تعليق على البلبل في أصول الفقه (12)

عنوان الدرس: 
تعليق على البلبل في أصول الفقه (12)
عنوان السلسلة: 
البلبل في أصول الفقه
تاريخ النشر: 
أربعاء 09/ شعبان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف المرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد....

قال المؤلف –رحمه الله تعالى-: "الفصل الثالث في أحكام التكليف.

وهي خمسةٌ كما سيأتي قسمتها، والحكم، قيل: خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء أو التخيير، وقيل: أو الوضع.

والأولى أن يُقال: مقتضى خطاب الشرع، فلا يَرِد قول المعتزلة: الخطاب قديم، فكيف يُعلل بالعلل الحادثة؟ وأيضًا فإن نظم قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}[البقرة:43] {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى}[الإسراء:32] ليس هو الحكم قطعًا، بل مقتضاه، وهو وجوب الصلاة، وتحريم الزنا عند استدعاء الشرع منَّا تنجيز التكليف".

بسم الله الرحمن الرحيم.

 اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

"الفصل الثالث في أحكام التكليف" أولاً: عندنا الأحكام، والأحكام جمع حكم، والحكم في الأصل المنع، ومنه: حكمت الدابة التي تمنعها من الجنوح، ومنه أيضًا: العاقل يُقال له: حكيم؛ لأن عقله يمنعه من ارتكاب ما لا ينبغي.

أحكام التكليف.. الأحكام في الجملة تنقسم إلى قسمين:

أحكام تكليفية.           أحكام وضعية.

وهنا أحكام التكليف؛ ليُخرج الأحكام الوضعية، وإن أدخلها بعضهم؛ لأن التكليف إلزام ما فيه كُلفة ومشقة، والأحكام الوضعية فيها كُلفة ومشقة أم ليس فيها كُلفة ومشقة؟ ليس فيها كلفة ومشقة، الأسباب والشروط والموانع فيها كُلف ومشقات؟

طالب: .........

كيف؟

طالب: .........

لا، الأحكام التكليفية فيها كُلفة بلا شك، وإن كانت في بادئ الأمر كُلفة، وبعد ذلك لذة، وعلى كل حال مع وجود اللذة هي في الأصل كُلفة، وهي تكليف.

ومفهوم قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة:286] دليلٌ على أنه يُكلف؛ لأنه نفى ما لا يُطاق، فبقي التكليف بما يُطاق وإن كان بمشقة؛ ولذا الصلاة لاسيما في الأوقات التي يشتد فيها الحر أو البرد فيها كُلفة، الزكاة فيها كُلفة ومشقة على النفوس، الصيام فيه كُلفة ومشقة، الحج فيه كُلفة ومشقة، نعم قد يصل الإنسان إلى مرحلة يتلذّذ بهذه العبادات؛ لأن هذا قدر زائد على الأصل، وإلا فالأصل أن التكاليف الشرعية فيها كُلفة ومشقة هذا الأصل.

أحكام الوضع، الشروط كون هذا شرطًا لهذا، زوال الشمس شرط لدخول وقت صلاة الظهر، زوال الشمس فيه كُلفة ومشقة؟ هل هو مطلوب أن تزول الشمس أو هي زالت بلا طلب؟ الآن عندنا تحصيل النِّصاب شرط للزكاة، هل الإنسان مُكلف بأن يُحصِّل النِّصاب من أجل أن يُزكي؟ ليس بمكلَّف.

طالب: لكن قد يكون في مشقة من جهة أخرى يا شيخ.

كيف؟

طالب: يعني تحري زوال الشمس أو انتظار زوال الشمس حتى يُصلي الظهر هذه مشقة.

من كلفك أن تتحرى؟

طالب: حتى نؤدي الصلاة.

لا تتحر، هي ستزول ستزول وقت ما تزول، لا تتحراها أبدًا؛ ولذلك ما أُلزِمت أن تقع صلاتك بعد الزوال بدقيقة حتى تتحرى، يعني ما ضُيِّق عليك أن يكون وقت الصلاة خمس دقائق بعد الزوال بقدر أدائها، نعم فيه مشقة، لكن ما كُلِّفت بهذا.

