شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 09

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 09
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 1:30 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

مستعمينا الكرام، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأهلاً بكم إلى شرح كتاب الصوم من كتاب ((التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح)) مع صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحبًا بكم فضيلة الشيخ.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: لازلنا في حديث الرُبيِّع بنت المُعوِّذ- رضي الله عنهما- لعلنا نستكمل ما تبقى، أحسن الله إليكم.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فآخر ما تحدثنا عنه في الحلقة السابقة، ما يُذكر عن ابن عباس أنه كان يرى أن يوم عاشوراء هو يوم التاسع. وابن القيم- رحمه الله تعالى- بعد كلامٍ طويل عن يوم عاشوراء، ذكر الإشكال السادس، وهو قول ابن عباس لمن سأله، قال: اعدد تسعًا وأصبِح يوم التاسع صائمًا. وقرر ابن القيم أن هذا لا يدلّ على أن ابن عباس يرى أن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: صُم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر، الذي يعدُّه الناس كلهم يوم عاشوراء. فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان يصومه كذلك، إلى آخر ما قال- رحمه الله-. فهذا لا يدلُّ على أن ابن عباس يرى أن عاشوراء هو اليوم التاسع، وأيضًا هذا يأباه اللفظ، كما قررنا سابقًا.

في الحديث: أَرْسَلَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ، زاد مُسلم: التي حول المدينة. وتقدَّم في باب إذا نوى بالنهار صومًا من حديث سلمة بن الأكوَّع: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلاً يُنادي في الناس يوم عاشوراء.

في باب إذا نوى من النهار صومًا، يعني لم يُبيِّت النية من الليل، تقدَّم هذا.

ومن حديث سلمة بن الأكوَّع: أن النبي- عليه الصلاة والسلام- بعث رجلاً يُنادي في الناس يوم عاشوراء. قال ابن حجر: هذا الرجل اسمه: هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي، واسمه واسم أبيه مما يتفق فيه المذكر والمؤنث، يعني يُسمى به الرجل وتُسمى به المرأة. كما أن في الرواة من اسمه: جويرية بن أسماء. اسم هذا الرجل: هند بن أسماء، ولعله هو المذكور هنا: أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا»؛ لأن القصة واحدة. وأحال ابن حجر في هذا الموضع- الذي معنا- إلى ذلك الموضع.

المقدم: حديث سلمة؟

نعم، إلى حديث سلمة، يعني أحال حديث الرُبيِّع إلى حديث سلمة.

«مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ» أي: فليستمر على صومه.

وفي حديث سلمة بن الأكوع- الذي تقدمت الإشارة إليه- «من أكل فليُتِم أو فليصُم، ومن لم يأكل فلا يأكل» من أصبح صائمًا فليصُم، يعني يجوز اتحاد الشرط والجزاء. «وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ» اتحاد الشرط والجزاء، جائز أم لا؟ "من قام فليقُم" يجوز أم لا يجوز؟

المقدم: يعني معناه فليستمر قائمًا.

هذا المقصود أنه فليستمر على صومه، وإلا فالأصل أن اتحاد الشرط والجزاء لا يجوز. يعني كما قيل نظيره في قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله» يعني كما لو قيل: من قام قام، هذا لا يجوز. لكن لا بد من تقدير «مَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ» أي: فليستمر على صومه، كما يُخاطب المؤمن ويُطالب بالإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} [سورة النساء 136] يعني استمروا على إيمانكم.

قالت- يعني الرُبيِّع-: فَكُنَّا نَصُومُهُ- تعني عاشوراء- بَعْدُ، بعدُ هذه مبنية على الضم؛ لأن قبل وبعد والجهات الست لها حالات:

إما أن تُضاف فتُعرَّب، {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ} [سورة آل عمران 137]، أو تُقطَع عن الإضافة، فإن نويَ المُضاف إليه كما هنا، بُنيَّت على الضم: أما بعدُ، فكنا نصومه بعدُ، لله الأمر من قبل ومن بعدُ. المضاف إليه منوي بعد ذلك.

