تعليق على البلبل في أصول الفقه (24)

عنوان الدرس: 
تعليق على البلبل في أصول الفقه (24)
عنوان السلسلة: 
البلبل في أصول الفقه
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 25 أبريل, 2018 - 10:15

سماع الدرس

بسم الله. والحمد لله.

 وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

يقول –رحمه الله تعالى-: "الثاني: تثبت الأسماء قياسًا، وهو قول بعض الشافعية، خلافًا لبعضهم، وهو قول أبي الخطاب وبعض الحنفية.

لنا: معتمده فهم الجامع، كالتخمير في النبيذ، كالشرعي فيصح حيث فُهِم.

قالوا: إن نصوا على أن الجامع التخمير، فالنبيذ خمرٌ بالوضع، وإلا فإلحاق ما ليس من لغتهم بها.

قلنا: ليس النص من شرط الجامع، بل يثبت بالاستقراء.

قالوا: سموا الفرس أدهم؛ لسواده".

وكُميتًا.

"وكُميتًا لحمرته، ولم يلحق بهما غيرهما.

قلنا: موضوعٌ للجنس والصفة، فالعلة ذات وصفين، فلا يثبت الحكم بأحدهما، ثم هو معارضٌ بمثله في القياس الشرعي.

قالوا: الشرعي يثبت بالإجماع، ولا إجماع هنا.

قلنا: بل بالعقل، كما سيأتي.

ثم مستند الإجماع استقراء الكتاب والسُّنَّة، فاستقراء اللغة مثله، ثم قد نص جماعة من أئمة اللغة على جوازه، وقولهم حجة، وهو إثباتٌ فيُقدَّم".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هنا المبحث في القياس في اللغة، وليس المراد به القياس في الشرع؛ لأن القياس في الشرع ركن وقطب من أقطاب هذا العلم سيأتي الكلام عليه بالتفصيل.

وهنا القياس في اللغة، وقُدِّم الكلام في اللغات، ومنشأ اللغات، ثم القياس فيها، ثم ما يتعلق بها من الحقائق والمجازات؛ لأن علم الأصول يحتاج إليها.

فمأخذ هذا العلم من -كما يقولون-: من علم الكلام، واللغة هو تصور الحكام، فبحثوا اللغة وقدَّموها بين يدي الأقطاب كما صنع المؤلف هنا؛ لأنها من الوسائل التي يُتوصل بها إلى هذا العلم.

مبحث القياس وهو إلحاق الفرع بالأصل؛ لعلة تجمع بينهما، والتعريف هذا للقياس الشرعي، ويصدقه على القياس اللغوي.

يقول: "تثبت الأسماء قياسًا، وهو قول بعض الشافعية، خلافًا لبعضهم، وهو قول أبي الخطاب وبعض الحنفية" على كل حال القياس في اللغة مسألةٌ خلافية، فمن أثبت القياس يقول: إذا ثبت القياس في الشرع الذي من قال به وأثبت به حكمًا نسبه إلى شرع الله، فمن باب أولى أن يُثبت لفظًا يقيسه على آخر للعلة الجامعة، وينسبه إلى العرب، ما المانع؟ إذا ثبت القياس في الأحكام الشرعية ونُسب الحكم إلى الشرع للعلة الجامعة فما المانع من أن يُنسب اللفظ اللغوي المقيس على أصله إلى لغة العرب؟

 أيهما أسهل أن نقول: هذا حكم الشرع قياسًا على كذا أو نقول: هذه لغة العرب قياسًا على قولهم كذا؟ لا شك أن نسبة الشيء إلى الله ورسوله ينبغي أن يُحتاط لها أكثر من نسبة الشيء إلى غيرهما، فيلزم من قال بالقياس في الشرعيات أن يقول به في اللغة. 

ولذا قال: "لنا: معتمده فهم الجامع" يعني إذا عرفنا العلة الجامعة بين الفرع والأصل المقتضية إلحاق الفرع بالأصل، يعني كما نصنع بالحكم الفرعي الشرعي المقيس على أصلٍ ثبت بالكتاب أو بالسُّنَّة إذا اتحدت العلة.

"كالتخمير في النبيذ، كالشرعي فيصح حيث فُهِم" النبيذ كله مُسكِر، وكل مُسكِر هل يُقال له: خمر أو لا؟ الأصل أن الخمر ما جاء النص وهو مما يُطلق عليه الخمر في لغة العرب.

