التعليق على تفسير القرطبي - سورة الروم (03)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة الروم (03)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
أربعاء 07/ ربيع الأول/ 1438 2:30 م

سماع الدرس

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سم.

"بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:

"وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ: الْفِطْرَةُ هِيَ الْخِلْقَةُ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا الْمَوْلُودُ فِي الْمَعْرِفَةِ بِرَبِّهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى خِلْقَةٍ يَعْرِفُ بِهَا رَبَّهُ إِذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْمَعْرِفَةِ، يُرِيدُ خِلْقَةً مُخَالِفَةً لِخِلْقَةِ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَصِلُ بِخِلْقَتِهَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ. وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ، وَالْفَاطِرَ الْخَالِقُ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} يَعْنِي خَالِقَهُنَّ، وَبِقَوْلِهِ {وَما لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} يعني خلقني، وبقوله {الَّذِي فَطَرَهُنَّ} يَعْنِي خَلَقَهُنَّ. قَالُوا: فَالْفِطْرَةُ الْخِلْقَةُ، وَالْفَاطِرُ الْخَالِقُ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْمَوْلُودُ يُفْطَرُ عَلَى كُفْرٍ أَوْ إِيمَانٍ أَوْ مَعْرِفَةٍ أَوْ إِنْكَارٍ. قَالُوا: وَإِنَّمَا الْمَوْلُودُ عَلَى السَّلَامَةِ فِي الْأَغْلَبِ خِلْقَةٍ وَطَبْعًا وَبِنْيَةً لَيْسَ مَعَهَا إِيمَانٌ وَلَا كُفْرٌ وَلَا إِنْكَارٌ وَلَا مَعْرِفَةٌ، ثُمَّ يَعْتَقِدُونَ الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِذَا مَيَّزُوا. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «كَمَا تُنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ -يَعْنِي سَالِمَةً- هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» يَعْنِي مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ. فَمَثَّلَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بِالْبَهَائِمِ لِأَنَّهَا تُولَدُ كَامِلَةَ الْخَلْقِ لَيْسَ فِيهَا نُقْصَانٌ، ثُمَّ تُقْطَعُ آذَانُهَا بَعْدُ وَأُنُوفُهَا، فَيُقَالُ: هَذِهِ بَحَائِرُ وَهَذِهِ سَوَائِبُ يَقُولُ: فَكَذَلِكَ قُلُوبُ الْأَطْفَالِ فِي حِينِ وِلَادَتِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ كُفْرٌ وَلَا إِيمَانٌ، وَلَا مَعْرِفَةٌ وَلَا إِنْكَارٌ كَالْبَهَائِمِ السَّائِمَةِ، فَلَمَّا بَلَغُوا اسْتَهْوَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، وَعَصَمَ اللَّهُ أَقَلَّهُمْ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْأَطْفَالُ قد فطروا على شيء مِنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ فِي أَوَّلِيَّةِ أُمُورِهِمْ مَا انْتَقَلُوا عَنْهُ أَبَدًا، وَقَدْ تجدهم يؤمنون ثم.."

نجدهم.

"وقد نَجِدُهُمْ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يكفرون. قالوا: ويستحيل فِي الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ الطِّفْلُ فِي حِينِ وِلَادَتِهِ يَعْقِلُ كُفْرًا أَوْ إِيمَانًا، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَهُمْ فِي حَالٍ لَا يَفْقَهُونَ مَعَهَا شَيْئًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً} فَمَنْ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا اسْتَحَالَ مِنْهُ كُفْرٌ أَوْ إِيمَانٌ، أَوْ مَعْرِفَةٌ أَوْ إِنْكَارٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ الَّتِي يُولَدُ النَّاسُ عَلَيْهَا. وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا فِي هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}."

على هذا القول الفرق بين بني آدم وبين البهائم أن الجميع خُلقوا على فطرة يعني فطرهم الله عليها يعني خلقهم الله عليها إلا أن بني آدم لديهم الاستعداد وُجد معهم الاستعداد للقبول دون البهائم ولا فرق بينهم وبينهم واستدل على ذلك بأنهم خلقوا وولدوا لا يعقلون شيئا لا يعقلون كفرا ولا إيمانا لكن ماذا عن العهد الذي أُخد عليهم وهم في أصلاب آبائهم {ألست بربكم قالوا بلى} لا يوجد أحد يقول أنه يعقل هذا العهد حين ولادته يعني إذا قلنا أن الفطرة مجرد الخَلْق هو ما أشار أيضا ولا إلى الاستعداد لكن مجرد الخَلْق كخلْق البهائم ولا فرق على هذا القول والحجة في ذلك أن معنى فَطَرَ خَلَقَ وهذا صحيح فاطر السموات خالق السموات واستدل أيضا أن الولد حين يولد لا يعقل كفرًا ولا إيمانًا ولأن الله أخرجه من بطنه لا يفقه شيئا ولا يفهم شيئا من بطن أمه نقول لو قلنا بمثل هذا لقلنا أيضا أن العهد الذي أُخذ عليهم وهم في أصلاب الرجال بما يُفسَّر {ألست بربكم قالوا بلى} هذا صريح في أنهم سئلوا فأجابوا ووُلِدُوا لا يعقلون هذا العهد ولا هذا الميثاق، إذًا ننفيه لأنهم لا يعقلون؟! يمكن أن يُنفَى هذا؟! لا يمكن بالنص القطعي ثابت فالاحتجاج على أن الفطرة هي مجرد الخلْق بكونه لا يعقل {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} هذا كلام صحيح وقد يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئا حتى مما أمامه من أمور الدنيا لا يعلم شيئا ولا يعقل شيئا حتى ممن حوله لن تركيبه لا يحتمل هذا ومع ذلك تبقى الفطرة وهي الاستعداد لقبول الحق وهو الأصل فيه وأنه يولد على الفطرة على الدين على الإيمان إلى أن تجتاله الشياطين ثم يُغيِّر أو يُغيَّر لذا جاء في الحديث: «فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ما قال يُسَلِّمَانِه دليل على أن الإسلام هو الأصل.

طالب: ...........

مثلها مثل ما عندنا من الفطرة نحن لا نفهم شيئا عندما نطلع من بطون أمهاتنا لا إقرار لا الإقرار الذي أُخذ علينا والعهد والميثاق ولا الفطرة التي فطرنا عليها هذه أمور معنوية تولد مع الإنسان يكون فيها الميل والاستعداد للحق وقدرة الله -جل وعلا- فوق هذه الأمور لأنهم ينكرونها لأنهم في واقعهم لا يحسونها وهل أدركوا كل ما يختلج في نفوسهم فضلا عن غيرهم؟!

طالب: أحسن الله إليك...هناك دراسات حديثة... من تأثير بعض الأشياء على الطفل وهو في بطن أمه وهو في بطن أمه... يؤثر على حياته على شخصيته دارسات علمية.

حتى وُجِد من علماء النفس من يقول أنه يمكن مخاطبة الطفل وهو في بطن أمه ويتأثر لكن هذا أمر لا ندركه.

