تفسير ابن كثير - سورة آل عمران (13)

 
 
 
 
 
 

كتاب الحدود من المحرر في الحديث - 05

عنوان الدرس: 
كتاب الحدود من المحرر في الحديث - 05
عنوان السلسلة: 
المحرر في الحديث
تاريخ النشر: 
أحد 07/ ربيع الثاني/ 1440 9:45 م

سماع الدرس

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبحانك اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا، وبارك لنا في شيخنا.

قال ابن عبد الهادي –يرحمه الله تعالى- في كتاب "المحرر":

"باب حد الشرب وذكر الأشربة: عن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه-: أن النبي-صلى الله عليه وسلم- أتي برجلٍ قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين".

.......

"قال: أن النبي-صلى الله عليه وسلم- أوتي برجلٍ قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين قال: وفعله أبو بكر، فلمَّا كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر. متفقٌ عليه. وهذا لفظ مسلم، وهو أتم.

وله عن حصين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان، وأوتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه يتقيأ، فقال عثمان -رضي الله عنه-: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال عليٌّ: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده فجلده، وعليٌّ يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعين، وأبو بكرٍ أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنَّة، وهذا أحب إلي.

وعن معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-  في شارب الخمر: «إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه» رواه أحمد واللفظ له، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، ورواته ثقات، وقد روى جماعةٌ من الصحابة نحو هذا الحديث.

وعن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: سمعت عمر بن الخطاب على منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: أما بعد، أيها الناس فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسةٍ من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر: ما خامر العقل، وثلاثةٌ أيها الناس: وددت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبوابٌ من أبواب الربا. متفقٌ عليه.

وعن أنسٍ –رضي الله عنه- أنه قال: لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر.

وعن ابن عمر –رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  قال: «كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرام» رواهما مسلم.

وعن جابر بن عبد الله –رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي وحسنه، والطحاوي، وأبو حاتم البُستي، وقد روي من حديث سعدٍ، وعائشة، وابن عمر، وعبد الله بن عمروٍ وغيرهم.

وعن أبي سعيدٍ –رضي الله عنه- قال: نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخلط بين الزبيب والتمر، وأن نخلط البسر والتمر، وفي لفظٍ: «مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا» رواهما مسلم.

وله عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُنبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه والغد وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه، فإن فضل شيءٌ أهراقه."

كمل..كمل.

"باب التعزير: عن أبي بردة الأنصاري –رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يُجلد أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله»  متفقٌ عليه".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف –رحمه الله تعالى- في كتاب "الحدود" بعد أن ذكر حد الزنا، ثُم أتبعه بحد القذف، ثُم السرقة، قال –رحمه الله-: "باب حد الشرب وذِكر الأشربة" الشُّرب: إدخال السائل إلى الجوف عن طريق الفم، "وذِكر الأشربة" والأصل كل سائل يُدخَل على هذه الصفة إلى الجوف يُسمى شربًا، وإذا كان جامدًا ليس بسائل فإنه يُسمى أكلًا، لكن ما يُمص الذي يُمص ويتحلل مع الريق وهو في أصله جامد، لكن انسيابه إلى الجوف يكون سائلاً، فهل يُسمى أكلًا أو شُربًا؟ إيش يصير؟

طالب:..........

حلو صُلب تمصه حتى يذوب شيئًا فشيئًا وهو في أصله سائل يؤكل، مأكول، ثم يتحلل في الفم بواسطة اللعاب وينساب إلى الجوف سائلاً، فهل يدخل في المأكول أو في المشروب؟

طالب:..........

شُرب؟

طالب:..........

لا، اختلف الشُّرب في كأس وتشرب الماء يصير شُربًا.

طالب:..........

ماذا؟

طالب:..........

إذا حلف ألا يشرب فامتص قطعةً من الحلوى، فذابت في فمه، وانسابت إلى جوفه سائلة هل يحنث أم ما يحنث؟ حلف ألا يأكل ففعل ذلك يحنث أم ما يحنث؟

طالب:..........

وفي الحال الثانية ما أكل؟

طالب:..........

وحلف ألا يأكل.

طالب:..........

حلف ألا يأكل ماذا نُسميه؟ في جواب؟

طالب:..........

ماذا؟

طالب:..........

أكل.

طالب:..........

والله ما أسمع الشيخ ...

