التعليق على تفسير القرطبي - سورة الجاثية (02)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من يقرأ يا إخوان؟

طالب: .....

تفضل.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف -رحمه الله تعالي-:

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} وَيْلٌ" وَادٍ فِي جَهَنَّمَ. تَوَعَّدَ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِدْلَالَ بِآيَاتِهِ. وَالْأَفَّاكُ: الْكَذَّابُ. وَالْإِفْكُ الْكَذِبُ. "أَثِيمٍ" أَيْ مُرْتَكِبٌ لِلْإِثْمِ. وَالْمُرَادُ فِيمَا رَوَى النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ."

فيما رُوي.

"وَالْمُرَادُ فِيمَا رُوٍي النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ."

المراد بقوله: أفاك، وأفاك صيغة مبالغة فعال أعظم من قوله: آفك أو كاذب، يعني كذاب، أفاك، دجال، وهذه أعلى ألفظ الجرح عند أهل العلم صيغة المبالغة أفاك، كذاب، دجال، في الحديث يقول: وضاع، يراد بالأفاك هذا على ما قاله أهل العلم أنه النضر بن الحارث، وعن ابن عباس: أنه الحارث بن كلدة طبيب العرب، وحكي الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه، يعني إذا كان التنزيل بسبب واحد فعموم اللفظ يشمل من اتصف بالوصف واستحق هذا الوصف مع المبالغة فيه مستحق كلمة العذاب ويل وهو وادٍ في جهنم، كما أثر عن السلف، لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من حره، ويل، لذا جاء هذا في الأفاك المستحق لصيغة المبالغة، وجاء فيمن هو دونه في المطففين: ويل للمطففين الذين يزيدون إذا اكتالوا، يزيدون من أموال الناس، وإذا كالوا من أموالهم للناس بخسوها، والتطفيف كما يكون في المحسوسات ويستحق عليها هذا الكلمة العظيمة يكون أيضًا في المعنويات الذي يطفف وينقص ما أمر بإكماله وإتمامه سواء كان في عبادته أو معاملاته يدخل، وإن كان المنصوص عليه في المحسوس، لكن التطفيف في الكيل والميزان دخوله قطعي، والتطفيف بغيره النقص مما أوجب الله عليه يدخل أيضًا، يشمله اللفظ بعمومه؛ لأنه يصح أن يسمى مطففًا؛ يعني ناقص مما أوجب الله عليه.

" وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ الْحَارِثُ بْنُ كَلْدَةَ. وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ أَنَّهُ أَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابُهُ. {يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ} يَعْنِي آيَاتِ الْقُرْآنِ. {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً} أَيْ يَتَمَادَى عَلَى كُفْرِهِ مُتَعَظِّمًا فِي نَفْسِهِ عَنِ الِانْقِيَادِ، مَأْخُوذٌ مِنْ صَرَّ الصُّرَّةَ إِذَا شَدَّهَا. قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: أَصْلُهُ مِنْ إِصْرَارِ الْحِمَارِ عَلَى الْعَانَةِ ".

كأنه صر قلبه كما تصر الصرة على الدراهم يحكم إغلاقها؛ لئلا ينفلت منها شيء، كذلك يحكم قلبه عن سماع الآيات؛ {قالوا قلوبنا غلف}، نسأل الله العافية، ويزيد على ذلك أن يضع أصابعه في أذنيه؛ لئلا يسمع؛ {وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} يعني: شَوشوا عليه؛ حتى ما يسمع، يسمعه من يتأثر به، كل هذا نسأل الله العافية- من الكبر والعناد، وإلا لو سمعوا واستجابوا لما دخلوا في مثل هذا الوعيد.

" وَقِيلَ: أَصْلُهُ مِنْ إِصْرَارِ الْحِمَارِ عَلَى الْعَانَةِ، وَهُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ عَلَيْهَا صَارًّا أُذُنَيْهِ."

هذا إذا أراد الأتان الحمار، إذا أراد الأتان صر أذنيه، وحوَّى عليها يعني صر أطرافه عليه من أجل ألا تنفلت منه إذا أرداها لحاجته.

 "وَ" أَنْ" مِنْ " كَأَنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَالضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم".

الضمير ضمير الشأن محذوف، كأنه لم يسمع، وهو محذوف كأنه قال: كأنه لم يسمع، ضمير الشأن محذوف مقدر، فكأن الأمر والشأن أنه لم يسمع هذه الآيات، يعني سماعه لا يعني الاستماع؛ لأن الشأن في الاستماع أما مجرد السماع الذي لا يراد منه الأثر المترتب عليه فهذا لا ينفع، ولذا لا يضر الإنسان أن يسمع وهو في طريقه من غير قصد اللغو، لا يضره هذا، أو يسمع موسيقى أو أغاني، لكن عليه أن ينكر.

 فرق بين أن يسمع، وأن يستمع، والفقهاء يقولون لمن يسمع القرآن يقولون: يسجد المستمع دون السامع، يعني الذي يقصد الاستماع هذا يسجد، إذا سجد القارئ، وأما مجرد السماع فلا يتم به الأجر المترتب على الاستماع، فلا يكون تابعًا للقارئ.

طالب: يسد أذنيه يا شيخ إذا سمع الغناء؟

نعم؟

طالب: .....

 لئلا يتأثر به، وإلا مجرد سماعه من غير قصد لا يضره، الكلام على الاستماع والتلذذ.

طالب: حديث ابن عمر لما مر على أصوات المعازف يصح أم لا؟

ماذا فعلوا؟

طالب: يسد أذنيه .... يصح.

هذا الأصل يسد الأذنين هذا أكمل بلا شك، لكن السماع من غير قصد لا يترتب عليه حكم.

"وَمَحَلُّ الْجُمْلَةِ النَّصْبُ، أَيْ يُصِرُّ مِثْلُ غَيْرِ السَّامِعِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ" لُقْمَانَ" الْقَوْلُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَتَقَدُّمَ مَعْنَى {فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ} في" البقرة" .

بشره هو أصل البشارة فيما يسر، لكن على سبيل التهمك والاستهزاء به يبشر؛ لأنه يبشر بأي شيء؟ يبشر بالعذاب الأليم نسأل الله العافية-.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً} نَحْوُ قَوْلِهِ فِي الزَّقُّومِ: إِنَّهُ الزُّبْدُ وَالتَّمْرُ".