طه حسين في كتابه الأيام يذكر أنه وُلِدَ في الصباح الباكر لأنه لما خرج من بطن أمه لفحه هواء بارد، يعني هل هذا معقول أو غير معقول؟! الهواء البارد أحيانا يأتي بالليل وأحيانا يأتي الظهر وهواء بارد إذا كان شتاء!

طالب: يعني يحس بالهواء هو؟!

على كلامه حس.

"وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا فِي هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"} و{كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَقْتَ الْعَمَلِ لَمْ يرْتَهنْ بِشَيْءٍ. وَقَالَ: {وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} وَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى دَفْعِ الْقَوَدِ وَالْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ وَالْآثَامِ عَنْهُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَانَتِ الْآخِرَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ الْفِطْرَةُ الْمَذْكُورَةُ الْإِسْلَامَ، كَمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ مِنَ الطِّفْلِ، لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ ذُو عَقْلٍ."

أما وجود هذه الأمور محسوسة في الطفل مترتبة عليها آثارها فهذا لا ينكره ذو عقل وأما وجودها وجودا يليق بهذا الطفل وبسنه واستعداده وتركيبه فلا يمكن أن ينكره لأن هذا لا يدركه الكبير.

"وَأَمَّا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ أَيجْزِي عَنْهُ الصَّبِيُّ أَنْ يُعْتِقَهُ وَهُوَ رَضِيعٌ؟ قَالَ نَعَمْ، لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ يَعْنِي الْإِسْلَامَ، فَإِنَّمَا أَجْزَى عِتْقُهُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَهُ، لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَبَوَيْهِ. وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا: لَا يَجْزِئ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ إِلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} وَلَا فِي «أَنْ يَخْتِمُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ بِمَا قَضَاهُ لَهُ وَقَدَّرَهُ عَلَيْهِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّفْلَ يُولَدُ حِينَ يُولَدُ مُؤْمِنًا أَوْ كَافِرًا، لِمَا شَهِدَتْ لَهُ الْعُقُولُ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْقِلُ إِيمَانًا وَلَا كُفْرًا، وَالْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ: «أنَّ النَّاسَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ» لَيْسَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا، لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وَقَدْ كَانَ شُعْبَةُ يَتَكَلَّمُ فِيهِ."

والجمهور على ضعفه الجمهور على ضعفه.

"عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: «يُولَدُ مُؤْمِنًا» أَيْ يُولَدُ لِيَكُونَ مُؤْمِنًا، وَيُولَدُ لِيَكُونَ كَافِرًا عَلَى سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ» أَكْثَرُ مِنْ مُرَاعَاةِ مَا يُخْتَمُ بِهِ لَهُمْ، لَا أَنَّهُمْ فِي حِينِ طُفُولَتِهِمْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ جَنَّةً أَوْ نَارًا، أَوْ يَعْقِلُ كفرا أو إيمانا قُلْتُ: وَإِلَى مَا اخْتَارَهُ أَبُو عُمَرَ وَاحْتَجَّ لَهُ، ذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمُ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ، وَشَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَالَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَنَّهَا الْخِلْقَةُ وَالْهَيْئَةُ الَّتِي فِي نَفْسِ الطِّفْلِ الَّتِي هِيَ مُعَدَّةٌ وَمُهَيَّأَةٌ لِأَنْ يُمَيِّزَ بِهَا مَصْنُوعَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَسْتَدِل بِهَا عَلَى رَبِّهِ وَيَعْرِف شَرَائِعَهُ وَيُؤْمِنُ بِهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الَّذِي هُوَ الْحَنِيفُ، وَهُوَ فِطْرَةُ اللَّهِ الَّذِي عَلَى الْإِعْدَادِ لَهُ فَطَرَ الْبَشَرَ، لَكِنْ تَعْرِضُهُمُ الْعَوَارِضُ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» فَذِكْرُ الْأَبَوَيْنِ إِنَّمَا هُوَ مِثَالٌ لِلْعَوَارِضِ الَّتِي هِيَ كَثِيرَةٌ. وَقَالَ شَيْخُنَا فِي عِبَارَتِهِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ مُؤَهَّلَةً لِقَبُولِ الْحَقِّ، كَمَا خَلَقَ أَعْيُنَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ قَابِلَةً لِلْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ، فَمَا دَامَتْ بَاقِيَةً عَلَى ذَلِكَ الْقَبُولِ وَعَلَى تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ أَدْرَكَتِ الْحَقَّ وَدِينَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الدِّينُ الْحَقُّ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: «كَمَا تُنْتجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» يَعْنِي أَنَّ الْبَهِيمَةَ تَلِدُ وَلَدَهَا كَامِلَ الْخِلْقَةِ سَلِيمًا مِنَ الْآفَاتِ، فَلَوْ تُرِكَ عَلَى أَصْلِ تِلْكَ الْخِلْقَةِ لَبَقِيَ كَامِلًا بَرِيئًا مِنَ الْعُيُوبِ، لَكِنْ يُتَصَرَّفُ فِيهِ فَيُجْدَعُ أُذُنُهُ وَيُوسَمُ وَجْهُهُ فَتَطْرَأُ عَلَيْهِ الْآفَاتُ وَالنَّقَائِصُ فَيَخْرُجُ عَنِ الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ وَاقِعٌ وَوَجْهُهُ وَاضِحٌ. قُلْتُ: وَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مُوَافِقٌ لَهُ فِي الْمَعْنَى، وَأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ حِينَ عَقَلُوا أَمْرَ الدُّنْيَا، وَتَأَكَّدَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِمَا نَصَبَ مِنَ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ: مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَلَمَّا عَمِلَتْ أَهْوَاؤُهُمْ فِيهِمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَدَعَتْهُمْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةُ فَذَهَبَتْ بِأَهْوَائِهِمْ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَأَنَّهُمْ إِنْ مَاتُوا صِغَارًا فَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، أَعْنِي جَمِيعَ الْأَطْفَالِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ فِي صُورَةِ الذَّرِّ أَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا} ثُمَّ أَعَادَهُمْ فِي صُلْبِ آدَمَ بَعْدَ أَنْ أَقَرُّوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وأن الله لا إله غيره."

وأنهوأنه..

"وأنه لا إله.."

وأنه الله.

وأنه الله؟

وأنه الله.

"وَأَنَّهُ اللَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، ثُمَّ يُكْتَبُ الْعَبْدُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ شقيا أو سعيدا على ما في الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، فَمَنْ كَانَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ شَقِيًّا عمَّرَ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَيْهِ الْقَلَمُ فَيَنْقُضَ الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِ فِي صُلْبِ آدَمَ بِالشِّرْكِ، وَمَنْ كَانَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ سَعِيدًا عمَّرَ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَيْهِ الْقَلَمُ فَيَصِيرُ سَعِيدًا، وَمَنْ مَاتَ صَغِيرًا مِنْ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ الْقَلَمُ فَهُمْ مَعَ آبَائِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِ الْقَلَمُ فَلَيْسَ يَكُونُونَ مَعَ آبَائِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي صُلْبِ آدَمَ وَلَمْ يَنْقُضِ الْمِيثَاقَ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَهُوَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» يَعْنِي لَوْ بَلَغُوا. وَدَلَّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَيْضًا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ حَدِيثُ الرُّؤْيَا، وَفِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ». قَالَ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ» وهذا نص يرفع الخلاف، وهو أصح شيء رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِيهَا عِلَلٌ وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ."