وأما إذا قُطعت عن الإضافة مع عدم نية المُضاف إليه، فإنه حينئذٍ يُعرَب وينوَّن: فساغ لي الشراب وكنتُ قبلاً.

وهذا مما يذكر في قاعدة الأمور بمقاصدها، وأنها كما أنها مؤثرة في الأحكام، لها أثر في العربية، في قواعد العربية. يعني هذه القاعدة: الأمور بمقاصدها وأن القصد مؤثر، حتى في الكلام في قواعد العربية.

"وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا" زاد مُسلم: الصغار ونذهب بهم إلى المسجد. والمراد من- وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا- المراد الجنس الصادق بالذكور والإناث، الصبيان الذكور والإناث، وإن كان الذهاب بهم إلى المسجد من خصائص الذكور.

"وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ" اللُّعبة بضم اللام: ما يُلعب به، بخلاف.. كما يقولون في فلان رُحلة، يعني يُرحل إليه. وأما هُمَزَّة ولُمَزَّة فيُقصد من يهمز ومن يلمز. فهذا البناء: فُعْلَ لما يكون مفعولاً، يعني: يُرحل إليه، مرحول إليه، أو ملعوبٌ به كما هنا لُعبة، أي: ما يُلعَب به. وهي التي يُقال لها: لُعَب البنات، ولُعب البنات- كما قرر الشُّراح وجميع من تكلَّم في مثل هذا الباب- يعني قد لا تُذكر في هذا الباب، لكنها تُذكر في كتاب الآداب وغيره، وأن البنات لهن لُعَب جاءت بها النصوص. والشُّراح يُقررون أن هذه اللعَب وسادٌ كبير في رأسه وسادٌ صغير، يعني بمثابة الرأس، ولا أكثر من هذا. وساد، ما فيه أدنى ما يُشعر بالتصوير، اللهمَّ إلا الهيئة كأنها جسم طفل وله رأس عبارة عن وساد صغير مخيط به من جهة الأعلى. وأما التوسع الذي حصل بعد ذلك من التصوير الدقيق والتفنن في صُنع ما يُسمى بلُعَب البنات والعرائس، هذا التصوير الدقيق وبعض التصرفات التي هي من خصائص الإنسان، لا شك أنها لا تدخل في مثل هذا النص، ولا يُتصوَّر أن اللعب في السابق، التي شرحها أهل العلم بقولهم: هي عبارة عن وساد كبير في رأسه وسادٌ صغير، أنها قريبة من هذه اللعب التي تُصوَّر بدقة. أُدخِل على هذه، التي يسمونها لعب البنات، وهي في الحقيقة الصور المُجسمة التي لها ظل، التي لا يختلف أهل العلم في تحريمها. فيها أيضًا أُدخِل عليها شيء من خصائص الإنسان.

المقدم: الكلام والحركة.

إذا أُضجعت أغمضت العينين، إذا أُجلست أو وقفت فتحت العينين، إذا ضُرِبَ لها بشيء رقصت، وتدور أحيانًا بيدها ما يُشابه مُكبر الصوت وتُغني على الناس، وأسوأ من ذلك كله أنه جيء بها بحجمٍ كبير بحيث صارت وسيلة إلى أن يستعملها بعض الفُساق، فهذا لا شك أنه يفتح باب شر على المسلمين وتوسع أيضًا في المحظور؛ لأن الأصل في الباب- باب التصوير- التحريم. يعني ما استثني من لعب البنات، شرحه أهل العلم وبينوه. فلا يُمكن أن يكون ما يوجد في أسواق اليوم، في أسواق المسلمين، وقد يُفتي به بعض من ينتسب إلى العلم، بعض العلماء يفتي به بناءً على ما جاء في مثل هذا النص والبون شاسع. ولو سألته وقلت: مثل هذه الصورة يتصوَّر أن توجد في عصر النبي- عليه الصلاة والسلام-؟ لجزم بأنه لا يُمكن.