يعني أحضر الزبد التمر فقال لأصحابه: تزقموا نسأل الله العافية-.

 " وَقَوْلُهُ فِي خَزَنَةِ جَهَنَّمَ: إِنْ".

قال لأصحابه: تزقموا، قال: وأنا العزيز الحكيم، عزيز في قومه، حكيم في أفعاله وتصرفاته، لكن قيل له: ذق، يعني يوم القيامة يأتي هذا الخبر اليقين، أما في الدنيا فممكن أن يروج كلام على السفهاء من الأتباع، لكن إذا قيل له يوم القيامة: ذق إنك أنت العزيز الحكيم، ذق كما زعمت.

طالب: العزيز الكريم.

العزيز الكريم نعم.

" وَقَوْلُهُ فِي خَزَنَةِ جَهَنَّمَ: إِنْ كَانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ فَأَنَا أَلْقَاهُمْ وَحْدِي."

نعم لما جاء ذكرهم في سورة المدثر: {عليها تسعة عشر} عدتهم، ما ذكر هذا العدد إلا فتنة، فتنة؛ لينظر الثابت من غيره، تسعة عشر أي أحمل على قبيلة، أحمل على جيش، أحمل على كتيبة وأهزمهم، تسعة عشر ما هم بشيء، لكن يظن أنهم من جنس من عهدهم من الإنس.

" {أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ} مُذِلٌّ مُخْزٍ، {مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ} أَيْ مِنْ وَرَاءِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ التَّعَزُّزِ فِي الدُّنْيَا وَالتَّكَبُّرِ عَنِ الْحَقِّ جَهَنَّمُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ} أَيْ أَمَامَهُمْ، نَظِيرُهُ: {مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16] أَيْ مِنْ أَمَامِهِ."

نعم، المستقبل أمام، والماضي خلف، المستقبل أمام وهو بين يديه، والماضي خلف، وجهنم أمامهم؛ لأنها من المستقبل من أمور المستقبل.

" قَالَ:

أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي ... أَدُبُّ مَعَ والْوِلْدَانِ أَزْحَفُ كَالنَّسْرِ"

أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي- كلام لبيد-... لزوم العصا تحنى عليها الأصابعُ

 وليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

 هنا يقول: وليس ورائي إن تراخت منيتي أدب مع الولدان أي مع الأطفال تحبو على يديه ورجليه، نعم.

"{وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً} أَيْ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، نَظِيرُهُ {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} [آل عمران: 10] أَيْ مِنَ الْمَالِ وَالْوَلَدِـ {وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ} يَعْنِي الْأَصْنَامَ، {وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ} أي دائم مؤلم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ}.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَا هُدىً} ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، يَعْنِي الْقُرْآنَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ} أي جحدوا دلائله. {لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} الرِّجْزُ الْعَذَابُ، أَيْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ".

أليم يعني مؤلم، شديد ألمه، والمؤلف جرى على أن العذاب والرجز مترادفان، مترادفان، و"من" هذه على هذا تكون بيانية، وإذا قلنا: إن الرجز أنواع؛ منه العذاب الجسدي، ومنه العذاب النفسي، والمعنوي، والروحي، ولهم عذاب إن كان من الأنواع كلها قلنا: "مِن" بيانية، وإذا كان بعض من أنواع العذاب دون بعض قلنا: هذه تبعيضية، والذي يظهر أنها بيانية؛ لأنهم يعذبون بجميع أنواع العذاب الأليم المؤلم الذي يؤلم القلب، ويؤلم الأبدان.

" دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ} [البقرة: 59] أَيْ عَذَابًا. وَقِيلَ: الرِّجْزُ الْقَذَرُ مِثْلُ الرِّجْسِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16] أَيْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ تَجَرُّعِ الشَّرَابِ الْقَذِرِ. وَضَمَّ الرَّاءَ مِنَ الرِّجْزِ ابْنُ محيسن حَيْثُ وَقَعَ."

رُجز، ضم الراء فقال رُجز.

". وَضَمَّ الرَّاءَ مِنَ الرِّجْزِ ابْنُ محيسن حَيْثُ وَقَعَ."

يعني حيث وقع في جميع مواضعه من القرآن.

" وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ محيسن وَحَفْصٌ: " أَلِيمٌ" بِالرَّفْعِ، عَلَى مَعْنَى لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ من رجز. وقرأ الباقون بالخفض نعتا للرجز."

وسواء كان نعتًا للعذاب، وحينئذ يضم، أو نعتًا للرجز، وحينئذ يجر على قراءة الأكثر، فلا فرق؛ لأن المؤلف فسر الرجز على أنه العذاب.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. ذَكَرَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَتَمَامَ نِعْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِمَنَافِعِهِمْ، {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فعَلَه".

لا يعني أن ذلك فِعْله.

"يعني أن ذلك فِعْلُهُ وَخَلْقُهُ وَإِحْسَانٌ مِنْهُ وَإِنْعَامٌ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجَحْدَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا: " جَمِيعاً مِنْهُ" بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَتَنْوِينِ الْهَاءِ، مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَرِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ مَسْلَمَةَ يَقْرَؤُهَا " مِنَّةً" أَيْ تَفَضُّلًا وَكَرَمًا. وَعَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ أيضًا: " جَمِيعًا مَنُّهُ" عَلَى إِضَافَةِ الْمَنِّ إِلَى هَاءِ الْكِنَايَةِ"

الذي هو الضمير العائد إلى الله جل وعلا-.

" وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ ذَلِكَ، أَوْ هُوَ منْهُ. وَقِرَاءَةُ الْجَمَاعَةِ ظَاهِرَةٌ {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"}"

مر بنا أبو حاتم هذا مرارًا، فالمراد به؟

طالب: السجستاني.

 نعم السجستاني.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ}.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا} جُزِمَ عَلَى جَوَابِ " قُلْ"، تَشْبِيهًا بِالشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ"

يغفروا مجزوم، مجزوم؛ لأنه واقع جوابًا لطلب، وجواب الطلب مجزوم، أو يقال: إنه واقع في جواب شرط مقدر، جواب شرط مقدر.

" كَقَوْلِكَ: قُمْ تُصِبْ خَيْرًا. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ اللام. وقيل: على معنى قل لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا، فَهُوَ جَوَابُ أَمْرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَنَزَلَتِ الْآيَةُ بِسَبَبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ شَتَمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَهَمَّ أَنْ يَبْطِشَ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا لَمْ يَصِحْ. وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ".