يشير بقوله وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء يعني الذين لهم يد في نقد المتون الذين لهم نظر في المتون وإنما يتداولها الرواة وليس من أحاديث الفقهاء ولا يعني أن الفقهاء هم أهل الأخذ والرد والقبول في هذا الباب دون أهل الحديث وإنما يريد بهم من الأئمة الفقهاء الذين هم في الأصل أهل الحديث الذين ينظرون في المتون لا مجرد رواة.

"وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: «لَمْ تَكُنْ لَهُمْ حَسَنَاتٌ فَيُجْزَوْا بِهَا فَيَكُونُوا مِنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ سَيِّئَاتٌ فَيُعَاقَبُوا عَلَيْهَا فَيَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَهُمْ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ» ذَكَرَهُ يَحْيَى بن سلام في التفسير له. وقد زِدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَيَانًا فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ، وَذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْمُقْتَبَسِ فِي شَرْحِ مُوَطَّأِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُوَاتِيًا أَوْ متقاربا -أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُ هَاتَيْنِ- حَتَّى يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَنْظُرُوا فِي الْأَطْفَالِ وَالْقَدَرِ قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ فَذَكَرْتُهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ: أَيَسْكُتُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْجَهْلِ؟ قُلْتُ: فَتَأْمُرُ بِالْكَلَامِ؟ قَالَ فَسَكَتَ."

مثل هذه المسائل التي هي من العضل عضل المسائل التي فيها النصوص متساوية أو متقاربة والتي ليس لصغار الطلاب أن ينظروا فيها إنما ينظر فيها من رسخ قدمه في العلم لأن القدر ومثل هذه المسألة التي هي الفطرة والأطفال لا شك أنها فيها النصوص التي قد لا يدرك معانيها العقل بعض معانيها لا يدركه العقل فأهل العلم يحذرون من النظر في القدر ومثل هذه المسألة من المسائل الكبار قد تخفى على عقول كثير من المتعلمين فقد تزل أقدامهم بسببها فتُحجَب عنهم مثل هذه الأمور وإلا فالأصل أن الإنسان يطلب العلم ويترقى فيه حتى يدرك المسائل الكبار بعد الصغار.

طالب: ......

للقرطبي هذا.

طالب: موجود؟

ما أدري والله ما بحثت عنه وهو غير القبس لابن العربي.

"وقال أبو بكر الوراق:" فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها" هِيَ الْفَقْرُ وَالْفَاقَةُ، وَهَذَا حَسَنٌ، فَإِنَّهُ مُنْذُ وُلِدَ إِلَى حِينِ يَمُوتُ فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ، نَعَمْ! وَفِي الْآخِرَةِ."

وهذا الفقر وهذه الحاجة لا يدفعهما كثرة الأموال فالأغنياء والكبار والأشداء والأقوياء كلهم محتاجون إلى ما خلقهم وفطرهم وبراهم بأمس الحاجة إليه وإلى لطفه وعنايته ثم بعد ذلك هم محتاجون إلى من حولهم ممن يعينهم على أمور دينهم ودنياهم فالفقر والحاجة وصف ملازم للمخلوق.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} أَيْ هَذِهِ الْفِطْرَةُ لَا تَبْدِيلَ لَهَا مِنْ جِهَةِ الخالق. ولا يجيء الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ هَذَا بِوَجْهٍ، أَيْ لَا يَشْقَى مِن خلْقه سعيدا."

مَن خلَقه.

"أي لا يشقى مَنْ خَلَقَهُ سَعِيدًا، وَلَا يَسْعَدُ مَنْ خَلَقَهُ شَقِيًّا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمَعْنَى لَا تَبْدِيلَ لِدِينِ اللَّهِ، وَقَالَهُ قَتَادَةُ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ وَالنَّخَعِيُّ، قَالُوا: هَذَا مَعْنَاهُ فِي الْمُعْتَقَدَاتِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وعمر ابن الْخَطَّابِ أَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَغْيِيرَ لِخَلْقِ اللَّهِ مِنَ الْبَهَائِمِ أَنْ تُخْصَى فُحُولُهَا، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ خِصَاءِ الْفُحُولِ مِنَ الْحَيَوَانِ. وَقَدْ مضى هذا في" النساء" {ذلك الدِّينُ الْقَيِّمُ} أَيْ ذَلِكَ الْقَضَاءُ الْمُسْتَقِيمُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: ذَلِكَ الْحِسَابُ الْبَيِّنُ. وَقِيلَ: {ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} أَيْ دِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ الدِّينُ الْقَيِّمُ الْمُسْتَقِيمُ. {وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أَيْ لَا يَتَفَكَّرُونَ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا مَعْبُودًا، وَإِلَهًا قَدِيمًا سَبَقَ قَضَاؤُهُ ونفذ حكمه."

طالب: ..........

ابن القيم -رحمه الله- في آخر طريق الهجرتين بحث المسألة بحثًا وافيًا منهم من يقول أنهم يُمتَحنون فيُخرَج لهم لهب لسان من نار فإن دخلوه نجوا وإن رفضوا هلكوا ومثلهم المجانين وأصحاب الفترة الذين لم يبلغهم شيء هذا قول معروف عند أهل العلم منهم من يقول أنهم في الجنة كأطفال المسلمين وفيه النص الصحيح وفيه قول بالتوقف «الله أعلم بما كانوا عاملين» هذا يدل على التوقف في حكمهم ابن القيم بحث هذه المسألة في طبقات المكلَّفين وغيرهم من طريق الهجرتين.

طالب: أحسن الله إليك، الحافظ ذكر يا شيخ .. القول التاسع فيهم الوقف وقال العاشر الإمساك .. الفرق بينهم...

الوقف والإمساك الوقف لحديث «الله أعلم بما كانوا عاملين» والإمساك لأن هذه المسألة ليست مسألة عملية وهي أيضا مزلة قدم مثل القدر التوقف لاستواء الأدلة والإمساك عنها والحديث فيها لأنها مزلة قدم مثل مسألة القدر.

طالب: ... الله في الدين ما المشكلة؟

لا تبديل لخلق الله إن الله لا يبدل خلقه {ما يبدل القول لدي}.

طالب: القائل بتفسير لا تبديل لدين الله..

من قِبَله هو.

طالب: ... الخلق على الدين..