الأيمان والنذور مردها إلى الأعراف، فما عُد في العُرف أكلاً فهو أكل، وما عُد في العُرف شربًا فهو شرب، أنا سمعت من يقول: عنده علاج حبوب أُريد أن أشرب الحبوب كلامه صحيح أم لا؟ لأنه لن يُدخلها إلى جوفه إلا بواسطة الماء؛ لأن عندنا "باب حد الشُّرب وذِكر الأشربة" وليس هذا من الفضول؛ لأنه يترتب عليه أحكام، ما عُد في العُرف أكلاً فهو أكل، وما عُد في العُرف شربًا فهو شُرب، وقد تختلف الأعراف باختلاف الأزمان، وباختلاف الأماكن، باعتبار اختلاف المكان والزمان فما يُعده الناس أكلاً يحنث بأكله إذا حلف ألا يأكل، وما يُعد في العرف شربًا يحنث إذا شرب ما يُعد في البلد أو في العُرف شربًا.

بعض العلماء يقول: مردها إلى النية لا إلى الأعراف.

طالب:..........

نعم.

طالب:..........

الأيمان والنذور كلها مردها إلى الأعراف عند الأكثر، والمالكية يردون ذلك إلى نية الحالف.

الشُّرب يُراد به هنا شُرب المسكر الخمر، وما في حكمه، وقد أُلِّف كُتب في هذا الباب باسم كتاب "الأشربة" ومن ذلكم مصنَّفٌ للإمام أحمد ولغيره من أهل العلم صنَّفوا في الأشربة ليس مرادهم شرب الماء، إنما مرادهم هذا النوع المُحرَّم الذي جاءت به النصوص فيترتب عليه الحد.

قال –رحمه الله-: "عن أنس بن مالكٍ -رضي الله عنه-: أن النبي-صلى الله عليه وسلم- أتي برجلٍ قد شرب الخمر" الخمر الأصل ما خامر العقل أي: خالطه وغطاه سُميت بذلك؛ لأنها تُخامر العقل وتُغطيه أو أنها تُخمَّر وتُغطى حتى تشتد فتصير حينئذٍ خمرًا.

"قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين" قوله: "فجلده بجريدتين" هل ضم الجريدة الأولى إلى الثانية وفي آنٍ واحد يضربه بهما معًا أو أنه ضربه بالأولى حتى إذا انكسرت ضربه بالثانية؟

طالب:..........

بمفرده ضربه بالأولى حتى تكسرت، فضربه بالثانية؟

طالب:..........

نعم.

طالب:..........

أو أنه ضم الثانية إلى الأولى فضربه بهما معًا؟

طالب:..........

الرجل الذي زنا أو الرويجل الذي زنا -في حديثٍ سبق- الضعيف المريض الذي أُقيم عليه حدُّ الزنا بعثكال من التمر {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} [ص:44] يعني في آنٍ واحد يُضرب بعثكال فيه مائة شمراخ، مائة فرع تكون في آنٍ واحد، لكن ضربه بجريدتين هل نقول: ضربه بجريدتين نحو أربعين في آنٍ واحد أو أن واحدةً تلو الأخرى؟ الذي يظهر أنهما معًا هذا الذي يظهر.

"نحو أربعين" وهما في حكم الضربة الواحدة.

لكن ما الداعي إلى الجريدتين مع إمكان الضرب بواحدة؟ لعل الواحدة ضعيفة لا تؤلم، فضم إليها أخرى. قال بعضهم: إنه ضربه بجريدتين نحو أربعين؛ ليكون العدد ثمانين، وعلى كل حال الثابت عنه –عليه الصلاة والسلام- أنه ضرب شارب الخمر أربعين كما سيأتي في حديث علي، ومثله في عهد أبي بكر "فلمَّا كان –عهد- عمر استشار الناس".

"نحو أربعين" يعني: جلدة. "قال: وفعله أبو بكر، فلمَّا كان عمر" لمَّا وُجِد "كان" هنا تامة "فلمَّا وُجِد عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون" ما الذي نصب "ثمانين" عندك؟

أخف الحدود كم؟

طالب:..........

وعندك؟

طالب:..........

ما الذي نصبها؟

طالب: التمييز.

لا، التمييز جلدةً أو سوطًا هذا التمييز، هذا العدد.

طالب:.........

نعم 

طالب:.........

هي "ثمانون" "أخف الحدود ثمانون" خبر خف. خبر. "ثمانون، فأمر به عمر".

طالب:.........

قدِّر..قدِّر.

طالب:.........

ماذا؟

طالب:.........

حتى إن الحد ثمانون ما تأتي ثمانين خبر إن.