نعم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- شديد الغيرة على الدين، أما من أجل أن يبطش بشخص من أجل الانتصار لنفسه فلا، لكن عرف عمر في المواقف حينما تنتهك المحارم أو يبدو من الإنسان شيء ينتقص به الدين أو النبي -عليه الصلاة والسلام- أو القرآن، فإنه في هذه المواضع في مواقف كثيرة همَّ أن يقتل، دعني أضرب عنقه، وهكذا، فأما أن يبطش به؛ لأنه شتمه فلم يحصوا له شيء من هذا.

 " وَذَكَرَ الْوَاحِدِيُّ وَالْقُشَيْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَإِنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: " الْمُرَيْسِيعُ"، فَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ غُلَامَهُ لِيَسْتَقِيَ، وَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: غُلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَعَدَ عَلَى فَمِ الْبِئْرِ، فَمَا تَرَكَ أَحَدًا يَسْتَقِي حَتَّى مَلَأَ قِرَبَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقِرَبَ أَبِي بَكْرٍ، وَمَلَأَ لِمَوْلَاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا مَثَلنَا وَمَثَلُ هَؤُلَاءِ".

ما مثلُنا.

"ما مثلُنا ومثل هؤلاء إِلَّا كَمَا قِيلَ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ. فَبَلَغَ عمرُ".

 عمرَ.

فبلغ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَوْلُهُ، فَاشْتَمَلَ عَلَى سَيْفِهِ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ."

لأنها كلها قبيحة، سمن كلبك يأكلك؛ لأنه كأنه امتن على النبي عليه الصلاة والسلام- لنصرته وإيوائه في دار الهجرة وإكرامه وإكرام الصحابة، وكأنه هو المنعم والمتفضل، مع أنه ما قدم شيئًا هو إطلاقًا، قدم ذلك المؤمنون الخلص من الأنصار، هم الذين آثروا من أوى إليهم، وجاء إليهم النبي-عليه الصلاة والسلام- وأصحابه، أما ابن أبي فلم يصنع شيئًا، ومع ذلك يتحدث باسم الجماعة، كأنه هو المنعم والمتفضل، سمن كلبك يأكلك، وهذا مثل يأكلك جواب الطلب مثل ما تقدم.

" فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. هَذِهِ رِوَايَةُ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى عَنْهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245] قَالَ يَهُودِيٌّ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصٌ: احْتَاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ! قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ بِذَلِكَ اشْتَمَلَ عَلَى سَيْفِهِ وَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ لَكَ: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ}".

والمغفرة هنا المراد بها هنا الستر والتجاوز عن جهل هذا الجاهل.

" وَاعْلَمْ أَنَّ عُمَرَ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى سَيْفِهِ، وَخَرَجَ فِي طَلَبِ الْيَهُودِيِّ".

وأعلم، يعني جبريل أعلم النبي عليه الصلاة والسلام-، وإلا فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لا يعلم الغيب، وما رأي عمر، أعلم النبي -عليه الصلاة والسلام- أن عمر أخفى سيفه، وخرج ليقتل هذا اليهودي.

" فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في طَلَبِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: « يَا عُمَرُ، ضَعْ سَيْفَكَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَقْتَ. أَشْهَدُ أَنَّكَ أُرْسِلْتَ بِالْحَقِّ."

لأن هذا أمر لا يعلم به النبي- عليه الصلاة والسلام-، علمه جبريل، ودل على أنه لا يعلم الغيب إلا ما أعلم به، ولا يعلم الغيب في السماوات والأرض إلا الله، {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير}، فالرسول عليه الصلاة والسلام- بشر لا يعلم ما في غد، ولا ما في الغيب إلا ما أعلم به، وقد أعلم بالكثير مما يحصل في آخر الزمان وما حصل في زمنه مما لم يطلع عليه أعلم به عليه الصلاة والسلام-، لكن ما لا يعلم فإنه لا يعلمه بشر.

طالب: أيكون الكلام متصلًا مع جبريل عليه السلام- وأعلم أن عمر.. قل إن ربك يقول لك، وأعلم أن عمر..؟

الهمزة همزة القطع عندنا، ماذا عندكم؟ قطع، هكذا ضبط في النسخة التي معنا، ومعلوم أن الذين حققوا الطبعة طبعة دار الكتب المصرية كبار ما هم محققون عاديون، ومعهم النسخة الأصلية، هذا المجلد محقق على تسع نسخ، يعني كل مجلد بعضها وصل إلى ثلاثة عشر نسخة، وبعضها خمس نسخ، أو ست نسخ، لكن هذا المجلد على تسع نسخ، تسع نسخ.

" قَالَ: «فَإِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ» قَالَ: لَا جَرَمَ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تَرَى الْغَضَبَ فِي وَجْهِي."

نعم سريع الامتثال -رضي الله عنه-، وقلبه يدور مع الأمر والنهي، يعني كثير من الناس قد يقول بلسانه أنه امتثل، لكن يبقى في قلبه شيء؛ لأن الأمور التي بالقلوب قد لا يتثنى تغييرها مباشرة، يعني قد يوافق الإنسان بلسانه، لكن القلب يبقى فيه شيء، لكن عمر ليس من هذا النوع، لما قيل له: حتى من نفسك يا عمر قال: ومن نفسي، ما فيه إشكال، وأنت أحب إلي من نفسي، يعني لو قالها الإنسان بلسانه فالقلب يحتاج إلى معالجة وإلى معاناة وتدريب، لكن عمر ليس بهذا النوع، مروض نفسه  من الأصل على التقلب والانتقال على مراد الله ومراد رسوله.

 لو أن إنسانًا يحب شيئًا ويقال: لا تحبه، يعني بسهولة يتركه؟ ليس من السهولة أن يتركه، وليست هذه دعاوى لا رصيد لها.

 والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي؛ لأن قلبه يدور مع الأمر والنهي وجودًا وعدمًا رضي الله عنه وأرضاه-.

" قُلْتُ: وَمَا ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ وَالنَّحَّاسُ فَهُوَ رِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْقُرَظِيِّ وَالسُّدِّيِّ، وَعَلَيْهِ يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ فِي الْآيَةِ. وَعَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ أَوْ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ.