هو إن فُسِّر الدِّين بأعمال المكلَّفين فهم وأعمالهم مخلوقون لله وإن فُسِّر أن الدِّين بما نَزَل من الله -جل وعلا- فهو بكلامه لا يدخل الخلق وهو محتمل.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: رَاجِعِينَ إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِخْلَاصِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ وَالْفَرَّاءُ: مُقْبِلِينَ إِلَيْهِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: مُطِيعِينَ لَهُ. وَقِيلَ: تَائِبِينَ إِلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ:

فَإِنْ تَابُوا فَإِنَّ بَنِي سُلَيْمٍ

 

وَقَوْمَهُم هَوَازِنَ قَدْ أَنَابُوا

وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، فَإِنَّ" نَابَ وَتَابَ وَثَابَ وَآبَ" مَعْنَاهُ الرُّجُوعُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِي أَصْلِ الْإِنَابَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَصْلَهُ الْقَطْعُ، وَمِنْهُ أُخِذَ اسْمُ النَّابِ لِأَنَّهُ قَاطِعٌ، فَكَأَنَّ الْإِنَابَةَ هِيَ الِانْقِطَاعُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالطَّاعَةِ الثَّانِي أَصْلُهُ الرُّجُوعَ، مَأْخُوذٌ مِنْ نَابَ يَنُوبُ إِذَا رَجَعَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَمِنْهُ النَّوْبَةُ لِأَنَّهَا الرُّجُوعُ إِلَى عَادَةٍ قال الْجَوْهَرِيُّ: وَأَنَابَ إِلَى اللَّهِ أَقْبَلَ وَتَابَ. وَالنَّوْبَةُ وَاحِدَةُ النُّوَبِ، تَقُولُ: جَاءَتْ نَوْبَتُكَ وَنِيَابَتُكَ، وَهُمْ يَتَنَاوَبُونَ النَّوْبَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ. وَانْتصبَ عَلَى الْحَالِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: لِأَنَّ مَعْنَى {أَقِمْ وَجْهَكَ} فَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ مُنِيبِينَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى فَأَقِمْ وَجْهَكَ وَمَنْ مَعَكَ مُنِيبِينَ. وَقِيلَ: انْتصبَ عَلَى الْقَطْعِ، أَيْ فَأَقِمْ وَجْهَكَ أَنْتَ وَأُمَّتَكَ الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ لَهُ، أَمْرٌ لِأُمَّتِهِ، فَحَسُنَ أَنْ يَقُولَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ}."

ما معنى النصب على القطع؟ أقم وجهك أنت وأمتك، أنت ما إعرابها؟

طالب: بدل.

بدل من ماذا؟

طالب: الضمير.

من الضمير في أقم لأن أقم فيها ضمير مستتر وجوبا أقم أنت، فتكون وأمتُك أو أمتَك؟

طالب: أمتُك.

الآن أمتُك معطوفة على الضمير المستتر، أمتُك إذا قلنا أنها معطوفة على الضمير المستتر في أقم وأنت هو مجرد ضمير فصل لتجويز العطف لأن الضمير الرفع المتصل لا يجوز أن يعطف عليه بدون فاصل مع أنه فصل بينه وبين المعطوف عليه بوجهك فيجوز حينئذ بدون ضمير فصل إنما أبرز الضمير للتأكيد المنيبين إليه مقطوع عما قبله وإن كان وصفًا له هو في الحقيقة في الأصل وصف له لكن قطع عنه فنُصِب والنَّصْب أحيانا يكون على المدح كما هنا وقد يكون على الذم {وامرأته حمالةَ} هذا على الذم وهكذا وهذا معنى قولهم انتُصِب على القطع.

"{وَاتَّقُوهُ} أَيْ خَافُوهُ وَامْتَثِلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} بَيَّنَ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْفَعُ إِلَّا مَعَ الْإِخْلَاصِ، فَلِذَلِكَ قَالَ:" وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي النِّسَاءِ وَالْكَهْفِ وَغَيْرِهِمَا. {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} تَأَوَّلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَأَبُو أُمَامَةَ: أَنَّهُ لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ. وَقَدْ مَضَى" فِي الْأَنْعَامِ" بَيَانُهُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَالَهُ قَتَادَةُ وَمَعْمَرٌ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ:" فَارَقُوا دِينَهُمْ"، وقد قرأ بذلك علي ابن أَبِي طَالِبٍ، أَيْ فَارَقُوا دِينَهُمُ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ. {وَكانُوا شِيَعاً} أَيْ فِرَقًا، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ. وَقِيلَ أَدْيَانًا، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. {كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} أَيْ مَسْرُورُونَ مُعْجَبُونَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَيَّنُوا الْحَقَّ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتَبَيَّنُوهُ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تنزلَ الْفَرَائِضُ. وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّ الْعَاصِيَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ يَكُونُ فَرِحًا بِمَعْصِيَتِهِ، فَكَذَلِكَ الشَّيْطَانُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَغَيْرُهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ."

أصحاب المعاصي إذا ظفروا بمعاصيهم لا شك أنهم يفرحون لأنها مطلوبة بالنسبة لهم لكن إذا ذهبت لذتها عادت عليهم الحسرة إذا ذهبت اللذة وبقيت التبعة هم فرحون بظفرهم بمطلوبهم لكن بمجرد فراغ هذه اللذة والشهوة التي تسببت عن الظفر لا شك أنهم تلازمهم الحسرة والندامة وقلوبهم على ما جاء في النصوص تؤنبهم وكما قال -جل وعلا-: {الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر} ومقابلهم أهل الشقاء النفسي فلا شك أن الفرح الناتج عن السعادة الحقيقية إنما هو باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه وأما الفرح المؤقت التي يحصل بسب تحصيل مطلوب هذا لا يلبث أن يزول.

"وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّمَامُ" وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" وَيَكُونُ الْمَعْنَى: مِنَ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ" وَكانُوا شِيَعاً" عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ قال النَّحَّاسُ: وَإِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ فَهُوَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ عَلَى الْبَدَلِ بِإِعَادَةِ الْحَرْفِ، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: {قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} ولو كان بلا حرف لجاز."

يعني في قوله {إن الذين فرقوا دينهم} يحتمل أن يكون المراد به أهل البدع وأن يكون المراد به أهل الشرك لكن الاحتمال الثاني أقوى لأنه أقرب ما يكون بدلا من الجملة السابقة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم يعني هم المشركون.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} أَيْ قَحْطٌ وَشِدَّةٌ {دَعَوْا رَبَّهُمْ} أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ بِكُلِ قُلُوبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ. وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ التَّعَجُّبُ، عجب تنبيه من المشركين.."

عجب نبيه.

"عَجَّبَ نَبِيهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي تَرْكِ الْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَعَ تَتَابُعِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ، أَيْ إِذَا مَسَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ ضُرٌّ مِنْ مَرَضٍ وَشِدَّةٍ دَعَوْا رَبَّهُمْ، أَيِ اسْتَغَاثُوا بِهِ فِي كَشْفِ مَا نَزَلَ بِهِمْ، مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ الْأَصْنَامِ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ لَا فَرَجَ عِنْدَهَا. {ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً} أَيْ عَافِيَةً وَنِعْمَةً {إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أَيْ يشركون به في العبادة."