 يعني العرب تُطلق الخمر على ما تغير من عصير العنب، وخامر العقل وغطاه، هذا الأصل، فهل نستطيع أن نقول: إن الخمر المُتخذ من الشعير مثلاً أو من الزبيب -من الزبيب هذا يتبع العنب-، لكن من الشعير مثلاً أو من العسل أو من الذرة، هل نستطيع أن نُسميه خمرًا؛ لوجود العلة التي هي التخمير؟

 الحنفية يقولون: لا، ليس بخمر، وغيرهم يقولون: هو خمر مادامت العلة ثابتة في الفرع مثل ثبوتها في الأصل، فما المانع أن نُسميه خمرًا، فالخمر كل ما خامر العقل وغطاه، فيشمل جميع ما اشتملت عليه العلة وما وجِدت فيه، فإذا خامر العقل من أي نوعٍ كان سُمي خمرًا.

قال: "لنا: معتمده فهم الجامع" الذي هو العلة الجامعة بينهما "كالتخمير في النبيذ، كالشرعي" يعني كالحكم الشرعي إذا ثبتت العلة في الفرع مثل ثبوتها في الأصل فما المانع أن يكون الحكم واحدًا؟ " فيصح حيث فُهِم".

"قالوا" يعني: المخالفين "إن نصوا على أن الجامع التخمير، فالنبيذ خمرٌ بالوضع، وإلا فإلحاق ما ليس من لغتهم بها" يعني افتياتٌ عليهم؟

ما فيه جواب؟

طالب: يا شيخ، يقول في الشرح: وإن لم ينصوا على أن علة تسمية الخمر التخمير، كانت تسميتنا للنبيذ خمرًا خارجًا عن لغتهم، وإلحاقًا لما ليس منها بها، فقد دار الأمر بين أن الأسماء إما وضعية أو خارجة عن اللغة.

"وإلا فإلحاقٌ لما ليس من لغتهم بها      " هذا صواب العبارة، ينبغي أن يكون هكذا، "وإلا فإلحاقٌ لما ليس من لغتهم بها" يكون هذا افتياتًا على العرب.  

"إن نصوا على أن الجامع التخمير، فالنبيذ خمرٌ" يقول: نعم، يصح القياس متى؟ إذا كانت العلة الجامعة بين الفرع والأصل منصوصة من العرب، إذا نصوا على الجامع صح القياس، وإلا فلا، نقول: لا.

هل يلزم أن يكون في القياس الشرعي أن تكون العلة منصوصة، هل يلزم؟ لا يلزم، لا يلزم في القياس الشرعي أن تكون العلة منصوصة من الشارع، وإذا قلنا بهذا في الشرع، ففي لغة العرب من باب أولى، بناءً على ما قررناه من أن الافتيات على الشرع أعظم من الافتيات على الخلق، وأظن هذا ظاهرًا، ظاهر أم لا؟ يعني إذا نسبت إلى شخص كلامًا أسهل أم أن تنسبه إلى الله ورسوله؟ «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ النَّاس» هذا الرسول –عليه الصلاة والسلام- يقوله.      

فإذا كان في القياس الشرعي لا يلزم أن تكون العلة منصوصةً فلا ألا يلزم من أن تكون منصوصةً في لغة العرب من باب أولى، يعني إذا حكم العرب على المفعول بأنه منصوب مثلاً، والفاعل بأنه مرفوع في أمثلةٍ استعملوها إذا وجدنا الحد منطبقًا على أجهزةٍ حديثة ما استعملها العرب، نقول: لا هذا افتياتٌ عليهم؟

إذا قيل: أطفئ المحرك، فكيف تعرب المحرك؟ مفعول، نقول: لا، العرب ما قالوا: محرك أو مُكبّر مثل هذا؛ لأنهم ما استعملوه، هذا افتياتٌ عليهم؟ لا، هم لهم قواعد تُطبَّق عليها الجزئيات، ولهم كلام مُعلل إذا اطردت علته يصح القياس عليه كما يصح في الشرعيات.    

يقول: "قلنا: ليس النص من شرط الجامع، بل يثبت بالاستقراء" لا يلزم من أن تكون العلة منصوصة، بل تثبت العلة بالاستقراء، بالسبر والتقسيم المعروف عند أهل العلم في الشرعيات. 

