شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 19

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 19
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 2:45 م

سماع الدرس


المقدم:

الحمد لله، والصلاة والسلام علي خير خلق الله، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد،،

 فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم مستمعينا الكرام إلى هذا اللقاء الجديد في شرح "التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح".

أرحب بكم كما أرحب بمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، فأهلاً وسهلاً بكم معالي الشيخ.

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

لا يزال الكلام موصولاً مستمعيّ الكرام في حديث عمر- رضي الله عنه- أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-  قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: «فأوف بنذرك».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

فمازال النقل عن أهل العلم والشراح في معاني وأحكام هذا الحديث؛ يقول الخطابي في شرحه (علم الحديث): فيه دليل على أن الاعتكاف جائزٌ بغير صوم، وفيه دلالة على أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق حكم الإسلام كان معمولاً به، وفيه دلالة على أن من حلف في كفره ثم أسلم فحنث، أن الكفارة واجبة عليه، وإليه ذهب الشافعي.

وقد يستدل به من يرى على الكافر يسلم وقد أجنب في حال كفره الاغتسال واجبًا، ويقول ابن حجر: ترجم البخاري لهذا الحديث بعد أبواب من لم يرَ عليه إذا اعتكف صومًا وترجمة هذا الباب مستلزمة للثانية، لماذا؟

لأنه ترجم هنا باب اعتكاف..

المقدم: ليلًا.

باب الاعتكاف ليلاً، فهي مستلزمة للترجمة الثانية من لم يرَ عليه إذا اعتكف صومًا؛ لأن الليل ليس محلاًّ للصوم؛ لأن الاعتكاف إذا ساغ ليلاً بغير نهار استلزم صحته بغير صيام من غير عكس، وباشتراط الصيام قال ابن عمر وابن عباس أخرجه عبد الرزاق عنهما بإسناد صحيح، وعن عائشة ونحوه، وبه قال مالك والأوزاعي والحنفية واختُلِف عن أحمد وإسحاق، واحتج عياض بأنه- صلى الله عليه وسلم-  لم يعتكف إلا بصوم، وفيه نظر؛ لما في الباب الذي بعده أنه اعتكف في شوال كما سنذكره، واحتج بعض المالكية بأن الله تعالى ذكر الاعتكاف إثر الصوم، الآن احتج عياض بأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يعتكف إلا بصوم، وفيه نظرٌ لما في الباب الذي بعده أنه اعتكف في شوال، وصيام شوال أولًا ليس بلازم، وإذا كان المراد بالعشر الأول من شوال بما فيها يوم العيد صار فيها ما يحرم صيامه.

احتج بعض المالكية بأن الله تعالى ذكر الاعتكاف إثر الصوم؛ يعني احتج المالكية علي لزوم الصوم في الاعتكاف بأن الله تعالى ذكر الاعتكاف إثر الصوم فقال:  { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}، وتُعقب بأنه ليس فيها ما يدل على تلازمهما، وإلا لكان لا صوم إلا باعتكاف، يعني كما أنه لا اعتكاف إلا بصوم يلزم منه أنه لا صوم إلا باعتكاف، ولا قائل به.

وفي الحديث أيضًا ردٌّ على من قال: (أقل الاعتكاف 10 أيام، أو أكثر من يوم)، وقد تقدم نقله في أول الاعتكاف، وتظهر فائدة الخلاف من نذر اعتكافًا مبهمًا، نذر أن يعتكف..

المقدم: نذر أن يعتكف بدون تحديد.

  بدون تحديد مدة، هل يكفي يوم؟ أو يكفي أقل ما يطلق عليه الاعتكاف دون يوم؟ أو لابد من يومٍ كامل لاسيما مع الصيام عند من يشترطه؟ أو أكثر إلى العشرة التي غالب اعتكافه -عليه الصلاة والسلام-؟

وقال ابن الملقن: تنبيه استدل من قال بعدم شرطية الصوم في صحة الاعتكاف مع حديث الباب، بما رواه الدارقطني عن ابن عباس: "ليس على المعتكف صومٌ إلا أن يجعله على نفسه"، ثم قال: رفعه أبو بكر محمد بن إسحاق السدوسي، وغيره لا يرفعه، على كل حال رفعه لا يصح.

ومن جهة القياس، أنه عبادة أصلٌ بنفسه، ومن جهة الأثر ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه رواه الدارقطني عن ابن عباس، لكن رفعه ضعيف، فالمرجح أنه موقوف، ومن جهة القياس أنه عبادةٌ أصلٌ بنفسه فلا يكون شرطًا لغيره كالصلاة، يعني ليس من شرط الاعتكاف الصلاة، لو دخل المعتكَف من طلوع الشمس إلى زوالها يصح اعتكافه أم ما يصح؟ لبث في المسجد لاسيما عند من لا يشترط الصيام لصحة الاعتكاف مع أنه قد يصوم هذه الفترة ويُكمل بقية يومه، فإذا لبث في المسجد هذه المدة التي قد تكون ست ساعات أو أكثر أو أقل حسب طول اليوم وقصره، يسمى لبثًا ومكثًا فهو اعتكاف، وعلى هذا لا يشترط فيه الصلاة، لا يمر عليه صلاة.