لا شك أن المشركين الأوائل شركهم في الرخاء دون الشدة كما قرر الإمام المجدد -رحمه الله- شركهم في الرخاء دون الشدة ودلت عليه النصوص كهذه الآية أما المشركون المتأخرون في زمن الشيخ ومن بعده هؤلاء شركهم في الرخاء والشدة لا يتغير حالهم ولا وضعهم حينما تأتيهم الشدائد ولذلك ما يستفيدون ولا يرعوون ولا ينتهون تجدهم يزالون معاصيهم وهم في أحلك الظروف وقد جاء في آخر الزمان فيما ذكره ابن القيم -رحمه الله تعالى- أنه يذهب الشخصان إلى معصية فيُمسَخ أحدهما خنزيرا ويمضي الثاني إلى معصيته بينما المشركون الأوائل وهم مشركون خالدون مخلدون في النار -نسأله الله السلامة- الشرك الأكبر مع ذلك إذا أصابتهم الشدائد أنابوا إلى الله -جل وعلا- وخصوه وأخلصوا له ثم إذا عادوا إلى الأمن تجدهم يشركون {إذا فريق منهم بربهم يشركون} ومنهم من يستفيد إذا جاءته هذه الشدائد أخذ منها درسا فاستمر على الإنابة والإخلاص لله -جل وعلا- ولذلك قال: {إذا فريق منهم بربهم يشركون} ليس كلهم.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ} قِيلَ: هِيَ لَامُ كَيْ. وَقِيلَ: هِيَ لَامُ أَمْرٍ فِيهِ مَعْنَى التهديد، كما قال -عز وجل- {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} {فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ."

يأتي الأمر ويراد به التهديد {اعملوا ما شئتم} لا يراد به طلب هذا العمل وإنما يراد به التهديد ليكفروا اللام هذه لام كي كما قال المؤلف يعني لكي يكفروا لكن لام كي تكون علة لما قبلها فما المعلول هنا؟ إذا قلنا أنها لام كي ليكفروا إن كان مردها إلى قوله: {ثم إذا أذاقهم منه رحمة} {ليكفروا بما آتيناهم} يعني منهم من يكفر ومنهم يقول {إذا فريق منهم بربهم يشركون} إنما مُد لهم في النِّعم ليكفروا بما أتيناهم وعلى القول بأن اللام هذه لام الأمر والأمر للتهديد ليكفروا فتكون لام الأمر كأنه قيل لهم اكفروا كما قيل لهم اعملوا ما شئتم اكفروا بما آتيناكم ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون يعني العاقبة والمآل سوف تعلمونه وسوف ترونه يعني بعد هذا التهديد كأنه قال لهم اكفروا كما قال لهم اعملوا ما شئتم على سبيل التهديد والزجر والوعيد وأيهما أولى ليكفروا بما آتيناهم هل هو علة لما تقدم؟ يعني أنهم مُدُّوْا بالنعم على سبيل الاستدراج ليكفروا أو أن اللام لام الأمر فكأنه قال لهم اكفروا بما آتيناكم كما قال لهم اعملوا ما شئتم؟

طالب: تهديد لأنه قال {فسوف تعلمون}.

نعم التعقيب في الآية {فسوف تعلمون} يدل أنه تهديد ومرت هذه الآية في موضعين سابقين هنا في الروم وقبلها في العنكبوت وقبلها في النحل إلا أن هناك فرق يسير {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا} {وليتمتعوا}.

طالب: ما تأتي للإخبار؟ ليكفروا يشركون ليكفروا من باب الإخبار وما بعدها تهديد.

نعم تكون تعليلا، تكون تعليلا على ما تقدم.

"وَفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ" وَلِيَتَمَتَّعُوا"، أَيْ مَكَّنَّاهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِكَيْ يَتَمَتَّعُوا، فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ غَائِبٍ، مِثْلُ:" لِيَكْفُرُوا" وَهُوَ عَلَى خَطِّ الْمُصْحَفِ خِطَابٌ بَعْدَ الْإِخْبَارِ عَنْ غَائِبٍ، أَيْ تَمَتَّعُوا أَيُّهَا الْفَاعِلُونَ لهذا."

تمتعوا هذا أمر أو خبر؟

طالب: أمر.

{فتمتعوا فسوف تعلمون} يحتمل أن يكون أمرا فتمتعوا أيها الكفار فسوف تعلمون العاقبة والمصير والمآل ويحتمل أن يكون خبرا تمتعوا في حياتهم فسوف يعملون.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً} اسْتِفْهَامُ فِيهِ مَعْنَى التَّوْقِيفِ."

طالب: قوله يتمتعون ما يرد مع الثاني.

لكن هنا.

طالب: هل هذه إحدى الفروق يا شيخ؟

هذا هو الفرق الفرق بين الآيات.

طالب: يمكن تحمل على الخبر؟

يمكن تحمل على خبر.

طالب: بينما ذي تحملها أمر.

لا.

"قَالَ الضَّحَّاكُ:" سُلْطاناً" أَيْ كِتَابًا، وَقَالَهُ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. وَأَضَافَ الْكَلَامُ إِلَى الْكِتَابِ تَوَسُّعًا. وَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْعَرَبَ تُؤَنِّثُ السُّلْطَانَ، تَقُولُ: قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطَانُ. فَأَمَّا الْبَصْرِيُّونَ فَالتَّذْكِيرُ عِنْدَهُمْ أَفْصَحَ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ، وَالتَّأْنِيثُ عِنْدَهُمْ جَائِزٌ لِأَنَّهُ بمعنى الحجة، أي حجة تَنْطِقُ بِشِرْكِكُمْ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ أَيْضًا."

يعني إذا جاز التأنيث للسلطان المعنوي الذي هو الحجة يجوز تأنيثه لأنه بمعنى الحجة لكن ماذا عن قولهم قضت به عليك السلطان؟ إذا كان المراد به الحاكم لا الحجة حينئذ يتعين التذكير لأنهم جاز عندهم التأنيث لأنه بمعنى الحجة والحجة مؤنثة فكيف يجوز التأنيث في مثل قوله قضت به عليك السلطان؟ إلا إذا كان المراد بالسلطان هنا الحجة أما السلطان الحاكم فلا يحتمل التأنيث.

"وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ محمد بن يَزِيدَ قَالَ: سُلْطَانٌ جَمْعُ سَلِيطٍ، مِثْلُ رَغِيفٍ وَرُغْفَانٍ، فَتَذْكِيرُهُ عَلَى مَعْنَى الْجَمْعِ وَتَأْنِيثُهُ عَلَى معنى الجماعة وَقَدْ مَضَى فِي آلِ عِمْرَانَ الْكَلَامُ فِي السلطان أيضا مستوفى وَالسُّلْطَانُ: مَا يَدْفَعُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ أَمْرًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ عُقُوبَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ}.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها} يَعْنِي الْخِصْبَ وَالسَّعَةَ وَالْعَافِيَةَ، قَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ وقال النَّقَّاشُ: النِّعْمَةُ وَالْمَطَرُ وَقِيلَ: الْأَمْنُ وَالدَّعَةُ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ" فَرِحُوا بِها" أَيْ بِالرَّحْمَةِ {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أَيْ بَلَاءٌ وَعُقُوبَةٌ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وقال السُّدِّيُّ: قَحْطُ الْمَطَرِ. {بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أَيْ بِمَا عَمِلُوا مِنَ الْمَعَاصِي {إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ} أَيْ يَيْأَسُونَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْفَرَجِ قاله الجمهور."

