وقتها، قوله: ((شغلونا)) هل يؤخذ منه أنهم لما شغلوه نسيها -عليه الصلاة والسلام-، فيدخل في حكم الناسي، أو أنه أخرها مع علمه بتأخيرها؛ لأنه انشغل بهم؟ نعم؟

طالب:.......

يعني مع العلم بخروج وقتها، هذا هو الظاهر.

لماذا لم يصل النبي -عليه الصلاة والسلام- صلاة الخوف في وقتها؟ وهل يجوز أن تؤخر الصلاة عن وقتها لأي ظرف من الظروف؟ يجوز وإلا ما يجوز؟ هنا يعني في مثل هذا في حال حرب تؤخر عن وقتها أو تصلى صلاة خوف على أي حال كان؟ تصلى صلاة الخوف.

كيف أخرها النبي -عليه الصلاة والسلام-؟

طالب:.......

ما شرعت، يعني غزوة ذات الرقاع بعد غزوة الأحزاب صحيح وإلا لا؟ أو قبل؟ الأكثر من المؤرخين على أن غزوة ذات الرقاع قبل غزوة الأحزاب، والإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه في ترتيب الغزوات جعل غزوة ذات الرقاع بعد غزوة الأحزاب، ورجحه ابن القيم، فدل على أن صلاة الخوف لم تشرع في يوم الخندق والأحزاب.

من أهل العلم من يرى أنه لا مانع أن تكون غزوة ذات الرقاع قبل الأحزاب، وتشرع صلاة الخوف في السفر، وتأخير الصلاة عن وقتها كما في غزوة الأحزاب تكون في الحضر، فعلى هذا لا تصح صلاة الخوف في الحضر؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخر الصلاة يوم الأحزاب ولم يصل صلاة الخوف لأنه في الحضر بدون سفر، نعم؟

طالب:.......

والاحتمال قائم، لكن عامة أهل العلم على أنه ما نسي، يعني عن قصد أخرها، وقد انشغل بهم، انشغل بهم عنها، لا شك أن الوقت شرط لصحة الصلاة، والاحتياط له احتياط للشرط الذي ينبني عليه صحة الصلاة، مع أن صلاة الخوف يحصل فيها من الخلل ما هو نظير الشرط، يحصل فيها خلل، قد تترك أركان من أجلها، قد يكتفى بركعة، قد ينصرف المصلي المأموم الطائفة التي صلت بعد الصلاة وذهبت للحراسة قد ينصرفون إلى غير جهة القبلة وينشغلون بالعدو وهم في صلاة، فيحصل من الخلل في الصلاة في صلاة الخوف نظير ما يحصل من تأخير الصلاة عن وقتها، لكن الخلل المبني على دليل ليس بخلل.

هذا الخلل إذا كان له ما يدل له من فعله -عليه الصلاة والسلام- لا يسمى خلل، فهل الأحوط للصلاة أن تؤخر كما أخرها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتصلى بعد خروج وقتها على هيئة كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها؟ أو يقال: تصلى على أي حال كان في وقتها؟ لأن عندنا من أهل العلم من يرى أن صلاة الخوف لا تفعل في الحضر؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخر الصلاة يوم الأحزاب وصلاها على صفتها الكاملة، ولم يصل صلاة خوف مع أن صلاة الخوف تقدمت في قول الأكثر على غزوة الأحزاب، ومنهم من يقول: إنها تأخرت فتصلى صلاة الخوف في كل غزوة ولو كانت داخل البلد.

طيب صلاة الخوف المتبوع من صائل أو من سبع يريد قتله يصلي صلاة خوف وإلا ينتظر حتى يصل إلى المكان ولو فات وقتها؟ نعم؟ يعني شغله صائل، شغله سبع يؤخر إلى أن يصل إلى الأمان إلى المكان الآمن أو يصلي صلاة خوف بالإيماء وهو يجري؟ ماذا يصنع؟ نعم؟

طالب:.......

المطلوب يعني مثل صلاة الخوف، على كل حال على القول المرجح أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد يوم الأحزاب فتشرع صلاة الخوف في كل حالة فيها الخوف.

هل الخوف المتوقع المتوهم يبرر التنازل عن بعض أركان الصلاة وشروطها أو لا؟ شخص يخاف أن يخرج بالليل للوضوء، وما في شيء، يعني يمكن يذهب ويتوضأ ويرجع ما في شيء، ولا هناك ما يدل من القرائن على وجود ما يسيء إليه، لكن بعض الناس جبل على الخوف والهلع، لا يستطيع أن يخرج في الظلام، وقل مثل هذا فيمن يتوقع هل يتنازل من أجل هذا الخوف المتوهم عن الشروط والأركان أو ينتظر؟ يعني هل لا بد أن يكون الخوف من واقع، يعني يسمع زئير الأسد مثلاً، أو عواء الذئب ولا يستطيع أن يخرج من بيته أو من خيمته ليتوضأ، هذا يتيمم وإلا ما يتيمم؟

طالب:.......