"فأمر به عمر متفقٌ عليه. وهذا لفظ مسلم، وهو أتم" في الاستشارة التي طرحها عمر قال علي: إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، فأرى أن يُجلد حد الفرية -الذي هو القذف ثمانون جلدة- "فأمر به عمر" واستقر الأمر على ذلك باجتهاد الخليفة الراشد بعدما استشار الصحابة، وله في هذا الباب نظائر.

على كل حال حد الخمر منهم من يقول: ليس فيه حد، وإنما هو التعزير بدليل أن النَّبي –عليه الصلاة والسلام- جلد "نحو أربعين" "نحو" قريبة من أربعين ما جلد أربعين؛ ليُقال: هي الحد، وليس بحد إنما هو تعزير؛ ولذا عمر لما كان الأمر في باب التعزير زاده عما فعله النَّبي –عليه الصلاة والسلام- وأبو بكر، ولولي الأمر إذا تتابع الناس على شرب الخمر، ولم يردعهم الحد الذي هو الأربعين له أن يزيد كما زاد عمر، قالوا: وقد يصل إلى مائة أو أكثر إلى أن يصل إلى حد القتل كما سيأتي في حديث معاوية.

ومنهم من يقول: هو حد، واختلفوا، فمنهم من يقول: الحد أربعون، ومنهم من يقول: الحد ثمانون على اجتهاد عمر وموافقة الصحابة، ومنهم من يقول: لفعله –عليه الصلاة والسلام- وفعل أبي بكر الحد أربعون، وما زاد على ذلك فهو من باب التعزير. "متفقٌ عليه. وهذا لفظ مسلم، وهو أتم".

هناك ما هو أشد من الخمر، وما هو أخف من الخمر الذي هو أشد من الخمر المخدرات التي تفتك بالناس، تفتك فتكًا ذريعًا بالناس، وضررها عظيم، والتخلي عنها فيه صعوبةٌ شديدة، وأثرها في المجتمعات أعظم من السموم، وأعظم من الجيوش الجرارة؛ ولذا في الآونة الأخيرة العدو يُركز عليها، ويُصدرها إلى بلاد المسلمين؛ لئلا تنتهي خلاص، وكم أحدثت من البلاء في بيوت المسلمين إذا وُجِد فيهم من يتعاطاها. إذا كان الخمر يُغطي العقل ويُخامره مدة، ويحصل فيه نشوة ملعونٌ شاربه ملعون كما جاء في الحديث، فما شأن هذه السموم المخدرة التي تقضي على الأفراد والمجتمعات، والتخلي عنها في غاية الصعوبة؛ ولذا صدر الحكم بقتل المُروج لهذه المخدرات، بخلاف مروج الخمر فإنه لا يُقتل إلا إذا كان مدمنًا على قول كما سيأتي.

هناك الحشيش الذي ظهر في آخر المائة السادسة وضرره عظيم، ويقول شيخ الإسلام: إنه أشد من الخمر وآثاره سيئةٌ جدًّا، يقول: بعض الأطباء: أن موت الإنسان أهون ضررًا عليه من تعاطي الحشيش، ويقول شيخ الإسلام: إنها مُحرَّمةٌ بالإجماع، وذكر ابن البيطار في كتابه في الطب: ضررها على الجسم، وعلى العقل، وعلى الدين، وعلى غيرة الإنسان على نفسه، وعلى محارمه ذكر الشيء العظيم.

ومُحقق كتاب من كتب المصطلح المختصرة تكلم عن مسألة الأصل في الأعيان، الأصل في الأعيان هل هو الإباحة أو الحرمة؟ فقال بعضهم: الأصل التحريم حتى يرد دليلٌ على التحليل، وهذه مسألة أصولية معروفة، وقال آخرون: الأصل التحريم حتى يرد دليلٌ يُبيح. هذه مسألة أصولية المؤلف قال: "كالحشيش" بعضهم يُحرِّم حتى يرد دليل يُبيح، وبعضهم يُبيح حتى يرد دليل يُحرِّم.

وأطال المُحقق على التعليق على الحشيشة التي تحدثنا عنها ورد على المؤلف وشدد عليه، وقال: إن هذا النوع لا يحتمل الحِل مطلقًا، ونقل الإجماع على تحريمه، فهو يظن أن المؤلف يُنزل القاعدة على الحشيش الذي يُزيل العقول، ومراد المؤلف أن هذه عين خرجت إلى البَر فأعجبك نوع من الحشيش النابت في الصحراء –رائحته- فأردت أن تأكل منه، فما الحكم حلال أو حرام؟ الحشيش الذي ترعاه البهائم هل هو حلال أو حرام؟ كلٌّ على أصله الذي يقول: الأصل الحِل كلْ حتى يرد دليل يُحرم، والذي يقول: الأصل الحُرمة، يقول: امتنع حتى يرد دليل ينص على هذا النبات بأنه حلال. فرقٌ بين هذا وهذا.