يعني تفسير الرحمة والسيئة بالخصب والجدب تفسير ببعض الأفراد لأنهم يهمهم هذا واللفظ يحتمل جميع الأنواع من النِّعَم والمصائب والسيئات يفرحون بها ويقنطون بسببها.

"وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الْقُنُوطَ تَرْكُ فَرَائِضِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي السِّرِّ. قَنِطَ يَقْنَطُ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ. وَقَنَطَ يَقْنِطُ، وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ وَيَعْقُوبَ."

يعني من باب فهم يفهم قنط يقنط أو من باب ضَرب قنط يقنِط يعني ضرب يضرب.

"وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ:" قنط يقنط" بِالْكَسْرِ فِيهِمَا، مِثْلُ حَسِبَ يَحْسِبُ. وَالْآيَةُ صِفَةٌ لِلْكَافِرِ، يَقْنَطُ عِنْدَ الشِّدَّةِ، وَيَبْطَرُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، كَمَا قِيلَ:

كَحِمَارِ السَّوْءِ إِنْ أَعْلَفْتَهُ

 

رَمَحَ النَّاسَ وَإِنْ جَاعَ نَهَقَ

وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ يَرْسَخِ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، وَقَدْ مَضَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَشْكُرُ ربه عند النعمة، ويرجوه عند الشدة. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ} أَيْ يُوَسِّعُ الْخَيْرَ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ يَشَاءُ أَوْ يُضَيِّقُ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يَدْعُوَهُمُ الْفَقْرُ إِلَى الْقُنُوطِ. {إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ} فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى لَمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ أَمَرَ مَنْ وَسَّعَ عَلَيْهِ الرِّزْقَ أَنْ يُوَصِّلَ إِلَى الْفَقِيرِ كِفَايَتَهُ لِيَمْتَحِنَ شُكْرَ الْغَنِيِّ. وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْمُرَادُ هُوَ وَأُمَّتُهُ، لِأَنَّهُ قَال: {ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ}. وَأَمَرَ بِإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى لِقُرْبِ رَحِمِهِ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَلَى الْقَرِيبِ، وَفِيهَا صِلَةُ الرَّحِمِ. وَقَدْ فَضَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الصَّدَقَةَ عَلَى الْأَقَارِبِ عَلَى عِتْقِ الرِّقَابِ، فَقَالَ لِمَيْمُونَةَ وَقَدْ أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ»."

لأنها على القريب صدقة وصلة وعلى البعيد صدقة فقط.

"الثَّانِيَةُ وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقِيلَ: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ. وَقِيلَ: لَا نَسْخَ، بَلْ لِلْقَرِيبِ حَقٌّ لَازِمٌ فِي الْبِرِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: صِلَةُ الرَّحِمِ فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ أَحَدٍ وَرَحِمُهُ مُحْتَاجَةٌ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْقُرْبَى أَقْرِبَاءُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَإِنَّ حَقَّهُمْ مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى} [الأنفال: 41]. وَقِيلَ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالْإِيتَاءِ لِذِي الْقُرْبَى عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ قَالَ الْحَسَنُ:" حَقَّهُ" الْمُوَاسَاةُ فِي اليسر، وقول ميسور في العسر. {وَالْمِسْكِينَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ أَطْعِمِ السَّائِلَ الطَّوَّافَ، وَابْنَ السَّبِيلِ: الضَّيْفَ، فَجَعَلَ الضِّيَافَةَ فَرْضًا، وَقَدْ مَضَى جَمِيعُ هَذَا مَبْسُوطًا مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعِهِ والحمد لله."

جاء في الحديث الصحيح «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».

"الثَّالِثَةُ {ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ} أَيْ إِعْطَاءُ الْحَقِّ أَفْضَلُ مِنَ الْإِمْسَاكِ إِذَا أُرِيدَ بِذَلِكَ وَجْهُ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبُ إِلَيْهِ. {وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أَيِ الْفَائِزُونَ بِمَطْلُوبِهِمْ مِنَ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي" الْبَقَرَةِ" الْقَوْلُ فيه. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ} فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى-لَمَّا ذكر ما يراد به وجهه ويثيب عَلَيْهِ ذَكَرَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَةِ وَمَا يُرَادُ بِهِ أَيْضًا وَجْهُهُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ:" آتَيْتُمْ" بِالْمَدِّ بِمَعْنَى أَعْطَيْتُمْ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَمُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ بِغَيْرِ مَدٍّ، بِمَعْنَى مَا فَعَلْتُمْ مِنْ ربا ليربوا، كَمَا تَقُولُ: أَتَيْتُ صَوَابًا وَأَتَيْتُ خَطَأً. وَأَجْمَعُوا عَلَى الْمَدِّ فِي قَوْلِهِ: {وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ} وَالرِّبَا الزِّيَادَةُ وَقَدْ مَضَى فِي" الْبَقَرَةِ" مَعْنَاهُ، وَهُوَ هُنَاكَ مُحَرَّمٌ وَهَاهُنَا حَلَالٌ. وَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ قِسْمَانِ: مِنْهُ حَلَالٌ وَمِنْهُ حَرَامٌ."

الربا المحرم معروف وهو مبادلة الربويات مع الزيادة أو مع النسأ الربا الحلال الذي يشير إليه في هذا الموضع الهدية التي يرجوا صاحبها ثوابا أكثر منها هدية يرجوا المُهْدِي ثوابا أكثر من قيمة هذه الهدية.

"وَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ قِسْمَانِ: مِنْهُ حَلَالٌ وَمِنْهُ حَرَامٌ قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ} قَالَ: الرِّبَا رِبَوَانِ، رِبَا حَلَالٌ وَرِبَا حَرَامٌ، فَأَمَّا الرِّبَا الْحَلَالُ فَهُوَ الَّذِي يُهْدَى، يُلْتَمَسُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَعَنِ الضَّحَّاكِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الرِّبَا الْحَلَالُ الَّذِي يُهْدي لِيُثَابَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ إِثْمٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:" وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا" يُرِيدُ هَدِيَّةَ الرَّجُلِ الشَّيْءَ يَرْجُو أَنْ يُثَابَ أَفْضَلَ مِنْهُ، فَذَلِكَ الَّذِي لَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَلَا يُؤْجَرُ صَاحِبُهُ وَلَكِنْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْمَعْنَى نَزَلَتِ الْآيَةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ: هَذِهِ آيَةٌ نَزَلَتْ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِمَّا يَصْنَعُهُ الْإِنْسَانُ لِيُجَازَى عَلَيْهِ كَالسَّلَامِ وَغَيْرِهِ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَا إِثْمَ فِيهِ فَلَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا زِيَادَةَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى."