وَمَعْنَى {يَغْفِرُوا} يَعْفُوا وَيَتَجَاوَزُوا. وَمَعْنَى {لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} أَيْ لَا يَرْجُونَ ثَوَابَهُ. وَقِيلَ: أَيْ لَا يَخَافُونَ بَأْسَ اللَّهِ وَنِقَمَهُ. وَقِيلَ: الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ، كَقَوْلِهِ: {ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً} [نوح: 13] أَيْ لَا تَخَافُونَ لَهُ عَظَمَةً."

يكون من الأضداد، والرجاء يطلق ويراد به الخوف، وحينئذ يكون من الأضداد؛ لأن الأصل أن الخوف ضد الرجاء، وهما متقابلان.

" وَالْمَعْنَى: لَا تخشون مِثْلَ عَذَابِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. وَالْأَيَّامُ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْوَقَائِعِ. وَقِيلَ: لَا يَأْمُلُونَ نَصْرَ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ وَإِيقَاعِهِ بِأَعْدَائِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَا يَخَافُونَ الْبَعْثَ.

 {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ}" قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: " لِيَجْزِيَ" بِالْيَاءِ عَلَى مَعْنَى لِيَجْزِيَ اللَّهُ."

وهذا ظاهر من نصب ما بعدها، فيكون الفاعل معلومًا ومحذوفًا، ضمير يعود إلى الله -جل وعلا - { ليجزي الله قوماً بما كانوا يكسبون}.

" وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ عَامِرٍ: " لِنَجْزِيَ" بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيمِ."

والله جل وعلا- مفرد، ولفظ الجامع ينسب إلى نفسه بلفظ الجماعة، المتكلم الواحد، وبلفظ المتكلم الجماعة، والمراد به هو الله جل وعلا- كما في قوله جل وعلا –: {إنا أنزلناه}، ما قال: أنا أنزلته، إنا أنزلناه، والإمام البخاري رحمه الله- في تفسيره: إنا أنزلناه في صحيحه يقول: إن العرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع، والمخلوق قد يتحدث عن نفسه بضمير الجمع يقول: نحن فعلنا ونفعل من باب التعظيم لنفسه.

" وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَالْأَعْرَجُ وَشَيْبَةُ: " لِيُجْزَى" بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ، وَفَتْحِ الزَّايِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، " قَوْماً" بِالنَّصْبِ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَهَذَا لَحْنٌ ظَاهِرٌ. "

لأنه لو قرئ ليُجزي لارتفع ما بعده على أنه نائب للفاعل، ليجزي قومٌ، أولى من ينوب عن الفاعل المفعول، وبقي المفعول منصوبًا، فدل على ضعف هذه القراءة.

"وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ لِيَجْزِيَ الْجَزَاءَ قَوْمًا، نَظِيرُهُ: {وَكَذَلِكَ نُجِّيَ الْمُؤْمِنِينَ} عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي بَكْر".

والأصل نُجي المؤمنون، وعلى قراءة العامة: ننجي المؤمنين.

طالب: ........

ماذا فيها؟

طالب: .....

أبو جعفر الأعرج؟ ليجزي؟

طالب: ......

قال: هذا لحن.

طالب: ....

موجودة عندك؟

طالب: .... تواتر..

نفس القراءة لهذا الحرف أم عموم قراءته؟

طالب: ....

عموم قراءته، لكن هل هذا مما ذكر عنه في قراءته المعتبرة؟ لأنه قد يروى عنه على وجه الشذوذ بعض من يروي عنه.

"عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي بَكْر فِي سُورَةِ " الْأَنْبِيَاءِ". قَالَ الشَّاعِرُ:

وَلَوْ وَلَدَتْ قُفَيْرَةُ جَرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بِذَلِكَ الْجَرْوِ الْكِلَابَا

 أَيْ السَّبَّ."

فقيرة والدة الفرزدق والدته، لو ولدت جرو كلب لسب بذلك الجرو الكلاب، لصار سبة في جبين كل كلب من المتقدمين والمتأخرين هذا الجرو، مبالغة، يعني حصل من النقائص بين جرير والفرزدق والأخطل حقيقة عار في جبين الأدب العربي، ولذلك من أول ما طبعه المستشرقون كتاب النقائض، طبعوه في أوروبا قديمًا؛ ليبينوا مدى ما عليه العرب من هذه الوقاحات التي وقعت بينهم، والله المستعان-.

 يقول الفرزدق:

 والتغلبي إذا تنحنح للقرى            حك استه وتمثل الأمثال

 قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم     قالوا لأمهم بولي على النار

 ومن أمثال هذه الأبيات كثيرة كلها هجو وأشياء كثيرة من هذا النوع.

هذه حقيقة، يعني الأخطل لا لوم عليه؛ لأنه نصراني، لكن مسلم عاش مع المسلمين تفوه بمثل هذا الكلام من أجل منافسة دنيوية أو قيل: إن فلانًا أشعر منك والله المستعان-.

"{مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} تقدم.  

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ} يَعْنِي التَّوْرَاةَ. {وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} الْحُكْمُ: الْفَهْمُ فِي الْكِتَابِ. وَقِيلَ: الْحُكْمُ عَلَى النَّاسِ والقضاء. و"النُّبُوَّةَ" يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَقْتِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَى زَمَنِ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ.

{وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ} أي الحلال مِنَ الْأَقْوَاتِ وَالثِّمَارِ وَالْأَطْعِمَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالشَّامِ. وَقِيلَ: يَعْنِي الْمَنَّ وَالسَّلْوَى فِي التِّيهِ، {وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ} أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ".

يعني امتن الله جل وعلا- على بني إسرائيل بأمور كثيرة، بأمور كثيرة، جعل فيهم الأنبياء، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأنزل عليهم من الخيرات ما أنزل، فضلهم على العالمين، ومع ذلك ماذا قابلوا هذه النعم؟ قابلوها بالكفر وقتل الأنبياء- عليهم السلام ، نسأل الله العافية، وقالوا ما قالو في حق اللهجل وعلا-، وفضلناهم على العالمين يعني عالمي زمانهم، كما تقدم قريبًا.

 نعم، ومنهم من يرى أنهم فضلوا علي العالمين بإطلاق، بنو إسرائيل فضلوا على العالمين بإطلاق، وهذا بيناه في سورة الدخان قريبًا، أما كونهم فضلوا على العالمين في زمانهم فهذا لا إشكال فيه، أما العالمين مطلقًا بمن فيهم هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، فقال بعضهم بذلك؛ لأنهم أكثر أنبياء، فهم مع أنبيائهم، لكثرة أنبيائهم أفضل من غيرهم حتى هذه الأمة التي ليس لها إلا نبي واحد، فالتفضيل بالنظر إلى وجود الأنبياء منهم.