"قالوا: سموا الفرس أدهم لسواده، وكُميتًا لحمرته، ولم يلحق بهما غيرهما" يعني إذا وجدنا رجلًا أسود، نقول له: أدهم يجوز بجامع السُّمرة، وإذا وجدنا رجلًا أحمر نقول: كُميت بجامع الحمرة؟ هذا من أدلتهم، كيف تقولون: القياس، وهذا موجود وما يُمكن نُسمي رجلًا أسود أدهم، هذا دليل قوي أم ضعيف؟

طالب: ضعيف.

لماذا؟

طالب:.......

هم قالوا: لماذا سموه كُميتًا؟ لأنه أحمر، إذًا كل أحمر كُميت ما دمت تقيس بجامع الحمرة، الفرشة كُميت هذه؛ لأنها حمراء، شماغك كُميت؛ لأنه أحمر.

طالب: الجامع يا شيخ؟

الجامع الحُمرة، نعم.

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

إذًا يمكن أن نطرد هذا في كل ما قالوه، ثم مع ذلك لا نقيس.

إذا وجدت حصانًا سريع الجري ما تقول: سبَّاق؟ وإذا وجدت رجلاً سريع الجري، تقول سبَّاق أم ما تقول؟  

طالب:.......

لماذا لا يصير خاصًّا بالفرس مثل كُميت، ومثل أدهم؟ أنت نظرت إلى العلة الجامعة بينهما، فقلت: إن هذا مثل هذا.

طالب:.......

كيف يكون مخصوصًا؟

طالب:.......

أحيانًا تكون العلة ذات شقٍّ واحد، وحينئذٍ يصح الإلحاق، وإذا كانت العلة مركبةً من وصفين لا يصح الإلحاق إلا إذا توافر الوصفان؛ ولذا قال في الجواب:

"قلنا: موضوعٌ للجنس والصفة" الجنس الذي هو الفرس، والصفة التي هي اللون.

"فالعلة ذات وصفين، فلا يثبت الحكم بأحدهما" الضيغم مثلاً يُطلق على ماذا؟ على الأسد، لماذا؟

طالب:.......

الصفة ما هي؟ ما الضغامة هذه شدة القطع أم ماذا؟

ماذا يقول بالشرح؟

طالب:.......

العض الشديد.

لو وجدنا شخصًا يعض عضًّا شديدًا نُسميه ضيغمًا؟ لا، العلة مركبة من وصفين، فلا بُد من توافر الوصفين.

أشياء محدودة عندهم بالنسبة للعلل المركبة، أما العلل المفردة، فيصح القياس فيها وهي كثيرةٌ جدًّا.  

يقول: "ثم هو معارضٌ بمثله في القياس الشرعي" إذا كانت العلة معقولة ساغ القياس سواءً كانت منصوصة أو غير منصوصة، نعم إذا كانت العلة غير معقولة، غير واضحة، غير مفهومة لا يمكن استنباطها، فإنه يُحكم عليه بأن الحكم تعبدي ولا يسوغ حينئذٍ القياس.

"قالوا: الشرعي يثبت بالإجماع، ولا إجماع هنا" القياس الشرعي يثبت بالإجماع ولا إجماع هنا، نقول: القياس الشرعي لا إجماع فيه لا نُسلِّم أنه مجمعٌ عليه، فليكن هذا مثله نعم هو قول الجمهور.

ولا إجماع هنا كذلك، وإذا قلنا: بالقياس في الشرع مع أنه لا إجماع عليه، فلا أن نقول: بالإجماع في لغة العرب مع وجود الخلاف من باب أولى، هذا جوابه.

يقول: "قلنا: بل بالعقل، كما سيأتي" يثبت القياس الشرعي بالعقل، ثبت القياس العقلي بالشرع لا بالإجماع.

"ثم مستند الإجماع استقراء الكتاب والسُّنَّة، فاستقراء اللغة مثله" وجدنا الشرع ذكر أحكامًا مُعللة، فألحق العلماء بها ما شابهها في العلة، ولم نجد في نصوص الكتاب والسُّنَّة ما يمنع القياس، فلنقُل مثله في اللغة، لم نجد في لغة العرب ما يمنع القياس.

"ثم مستند الإجماع استقراء الكتاب والسُّنَّة، فاستقراء اللغة مثله، ثم قد نص جماعةٌ من أئمة اللغة على جوازه، وقولهم حجة" جماعة من أئمة اللغة قالوا بجواز القياس في اللغة، وقد أُلِّفت فيه المصنفات، فقول من منع معارضٌ بقول من أجاز، وهم الأكثر.