فيه حيوانات من التي تعيش في الصحاري مثل الزواحف قد تُعجب الإنسان، بعضهم يقول: نأكل أو ما نأكل؟ كلٌّ على أصله الذي يقول: أصله الحِل كلْ حتى يرد دليل يُحرِّم، والعكس عند من يرى أن الدليل الحرمة.

مَثَّلنا في كثيرٍ من المناسبات.

طالب:.........

إيش؟

طالب:.........

ماذا؟ 

طالب:.........

ما أسمع.

طالب:.........

السقنقور يُوجد عندنا في الصحاري بكثرة، وبعض الناس يأكله، وبعضهم يصفه علاج، يذكرون الذين يأكلونه أنه مفيد لكثيرٍ من الأمراض، ويُوجِد عند بعض العطارين مُجفف. على كل حال نأكل أو ما نأكل وجدناه في الصحراء؟ كلٌّ على أصله الذي يقول: الأصل الحِل، يقول: كُل حتى يرد دليل يُحرِّم، والذي يقول: الأصل التحريم، يقول: لا تأكل حتى تجد نصًا يُبيح، هذه القاعدة لها فروع كثيرة جدًّا وأمثلة.

النيص معروف له شوك إذا أراد أحدٌ أن يعتدي عليه يُطلق عليه من هذا الشوك، ولو تبحثون عنه في الجوالات وجدتموه، وفي فتوى للشيخ/ ابن باز، وفي فتوى لأناس آخرين هل يؤكل أو لا يؤكل؟ وهو فرعٌ من هذه المسألة؛ لأنه ليس فيه دليل يخصه، فرعٌ من هذه المسألة.

"وله" يعني: لمسلم. "عن حصين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان، وأتي بالوليد" هل يلزم الإتيان (بقد) الواو حالية هل يلزم الإتيان (بقد) أو لا يلزم؟

طالب:.........

نعم عند البصريين يلزم أن يؤتى (بقد).

"وأتي بالوليد قد صلى الصبح" صلى بالناس "ركعتين ثم" لمَّا سلَّم "قال: أزيدكم؟" يكفي ركعتين أم أزيدكم؟

طالب:.........

لماذا؟ شرب الخمر "فشهد عليه رجلان أحدهما حمران" مولى عثمان "أنه شرب الخمر، وشهد آخر" لم يُشاهده وهو يشرب الخمر، لكنه رآه يتقيأ الخمر، شرب أم ما شرب؟ إذا كان يتقيأ نعم "فقال عثمان -رضي الله عنه-: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال عليٌّ: قم يا حسن فاجلده" عثمان أمير المؤمنين له أن يأمر من يتولى إقامة الحد، وطاعته واجبة، علي رأى أن ينوب ولده عنه، وله أن يأمر ولده قال: "قم يا حسن فاجلده" ابن علي. "فقال الحسن: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا" قار: البارد، والحار: مثل هذه الولاية والوكالة، القار: المستفيد، بعض الناس يكون قريبًا من ولي الأمر أو من المسؤول، فتجده يستفيد منه في أمور دنياه، وبعض الناس بعيد ما يستفيد أبدًا، مُتَولي القار هذا المستفيد البارد ينبغي أن يكون الغُنم مع الغُرم، أو الغُرم مع الغُنم، إذا استفاد منك كلِّفه..كلِّفه بما تُريد. تحمل شخصًا بعيدًا ما استفاد شيئًا، ولمَّا جاء الأمر الشديد الذي يمكن أن يترتب عليه أشياء..

"وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا". الحسن –رضي الله عنه- هل أجاب طلب أبيه أو رفضه أو أن هذا الأمر ليس على سبيل الوجوب؟ فهم الحسن أن هذا ليس على سبيل الوجوب والتعيين، وأن هذا أمر يُمكن أن يقوم به أي شخص. بالإمكان أن الإنسان إذا أُمِر بشيء ورأى أن المصلحة لا تترتب أو قد لا تكون في توليه بنفسه أن يعتذر عنه، ولا يُلام حينئذٍ إذا اعتذر إذا خشي أن يترتب على ذلك مفسدة ولو كانت خاصة به، وغيره كثير، الأمر ما تعين عليه ليكون واجبًا.

"فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده فجلده، وعليٌّ يعُد" واحد..اثنان..ثلاثة..ثلاثون..أربعون "وعليٌّ يعُد، حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك" حسبك يكفي.