 وذكرنا فيما تقدم في ءاية الدخان قلنا: إن سبب  التفضيل إن كان مرده إلى كثرة الأنبياء فكثرة الأنبياء لا تعني تفضيل الأمم بمجرده، لماذا؟

  لأن كثرة الأنبياء للتصحيح والتوجيه، فهم بحاجة لكثرة مخالفاتهم أن يتابع عليهم الأنبياء، أرسل إليهم نبي وعصوه وقتلوه، أرسل إليهم ثانٍ، فهل يمدحون بكثرة الأنبياء؟ لا، ما يكون هذا سبب مدح، فلا وجه لهذا القول أنهم أفضل من هذه الأمة؛ لكثرة أنبيائهم.

 نقول: إن كثرة الأنبياء لعدم اتباعهم واقتدائهم بالأنبياء، إذا جاءهم نبي خالفوه، وكفروا به، وقتلوه، ثم جاء ثانٍ وثالث ورابع وعاشر وسبعون ومائة، كانوا يقتلون في اليوم إلى سبعين نبيًّا، كما جاء في بعض الأخبار، هل نقول: إن هذا مصدر تفضيل لهم على غيرهم؟

 لا.

 "{ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ} أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي " الدُّخَانِ" بَيَانُهُ، {وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي أَمْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَوَاهِدَ نُبُوَّتِهِ بِأَنَّهُ يُهَاجِرُ مِنْ تِهَامَةَ إِلَى يَثْرِب".

يعني في كتبهم في التوراة أنه يبعث نبي في آخر الزمان يهاجر إلى يثرب من تهامة، يعني من مكة إلى يثرب، ومع ذلك يتوعدون به العرب وأنه إذا بعث تبعوه، وحاربوا العرب معه، لكنه لما بعث حسدوه وجحدوا ما قرأوا في كتبهم.

 "وَيَنْصُرُهُ أَهْلُ يَثْرِبَ. وَقِيلَ: بَيِّنَاتُ الْأَمْرِ شَرَائِعُ وَاضِحَاتٌ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمُعْجِزَات، {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ} يُرِيدُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، فَآمَنَ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ بَعْضُهُمْ، حَكَاهُ النَّقَّاشُ. وَقِيلَ {إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ} نُبُوَّةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-فَاخْتَلَفُوا فِيهَا، {بَغْياً بَيْنَهُمْ"} أَيْ حَسَدًا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ مَعْنَاهُ الضحاك. وقيل: مَعْنَى " بَغْياً" أَيْ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَطْلُبُ الْفَضْلَ وَالرِّيَاسَةَ، وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، فَكَذَا مُشْرِكُو عَصْرِكَ يَا مُحَمَّدُ، قَدْ جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَلَكِنْ أَعْرَضُوا عَنْهَا لِلْمُنَافَسَةِ فِي الرِّيَاسَةِ {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم} أَيْ يَحْكُمُ وَيَفْصِلُ {يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} في الدنيا."

يعني إذا لم يحصل الفصل والقضاء في الدنيا بالعدل فإنه سوف يكون في الآخرة، وهذا في حق الجميع حتى المسلمين إذا وجد بين اثنين ما فصل فيها بالدنيا، أو فصل فيها بغير حق فإنه يتم الفصل فيها بينهم بالحق يوم القيامة.

"{ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} فِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

 الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ"} الشَّرِيعَةُ فِي اللُّغَةِ: الْمَذْهَبُ وَالْمِلَّةُ. وَيُقَالُ لِمَشْرَعَةِ الْمَاءِ-وَهِيَ مَوْرِدُ الشَّارِبَةِ-: شَرِيعَةُ. وَمِنْهُ الشَّارِعُ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إِلَى الْمَقْصِدِ. فَالشَّرِيعَةُ: مَا شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الدِّين".

وزن فعيلة بمعنى اسم المفعول مفعولة مشروعة من قبل الله جل وعلا- شرعها الله جل وعلا-، ويأتي فعيل مثل جريح وقتيل بمعنى مقتول ومجروح.

" وَالْجَمْعُ الشَّرَائِعُ. وَالشَّرَائِعُ فِي الدِّينِ: الْمَذَاهِبُ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِخَلْقِهِ. فَمَعْنَى {جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ} أَيْ عَلَى مِنْهَاجٍ وَاضِحٍ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ يَشْرَعُ بِكَ إِلَى الْحَقِّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {عَلى شَرِيعَةٍ} أَيْ عَلَى هُدًى مِنَ الْأَمْرِ. وقال قَتَادَةُ: الشَّرِيعَةُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْحُدُودُ والفرائض. وقال مقاتل: البينة؛ لأنها طَرِيقٌ إِلَى الْحَقِّ. وقال الْكَلْبِيُّ: السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَنُّ بِطَرِيقَةِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وقال ابْنُ زَيْدٍ: الدِّينُ، لِأَنَّهُ طَرِيقُ النَّجَاةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالْأَمْرُ يَرِدُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى الشَّأْنِ كَقَوْلِهِ: {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97].

 وَالثَّانِي: أَحَدُ أَقْسَامِ الْكَلَامِ الَّذِي يُقَابِلُهُ النَّهْيُ. وكلاهما يصح أن يكون مرادا ها هنا، وَتَقْدِيرُهُ: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى طَرِيقَةٍ مِنَ الدِّينِ وَهِيَ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123].

وَلَا خِلَافَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُغَايِرْ بَيْنَ الشَّرَائِعِ فِي التَّوْحِيدِ وَالْمَكَارِمِ وَالْمَصَالِحِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَيْنَهُمَا فِي الْفُرُوعِ حَسْبَمَا عَلَّمَهُ سُبْحَانَهُ."

لأن النسخ لا يدخل في أصول الشرع مثل التوحيد، وأيضًا الآداب، ومثلها الأخبار، وهذه لا يدخلها نسخ، أما الأوامر والنواهي وسائر الأحكام فإنها تَنسخ وتُنسخ.

 "الثانية: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ظَنَّ بَعْضُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الْعِلْمِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا".