المقصود أن الاستدلال بمثل هذا النص على ما يوجد في أسواق المسلمين من الصور المُجسمة التي لها ظل، والتي يُنقل عليها الاتفاق، لا تُشبهها ولا تقرب منها.

"وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ" بكسر العين المُهملة وسكون الهاء، وهو الصوف، وقد فسره المُصنِّف في رواية المُستملي في آخر الحديث بالصوف. وقيل: العِهْن الصوف المصبوغ.

"فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ" يعني الذي جعلناه من العِهْن؛ ليتلهى به.

"حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ" يعني حتى يجيء وقت الفِطر بغروب الشمس.

وقع في رواية مُسلم: أعطيناه إياهُ عند الإفطار، الضمير يعود عليه؟ أعطيناه.

المقدم: اللعبة.

نعم.

"عِنْدَ الإِفْطَارِ" مُستقيم أم مُشْكِل؟

المقدم: لا، مُشْكِل.

مُشْكِل، وهو مُشْكلٌ ورواية البخاري توضح أنه سقط منه شيء.

"أَعْطَيْنَاهُ إياهُ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ" كما في رواية البخاري.

وقد رواه مُسلم من وجهٍ آخر، عن خالد بن ذكوان، فقال فيه: فإذا سألونا الطعام، أعطيناهم اللعبة تُلهيهم؛ حتى يُتموا صومهم، وهو يوضح صحة رواية البخاري.

ولا نحتاج أن نقول: صحة، إنما هو يوضح رواية البخاري.

قال ابن حجر: تقييده بالصغار، لا يُخرِج الكبار؛ لأنها تقول: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا. تقييده بالصغار لا يُخرِج الكبار، ما معنى هذا الكلام؟

تقييده بالصغار لا يُخرِج الكبار، بل يُدخِلهم من باب الأولى.

المقدم: يعني لما ذكرت أنهم يُصومون الصغار، لا يعني ذلك أن الكبار لم يكونوا يصومون بل هم من باب أولى.

حتى الكبار من الصبيان من باب أولى.

بل يُدخِلهم من باب الأولى. واستُدل بهذا الحديث على أن عاشوراء كان فرضًا قبل أن يُفرَض رمضان. وتقدَّم الكلام في صيام عاشوراء والخلاف فيه، وهل كان فرضًا ثمَّ نُسِخ أو لا.

على كل حال، هذا الكلام تقدَّم كله. لكن الاستدلال بهذا الحديث وتأكُّد الصيام حتى بحق الصغار، هل هذا يدلُّ على فرضيته؟ بمعنى أنه لو لم يكن مفروضًا، لما فُعِل بهم مثل هذا. وينبني على ذلك، الاستمرار في تصويم الصغار يوم عاشوراء بعد أن نُسِخَ فرضيته. هل يُصوَّمون أو لا يُصوَّمون؟ وهل يختلف الأمر بالنسبة للصغار في صوم الفرض والنفل؟

المقدم: هو سواء.

والكل نفل بالنسبة له.

وفي الحديث حُجةٌ على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام، كما تقدَّم؛ لأن من كان في مثل السن الذي ذُكِرَ في هذا الحديث غير مُكلَّف. وإنما صُنِع بهم ذلك؛ للتمرين. أغرب القرطبي، فقال: لعل النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يعلم بذلك، ويَبعُد أن يكون أمر بذلك؛ لأنه تعذيب صغيرٍ بعبادة غير مُتكررةٍ في السنة. يَبعُد أن يكون النبي- عليه الصلاة والسلام- أمر بذلك، بل قال قبل ذلك: لعل النبي- عليه الصلاة والسلام- لم يعلم بذلك، ويَبعُد أن يكون أمر بذلك؛ لأنه تعذيب صغيرٍ بعبادة غير مُتكررةٍ في السنة. يعني الأمر بالصلاة ثابت، ويُقرره القرطبي وغير القرطبي.