نعم؛ لأن هذا لا يستطيع، لكن بعض الناس جبل على الخوف، فمثل هذا يكفي هذا التوهم، أو لا بد من أن يكون واقعاً؟ من أهل العلم من يقول: يكفي مثل هذا التوهم، وهذا التوهم قد يبلغ ببعض الناس أشد من الخوف أو المخوف المتيقن عند بعض الناس، بعض الناس مجرد ما يخرج من الباب يكاد يجن.

الآن بسبب هذه النعم التي نعيشها من الإضاءة، فالليل والنهار سواء عند الناس، كان الليل ظلام دامس لا يستطيع أن يخرج إلا ومعه من يجرئه على الخروج، فبعض الناس لو خرج في وقت الظلام جن، وذيول هذه المسألة وبحوثها تكثر، بحيث لو أمر الصبي بالخروج إلى صلاة الصبح فجن بسبب ذلك، أو خيف عليه من ذلك، المسألة يعني تحتاج إلى استرسال، فالخوف المتوقع عند بعض الناس لا شك أنه عذر، بعض الناس ما يجرؤ يخرج، لو يجزم أنه ما في شيء ما يجرؤ، فمثل هذا مثل المخوف المجزوم به عند آخرين، بل قد يكون أشد.

"((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً)) ثم صلاها بين العشاءين" يعني بين وقتي المغرب والعشاء، ثم بعدها صلى المغرب ثم العشاء "رواه مسلم".

في بعض الروايات في يوم الأحزاب أكثر من صلاة، صلوات أخرها عن وقتها، وهنا شغلوه عن الصلاة الوسطى، وسيأتي في الحديث الذي يليه حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أن عمر جاءه يوم الخندق جاء إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((والله ما صليتها)) يعني إلى الآن بعد ما غربت الشمس "فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب" هذا موافق للحديث السابق، لكن بعض الروايات تدل على أنه أخر صلوات وليست بصلاة، وكلها في هذه الوقعة، في هذه الغزوة، ولا شك أن هذه الغزوة استمرت أيام، ففي بعض الأيام أخر صلاة واحدة، وفي بعض الأيام أخر أكثر من صلاة.

هنا يقول في حديث جابر: أن عمر جاءه يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش؛ لأنهم صاروا سبباً في تأخير الصلاة إلى الوقت وقت الاضطرار بعد أن اصفرت الشمس بالنسبة لعمر، وقال: يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، يعني إنه إنما صلاها قبيل غروب الشمس "فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((والله ما صليتها))" يعني إلى الآن بعد غروب الشمس "قال: فقمنا إلى بطحان" مكان منبسط مملوء بالبطحاء والحصباء "فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب" وصلاتهم هذه الصلاة بعد خروج وقتها قضاء وإلا أداء؟ نعم على رأي أو على اصطلاح أهل العلم أن الصلاة التي يؤتى بها بعد خروج وقتها تسمى قضاء، ولو كان التأخير لعذر، فالصائم تقضي الصوم وهي معذورة، بل ممنوعة من الأداء فيسمى قضاء، ففعل العبادة بعد خروج وقتها قضاء.

"متفق عليه".

"وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [(14) سورة طـه] رواه مسلم.

وفي لفظ: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها))".

((إذا رقد)) يعني نام ((أحدكم)) يعني من الرجال أو من النساء ((عن الصلاة أو غفل عنها)) نسيها حتى خرج وقتها ((فليصلها إذا ذكرها)) وفي رواية: ((لا كفارة لها إلا ذلك)) يعني فلا يلزم من تركها معذوراً حتى خرج وقتها إلا فعلها على هيئتها ((فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [(14) سورة طـه])) يعني لذكرك إياي، فإذا ذكرتني ذكرت صلاتك، أو لذكرك إياها، فإنك إذا ذكرتها فقد ذكرتني.