ماذا نستفيد من القياس في اللغة؟ ما الفرق أن تُثبت اللفظة حقيقة لغوية فتدخل في النص أو لا تثبت حقيقة لغوية فتُقاس على ما ورد في النص؟

طالب: يُستفاد القوة.

ما فيه شك أنه يُفيده قوة، إذا قلنا: إن هذه اللفظة مقيسة على تلك اللغةً فيتناولها النص تناولاً مباشرًا أقوى من كونها غير مقيسة في اللغة ومقيسة في الشرع؛ لأن ما ثبت بالنص أقوى مما ثبت بالقياس، ظاهر أم ليس بظاهر؟

طالب:.......

لأنه جاءت على خلاف القاعدة، ما جاء على خلاف القاعدة يُحفظ ولا يُقاس عليه، خرق الثوب المسمار، هل تستطيع أن تقول: مزَّق الكتاب الطالب، تستطيع أن تقيس على هذا؟ ما يمكن أن تقيس هذا على خلاف الأصل، فما جاء على خلاف الأصل، وخلاف القاعدة لا يمكن القياس عليه، يُحفظ مثالًا ولا يُقاس عليه.

طالب:.......

نعم يختلف المقصود أنه ما اشترك فيه من باب العلة، إذا اشتركا في العلة ساغ القياس.  

"الثالث الأسماء: وضعيةٌ، وعرفيةٌ، وشرعيةٌ، ومجازٌ مطلق.

فالوضعي: الحقيقة، وهو اللفظ المستعمل في موضوعٍ أول.

والعرفي: ما خُص عرفًا ببعض مسمياته الوضعية، كالدابة لذات الأربع، وإن كانت بالوضع لكل ما دب، أو يشيع استعماله في غير موضوعه، كالغائط، والعذرة، والراوية، وحقيقتها: المطمئن من الأرض، وفِناء الدار، والجمل الذي يستقى عليه الماء.

وهو مجازٌ بالنسبة إلى الموضوع الأول، وحقيقةٌ فيما خص به عرفًا لاشتهاره.

والشرعي: ما نقله الشرع فوضعه إزاء معنى شرعي: كالصلاة، والصيام".

قف على الشرعي.

البحث الثالث في الحقيقة والمجاز في الحقائق الثلاث، والحقائق الثلاث تُقابل المجاز؛ لأن الكلام عندهم إما حقيقة وإما مجاز، فإن استُعمل اللفظ فيما وضِع له سُمي حقيقة، وإن استُعمل في غير ما وضِع له لدليلٍ يقتضيه سُمي مجازًا، والكلام كله عند من يقول بالمجاز، وإلا فالذي ينفي المجاز مطلقًا في اللغة والنصوص أو في النصوص فقط الكلام ما يمشي عليه هذا.

على كل حال نتنزَّل مع قوله الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضِع له، الأسد وضِع لذلك الحيوان المفترس وضعًا حقيقيًّا استعملوه مجازًا فيما يُشبه الأسد في الشجاعة، فاستعماله في غير ما وضِع له مجاز عندهم.

الحقائق ثلاث: لغوية، وعُرفية، وشرعية.

اللغوية هي: الوضعية عندهم، فالحقيقة الوضعية ما وضِع له اللفظ حقيقةً وهو الاستعمال في أول ما وضِع له في موضوعه الأول هذه حقيقة لغوية.

الصلاة، ما حقيقتها اللغوية؟ الدعاء.

الزكاة حقيقتها اللغوية: النماء والزيادة، وهكذا.

هذه حقيقتها اللغوية، وهناك حقيقةٌ عرفية، وهي ما يُعبَّر عنه بالاصطلاح الخاص.

العرفية "ما خُص عرفًا ببعض مسمياته" الأصل أن هذه الكلمة تشمل أنواعًا، والعرف يخصه بنوعٍ خاص وهو الاصطلاح الخاص، وهو العرف الخاص.

الدابة لذوات الأربع استعمالٌ عُرفي، وإلا فالأصل أن هذا اللفظ وضِع لكل ما دبَّ على وجه الأرض، كل ما دبَّ ودرج على وجه الأرض فهو دابة، استعملوه استعمالاً خاصًّا وعرفًا واصطلاحًا على ذوات الأربع.