"ثم قال: جلد النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أربعين -وجلد- أبو بكرٍ أربعين، وعمر جلد ثمانين، وكلٌّ سُنَّة"؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- يقول: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي».

"وكلٌّ سُنَّة، وهذا أحب إليّ"، "وهذا" يعني: الثمانين آخر مذكور يقول علي: "هذا أحب إلي"؛ لأنه رأى من الناس تساهلاً في شرب الخمر بعد فتح البلدان، واختلاط الناس بغيرهم من الأمم، فهذا يردع، يقول: "هذا أحب إلي" هل نقول: إن عليًّا –رضي الله عنه- فعل عمر أحب إليه من فعل النَّبي -عليه الصلاة والسلام-؟ أو نقول: إن هذه مسألة قابلة للاجتهاد، وفعله -عليه الصلاة والسلام- في وقته لمَّا كان الشُّراب عددًا محدودًا يُناسب الأربعين، وهذا أحب إليه في ذلك الوقت، لكن في هذا الوقت الذي كثُر فيه الشُّرب تكون الثمانون أحب إليه "وهذا أحب إلي"؟  

"وعن معاوية بن أبي سفيان –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في شارب الخمر: «إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه» رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، ورواته ثقات، وقد روى جماعةٌ من الصحابة نحو هذا الحديث". منهم أبو هريرة، وجرير بن عبد الله، وابن عمر، والشريد بن عمرو أو أبو عمرو، وعبد الله بن عمرو، وشرحبيل بن أوس كلهم رووا قتل الشارب، ويُراد بذلك المدمن الذي يؤتى به ويُقام عليه الحد فلا يرتدع، والحديث مُصحح من قِبل جمعٍ من أهل العلم، فهل يُعمل به أو لا يُعمل؟ الترمذي في جامعه يقول: ليس في كتابي شيء مما أُجمِع على ترك العمل به إلا حديثين: وذكر حديث قتل الشارب، وذكر حديث الجمع بالمدينة من غير خوفٍ ولا مطر. ترك العمل معناه أنه منسوخ، وذُكِر عن الشافعي أنه يقول: منسوخ.

على كل حال هذا إذا قلنا بهذا انتهى الإشكال، لكن من أهل العلم وهم أهل الظاهر يرون أنه مُحكم، وأنه يجب تطبيقه كسائر الحدود «شرب الرابعة فاضربوا عنقه».

هناك قول لشيخ الإسلام، وابن القيم، والسيوطي أيضًا، ويُرجحه الشيخ/ أحمد شاكر أنه من باب التعزير إذا رأى الإمام أن الناس تتابعوا على شرب الخمر، وأن الحد لا يردعهم فله أن يقتل، وليس من الحد اللازم تطبيقه وتنفيذه.

الشيخ أحمد شاكر له رسالة أطال في تخريج وذكر شواهده في تحقيقه على المسند، واستل منه رسالةً سمَّاها: "كلمة الفصل في قتل مدمن الخمر".

وجمهور أهل العلم على أنه منسوخ وليس بمُحكم.          

"وعن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: سمعت عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- على منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: أما بعد أيها الناس، فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسةٍ: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير"، "من خمسة: من العنب والتمر" سيأتي أنه نزل تحريم الخمر وما بالمدينة شرابٌ إلا من تمر. كل هذا يرد على الحنفية الذين يقولون: لا خمر إلا من عنب ما عدا العنب فإنه لا يُسمى خمرًا ولو أسكر لا يُسمى خمرًا، ليس معنى هذا أنهم لا يجلدونه الحد أو يبيحون شربه، لا، المسألة مسألة هل إطلاق الخمر على نبيذ التمر إذا أسكر أو زبيب أو ماعدا العنب هل يُسمى خمرًا حقيقة أو مجاز؟ عندهم ليس بحقيقة، وصاحب القاموس وهو من أئمة اللغة قال: من العنب والتمر والزبيب، وذكر الخمسة، ومن كل شيء إذا أسكر يُسمى خمرًا.

"نزل تحريم الخمر وهي من خمسةٍ: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر" قاعدة "والخمر: ما خامر العقل" من أي مادةً كان إذا خامر العقل وغطاه، وجعل شاربه كالمجانين لا يعقل ما يقول، فإنه حينئذٍ يُسمى خمرًا حقيقة شرعية، وعلى كلام صاحب القاموس حقيقة لغوية أيضًا.