لأنه لم يَنْوِ به التقرب لله -جل وعلا-.

"وَقَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بكر بن العربي. وفي كتاب النسائي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَعَهُمْ هَدِيَّةٌ فَقَالَ: «أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ» فَإِنْ كَانَتْ هَدِيَّةً فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَضَاءَ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَدَقَةً فَإِنَّمَا يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالُوا: لَا بَلْ هَدِيَّةٌ، فَقَبِلَهَا مِنْهُمْ وَقَعَدَ مَعَهُمْ يُسَائِلُهُمْ وَيَسْائلونَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ يُعْطُونَ قَرَابَاتِهِمْ وَإِخْوَانَهُمْ عَلَى مَعْنَى نَفْعِهِمْ وَتَمْوِيلِهِمْ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، لِيَزِيدُوا فِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى وَجْهِ النَّفْعِ لَهُمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ مَا خَدَمَ الْإِنْسَانُ بِهِ أَحَدًا وَخَفَّ لَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فِي دُنْيَاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ النَّفْعَ الَّذِي يَجْزِي بِهِ الْخِدْمَةَ لَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَقِيلَ: كَانَ هَذَا حَرَامًا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْخُصُوصِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] فَنَهَى أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا.."

نُهِيَ.

"فنُهِيَ أن يُعْطِيَ شيئا فَيَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ عِوَضًا وَقِيلَ: إِنَّهُ الرِّبَا الْمُحَرَّمُ، فَمَعْنَى: لا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُحْكَمُ بِهِ لِآخِذِهِ بَلْ هُوَ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ."

لأن الآخذ ليس له إلا رأس المال.

"قَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رِبَا ثَقِيفٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِّبَا وَتَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ."

طالب: ما ذكره البعض أن الربا نزل متدرجا وان هذه الآية أول آية نزلت كما قيل في الخمر تتخذون منه سكرا ورزقا.

الربا لا يحتاج إلى تدريج الربا ليس مثل الخمر تشربه النفوس وتدمن عليه ولا تستطيع الخلاص منه الربا ممكن في لحظة ينتهي منه.

طالب: البعض قال هذا الربا ليربو في أموال الناس ولا يربو عند الله.

قياسا على ما جاء في الخمر.

طالب: ثم قال بعدها بعد مضاعفة ثم ذروا ما بقي من الرب.

لكن هذا كلام المتقدمين أو من المعاصرين؟

طالب: ذكر في أحكام الربا.

نعم ذُكِر لكن استنبطه بعض المتأخرين قياسا على ما جاء في الخمر مجرد تنظير مجرد تنظير وإلا فالربا ليس فيه المعنى الذي في الخمر بحيث يحتاج إلى تدريج.

"الثَّانِيَةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: صَرِيحُ الْآيَةِ فِيمَنْ يَهَبُ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الْمُكَافَأَةِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ وَهْبَ هِبَةً يَطْلُبُ ثَوَابَهَا وَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ الثَّوَابَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ مِمَّنْ يَطْلُبُ الثَّوَابَ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، مِثْلُ هِبَةِ الْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ، وَهِبَةِ الْخَادِمِ لِصَاحِبِهِ، وَهِبَةِ الرَّجُلِ لِأَمِيرِهِ وَمَنْ فَوْقَهُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ لَهُ ثَوَابٌ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْآخَرُ. قَالَ: وَالْهِبَةُ لِلثَّوَابِ بَاطِلَةٌ لَا تَنْفَعُهُ، لِأَنَّهَا بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ. وَاحْتَجَّ الْكُوفِيُّ بِأَنَّ مَوْضُوعَ الْهِبَةِ التَّبَرُّعُ"

يعني ليست من العقود التي يدخلها الربا أو لا تُغتَفر فيها الجهالة ليست من العقود وإنما هي من باب الإنفاق من باب التبرع.

"فَلَوْ أَوْجَبْنَا فِيهَا الْعِوَضَ لَبَطَلَ مَعْنَى التَّبَرُّعِ وَصَارَتْ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَاتِ، وَالْعَرَبُ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ لَفْظِ الْبَيْعِ وَلَفْظِ الهبة فجعلت لَفْظَ الْبَيْعِ عَلَى مَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ الْعِوَضُ، وَالْهِبَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ."

يعني لو أن شخصا أهدى أو طالب علم أهدى لزميله كتاب وفي نيته أن يعطيه بدلا منه إما القيمة أو أكثر أو كتابا أنفس منه ثم بعد ذلك ما أعطاه شيء هذه هبة الثواب، له أن يرجع أو لا يرجع؟

طالب: له أن يرجع.

ماذا عن حديث العائد في هبته كالكلب؟ الثاني ما يدري وهذه مقاصد ونوايا لا شك أن لها شيء من الأثر لكن في مثل هذا الباب أهداه هدية ثم رجع إليه بعد أسبوع قال والله أنت ما أعطيتني بدلها شيئا أريدها هذا هو الرجوع في الهبة لكن إذا دلت القرائن القريبة من البينات أنه إنما أهدى ليعطى أكثر منها يعني من زميل لزميله هذه هدية ما يرجو ثوابها في الغالب من الغني للفقير لا يجوز له أن يأخذ عليها بحال من الفقير للغني أو من الرعية للأمير أو ما أشبه ذلك لا شك أنهم في الغالب يرجون ثوابها فالقرائن في هذا محكَّمة.

طالب: هل يرجع؟

كيف يرجع؟! يعني أهدى زميله كتابا يرجع؟ لا، هذا العائد في هبته.

طالب: القرائن.

إذا دلت القرائن نعم.

"وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ فَهُوَ عَلَى هبته حتى يرضى مِنْهَا وَنَحْوُهُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: الْمَوَاهِبُ ثَلَاثَةٌ: مَوْهِبَة يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَمَوْهِبَة يُرَادُ بِهَا وُجُوهُ النَّاسِ، وَمَوْهِبَة يُرَادُ بِهَا الثَّوَابُ، فَمَوْهِبَةُ الثَّوَابِ يَرْجِعُ فِيهَا صَاحِبُهَا إِذَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا. وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَابُ الْمُكَافَأَةِ فِي الْهِبَةِ وَسَاقَ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا، وَأَثَابَ عَلَى لقحَةٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى صَاحِبِهَا حِينَ طَلَبَ الثَّوَابَ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ سَخَطَهُ لِلثَّوَابِ وَكَانَ زَائِدًا عَلَى الْقِيمَةِ. خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ الثَّالِثَةُ ما ذَكَرَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفَصَّلَهُ مِنَ الْهِبَةِ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاهِبَ لَا يَخْلُو فِي هِبَتِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُرِيدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَبْتَغِي عَلَيْهَا الثَّوَابَ مِنْهُ وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِهَا وُجُوهَ النَّاسِ رِيَاءً لِيَحْمَدُوهُ عَلَيْهَا وَيُثْنُوا عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهَا وَالثَّالِثُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الثَّوَابَ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ. وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» فَأَمَّا إِذَا أَرَادَ بِهِبَتِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَابْتَغَى عَلَيْهِ الثَّوَابَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} وَكَذَلِكَ مَنْ يَصِلُ قَرَابَتَهُ لِيَكُونَ غَنِيًّا حَتَّى لَا يَكُونَ كَلًّا فَالنِّيَّةُ فِي ذَلِكَ مَتْبُوعَةٌ، فَإِنْ كَانَ لِيَتَظَاهَرَ بِذَلِكَ دينا.."