يقول: "أو يشيع استعماله في غير موضوعه" الباب حقيقته اللغوية ما يُدخل معه ويُخرج منه، وحقيقته العرفية في العرف الخاص عند أهل العلم ما يضم مسائل أو فصولًا ومسائل غالبًا يجمع مسائل علمية يُسمى بابًا، يجمع فصولًا علمية يُسمى بابًا، هذه حقيقةٌ عرفية، وأما من يقول: استعماله في المحسوسات هو الحقيقة، واستعماله في المعقولات والمعنويات من باب المجاز، نقول: لا، استعماله حقيقة لكنها عُرفية، اصطلاح عرف خاص.

يقول: "كالغائط" أصله للمطمئن من الأرض يُسمى غائطبًا، ثم تعارف الناس على استعماله فيما يُقصد المكان المطمئن من أجله، العادة أن المكان المطمئن والمنخفض إنما يُقصد أو يقصده من أراد قضاء الحاجة، فإذا ذهب إلى المكان المطمئن، قالوا: ذهب إلى الغائط، ومقصودهم في أول الأمر في الاستعمال الأصلي أنه ذهب إلى مكانٍ منخفض، ثم شاع استعماله فيما يُوضع فيه، وعندهم هذا أن هذا من إطلاق المحل، وإرادة الحال. 

"كالغائط، والعذرة، والراوية، وحقيقتها: المطمئن من الأرض" يعني في الغائط "وفِناء الدار" الذي هو العذرة "والجمل الذي يستقى عليه الماء" يُسمى راوية.

لكن الجمل الذي يُستقى عليه يُسمى راوية، ما يُستقى به يُسمى راوية، من يروي الأخبار يُسمى راوية، وفي الأدباء من يُقال له: حماد الراوية، هل نقول: راوية؛ لأنه يُستقى به الماء أو يُستقى عليه الماء؟ لا، استعمال عُرفي، وهو حقيقة ولا نقول: إنه مجاز.     

يقول: "وهو مجازٌ بالنسبة إلى الموضوع الأول" لماذا؟ لأنه استعمالٌ للفظ في غير ما وضِع له، فهو على حدهم واصطلاحهم مجاز.

إذًا نقول: الصلاة مجاز، الزكاة مجاز، الحج مجاز؛ لأنه استعمالٌ للفظ في غير ما وضِع له، نقول: هذا الكلام ليس بصحيح، كما نقول: هذه حقائق شرعية، نقول: تلك حقائق عرفية.  

يقول: "وهو مجازٌ بالنسبة إلى الموضوع الأول، وحقيقةٌ فيما خص به عرفًا؛ لاشتهاره" يعني من جهتين:

إن نظرنا إلى الاستعمال الأول فهو مجاز، وإن نظرنا إلى الاستعمال الثاني فهو حقيقة.

طالب:.......

لا حقيقة عرفية، لكنه في الأصل....

طالب:.......

نعم ما يُستقى، لكنه يُطلق ويُراد به ما يُستقى به، مَن يعرف الراوية؟

طالب:.......

أكبر.

طالب:.......

لكن لا يُستقى بها أو يُستقى عليها، فاللفظ شامل، كما أنه يُطلق عرفًا على من يروي الأخبار يُسمى راوية، والهاء للمبالغة كما يُقال: علامة، وإلا فالأصل راوٍ، الأصل فيه أنه راوٍ، لكن يُقال له: راوية؛ لأن الهاء هذه للمبالغة. 

"والشرعي: ما نقله الشرع فوضعه إزاء معنى شرعي: كالصلاة، والصيام.

وقيل: لا شرعية، بل اللغوية باقيةٌ، وزِيدت شروطًا.

لنا: حكمة الشرع تقتضي تخصيص بعض مسمياته بأسام مستقلة".

بأسامٍ.

"بأسامٍ مستقلة، وذلك بالنقل أسهل منه بالتبقية مع الزيادة. 

قالوا: العرب لم تضعها فليست عربية، فلا يكون القرآن عربيًّا.

قلنا: عربية بوضع الشارع لها مجازًا، وإن سُلِّم، فلا يخرج القرآن عن كونه عربيًّا بألفاظٍ يسيرةٍ من غيره.

قالوا: لو فعل، لعرَّف الأمة بطريقٍ علمي.

قلنا: فهم مقصوده بالقرائن والتكرير، فلا ضرورة إلى التوقيف، ثم هي اجتهادية، فلعله قصد إيصال ثواب الاجتهاد لأهله، ثم يبطل بكثيرٍ من الأحكام.