ثم جعلناك على شريعة خاصة بك فاتبعها، ولا تتبع الشرائع الأخرى، فدل على أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، والمسألة خلافية بين أهل العلم، هل كان النبي-عليه الصلاة والسلام- متعبد بشرع قبله فيما لم يكن يرد فيه شرع من شرعنا، أو أنه الأصل أنه غير متعبد، وتكون الأمور على هذا الأصل واستصحاب الأصل معروف عند أهل العلم،  وهو الإباحة، ما لم يرد هناك شرع يمنع ما أريد فشرع من قبلنا هذا شرع لنا؟

 منهم من قال: نعم بإطلاق، لكن بشرط ألا يرد شرعنا بخلافه، ومنهم من قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام- جاء بشرع جديد، ولا يتعبد بشرع قبله، على خلاف من يقول بالقول الأول أنه متعبد بشرع من قبله، هل هو متعبد بشريعة إبراهيم، {واتبع ملة إبراهيم حنيفًا} أو متعبد بشريعة موسى أو آدم أو نوح على خلاف بين أهل العلم بلغت عندهم ثمانية أقوال.

طالب: سجود التعظيم هل من باب العقائد...؟

سجود التعظيم الذي جاء ذكره في سورة يوسف هل هو من باب العقائد أم من باب الأحكام؟

طالب: الأحكام...

ما يقصد التعظيم، يقصد التحية، لا، لو سجود تعظيم قلنا: عقيدة، لا، هو سجود تحية، هو حكم، ولذلك نسخ.

 " لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَفْرَدَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأُمَّتَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِشَرِيعَةٍ، وَلَا نُنْكِرُ أَنَّ النَّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأُمَّتَهُ مُنْفَرِدَانِ بِشَرِيعَةٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -عَنْهُ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ، هَلْ يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ أَمْ لَا؟".

يعني مثل ما ذكرنا في الدرس قبل يومين حينما اقترض اليهودي ألف دينار، لما أراد الإعادة لم يجد من يعيده إلى صاحبه، الإعادة في وقتها لم يجد من يرد المال إلى صاحبه، فأخذ خشبة فنقرها ووضع المال في جوفها، وأرسلها إلى صاحبها في البحر، فخرج صاحبها المقرض إلى البحر، لعل المقترض يأتي فلم يأتِ أحد، لكن وجد الخشبة فأخذها على أنها وقود، ولما نشرها وجد المال، ووجد الورقة التي تدل على أن هذا المال هو المقترض منه، هذه في شرع من قبلنا في بني إسرائيل، وسيقت في شرعنا مساق المدح، فهل مثل هذه القصة شرع لنا بمعني أنك بإمكانك إذا اقترضت من أحد تبعث هذا المال في البحر، أو إذا خفت على ولدك تجعله في صندوق وترميه في البحر، كما فعلت أم موسى؟ هذا في شرعنا أو نقول: إن هذا إتلاف وإضاعة للمال، وشرعنا جاء بخلافه أو بموافقته؟

 هي سيقت مساق المدح، لكن مع ذلك ليست من شرعنا؛ لأن النبي-عليه الصلاة والسلام- نهى عن إضاعة المال، وهذا فيما يبدو للناس ويظهر للجميع أنه إضاعة.

" قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ. وَعَنْهُ: نَزَلَتْ لَمَّا دَعَتْهُ قُرَيْشٌ إِلَى دِينِ آبائه."

طالب: .........

أنت تستودع الله، وتبعث لأهلك ما جمعت في هذه المدة، وقل أستودعه الله، ويعصم إن شاء الله.

طالب: ........

يعني على نية الرجوع، إن وصل وإلا دفعت غيره.

طالب: ....

كأنه وصل.

طالب: .....

 نعم، بناه على غلبة الظن أنه لم يصل، وإذا كان هذا هو الواقع أن غلبه الظن أن المال لن يصل فلا يجوز إلقاؤه في البحر.

طالب: يغرم..

يغرم به، يغرم به، ويسلم، علي اليدان ما أخذ حتى تؤدي، ما أدى.

طالب: وفيه تذكيره....

ما فيه شك أن هذا التصرف مثل ما قلنا في الحلف على الله -جل وعلا- فيه تزكية للنفس ما لم يكن هناك صدق مع الله جل وعلا- ومعاملة مثل هذا لا يستعمل إلا في أضيق الظروف، يعني ليس في كل مناسبة يحلف على الله أن يحقق طلبه، لكن إذا وقع في مأزق، وقع في كذا، ويغلب على ظنه أن الله جل وعلا- لا يخيبه يقسم على الله.

 "قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} أَيْ إِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ لَا يَدْفَعُونَ عَنْكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا.

 {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ} أَيْ أَصْدِقَاءٌ وَأَنْصَارٌ وَأَحْبَابٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ أَوْلِيَاءُ الْيَهُودِ، {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} أَيْ نَاصِرُهُمْ وَمُعِينُهُمْ. وَالْمُتَّقُونَ هُنَا: الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ والمعاصي."

يعني جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية بفعل طاعاته وترك منهياته، والظالمون بعضهم أولياء بعض في الدنيا، لكن في الآخرة أعداء، وليسوا بأولياء، ولم يُستثنَ من ذلك إلا المتقين.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَذَا بَصائِرُ لِلنَّاسِ} ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ هَذَا الَّذِي أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ بَرَاهِينُ وَدَلَائِلُ ومعالم للناس في الحدود والأحكام. وقرئ " هذه بصائر" أي هذه الآيات." وهُدىً" أَيْ رُشْدٌ وَطَرِيقٌ يُؤَدِّي إِلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ وَرَحْمَةٌ " فِي الْآخِرَةِ " لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ} أي اكتسبوها. والاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح."

 التي هي الكواسب، الجوارح الكواسب التي يتكسب من ورائها وبها.

" وقد تقدم في المائدة، {أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ"} قَالَ الْكَلْبِيُّ: {الَّذِينَ اجْتَرَحُوا} عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا ربيعة والوليد بن عتبة. و{كَالَّذِينَ آمَنُوا} عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- حِينَ بَرَزُوا إِلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلُوهُمْ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ فِي الْآخِرَةِ خَيْرًا مِمَّا يُعْطَاهُ الْمُؤْمِنُ، كَمَا أَخْبَرَ الرَّبُّ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى} ".