طالب: هل كل الأحكام الوضعية داخلة في الأحكام التكليفية؟

هو بعضهم يُدخلها؛ ولذلك قال: "وقيل: أو الوضع" فتدخل في الأحكام التكليفية، لكن ليست داخلة في الحقيقة؛ لأن مقتضاها وطبيعتها غير طبيعة الأحكام التكليفية.

الجويني في (الورقات) لما ساق الأحكام ساقها مساقًا واحدًا، فذكر الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والمحظور، والصحة، والفساد، والباطل، ذكر بعض الأحكام الوضعية تبعًا للأحكام التكليفية، فساقها مساقًا واحدًا، لكن الأولى والأرجح والأصح فصل الأحكام الوضعية عن الأحكام التكليفية.

"وهي خمسةٌ كما سيأتي قسمتها" خمسة: الوجوب، الندب، الإباحة، الكراهة، الحظر، وعلى خلافٍ بين أهل العلم في الإباحة، هل هي تكليف أو ليست بتكليف، أو هي من باب تتميم القسمة؟ سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.

"والحكم، قيل: خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير" خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، خطاب الشرع {أَقِيمُوا الصَّلاةَ}[البقرة:43] هذا خطاب من الشارع، {أَقِيمُوا الصَّلاةَ}[البقرة:43] حكم أم لا، أو الوجوب المُستفاد من هذا الأمر، أيهما الحكم؟ الحكم الوجوب؛ ولذا قال: "والأولى أن يُقال: مقتضى خطاب الشرع" يعني ما يقتضيه خطاب الشرع، خطاب الشرع {أَقِيمُوا الصَّلاةَ}[البقرة:43] {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى}[الإسراء:32] هنا يقتضي الوجوب وفي الآية الأخرى {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى}[الإسراء:32] يقتضي التحريم، فمقتضى خطاب الشرع هو الحكم.

"قيل: أو الوضع" عرفنا أن الوضع لا يدخل.

وقوله: "بالاقتضاء أو التخيير" بالاقتضاء: اقتضاء الفعل أو اقتضاء الترك، فيشمل أربعة أقسام، اقتضاء الفعل يشمل: الوجوب والندب، واقتضاء الترك يقتضي الحظر والكراهة.

الآن ما فيه مقتضى لخطاب الشرع بالإباحة.

قال: "أو التخيير" فالمُباح مُخيَّر بين فعله وعدم فعله، فتدخل الإباحة في قوله: "أو التخيير".

لكن هل التخيير فيه كُلفة؟ أي عمل مُباح أو أي كلام مُباح فيه كلفة على الإنسان، فلا يدخل في مسمى التكليف لغةً، ودخوله اصطلاحًا إما من باب تتميم القسمة أو لأن اعتقاد الإباحة حكم، بمعنى أن الخبز مُباح مثلًا مُخير بين ترك الخبز وما تأكل، من يلزمك بأكل الخبز؟ لكن تعتقد أن هذا الحكم من الشارع الإباحة، فتعتقد أن حكم أكل الخبز الإباحة، فأنت ملزم بهذا الاعتقاد بمعنى أنك لو قلت: الخبز حرام، ماذا يترتب عليه؟ تحريم الحلال المتفق على حِله، ما حكمه؟ الكفر.

فكونه تكليفًا من هذه الحيثية، وإلا فالأصل أنه ليس فيه كلفة ولا مشقة.

طالب:.........

هو مع النية ينقلب...

طالب: ........

 لأنه يدخل مع النية في حد المندوب إذا نوى به التقرب على الطاعة، نعم أكل الخبز إذا لم يجد غيره، وخاف على نفسه الهلاك صار حكمه الوجوب، لكن هذا الأصل فيه.                 