((فليصلها إذا ذكرها)) وهذا أمر، اللام لام الأمر، ((إذا ذكرها)) يعني فوراً، فيجب قضاء الفوائت فوراً، ولا يجوز التأخير بحال ((من نسي الصلاة ثم ذكرها فليصلها إذا ذكرها)) لمجرد الذكر يصليها في أي وقت كان، ولو كان وقت نهي، ولو كان في الوقت المضيق من أوقات النهي؛ لأن النهي لا يتناول الفرائض خلافاً للحنفية، فإن النهي أيضاً يتناول الفرائض على ما سيأتي في حديث نومه -عليه الصلاة والسلام- عن الصلاة.

((فليصلها إذا ذكرها)) يعني على هيئتها ((ولا كفارة لها إلا ذلك)) لا يلزمه أن يكفر لا بمال ولا بصلاة، يعني لا يلزمه أن يصليها مرتين، وهذا يدل على ضعف ما يروى من أنه يصليها إذا ذكرها، ويصليها إذا كان من الغد في وقتها، وضعفه ظاهر.

((فإن الله تعالى يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [(14) سورة طـه])) ثم قال: رواه مسلم.

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها)) رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد لا يثبت" لأنه من رواية حفص بن عمر بن أبي العطاف، وهو ضعيف جداً، منكر الحديث.

((من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها)) لكنه يشهد له الحديث السابق، وإذا كان هذا الحديث ضعفه شديد فيبقى ضعيف ولا يرتقي؛ لأن راويه منكر الحديث، ويكتفى بما قبله عنه، قال: ((من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها)) رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد لا يثبت؛ لأنه من رواية حفص بن عمر المذكور، وهو منكر الحديث.

قال: "وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال" عمران بن حصين الصحابي المعروف الذي لما مرض سلمت عليه الملائكة عياناً، وكان يسمع التسليم من الملائكة، ثم اكتوى كما في الصحيح، لما اكتوى -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- انقطع التسليم، فندم على ذلك فعاد التسليم، فهو من جلة الصحابة -رضي الله عنه وأرضاه-.

"قال: كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسير له فأدلجنا ليلنا" الإدلاج والادّلاج سير الليل، ويستوي في ذلك أوله وآخره، ومنهم من يقول: الإدلاج سير أول الليل، والإدِّلاج سير آخره.

"حتى إذا كان وجه الصبح عرسنا" والتعريس هو النزول آخر الليل للنوم، عرسنا، ومن ذلكم نهى عن التعريس على قارعة الطريق، يعني النوم آخر الليل في قارعة الطريق؛ لأن قارعة الطريق يلقى فيها ما يبقى من أزواد أو مخلفات ممن يطرق هذا الطريق فتكثر الهوام حوله، بحثاً عما يلقى، نهى عن التعريس على قارعة الطريق، وبعض المترجمين ترجم هذا النص بأن التعريس المراد به العرس الذي هو الزواج، فلا يكون على قارعة الطريق، إنما يكون في قصور الأفراح وفي الاستراحات، ما يكون في قارعة الطريق وهذا يؤكد أن المترجم لا بد أن يكون ثقة على علم باللغتين التي يترجم منها ويترجم إليها {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ} [(75) سورة الزمر] قال: غير منتعلين، يعني بعض المترجمين يقع في مضحكات لجهله باللغة التي يترجم منها.

"عرسنا فغلبتنا أعيننا" يعني ناموا، ومعلوم أن المسافر إذا كان يسافر طول الليل مع النهار السابق، ثم نزل آخر الليل في وقت مناسب لا حر شديد مقلق، ولا برد شديد مؤذي في الغالب أنه يسترسل، وتغلبه عينه فينام، ويستغرق في نومه.

"فغلبتنا أعيننا حتى بزغت الشمس" بزغت يعني طلعت، حتى بزغت الشمس يعني طلعت، قال: "فكان أول من استيقظ منا أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه-، وكنا لا نوقظ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- من منامه إذا نام حتى يستيقظ هو بنفسه" ما يوقظونه هيبة له -عليه الصلاة والسلام-، حتى يستيقظ بنفسه "ثم استيقظ عمر" عمر -رضي الله تعالى عنه- عنده من الجرأة، وعنده من القوة بما لا يخالف الشرع، ما أيقظ النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه لا يوقظ "فقام عند نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فجعل يكبر، ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" لأن أبا بكر منعه من ذلك أن هذا نوع من الإيقاظ، هذا نوع من الإيقاظ، وكانوا لا يوقظونه، وعمر -رضي الله تعالى عنه- ما رأى هذا النوع من الإيقاظ، إنما أراد أن يذكر الله -جل وعلا-، ثم إذا إن انتبه النبي -عليه الصلاة والسلام- من تلقاء نفسه فهو مطلوب.

"حتى استيقظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت، قال: ((ارتحلوا))، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة" متفق عليه.