الحسنى مؤنث أحسن، فهي أفعل تفضيل، فيكون أفضل من غيره، يجازى بأحسن مما يجازى به غيره، فهم أحسن من المؤمنين جزاءً، ولذلك قال: نزلت في قوم من المشركين قالوا: إنهم يعطون خيرا مما يعطاه المؤمن، كما أخبر الرب عنهم في قوله: {ولئن رجعت إلى ربي إنا لي عنده للحسنى} مؤنث الأحسن.

"وَقَوْلُهُ: " أَمْ حسب" استفهام مَعْطُوفٌ مَعْنَاهُ الْإِنْكَارُ. وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ إِذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا لِلْخِطَابِ. وَقَوْمٌ يَقُولُونَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ أَفَيَعْلَمُ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ أَمْ حَسِبُوا أَنَّا نُسَوِّي بَيْنَهُمْ؟ وَقِيلَ: هِيَ أَمِ الْمُنْقَطِعَةُ، وَمَعْنَى الْهَمْزَةِ فِيهَا إِنْكَارُ الْحُسْبَانِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: "سَواءً" بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ ابْتِدَاءٍ مُقَدَّمٌ، أَيْ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَوَاءٌ.

 وَالضَّمِيرُ فِي {مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ"} يَعُودُ عَلَى الْكُفَّارِ، أَيْ مَحْيَاهُمْ مَحْيَا سُوءٍ، وَمَمَاتُهُمْ كَذَلِكَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَالْأَعْمَشُ: " سَوَاءَ" بِالنَّصْبِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عبيد قال: معناه نَجْعَلُهُمْ سَوَاءً."

والسياق {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} يعني هل يستوون في الدارين في حال الحياة وفي حال الممات؟ هل يستوي الكفار مع المؤمنين الذي اجترحوا السيئات؟ الفساق الفجار هل يستووا مع أهل الخير والفضل والاستقامة؟ لا يستوون.

طالب: .... تابوا أو بدلت سيئاتهم حسنات هل تضاعف؟

بعض أهل العلم وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: لا تتضاعف، لكن الحكمة الإلهية لا يستوون، لا يستوون، والحسنات المبدلة لها حكم المبدل، المبدل لا يوضع في السيئات الأصلي لا تضاعف، فإذا أبدلت حسنات فبدلها له حكمه، وحينئذ لا تضاعف.

 نفترض أن شخصين عاشا في الإسلام سبعين سنة، وولدا في يوم، وماتا في يوم، أحدهما منذ أن ميز وهو يعمل بالطاعات، والثاني يعمل بالسيئات والجرائم والمنكرات إلى قبيل الوفاة ثم تاب، آية الفرقان تدل على أنه تبدل سيئاته حسنات، لكن هل يستويان؟ شيخ الإسلام يقول: السيئات تبدل حسنات، تضاعف حسنة بعشر أمثالها، فضل الله واسع، لكن يبقى أنهما لا يستويان.

 شخص ليس له صبوة، ونشأ في طاعة الله، وعاش على ذلك، وشب وشاب ومات على ذلك، لا يستوي مع من شب في المنكرات والجرائم، وعاش عليها، وشاب عليها ثم قبيل وفاته تاب فتاب الله عليه، تاب توبة نصوحة، هل يكفيه أن تبدل سيئاته حسنات، وأما المضاعفة فهذه الحسنات بدل من السيئات، فالسيئات لا تتضاعف، والبدل له حكم المُبدل، فيتبين الفرق هنا.

طالب: أيكون هذا من عظم عدل الله- سبحانه وتعالى أنهم لا يستوون؟

هذا نص، النصوص كثيرة أنهم لا يستوون.

" وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ أيضًا وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ: " وَمَماتُهُمْ" بِالنَّصْبِ، عَلَى مَعْنَى سَوَاءٍ فِي مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ، فَلَمَّا أُسْقِطَ الْخَافِضُ انْتَصَبَ".

يعني منصوب على نزع الخافض، منصوب على نزع الخافض.

"وَيَجُوزُ أن يكون {مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ} بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي نَجْعَلُهُمْ، الْمَعْنَى: أَنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ سَوَاءً كَمَحْيَا الَّذِينَ آمَنُوا وَمَمَاتِهِمْ."

هذا على قراءة النصب على قراءة الأعمش وقراءة عيسى بن عمر يقول: محياهم ومماتهم بدل، بدل من الضمير في نجعلهم، وهو منصوب.

" وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي" مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ" لِلْكَفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا."

يعني في الدارين يعني قبل الممات وبعده هل يستوي مؤمن مع كافر؟ هل يستوي تقي مع فاجر؟ حتى في الحياة وإن زعم الفاجر والكافر أنه يتقلب في النعم أكثر من حال كثير من المسلين، لكن لا يستوون، ومع ذلك لا يستوون وإن كان في ظاهر الأمر أنهم في نعيم، لكن في حقيقة الأمر أنهم في جحيم، وإن تقلبوا في النعم.

 قَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَيُبْعَثُ مُؤْمِنًا، وَالْكَافِرُ يَمُوتُ كَافِرًا، وَيُبْعَثُ كَافِرًا. وَذَكَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي الضحا عَنْ مَسْرُوقٍ".

الضحا مكتوب عندكم بالمد أم بالقصر؟

طالب: بالمد.

نعم صوابه بالقصر صوابه بالقصر.

" قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: هَذَا مَقَامُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ أَوْ قَرُبَ أَنْ يُصْبِحَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيَبْكِي. {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ"} الْآيَةَ كُلَّهَا.

وَقَالَ بَشِيرٌ: بِتُّ عِنْدَ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَامَ يُصَلِّي فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَمَكَثَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ لَمْ يَعْدُهَا بِبُكَاءٍ شَدِيدٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ: كَثِيرًا مَا رَأَيْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يُرَدِّدُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ وَنَظِيرَهَا، ثُمَّ يَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي! مِنْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَنْتَ؟ وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تُسَمَّى مَبْكَاةُ الْعَابِدِينَ؛ لأنها محكمة."

طالب: ......هو نصير بن أبي التولة..

نصير بالنون المهملة، ماذا معك؟ التركي؟

طالب:.....

 ما فيه ما يمنع، لا أعرفه.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} أَيْ بِالْأَمْرِ الْحَقِّ. {وَلِتُجْزى} أَيْ وَلِكَيْ تُجْزَى، {كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ} أَيْ فِي الْآخِرَةِ {وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ"}.