"والخمر: ما خامر العقل، وثلاثٌ أيها الناس: وددت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه" لأنها فيها خلاف بين الصحابة، فيُريد عمر أن يكون فيها نص قطعي يرفع الخلاف. "الجد" ميراث الجد، ولعله يُريد مع الإخوة الذي الخلاف فيه بين أهل العلم إلى يومنا هذا، هل يحجب الإخوة كالأب أو يُشاركهم في الميراث مسألةٌ خلافيةٌ بين أهل العلم، والمُرجَّح أن الجد أب يحجب الإخوة.

"والكلالة" من لا والد له ولا ولد {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} [النساء:176].

"وأبوابٌ من أبواب الربا" وهذا عمر بن الخطاب، هذا عمر المُلهَم المُحدَّث يقول هذا الكلام! لو تقول لواحد من متوسطي طلاب العلم لا يتردد في مسألة من هذه المسائل؛ لأن الورع قَل في الناس، عمر إذا نزلت به نازلة -لا يتردد صغار الطلاب فيها في وقتنا- يجمع لها كبار الصحابة، ومن بقي من أهل بدر، ومن بقي من أهل بيعة الرضوان يجمعهم يستشيرهم، دليلٌ على كمال الدِّين والعقل، لماذا أُحمِّل نفسي وحدها عبء الفتوى في هذه المسائل وأنا أجد من يتحمل معي؟ "متفقٌ عليه".  

"وعن أنسٍ –رضي الله عنه- أنه قال: لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر" {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة:90] هذه الآية الحاسمة في تحريم الخمر، نزل قبل ذلك آيات فيها تدريج، لكن هذه الآية التي حُرِّم فيها الخمر.

"وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر" ونقول: التمر ليس حقيقة خمرًا، هذا كلام الحنفية، وأنتم تنظرون مثلاً صاحب القاموس مشى على مقتضى الأحاديث، وتجدون في بعض كتب اللغة ما ينتصر لهذا القول، وفي بعضها ما ينتصر لرأي الحنفية، يعني لو رجعت إلى "المُغرِب" للمطرزي وهو حنفي، وهذا كتاب للغة لوجدته ينتصر لمذهبه، المسائل لغوية، لكن المذاهب مؤثرة، والإنسان يتأثر وينتصر لإمامه شعُر بذلك أو لم يشعر.

وهكذا في الكتب التي تأثرت بالمذاهب سواءً كانت المذاهب عقدية أو فقهية، يعني لمَّا أُريد شرح حديث من أحاديث العقائد وأرجع فيه إلى "الفائق" للزمخشري، الزمخشري وهو معتزلي المذهب؛ ولذلك يُعتمد في بيان لغة الكتاب والسُّنَّة على كتب المتقدمين الذين لم يتأثروا بالمذاهب، ولم يظهر تأثرهم  في كتبهم، أما الكتب التي تُعنى بغريب كُتب الفقه فلابد من أن تتأثر مثل ما قلنا: "المُغرِب" للمطرزي تأثر بالفقه الحنفي، وتجدون "المصباح المنير في شرح غريب الرافعية الكبير" تأثر بالمذهب الشافعي، "والمُطلِع على أبواب المُقنع" تأثر بالمذهب الحنبلي، فمثل هذه المسائل التي يترتب على الاختلاف فيها في معانيها اختلافٌ فقهي بين المذاهب تُجتنب أو تجمع ويُنظر في جميعها، وتُقارن بما قاله المتقدمون.

طالب:.........

عندك الكتب المتقدمة مثل "تهذيب اللغة" و"الصحاح" وغيره، الكُتب التي أُلِّفت في اللغة و"العين" للخليل. 

"وعن ابن عمر –رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرام» قاعدة شرعية كلية «كل مسكرٍ خمرٌ» هل لأحدٍ وجه أن يقول: إن هذا المُسكر ليس بخمر؛ لأنه ليس من عصير العنب، والرسول –عليه الصلاة والسلام- يقول: «كل مسكرٍ خمرٌ»؟ ليس لأحدٍ أن يقول ذلك مهما قلنا بإمامة أبي حنيفة وجلالة قدره في الفقه مهما قلنا.

«وكل مسكرٍ حرام» "رواهما مسلم". 

"وعن جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما أسكر كثيره حرُم قليله»" وفي حديث «مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ».

 "رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي وحسنه، والطحاوي، وأبو حاتم البُستي" ابن حبان، له شواهد يصل بها إلى الصحيح لغيره؛ ولذا قال المؤلف: "وقد روي من حديث سعدٍ، وعائشة، وابن عمر، وعبد الله بن عمروٍ وغيرهم" كل هؤلاء إضافةً إلى جابر رووا «ما أسكر كثيره حرُم قليله»، «مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» إن الكثير إذا أسكر فقليله حرام، قليله إذا كان خالصًا من هذا النوع المُسكر خالصًا، لكن لو أخذنا قليل من هذا المُسكر وأضفنا إليه مادة كثيرة غير مُسكرة هو لا يُسكر في هذه الحالة، هل نقول: إن حكمه مثل حكم الماء إذا وقعت فيه نجاسة يسيرة لا تؤثر فيه، ولم تُغير لونًا ولا طعمًا ولا رائحة؟

طالب:.........