"والأولى أن يُقال: مقتضى خطاب الشرع، فلا يرد قول المعتزلة: الخطاب قديم، فكيف يُعلل بالعلل الحادثة؟" المعتزلة يقولون: الخطاب قديم، فقط المعتزلة يقولون: الخطاب قديم؟

طالب: ...........

نعم.

طالب: ...........

الأشاعرة أيضًا يقولون: كلام الله قديم، قديم النوع والآحاد.

"فكيف يُعلل بالعلل الحادثة؟" ما العلل الحادثة؟

طالب:.........

تعلّقه بأفعال المكلفين، أفعال المكلفين حادثة، لماذا؟ لأن المكلفين من الحوادث، فأفعالهم حوادث، فكيف نُعلِّق الخطاب القديم بالعلل الحادثة؟ لكن نقول: إن كلام الله –سبحانه وتعالى- وخطابه قديم النوع حادث مُتجدد الآحاد، فلا يثبت قول المعتزلة والأشاعرة بالكلية.

"وأيضًا فإن نظم قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ}[البقرة:43] {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى}[الإسراء:32] ليس هو الحكم قطعًا" لماذا؟

لأن الأمر ليس بحكم، إنما ما يتطلبه الأمر هو الحكم؛ ولذا يأتي الأمر ويُراد به الوجوب، يأتي الأمر ويُراد به الندب، يأتي الأمر ويُراد به الإباحة، كالأمر بعد الحظر، يأتي الأمر ويُراد به أيش؟

طالب:.........

التهديد {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}[فصلت:40] يأتي الأمر ويُراد به التعجيز، يأتي الأمر ويُراد به أمر التكوين، وغير ذلك.

المقصود أن الأمر ليس هو نفس الحكم، وإنما الحكم المقتضى مقتضى الأمر، فالوجوب المأخوذ من {أَقِيمُوا}[البقرة:43] هو الحكم وليس هو لفظ {وَأَقِيمُوا}[البقرة:43].

طالب: كلمته "نظم قوله تعالى" كلمة نظم قوله؟

يعني لفظ، لفظ {وَأَقِيمُوا}[البقرة:43] {وَلا تَقْرَبُوا}[الإسراء:32].

طالب: ما عليها ملاحظة؟

لا، ما عليها ملاحظة النظم الشعر ما هو بصحيح.

"ليس هو الحكم قطعًا، بل مقتضاه، وهو وجوب الصلاة، وتحريم الزنا عند استدعاء الشرع منَّا تنجيز التكليف" "عند استدعاء الشرع منَّا تنجيز التكليف" ما معنى هذا الكلام؟

 أن الوجوب المأخوذ من {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}[البقرة:43].

طالب:.........

عند تنجيزه.

الآن {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}[البقرة:43] في أول الوقت مثلاً عندك أمامك ساعتان، ثلاث.

طالب:.........

الوجوب الموسَّع سيأتي الكلام عليه، لكن متى يتجه الوجوب بحيث يأثم، ينطبق عليه الحد يأثم تاركه إذا ضاق وقته عند تنجيز فعله.

 ثم الخطاب إما أن يَرِد باقتضاء الفعل.

قال: "ثم الخطاب، إما أن يرد باقتضاء الفعل مع الجزم، وهو الإيجاب، أو لا مع الجزم، وهو الندب".

أو لا مع الجزم.

"أو لا مع الجزم، وهو الندب".

لأنه أو لا، ثم تقول: مع الجزم ما يأتي.

"أو لا مع الجزم، وهو الندب أو باقتضاء الترك مع الجزم، وهو التحريم. أو لا مع الجزم وهو الكراهة، أو بالتخيير وهو الإباحة، فهي حكمٌ شرعيٌّ، إذ هي من خطاب الشرع، خلافًا للمعتزلة؛ لأنها انتفاء الحرج، وهو قبل الشرع، وفي كونها تكليفٌ خلاف".

وفي كونها تكليفًا.

"وفي كونها تكليفًا خلاف".