وخلق الله السماوات والأرض، خلق الله السماواتِ والأرضَ، السماوات منصوب جمع مؤنث سالم، ينصب بالكسرة، والأرض تنصب بالفتحة على أي أساس موقع السماوات والأرض؟

طالب: مفعول به.

ماذا؟

طالب: مفعول به.

مفعول به، غيره؟ فيه جواب ثانٍ؟

طالب: كيف تصير مفعولًا به وهو أول من...

كيف؟

طالب: كيف وقع عليها فعل؟ يعني إذا ..... كيف وقع عليها هذا الفعل وهي لم تخلق بعد..؟

إذن ماذا تصير؟

طالب: ....

خلق الله السمواتِ والأرضَ هو منصوب ما فيه أحد قال: إنه ليس بمنصوب، لكن منصوب على ماذا؟

طالب: حال.

لا، لا، الحال يبين هيئة من، لا.

طالب: .....

ماذا؟

طالب:....

السماوات والأرض مخلوقة، مخلوق، زينته اسم المفعول، فتكون على هذا السماوات مفعولة، أم مفعول بها؟

طالب: مفعول فيها.

طالب: مفعول به.

 السماوات والأرض مخلوقة، يعني مفعولة، وأنتم تقولون: مفعول به، هل هناك فرق بين المفعول والمفعول به؟

طالب: نعم على قواعد .... يكون هذا موقعها من الإعراب.

ماذا يصير؟

طالب: لا دخل له بالشيء، يعني أن المفعول به لا بد أن يكون موجودًا حتى يفعل به..

يعني وقع عليه فعل الفاعل، هذا المفعول به لو وقع عليه فعل الفاعل.

طالب: يعني المراد بالسموات الطبقات السبع في قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات}..

طيب.

طالب: تحمل السماوات على ...

الآن عندنا السماوات، خلق الله السماوات، السماوات مخلوقة.

طالب: نعم.

بمعنى أنها مفعولة صح؟

طالب: ...........

لكن هل نقول: مخلوق بها؟ يعني مفعول بها كما تقول: ضرب زيدٌ عمرًا، عمرًا مفعول به؛ لأنه وقع عليه فعل الفاعل، السماوات وقع عليها خلق الخلق؟

طالب: ما كانت موجودة.

طالب: لا يقام باسم الله –عز وجل – بأن .... بالنسبة للمخلوقين لا يمكن...

ما العلاقة في هذا الأمر الأصل أن المفعول به شيء موجود، يقع فعل فاعل غليه، فيكون مفعولًا به؛ لأن هناك فرقًا بين المفاعيل، مفعول مطلق هذا ما تقيد بحرف، مفعول به، ومفعول فيه، ومفعول له، ابن هشام في مغني اللبيب، وهذا كلام يمكن بعض الناس يسمعونه لأول مرة، وكلام غريب، يعني يستغربونه باعتبار أن الناس يتتابعون على أن السموات مفعول به؛ لأنها مخلوقة، هنا ابن هشام في مغني اللبيب يقول: السابع عشر يعني في أمور اشتهرت، والتحذير من أمور اشتهرت بين المعربين، السابع عشر: قولهم في نحو خلق الله السماوات أن السموات مفعول به، والصواب أنه مفعول مطلق؛ لأن المفعول المطلق يقع ما يقع عليه اسم المفعول، بلا قيد، نحو قولك: ضربت ضربًا، والمفعول به ما لا يقع عليه ذلك إلا مقيدًا بقولك به، كقولك: ضربت زيدًا، وأنت لو قلت: السماوات مفعول كما تقول: الضرب مفعول كان صحيحًا، ولو قلت: السماوات مفعول به كما تقول: زيدًا مفعول به لم يصح، وقد يعارض هذا بأن يساق لنحو السماوات في المثال اسم مفعول تام، فيقال: السموات مخلوقة، وذلك مختص بالمفعول به.

 وإيضاح آخر المفعول به ما كان موجودًا قبل الفعل الذي عمل فيه، ثم أوقع الفاعل به فعلاً، والمفعول المطلق ما كان الفعل العامل فيه هو فعل إيجاد، والذي غر أكثر النحويين في هذه المسألة أنهم يمثلون المفعول المطلق بأفعال العباد، وهم إنما يجري على أيديهم إنشاء الأفعال لا الذوات، فتوهموا أن المفعول المطلق لا يكون إلا حدثًا، ولو مثلوا بأفعال الله تعالى لظهره لهم أنه لا يختص بذلك؛ لأن الله تعالى موجد للأفعال والذوات جميعًا، لا موجد لهما في الحقيقة سواه –سبحانه وتعالى-، وممن قال بهذا الذي ذكرته الجرجاني وابن الحاجب في أماليه، وكذا البحث في أنشأت كتابًا وعمل فلان خيرًا، يعني كأنه قال: عمل عملاً يعني مفعول مطلق، آمنوا وعملوا الصالحات، وزعم ابن الحاجب في شرح المفصل وغيره أن المفعول المطلق يكون جملة، وجعل من ذلك نحو قال زيدٌ: عمر منطلقٌ، وقد مضى رده، وزعم أيضًا إلى آخره.

 المقصود أن هذا الكلام الذي ما يدقق في حقيقة الأمر ويتأمل يبادر في إعرابه مفعولًا به، وهذا مسلك كثير من النحاة، كثير من النحاة قالوا: تعرب مفعولًا به، لكن من كلام المؤلف يظهر كلام دقيق جدًّا، أنه مفعول مطلق لا مفعول به، مثل الضرب في: ضربت زيدًا، وأن المفعول به إنما يقع على شيء موجود.

طالب: فيه باحث.... وقال: إن قول ابن هشام راجع إلى عقديته ..

نعم.

طالب: لأنه ما بحث عن هذه، ما وجد إلا الجرجاني، ابن هشام تكلم فيه وقال: إن سبب هذا الكلام راجع إلى عقيدته.

هذا كلام ظاهر، كلام ظاهر وواضح في أن المفعول به ما يقع عليه فعل، الآن إذا قلت: ضرب زيدٌ عمرًا، عمرًا تكون مفعولًا به؛ لأنه وقع عليه فعل الفاعل، لكن هل وقع على السماوات والأرض خلق الخالق، أو بها وقع الخلق؟ هذا ظاهر الكلام، ما يحتاج إلى أن نبتعد في مسألة التحرز من المعتقد، معتقدهم ظاهر، يميلون إلى قول الأشعرية، لكن مع ذلك في هذه المسألة كلامه واضح.

اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه.

"