وهذه الألفاظ عند إطلاقها تُصرَف إلى معناها الشرعي؛ لأن الشارع يبين الشرع، لا اللغة، وكذا في كلام الفقهاء.

وحُكي عن القاضي أنها تكون مجملة، وهو قول بعض الشافعية لترددها بين معنييها، والأول أولى، واللفظ لحقيقته حتى يقوم دليلٌ على المجاز، وإلا لاختل مقصود الوضع، وهو التفاهم".

الشرعي، الاسم الشرعي أو الحقيقة الشرعية ما نقله الشرع من استعماله الأصلي وحقيقته اللغوية، فوضعه إزاء معنىً شرعي: كالصلاة والصيام.

الصلاة في اللغة: الدعاء. الصيام في اللغة: الإمساك.

فهذه حقائق لغوية، ثم جاء الشرع فنقلها إلى الاستعمال الشرعي، وأبقاها على أصلها أو زادها قيودًا؟ زادها قيودًا، الذي يقرره شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- أن الشرع يُضيف إلى الحقائق اللغوية بعض القيود. 

"وقيل: لا شرعية، بل اللغوية باقيةٌ، وزيدت شروطًا" يعني هل نقله الشرع نقل اللفظ الشرع فاستعمله في غير ما وضع له جملةً وتفصيلاً أو أبقاه على استعماله وزاده قيودًا؟ بمعنى هل هناك ارتباط بين الصلاة والدعاء، وبين الصيام والإمساك أو لا ارتباط ألبتة؟ فيه ارتباط، إذًا الدعاء موجود في الصلاة، وزِيد عليه ركوع وسجود وقراءة وما أشبه ذلك، الصيام إمساك كما هي حقيقته اللغوية، وزِيد عليه كونه إمساكًا خاصًّا عن بعض الأشياء دون بعض وإلا فالأصل أنه إمساكٌ مطلق.

يقول: "لنا: حكمة الشرع تقتضي تخصيص بعض مسمياته بأسامٍ مستقلة، وذلك بالنقل أسهل منه بالتبقية مع الزيادة" مقتضى كلامه أن الصلاة لا ارتباط لها بالدعاء لا علاقة للدعاء بالصلاة من قريب ولا من بعيد، بل جاء الشرع ونقل هذه اللفظة من هذا الاستعمال لذلك الاستعمال ولا ارتباط بينهما.

وإذا قلنا بالقول الثاني وهي أن الحقيقة اللغوية باقية، وزِيدت شروطًا، وهذا أظهر، لكنه يقول: "وذلك بالنقل أسهل منه بالتبقية مع الزيادة" نقول: هي باقية على أصلها مع الزيادة، لكن ألا يوجد حقائق شرعية لا استعمال لها في لغة العرب؟ هم يقولون مثلاً: النفاق كلمةٌ إسلامية لا معرفة للعرب بحقيقتها، الجُمعة اسمٌ إسلامي كان يُسمى قبل الإسلام يوم العروبة، وسماه الإسلام الجمعة هذه حقيقة شرعية، ومع ذلكم لوحظ فيها المعنى اللغوي، النفاق فيه ارتباطٌ وثيق بين معناه اللغوي ومعناه الاصطلاحي، وكذلك الجمعة نظرًا لاجتماع الناس فيها.

ولذا من يغفل عن الرابط في التعاريف في الحدود، يغفل عن الرابط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لا بُد أن يقع في شيءٍ من الخلل هذا بالنسبة للحدود التي تنطبق عليها شروطهم، لكن إذا قيل لك: ما الإسلام؟ قلت: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك ربطت بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، لكن إذا عرَّفت الشيء بأجزائه هل تستطيع أن توفق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله كما في حديث جبريل، يوجد رابط؟        

طالب:.......

ما فيه رابط لفظي.

يصح التعريف بالأجزاء المحصورة، وأنواع التعريف مبحوثة في كُتب الأصول: لفظي ورسمي، من أرادها رجع إليها في (شرح مختصر التحرير).

"قالوا: العرب لم تضعها فليست عربية، فلا يكون القرآن عربيًّا" {أَقِمِ الصَّلاةَ} [الإسراء:78] هل تكون امتثلت الأمر إذا دعوت الله –سبحانه وتعالى- امتثلت الأمر، والعرب ما وضعت هذا اللفظ للصلاة ذات الأفعال والأقوال المعروفة؟ إذًا هذه اللفظة ليست عربية، وعلى هذا إذا اشتمل على غير الألفاظ العربية لا يكون عربيًّا، أظن كلامه ظاهر.