ماذا؟

طالب:.........

قليله هو من غير خلطٍ بغيره؛ ولذا فيه مواد مُسكرة من الكحول وغيرها تُوضع في مواد طاهرة، وتكون يسيرة جدًّا لا تؤثر على العقل مقتضى هذا أنها إذا كانت قليلة نسبتها، كما لو وقعت نجاسة يسيرة جدًّا في ماءٍ كثير، ومنهم من يقول: هذا القليل المُحرَّم هو لا يجوز وضع النجس أو المسكر عمدًا فيما لا يُسكر؛ ولذلك الذين يقولون: النسبة اليسيرة من الربا لا تضر؛ لأن بعض المذاهب قالوا: أن النجاسة اليسيرة لا تؤثر، يعني: قدر الدرهم البغلي لا يؤثر عند الحنفية، لكن هل يُتصور أنت تُقدِم على الربا، وأنت تعرف أنه ربا وهذه نسبة يسيرة، تُقدِم عليه وأنت عالم أنه ربا، هل يُتصور أن الحنفية يقولون: يا فلان تعال بُل علي مقدار الدرهم، ويُجوزون مثل هذا؟ لا يقوله عاقل أصلاً، لكن إذا وقعت من غير قصد، وهذا نظيره إذا وقع الربا من غير قصد بهذه النسبة اليسيرة تخلص منها.

أما يقولون: أقدِم عليه، وأنت تعرف أنه ربا والنسبة يسيرة، ثُم تخلص منه، هذا لا يجوز بحال «لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه» فلا يجوز أن يُعمد إلى الربا المحرم في الشرع، ويُقال: قليله...ثُم تخلص منه، هل يقول: الحنفي: يا فلان هذا ثوبي بُل عليه، ثُم يصير يسيرًا؟ ما يقوله عاقل أصلاً، ولا يُجوزون مثل هذا، لكن لو وقعت النجاسة من غير قصدٍ وكانت بهذا القدر، فإنه يُعفى عنها عندهم.   

"وعن أبي سعيدٍ –رضي الله عنه- قال: نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخلط بين الزبيب والتمر" لأنها تتفاعل هذه المواد المركبة، وتتأثر بسرعة بخلاف التمر وحده أو الزبيب وحده. "أن نخلط بين الزبيب والتمر" جاء النهي عن الخليطين وهو مشروح في كتب الفقه.

"وأن نخلط" لأنه من باب ضرب، ومن باب نَصر. "وأن نخلط البسر والتمر" كذلك إذا كثرت المواد تسارع الفساد إليها.

قد يُخلط أنواع كثيرة العصائر المُشكَّلة التي يُسمونها إيش؟ كوكتيل، هذه مخلوطة أخلاط ما هي بخليطين هل نقول بتحريمها؟ لا؛ لأنها لا تُسكر والظروف تختلف. سيأتي في الحديث الذي بعده.

"وفي لفظٍ: «مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا» لا يخلطه بشيء «أَوْ تَمْرًا فَرْدًا» لأنه قد يتغير، فيظنه شاربه يظن أن هذا التغير بسبب الخلط لا بسبب التغير «أَوْ بُسْرًا فَرْدًا» "رواه مسلم".

"وله" أي: لمسلم "عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُنبذ له الزبيب في السقاء" "السقاء" مثل القربة قد يكون أصغر أو شيءٍ من هذا. "يُنبذ له الزبيب في السقاء" يُوضع حبات من الزبيب في السقاء من أجل إيش؟ أن يصير حلوًا، وكذلك يُنبذ له التمر من أجل أن يكون حلوًا في السقاء.

"فيشربه يومه" يعني: اليوم الأول يشرب كامل. "والغد وبعد الغد" يعني: ثلاثة أيام؛ لأنه لا يتغير في هذه المدة لا يصل إلى أن يشتد ويقذف بالزبد، لا يشتد ولا يقذف بالزبد."وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه" "شربه" يعني: أراد أن يُنهيه؛ لئلا يبيت في سقائه فيكون مُسكرًا، فعلى هذا النبيذ يُشرب ثلاثة أيام، ثُم بعد ذلك إما أن يُشرب ويُسقى ويُنهى في آخر اليوم الثالث أو يهراق، إذا انتهى اليوم الثالث وما شُرِب يُهراق؛ لأنه مظنة الإسكار.