لكن الأمر بالصيام، يقول: تعذيب صغيرٍ بعبادة غير مُتكررةٍ، فيَبعُد أن يكون النبي- عليه الصلاة والسلام- علم بذلك أو أمر به.

لكن الصحيح عند أهل الحديث والأصول أن الصحابي إذا قال: فعلنا كذا في عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، كان حكمه الرفع؛ لأن الظاهر اطلاعه- عليه الصلاة والسلام- على ذلك وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، فما فعلوه إلا بتوقيف، والله أعلم.

الصحيح عند أهل الحديث والأصول أن الصحابي إذا قال: فعلنا كذا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا تقدمت الإشارة إليه كان حكمه الرفع؛ لأن الظاهر اطلاعه –صلى الله عليه وسلم- على ذلك وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، فما فعلوه إلا بتوقيف، والله أعلم.

لو افتُرضَ أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- لم يطلع عليه، فالقرآن في وقت التنزيل لا يُقررهم على خطأ. ولذا يقول جابر مُستدلاً بكونهم يعزلون في عهد النبي- عليه الصلاة والسلام- والقرآن ينزل، ولو كان شيئًا يُنهى عنه لنهى عنه القرآن. يعني لو كان هذا الفعل مما يُنهى عنه، لنهى عنه القرآن.

ما يدلُّ على تصويم الصبيان حتى الرُضَّع مع اطلاعه- عليه الصلاة والسلام- ما جاء في حديث رزينة، عند ابن خزيمة بإسنادٍ لا بأس به: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يأمر برضعائه في عاشوراء ورضعاء فاطمة، فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهم أن لا يُرضعن إلى الليل. وهو يردُ على القرطبي وتوقف ابن خزيمة في صحته، لكن قال ابن حجر: إسناده لا بأس به.

كان يأمر برضعائه في عاشوراء ورضعاء فاطمة، فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهم أن لا يُرضعن إلى الليل، هل يُشرَع مثل هذا؟ أن يؤتى بطفل رضيع ويُتفل في فيه ويُقال: لا ترضعه أمه حتى الليل؟

لا، أبدًا؛ لأن هذا من البركة الخاصة به- عليه الصلاة والسلام-، البركة الخاصة بالنبي- عليه الصلاة والسلام- وغيره ليس في حكمه. ومثل هذا في التحنيك، كان الصحابة يأتون بمواليدهم إلى النبي- عليه الصلاة والسلام- فيُحنكهم. ما أتوا بأحدٍ إلى أبي بكرٍ ولا إلى عُمَر- رضي الله عن الجميع- فدلَّ على أن هذه البركة خاصة به- عليه الصلاة والسلام- وإلا فلا يُصنَع في الطفل مثل هذا. الطفل الرضيع لا يُصنَع به، إنما يؤمر به من يُطيقه.

جمهور العلماء على أنه لا يجب على من دون البلوغ، الصيام لا يجب على من دون البلوغ؛ لأن غير البالغ غير مُكلَّف وقد رُفِعَ عنه القلم والتكاليف. وإن كان بعضهم يرى أنه تُكتَب له الحسنات ولا يُكتَب عليه السيئات.

فلا يجب على من دون البلوغ عند جماهير أهل العلم، واستحبَّ جماعةٌ من السلف، منهم ابن سيرين والزهري وقال به الشافعي، أنهم يؤمرون بالتمرين عليه إذا أطاقوه وحدّهُ أصحابه- يعني أصحاب الشافعي- بالسبع والعشر، كالصلاة. وحدهُ إسحاق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في روايةٍ بعشر سنين.