دنيا.

"فإن كان ليتظاهر بذلك دُنْيَا فَلَيْسَ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ لِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّ الْقَرَابَةِ وَبَيْنَهُمَا مِنْ وَشِيجَةِ الرَّحِمِ فَإِنَّهُ لِوَجْهِ اللَّهِ. وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ بِهِبَتِهِ وُجُوهَ النَّاسِ رِيَاءً لِيَحْمَدُوهُ عَلَيْهَا وَيُثْنُوا عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهَا فَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي هِبَتِهِ، لَا ثَوَابَ فِي الدُّنْيَا وَلَا أَجْرَ فِي الْآخِرَةِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ} [البقرة: 264] الْآيَةَ. وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ بِهِبَتِهِ الثَّوَابَ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَهُ مَا أَرَادَ بِهِبَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا مَا لَمْ يُثَبْ بِقِيمَتِهَا، عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَوْ مَا لَمْ يَرْضَ مِنْهَا بِأَزْيَدَ مِنْ قِيمَتِهَا، عَلَى ظَاهِرِ قول عمر وَعَلِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي الْوَاضِحَةِ: أَنَّ الْهِبَةَ مَا كَانَتْ قَائِمَةَ الْعَيْنِ، وَإِنْ زَادَتْ أَوْ نَقَصَتْ فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيهَا وَإِنْ أَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْهَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا إِذَا كَانَتْ قَائِمَةُ الْعَيْنِ لَمْ تَتَغَيَّرْ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَا شَاءَ. وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ كَنِكَاحِ التَّفْوِيضِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعْدَ فَوْتِ الْهِبَةِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْقِيمَةُ اتِّفَاقًا، قَالَهُ ابْنُ العربي."

يعني إن كانت مثلية فله مثلها وإن كانت متقومة فله قيمته.

"الرابعة قوله تعالى: {لِيَرْبُوَا} قرأ جمهور القراء السبعة: {لِيَرْبُوَا} بِالْيَاءِ وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى الرِّبَا. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحْدَهُ: بِضَمِّ التَّاءِ [وَالْوَاوِ] سَاكِنَةً عَلَى الْمُخَاطَبَةِ، بِمَعْنَى تَكُونُوا ذَوِي."

لِتُرْبُوْا.

"زِيَادَاتٍ وَهَذِهِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَن وَقَتَادَةَ وَالشَّعْبِيِّ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هِيَ قِرَاءَتُنَا. وَقَرَأَ أَبُو مَالِكٍ: {لتربوها} بِضَمِيرٍ مؤنث {فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ} أي لا يزكو وَلَا يُثِيبُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ وَكَانَ خَالِصًا لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي {النِّسَاءِ}  {وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مِنْ صَدَقَةٍ {تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} أَيْ ذَلِكَ الَّذِي يَقْبَلُهُ وَيُضَاعِفُهُ لَهُ عَشْرَةَ أَضْعَافِهِ أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا قَالَ {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً} [البقرة: 245]. وقال {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ} [البقرة: 265]. وَقَالَ {فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} وَلَمْ يَقُلْ فَأَنْتُمُ الْمُضْعِفُونَ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْمُخَاطَبَةِ إِلَى الْغَيْبَةِ، مِثْلُ قَوْلِهِ {حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ"} [يونس: 22]."

يعني على طريقة الالتفات، يسمون مثل هذا الالتفات.

"وَفِي مَعْنَى الْمُضْعِفِينَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تُضَاعَفُ لَهُمُ الْحَسَنَاتُ كَمَا ذَكَرْنَا وَالْآخَرُ: أَنَّهُمْ قَدْ أُضْعِفَ لَهُمُ الْخَيْرُ وَالنَّعِيمُ، أَيْ هُمْ أَصْحَابُ أَضْعَافٍ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ مُقْوٍ إِذَا كَانَتْ إبله قوية، أو له أَصْحَابٌ أَقْوِيَاءُ وَمُسْمِنٌ إِذَا كَانَتْ إِبِلُهُ سِمَانًا. وَمُعْطِشٌ إِذَا كَانَتْ إِبِلُهُ عِطَاشًا. وَمُضْعِفٌ إِذَا كَانَت إِبِلُهُ ضَعِيفَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوَذُ بِكَ مِنَ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» فَالْمُخْبِثُ: الَّذِي أصابه خبث، يقال: فلان رديء أي هو رديء في نفسه. ومردئ: أصحابه أردئاء."

يعني جمع رديء ماذا قال عن حديث المُخْبِث؟

طالب: أحسن الله إليك، قال ضعيف أخرجه ابن ماجة من حديث أبي أمامة وهو مسلسل بالضعفاء عن عبيد الله بن سحر عن علي بن زيد عن القاسم بن عبد الرحمن وقد ضعفه البوصيري في زوائد ابن ماجه...

اللفظ المخبث هذا منكَر.

طالب: ......

الخبث والخبائث المعروف.

طالب: بعض القبائل وبعض المدن يطلقون كلمة خبيث على الرجل الماكر الذكي الذي يصعب أن يُخدع يقال فلان خبيث مخبث كذا.

وش المانع؟

طالب: ما تدخل في ألفاظ القذف؟

لا لا ما فيه.

طالب: الخبيثات للخبيثين.

هذه ليست بصريحة كناية إن اقترنت بِنِيَّة وإلا فلا.

الجمعة لا يوجد درس يا إخوان.

طالب: الذي يذهب الآن إلى معرض الكتاب معرض الكتاب يوجد فيه كتب كفر وردة وزندقة.

نعم موجود.

طالب: هل يجوز يا شيخ له أن يذهب دون أن ينكر؟ يدخل فيه {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله}.

طالب: يوجد اختلاط.

فيه مصائب –نسأل الله العافية- هذه بدايات شر –الله المستعان-.

طالب: من أراد الكتب يا شيخ هل له أن يذهب؟

ينكر بأحد المراتب الثلاثة فإن يستطيع باليد تعين وكان يستطيع باللسان تعين وإلا فالقلب يكفي ويترتب على ذلك مفسدة لكن مع ذلك يدوِّن ملاحظاته ويزوِّد المشايخ والمسؤولين بها هذا نوع من الإنكار هذا إذا كانت الحاجة قائمة إلى الكتب وأنها لا توجد إلا في هذا المعرض وإذا انسدت الحاجة بدونها فلا يذهب إليه.