يقول: "ثم الخطاب، إما أن يرد" هذا تقسيم.

"إما أن يرد باقتضاء الفعل مع الجزم" هذا هو الواجب.

أو يرد باقتضاء الفعل لا مع الجزم، يعني من غير جزم وهو الندب.

أو يرد باقتضاء الترك مع الجزم وهو الحظر والتحريم.

 أو يرد باقتضاء الترك لا مع الجزم وهو الكراهة.

أو بالتخيير بالفعل وعدمه "وهو الإباحة، فهي حكمٌ شرعي؛ إذ هي من خطاب الشرع، خلافًا للمعتزلة"؛ لأنهم يقولون: الإباحة تبع، أو الإباحة عبارة عن انتفاء الحرج في الفعل وعدمه؛ إذ لا حرج على فاعل المباح، ولا حرج على تارك المباح، وهذا موجود قبل الشرع.

"وفي كونها تكليفًا خلاف" وعلى كلٍّ الأعيان المُنتفع بها قبل ورود الشرع، ما حكمها؟ الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع.

طالب: إذا كانت لا تُخالف ما في الشرع فإنها مُباحة.

قبل ورود الشرع.

طالب: يُنظر إذا كان ما ورود فيها نهي بعد ورود الشرع.

المسألة مُفترضة فيما لم يرد فيه شرع، أنت وجدت شيئًا مأكولًا مثلاً أو مشروبًا، فهل تقول: هذا ما عندي فيه نص آكله؟ مثلاً وجدت سقنقورًا، هل تعرف السقنقور؟ تقول: والله ما عندي من النصوص ما يمنع أكل السقنقور، أنا الآن الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع على الإباحة فآكل السقنقور، ما عندي فيه نص، أو تقول: لا، الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع على الحظر حتى يأتي من الشرع ما يُفيد الإباحة؟

ماذا عندك؟

طالب: يعني هي على الحظر أو الإباحة؟

نعم.

هل نقول: إن الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع على الإباحة، فلا ممنوع إلا ما منعه الشرع، أو نقول: هي على الحظر، إذا قلنا: على الإباحة، نقول: ما فيه شيء ممنوع إلا ما ورد الشرع بمنعه، وإذا قلنا: على المنع، قلنا: ما فيه شيء مُباح إلا..

طالب: ما أباحه الشرع.

 ما أباحه الشرع.

وحرف المسألة وأصلها أن استعمال ملك الغير بغير إذنه ظلم، والله –سبحانه وتعالى- مالك كل شيء، فإذا استعملنا مُلك الله –سبحانه وتعالى- بغير إذنه، ما أذن لنا الشارع في استعمال هذه الأشياء، فهو استعمال ملك الغير بغير إذنه فهو ممنوع إلا بإذنه، أو نقول: إن استعمال ملك الغير فيما لا يتضرر به المالك بوجهٍ من الوجوه، ولم يمنع الانتفاع به فهو مباح؟

 يعني لو جاء شخص في شدة الحر، جدار بيتك فيه إظلال، وجلس ليتبرد، تقول له: قُم؟ أنت ما تتضرر بوجهٍ من الوجوه، لكن لو تضررت لك أن تمنع.

ما نقول: إن هذا استفاد من مصباحك الذي يُنور على الشارع، وتقول له: قُم ما يمكن تقرأ تحت هذا المصباح وأنت ما تتضرر، نعم لو تضررت صار سببًا في اجتماع الناس حول بابك، والاطلاع على عورتك، نعم لك أن تمنع.

فالله –سبحانه وتعالى- لا يتضرر باستعمال ما تحت ملكه وتصرفه بوجهٍ من الوجوه، هذا وجه من قال بأن الأشياء المنتفع بها قبل ورود الشرع على الإباحة، لكن من قال على المنع أصله أنه انتفاع بملك الغير فيما لم يأذن به فهو على المنع، وهذا هو التعريف...

طالب:.........

هي الأصل، الأصل الإباحة نعم.