النبي -عليه الصلاة والسلام- نام في آخر الليل بعد تعب شديد، وقد وكل أمر الإيقاظ إلى بلال، لكن بلالاً نام كذلك، وأخذ بنفسه الذي أخذ بنفس النبي -عليه الصلاة والسلام-، كما قال هو عن نفسه -رضي الله عنه وأرضاه-، فالنبي نام -عليه الصلاة والسلام-، وثبت عنه أنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، ونومه في هذه السفرة إنما هو من أجل أن يسن ويشرع، كما أنه نسي في الصلاة ليسن، وإلا كيف نعرف أحكام السهو لو لم يقع منه -عليه الصلاة والسلام-؟ كيف يطيب لإنسان بال، ويهنأ له حال إذا نام عن صلاته أعظم أركان الإسلام إلا أن له عزاءً فيما حصل للنبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لأن بعض الناس إذا فاته شيء من الخير ولو دون الصلاة لو أقل شأن من الصلاة تضيق به الأرض ذرعاً، ويتقطع أساً وحزناً، لكن إذا عرف أن أكمل الخلق وأشرف الخلق نام عن الصلاة صار له في ذلك العزاء، لكن ليس في هذا مستمسك ولا دليل لمن يضيع الصلوات وينام عن الصلوات، بل لا بد من بذل الأسباب، وانتفاء الموانع، ما يسهر الليل فإذا بقي شيء يسير ربع ساعة نصف ساعة نام ثم استغرق في نومه حتى يخرج الوقت لا، لا يجوز له ذلك، إذا نام إذا اضطر إلى النوم في مثل هذه الحالة لأمر شغله عن النوم في أول الليل عليه أن يجعل من يوقظه، إما من آدمي يوكله بذلك، أو آلة تكون سبباً في إيقاظه، فلا بد من بذل الأسباب، ولا بد من انتفاء الموانع، ما يقول: والله أشرف الخلق نام عن الصلاة، النائم مرفوع عنه القلم، نقول: نعم النائم مرفوع عنه القلم، لكن أنت بسببك ضيعت الصلاة، فإذا وجدت الأسباب، وانتفت الموانع، ونمت مع ذلك، النائم مرفوع عنه القلم، والنبي -عليه الصلاة والسلام- نام.

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قفل من غزوة خيبر فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى" النعاس والنوم "عرس" يعني نام في آخر الليل "فذكر حديث النوم عن الصلاة، وفيه فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة))" وفي رواية: ((هذا مكان حضر فيه الشيطان)) فمثل هذا ينبغي أن يتحول الإنسان عن المكان الذي فاتته فيه الصلاة؛ لأنه حضر فيه شيطان، كما في هذا النص، وقد يقال: إن الإخبار عن حضور الشيطان من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-، وهو الذي يدري، وأما غيره فلا يدري حضر شيطان أو لم يحضر شيطان، لكن إن تيسر أن ينتقل بأن كان نام في غرفة فليصل في غرفة أخرى إتباعاً لما جاء: ((تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة)) هذا يدل على أنه إذا لم يكن هناك مشقة في الانتقال من المكان أنه هو الأصل.

"قال: فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى".

((تحولوا عن مكانكم)) الحنفية قالوا: إن هذا التحول في هذا الحديث وقوله: ((ارتحلوا بنا)) فسار بنا، نعم كلها من أجل أن يخرج وقت النهي، هذا عند الحنفية؛ لأنهم استيقظوا عند بزوغ الشمس.

في الروايات الأخرى في بعضها قال: "لم يوقظهم إلا حر الشمس" فهذا دليل على أن وقت النهي قد ارتفع انتهى، فتحولهم عن هذا المكان لا ليخرج وقت النهي، وإنما هو للعلة التي أشار إليها النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهي أنه مكان أصابتهم فيه غفلة، وحضر فيه الشيطان.

قال: "فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى" أذن فالأذان كما يطلب للإعلام بدخول الوقت يطلب أيضاً لإقامة للصلاة للاجتماع إلى الصلاة، لا سيما إذا كثر الجمع، وكانوا في مكان لم يؤذن فيه، فالحديث يدل على أنه يؤذنون ولو خرج الوقت.

"فأمر بلالاً فأذن وأقام وصلى" رواه أبو داود، وقال: ولم يذكر أحد الأذان في حديث الزهري إلا الأوزاعي، وأبان العطار عن معمر" ويكفي في هذا رواية الأوزاعي لثبوته، فالأذان ثابت، إذا استيقظ الإنسان في مكان ما فيه أحد أذن يعني خارج البلد، وهم أكثر من واحد يجتمعون إلى الصلاة فليؤذن لهم أحدهم.