"قالوا: العرب لم تضعها فليست عربية، فلا يكون القرآن عربيًّا.

قلنا: عربية بوضع الشارع لها مجازًا" كيف "بوضع الشارع لها مجازًا"؟ يعني الشارع استعملها في غير ما وضِعت له، فهو استعمالٌ عربي، لكنه مجازي ليس بحقيقة، ما المانع أن تكون حقيقة شرعية؟ حقيقة شرعية والشرع إنما نزل بلغة العرب ولسانهم {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف:3] فهو عربي، واستعمال اللفظ في غير ما وضِع له في لغة العرب مُشتملًا على بعض أجزائه مع الزيادة من القيود الشرعية لا يُخرجه عن كونه عربيًّا، ومع ذلكم جاء بالاحتمال الثاني.

فقال: "وإن سُلِّم" يعني: كونها غير عربية "فلا يخرج القرآن عن كونه عربيًّا بألفاظٍ يسيرةٍ من غيره" عرفنا فيما تقدم أن القرآن مُشتمل على أعلام أعجمية اتفاقًا، إجماعًا فيه أعلام أعجمية: إبراهيم، إسماعيل.

طالب:.......

نعم.

طالب: .......

كيف؟

طالب: ........

كل الأعلام أعجمية ما عدا ستة الموجودة في القرآن.

طالب:.......

كيف؟

طالب:.......

(صن شمله): صالح ونوح وشُعيب ومُحمد ولوط وهود، وما عدا ذلك فكل أسمائهم أعجمية.

على كل حال الأسماء والأعلام الأعجمية موجودة اتفاقًا، والتراكيب الأعجمية ممنوعة اتفاقًا، لا يُوجد في القرآن جُمل أعجمية، وخلاف أهل العلم فيما عدا ذلك، يعني في ألفاظ ليست بأعلام ولا جُمل أعجمية هل هي موجودة أم غير موجودة؟

وعند من يقول: بوجودها هل تُخرج القرآن عن كونه عربيًّا؟ يعني ألفاظ معدودة تُخرجه عن كونه عربيًّا على القول بوجودها؟ لا تُخرجه عن كونه عربيًّا، وهناك قول من يقول: إنها مما اتفقت عليه اللغات، هذه موجودة عند العرب كما هي موجودة عند العجم، هناك ألفاظ تتفق عليها أكثر من لغة.

طالب:.......

لا، ما مشى على هذا، يقول: "وقيل: لا شرعية، بل اللغوية باقيةٌ، وزيدت شروطًا" هذا أرجح.

طالب:.......

يعني كونه غير عربي سُلِّم من باب التسليم، من باب الفرض فقط.

"قالوا: لو فعل، لعرَّف الأمة بطريقٍ علمي" يعني بحيث لا يكون هناك مجال للخلاف.

"قلنا: فهم مقصوده بالقرائن والتكرير" يكفي أن تدل عليه القرائن، ويكفي في مثل ذلك غلبة الظن، كما هو القول في غالب الأحكام، ما يلزم أن تكون الأحكام قطعية تثبت بطريقٍ علمي لا يحتمل النقيض.

"فلا ضرورة إلى التوقيف، ثم هي اجتهادية" يعني مسألةٌ اجتهادية.

"فلعله قصد إيصال ثواب الاجتهاد لأهله" قد يقول قائل: لماذا يُوجد مثل هذا الخلاف في الشريعة؟ يعني في هذه المسألة وفي غيرها، لماذا توجد نصوص تحتمل أقوال أهل العلم؟ لماذا ما جاءت كلها نصًّا في الباب؟

طالب:.......

لماذا لم تأتِ نصوص ويُقاس على هذه النصوص، بحيث لا يكون هناك مجال للاختلاف، ولا مدخل لفهوم الناس؟ نقول: لا، ثَمَّ ما فيه فائدة، كان يصير العامي والعالم واحدًا، ولا يصير لعالم مزية، ولا يتبين المجتهد من غيره.

ولذا يقول: "ثم هي اجتهاديةٌ، فلعله قصد إيصال ثواب الاجتهاد لأهله" يعني لو كانت الأمور كلها ميسورة، كل النصوص واضحة ما تحتمل، صار الناس كلهم علماء، وما تميز المجتهد من غيره، ولا يتميز صاحب الأجر الواحد من صاحب الأجرين.    