يعني هل يؤمر بالصيام لسبع كما يؤمر بالصلاة؟ ويُضرب على الصيام لعشر كما يُضرب على الصلاة؟

أو أنه يؤمر إذا بلغ السبع أو العشر، على الخلاف في ذلك، الشافعي يقول: سبع، والعشر عند أحمد- كما هنا- وثنتي عشرة عند إسحاق، بناءً على أنه في هذه السن يُمكن أن يصوم، يُطيق. وهل يُضرب إذا رفض عند تمام العشر أو بعدها كالصلاة أو لا؟

النص وارد في الصلاة.

وقال الأوزاعي: إذا أطاق صوم ثلاثة أيامٍ تباعًا لا يضعف فيهن، حُمِلَ على الصوم. حُمِل: يعني أُلزِم به، والأول قول الجمهور، يعني يكون مردُّ ذلك لا إلى السن وإنما إلى طاقته. إذا أطاق صيام ثلاثة أيام تباعًا. يعني مثل ما يُقال في التمييز، التمييز هل يُحد بسبع أو بخمس؟ أو إذا ميَّز ولو كان قبل ذلك، والصبيان يتفاوتون في مثل هذا، منهم من يُميِّز لأربع سنين، ومنهم من لا يُميِّز ولا لسبع سنين. الرواية والأخبار، يتحملها من ميَّز، كبرت سنه أو صغرت. يعني سواءً كان ذا أربع سنين أو خمس أو ست أو سبع، أما من لم يُميِّز فإنه لا تصح روايته ولو وصل إلى عشر سنين أو إلى حد التكليف؛ لأن ابن الصلاح، الجمهور في باب التحمُّل، حدوا السن بخمس سنين. قالوا: من بلغ خمس سنين، صحَّ تحمله. ومن لم يبلغ، ومن لم يميِّز ولم يبلغ خمسًا، فإنه لا تصحَّ روايته ولو كان مُميزًا.

وابن الصلاح يقول: الصواب في ذلك أن يُرد إلى التمييز، فمن فَهِمَ الخطاب وردَّ الجواب، صحت روايته ولو لم يبلغ الخمس. ومن لم يفهم الخطاب ولم يرد الجواب، فإن روايته لا تصح ولو بلغ الخمس، بل الخمسين. إنسان ما يفهم. لكن الأمور العامة، الأمور التشريعية العامة، التي لا تختص بأحدٍ دون أحد.. الآن الرواية هل يُمكن أن يُحمَل على الرواية كل شخص؟

 أبدًا؛ ولذا يُنظر في كل شخصٍ بعينه، ميَّز ما ميَّز؛ لأن التمييز أمر خفي. وأما الأمور العامة التي يُحمَل عليها الناس كلهم، فالشرع ينظر إلى عموم الناس. يعني عموم الناس ما يكمل سبع سنين إلا وقد ميَّز. لكن قد يشذ بعد السبع أحد، لكن في السبع في الجملة الناس كلهم ميزوا. فالأحكام التشريعية الشاملة، يوضع فيها حد سن مُعيَّن، مثل خمس لعشرة في البلوغ.

وأما الأمور الخاصة، التي لبعض الناس دون بعض، فهذه يُترك الناس..

ولذا لو قيل للناس: مروا أولادكم إذا ميَّزوا، واضربوهم..

المقدم: بعد التمييز بكذا مثلاً.

لو قيل ذلك، لوجِدَ من يلعب عند باب المسجد وهو عمره عشر سنين وأبوه يقول: لم يُميِّز. ووجِدَ من يؤذي الناس في الصف بسنة أو سنتين، ويقول أبوه: ميَّز. فمثل هذا لا يُترك للناس، التشريعات العامة ما تترك للناس.

المقدم: جزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم. لعلنا نستكمل ما تبقى – بإذن الله – في حلقةٍ قادمة وأنتم على خير.

أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة، نستكمل ما تبقى من أحكام هذا الحديث في حلقة قادمة.

شكرًا لطيب متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.