"وقد ذكر مسلم الحديث من رواية يونس عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال فيه: "وأمر بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، ولم يذكر الأذان" يعني كونه لم يذكره يونس، وقد ذكره الأوزاعي فمن حفظ حجة على من لم يحفظ، وثبوت اللفظ في طريق من الطرق وعدم نقله في بعض الطرق لا يعني أنه لم يقع، فالمتجه أنه يؤذن للصلاة الفائتة إذا فعلت في مكان لم يؤذن فيه، لا سيما إذا كانوا جماعة كما هنا، أما الواحد لا يلزمه الأذان، سواءً كان في الوقت أو بعد الوقت.

إذا استيقظ النائم وبقي من الوقت ما لا يكفي للطهارة، وفعل الراتبة وفعل الفريضة، استيقظ وبقي على وقت صلاة الصبح ربع ساعة، وعليه غسل إن اغتسل طلعت الشمس، إن تيمم أدرك الصلاة في الوقت، هذا تقدم لنا في كتاب الطهارة، وأن الإمام مالك يعظم من شأن الوقت، والجمهور يعظمون شأن الطهارة، فيتوضأ ويصلي على طهارة كاملة ولو خرج الوقت، ولذا الإمام مالك قدم الوقوت في موطئه على الطهارة، وشيخ الإسلام كلامه قد يشم منه الميل إلى قول مالك -رحمه الله-، والجمهور على أنه يتوضأ ويصلي بطهارة كاملة ولو خرج الوقت، ولا يلام في هذا، هذا بالنسبة للطهارة لأنها شرط.

بقي من الوقت ما لا يكفي إلا ركعتين، هل نقول: يصلي الفريضة أو يصلي النافلة قبل الفريضة؟ نعم؟ منهم من يقول: أن يصلي كما صلى النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) تصلي النافلة ثم الفريضة؛ لأنه صار وقتها، وهو معذور في تأخيرها، ولكن المحافظة على الفريضة أولى من المحافظة على النافلة بلا شك، فيدرك الفريضة في وقتها، ثم يقضي النافلة بعد ذلك هذا هو المتجه.

انتبه شخص استيقظ شخص لو افترضنا أن أبا بكر استيقظ قبل طلوع الشمس بخمس دقائق بحيث يمكنه أن يتوضأ ويأتي بركعة قبل طلوع الشمس، هل يلزمه أن يؤدي الصلاة في وقتها ثم يوقظ الآخرين؟ أو يوقظ الآخرين ويصلون جماعة وهذا وقتها؟ يعني من استيقظ قبل طلوع الشمس بحيث يتمكن من أدائها قبل خروج وقتها، لكنه تفوته الجماعة أو ينتظر الجماعة ولو فات الوقت؟ هنا تعارض الشرط مع الواجب، والشرط مقدم على الواجب، وحينئذٍ يصلي في الوقت، ولا ينتظر الجماعة؛ لأن الوقت أهم من الجماعة، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ يعني الشرط أهم من الواجب؛ لأن الشرط لا يصح المشروط إلا به، والواجب نعم يأثم بتركه، لكن ليس هذا باختياره، والمسألة مسألة تعارض بين واجب وشرط، فمسألة المفاضلة بين العبادات مسألة مهمة في غاية الأهمية؛ لأن الإنسان أحياناً يضيق عليه الوقت عن فعل أكثر من شيء واحد من أشياء مطلوبة، فكيف يفعل؟ كيف يفاضل بين هذه العبادات؟ والمفاضلة بين العبادات موجودة في رسالة علمية مطولة ومفصلة وجيدة أيضاً بهذا العنوان: "المفاضلة بين العبادات" لأن كثير من الناس قد يصعب عليه التوفيق في مثل هذه الأمور، يعني دخل المسجد الحرام مثلاً وبينه وبين الأمام مفازة إن ذهب إلى الإمام فاته من الصلاة ما فاته، وإن صلى في أول مكان يدخل فيه من المسجد أدرك الصلاة كاملة، وحافظ على صلاته من مرور المارة بين يديه بعد سلام الإمام، وأدرك الصلاة على الجنازة إن كان، هذه مسائل وفضائل تحتاج إلى موازنة، وقد يضيق نظر كثير من طلاب العلم في الموازنة بين هذه العبادات، والرسالة التي أشرت إليها فريدة في بابها وجيدة، يحسن بطالب العلم أن يقتنيها، ويطلع عليها، والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.