"شربه وسقاه فإن فضل شيءٌ أهراقه" لأنه يغلب على الظن أنه تغير ويُسكر، "في السقاء" السقاء إذا تغير ما فيه عُرِف تغيره ينتفخ؛ ولذلك في أول الأمر نُهي عن الانتباذ في الأوعية الصلبة في النقير، والمقير، والمُزفت، والحنتم. نُهي عن الانتباذ فيها؛ لأن ما فيها قد يتغير ولا يُعلَم به، هذا في أول الأمر لمَّا ألِف الناس التحريم واجتنبوا الخمر أُذِن لهم في أن يشربوا في أي سقاء، هذا السقاء الذي هو من جلد إذا تغير ما فيه انتفخ، وعُرِف أنه تغير.

"فإن فضل شيءٌ" منه "أهراقه" يهريقه وإلا لمَّا نزل تحريم الخمر أراق الصحابة...

ثُم قال المؤلف –رحمه الله تعالى-: "باب التعزير"

 التعزير: ما فيه عقوبة غير مُقدرة مما مُنع شرعًا؛ لأن التعزير في الأصل المنع مما مُنع شرعًا، الممنوعات الشرعية المحرمات بعضها ما فيه عقوبة مُقدرة، وهذا ما تقدَّم الكلام فيه من الحدود، وبعضه ليس فيه عقوبة مُقدرة وإنما مرجعه إلى اجتهاد الإمام وهذه التعازير.

والتعزير كما يكون في ارتكاب الممنوع يكون أيضًا في ترك المأمور، والتعزير كما يكون على البدن يكون بما هو أوسع من ذلك قد يكون بالكلام، وقد يكون بالمال على خلافٍ بين أهل العلم في مسألة التعزير بالمال، والناس يتفاوتون، فمنهم من يحتاج إلى ردع، ومنهم من يحتاج إلى كلمةٍ يسيرة تؤثر فيه، ومنهم من يحتاج إلى الأخذ من ماله، ومنهم من يردعه الصد عنه.

شيخ من الشيوخ الكبار له دروس تزوج واحد من طلابه، فتأخر هذا الطالب عن درس ما بعد صلاة الصبح، وصار في آخر الحلقة وصله الدور قال الشيخ: اقرأ، في اليوم الثاني قال له الشيخ: اقرأ، في اليوم الثالث قام الشيخ وتركه؛ لأنه بدأ يتأخر فيكون في آخر الحلقة كل يوم، في اليوم الرابع جاء للمسجد قبل أذان الصبح؛ لأنه تعزير، قام وتركه تعزير.

فالتعزير أنواع، والإمام ومن إليه الأمر كلٌّ على حسبه يستعمل من التعازير ما يُناسب الحال.

"عن أبي بردة الأنصاري –رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يُجلد أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله تعالى» متفقٌ عليه" هل المراد بالحدود التي تقدم ذكرها مادام الحد لم يثبت فلا يجوز الزيادة على العشرة أسواط أو المراد بالحدود المحرمات؟ وجاء إطلاق الحدود عليها في مواضع كثيرة من الكتاب ومن السُّنَّة، يعني نفترض أن شخصًا خلا بامرأة ليالي عديدة ولم يثبت في حقه الزنا، الحد ما ثبت في حقه، نقول: لا يُجلد أكثر من عشرة أسواط أو نقول: إن هذا أمر مُحرَّم فهو من حدود الله، فيُجلد فوق عشرة الأسواط، لكن لا يصل إلى الحد المُقرر في مثله إذا ثبت؟ قولان لأهل العلم.

ولا شك أن تنزيل الحديث على الحدود المُحددة المذكورة لا شك أنه يترتب عليه فسادٌ ذريع، قد يكون بعض المُحرمات ليس فيها حد، وهي أشد مما فيه حد، والحكمة معروفة في الشرع.

على كل حال القول المُرجَّح أن المراد بالحدود المحرمات، وأن ما ينطبق عليه الحد تعزير الوالد لولده إذا أخطأ ما درس؛ نظرًا لمصلحة دنياه، أو ما صلى مع الجماعة؛ نظرًا لمصلحة دينه، وغير ذلك من الأمور التي يحتاج فيها الولد إلى زجر، الطالب من مُعلم إذا أخطأ الطالب يُعزره المعلم بنحو ما ذكرنا، وقد يكون بالضرب غير المُبرِّح، لكن لا يزيد على عشرة أسواط.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.