"ثم يبطل بكثيرٍ من الأحكام" كثير من الأحكام طُرقها ظنية، وثبوتها ظني، ومع ذلكم يلزم العمل بها.

"وهذه الألفاظ عند إطلاقها تنصرف إلى معناها الشرعي" يعني إذا أُطلِقت في النصوص تنصرف إلى المعنى الشرعي، فإذا جاء الأمر بالوضوء من شيء، نقول: المقصود به المضمضة، نظافة، غسل اليدين؟ نقول: لا؛ الشرع جاء لبيان الشرعيات.

إذا جاء الأمر بالصلاة ينصرف إلى الصلاة المعروفة، إلا إذا دلَّ الدليل على خلافه فنرجع إلى الحقائق الأخرى. {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة:103] هل نقول: صلِّ عليهم كبِّر واركع واسجد الصلاة المعروفة في الحقيقة الشرعية؟ لا؛ لأنه دل الدليل على خلاف ذلك.

«إِذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فإنْ كَانَ مُفْطِرًا فليأكل، وَإنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» الذي يظهر يذهب لقصر الأفراح يحضر دعوة العُرس، ويحضر وليمة العُرس تكون في الظهر أو العصر يُصلي ركعتين ويمشي أو يدعو لهم، هذا هو قول الأكثر، وإن قال بعضهم: يُصلي ركعتين؛ لأنه ثبت أن النبي –عليه الصلاة والسلام- دُعي دعوات مُتكررة وصلى ركعتين، واللفظ مُحتمل.

على كل حال الأمثلة على هذا كثيرةٌ جدًّا لا يُمكن حصرها.   

يقول: "لأن الشارع يُبين الشرع، لا اللغة، وكذا في كلام الفقهاء" يعني إذا أطلق الفقهاء اللفظ فالمقصود به الاستعمال الشرعي؛ لأنهم إنما يتحدثون عن الأحكام الشرعية.

"وحُكي عن القاضي أنها تكون مُجملة" إذا جاء لفظ الصلاة في القرآن مُجملًا فلا بُد أن يُبيًّن، جاء لفظ الزكاة في القرآن فلا بُد أن يُبيَّن، فهو لفظٌ مُجمل يحتمل أكثر من معنى وحينئذٍ لا بُد من بيانه.

يقول: "وهو قول بعض الشافعية لترددها بين معنييها، والأول أولى" يكون الأصل الحقيقة الشرعية، فإذا دل الدليل على أن المراد الحقيقة اللغوية فلا مانع من أن تكون هي المرادة.

النبي –عليه الصلاة والسلام- صلى على شهداء أُحد بعد ثماني سنين كالمودع لهم، نقول: صلى صلاة شرعية أم دعا لهم؟ 

طالب:.......

اللفظ مُحتمل، وإذا قلنا: إن الرسول –عليه الصلاة والسلام- إنما جاء لبيان الشرعيةـ قلنا: صلى صلاة شرعية، وإذا عرفنا من قاعدته وطريقته المتبعة أنه لا يُصلى على الشهيد، قلنا: لغوية، دعاء. 

"والأول أولى، واللفظ لحقيقته حتى يقوم دليلٌ على المجاز" الأصل في الكلام الحقيقة.

"واللفظ لحقيقته حتى يقوم دليلٌ على المجاز" نعم، الأصل في الكلام الحقيقة، نعم إذا دل الدليل على أنه لا يُمكن إرادة الحقيقة بهذا اللفظ فإنه يُحمل حينئذٍ على الاستعمال الآخر، واللغة فيها سعة -ولله الحمد-، ولا يلزم أن نقول بالمجاز، وإنما قد نقول: حقيقة عُرفية مثلاً أو استعمالٌ عرفي خاص؛ لأن الاستعمال الشرعي وجِد ما يمنعه، ما يمنع إرادته.

"وإلا لاختل مقصود الوضع، وهو التفاهم"

 لا شك أنه إذا قلنا: إن اللفظ ما ندري هل يُستعمل في مجازه أو في حقيقته فيكون مُجملًا؟ لا، نقول: الأصل الحقيقة، فإن منع من استعمال حقيقته مانع حُمِل على المعنى الآخر.

 "وإلا لاختل مقصود الوضع، وهو التفاهم".

والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.