ومن جهة القياس أنه عبادة أصل بنفسه، فلا يكون شرطًا لغيره كالصلاة وغيرها، وصوم رمضان لا يقبل غيره، يعني ما هو بالصيام الذي صامه النبي- عليه الصلاة والسلام- وهو معتكف (صيام اعتكاف)، وإنما هو صيام رمضان، ويصوم -عليه الصلاة والسلام-  ولابد اعتكف أو لم يعتكف.

ومعلومٌ أن اعتكاف الشارع كان في رمضان، وقد صح أنه -صلى الله عليه وسلم- اعتكف العشر الأول من شوال ويوم العيد غير قابل للصوم، واحتج من اشترطه بقول عائشة -رضي الله عنها- مرفوعًا: «لا اعتكاف إلا بصوم» رواه البيهقي، ووهم راويه، وهو عند أبي داود عنها: السنة على المعتكف ألا يعود مريضًا، وفيه: ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامع.

قال الدارقطني: يقال: قوله السنة إلى آخره إنما هو من قول ابن شهاب، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم.

قول عائشة أو من دونها: من السنة، عند أهل العلم له حكم الرفع، فإن كان القائل من السنة –عائشة، الصحابي - إذا كان القائل الصحابي فهو مرفوع،  

فقول الصحابي من السنة أو  .......  نحوه، أُمرنا حكمه الرفع ولو

بعد النبي قاله بأعصُرِ ..........    على الصحيح وهو قول الأكثر

وإن قاله من دون الصحابي من التابعين مثلًا يكون مرفوعًا لكنه مُرسل، قال: والأشبه أن يكون من قول من دون عائشة.

قال القاضي عياض: لم يأتِ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه اعتكف بغير صومٍ، ولو كان جائزًا لفعله تعليمًا للجواز، وهو عمل أهل المدينة، وادّعى بعضهم أن الصوم كان في أول الإسلام بالليل، فلعل ذلك قبل نسخه، وليس بجيد؛ لأن حديث عمر كان في السنة الثانية، ونذره في الجاهلية والسؤال..

المقدم: كان في عودتهم..

من حُنين في الثانية أم بعد في الثامنة.

المقدم: بعد في الثامنة.

وفرض الصيام؛ صيام رمضان في السنة الثانية، فيكون بعد فرض رمضان، ولزوم الصيام بالنهار، وادّعى القرطبي أن الصحيح اشتراطه (اشترط الصوم للاعتكاف) ومراده من مذهبه؛ صحيح من مذهبه؛ لأنه مالكي، والمالكية يرون ذلك، قال: لأن حديث عائشة إن صح فهو نص، ولا اعتكاف إلا بصوم؛ لأن حديث عائشة إن صح فهو نص، وإن لم يصح فالأصل في العبادات والقرب أنها لا تفعل إلا على نحو ما قرره الشارع أو فعله، وقد تقرر مشروعية الاعتكاف مع الصوم في قوله: { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [البقرة:187]، يقول ابن الملقن قلت: لا يلزم الصوم لماذا؟ لأنه لو لزم التلازم بين الصوم والاعتكاف للزم الاعتكاف للصوم، ولا قائل به، كما تقدم في كلام ابن حجر.

قال القرطبي: وأنه  -صلى الله عليه وسلم-  لم يعتكف إلا صائمًا، فمن ادعى جوازه بغيره فليأتِ بدليل، قال ابن الملقن: قد أسلفنا اعتكافه  -صلى الله عليه وسلم-  العشر الأول من شوال، ويوم الفطر لا يصلح للصوم، ولهذا لما ذكره الإسماعيلي في صحيحه قال: "فيه دلاله على جواز الاعتكاف بغير صوم"، اعتكف العشر الأول من شوال، ومن العشر الأول العيد الذي لا يجوز صومه، لكن في البخاري: اعتكف في آخر العشر من شوال، وفي لفظٍ له: في العشر، وفي لفظ آخر: عشرًا من شوال، ولفظ مسلم: اعتكف العشر الأول من شوال، وفي الإسماعيلي: حتى إذا أفطر اعتكف في شوال، ولأبي نُعيم: فلم يعتكف في رمضان إلا في العشر الأواخر من شوال.

وللطحاوي: ترك الاعتكاف حتى أفطر من رمضان ثم اعتكف في عشر شوال، وقال ابن حجر قوله: ثم اعتكف عشرًا من شوال، في رواية الأوزاعي: فرجع فلما أن اعتكف، وفي رواية ابن فضيل: فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال، وفي رواية أبي معاوية: فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال.

يقول ابن حجر: ويُجمع بينه وبين رواية ابن فُضيل (يعني رواية اعتكف عشرًا من أول شوال) ورواية ابن فُضيل (التي فيها فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال) قال ابن حجر: ويجمع بينه وبين رواية ابن فضيل بأن المراد بقوله آخر العشر من شوال انتهاء الاعتكاف لا ابتداؤه.

المقدم: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ ونفع بما قلتم، أيها الإخوة المستمعون، بهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة، أتقدم بالشكر الجزيل لمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، شكر الله لفضيلته، وشكر لكم نلقاكم بإذن الله تعالى في حلقة مقبلة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.