التعليق على الموافقات (1428) - 04

التبويبات الأساسية

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1428) - 04
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الاثنين, 9 صفر, 1439 - 20:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد:

قال المؤلف –رحمه الله-: "المسألة السابعة: فإنه لا ينازع في أن الشارع قاصدٌ للتكليف بما يلزم فيه كلفة ومشقة ما، ولكن لا تُسمى في العادة المستمرة مشقة، كما لا يسمى في العادة مشقة طلب المعاش بالتَّحرف وسائر الصنائع؛ لأنه ممكنٌ معتادٌ لا يقطع ما فيه من الكُلفة عن العمل في الغالب المعتاد، بل أهل العقول وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه كسلان، ويذمونه بذلك، فكذلك المعتاد في التكاليف".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد...

فديننا دين الإسلام دين اليسر كما جاء في الحديث الصحيح «إن الدِّين يسرٌ ولا يُشاد الدِّين أحد إلا غلبه» لكن لا يمنع أن يكون دين تكاليف، والمشقة كما هو القاعدة المقررة عند أهل العلم تجلب التيسير، لكن من الأمور التي منها لو استُعمل مرةً لكان شاقًا؛ لأنها على خلاف ما تهواه النفس، أما إذا كان العمل مما اعتيد إليه، ورُجي نفعه في الدنيا والآخرة، فإن النفس ترتاح إليه ولا تعيش بدونه.

فالأعمال الصالحة التي كُلِّف بها الإنسان وحُفت الجنة بها صارت سببًا لنيل الدرجات في الجنة لا شك أنها أعمال تكاليف، وفيها شيءٌ من المشقة على النفس، فكيف تُطلب هذه التكاليف مع أن فيها من المشقة ما فيها، ولو لم يكن في ذلك إلا الغُسل في الليالي الشاتية، والخروج إلى صلاة الفجر هذا خلاف ما تهواه النفس، صيام الهواجر صيام أيام الحر الشديد لا يُنازع أحدٌ في كونها شاقة على النفس، لكن هي مقابل ما رُتِّب عليها من الأجور مما تتطلبه النفوس، وتُسارع إليه وتُنافس فيه.

كما أن الصناع وأصحاب المهن والتجارات والزراع يُعانون من المشقة ما يعانون، لكن في مقابل المردود الدنيوي يتلذذون بهذا؛ ولذا كان السلف ذُكر عنهم أنهم يُجاهدون في أول الأمر، ثم يتلذذون، فهذه لا تُسمى مشقة؛ لأن النفس تتلذذ بها، والراحة الحقيقة هي راحة القلب لا راحة البدن، البدن تابع للقلب، فإذا ارتاح القلب ارتاح البدن، وإذا شقي القلب شقي البدن.

وكم من شخصٍ كبير في السن طاعن، ومع ذلك يُصلي نصف الليل، ويعتبر هذا أُنسه وراحته، وينشط له أشد مما ينشط للماء البارد مع العطش، وكما ينشط لأفضل المأكولات، وأجمل النساء، وألين المراقد، وأفره المراكب يتلذذ به، ويكون أُنسه بهذا، وهو على غيره من أشد الأمور، وتجد الشاب الفتي في العشرين والخمس والعشرين إذا قرأ الإمام قراءةً زائدة عن العادة ولو آية أو آيتين تجده يضيق بالمسجد ذرعًا؛ لأن الراحة والشقاء إنما هو في القلب، والبدن تابعٌ له.

هذه المشقة التي تتبع تكون تبعًا لا أصالةً ولا مقصدًا للشرع في بعض العبادات يؤجر عليها «أجركِ على قدر نصبكِ» الشرع لا يقصد المشقة لذاتها؛ ولذلك لا يُكلف بعملٍ شاق ليست وراءه غاية، إنما هذا الشاق يأتي لتحقيق هذه الغاية، والغاية هي القصد الشرعي.

لكن لمَّا كانت هذه الغاية لا تتحقق إلا بهذه الوسيلة ولو كانت شاقة {لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل:7] الغاية الحج، لكن كون الوسيلة هي للحج، وأداء الحج فيه شيء من المشقة هذا لا يُخرِج أصل الدِّين من التيسير والتسهيل، والدين يُسر يُخرجه عن هذا الوصف العام الشامل إلى كونه دين مشقة، لا.

التاجر من طلوع الشمس إلى أن تغرب وهو يُزاول أعماله التجارية، وينصب فيها ويتعب تعبًا شديدًا، ومع ذلك هو مرتاح؛ نظرًا للمردود المادي عليه، وكذلك العامل للآخرة قد يتعب، يصوم الأيام المتوالية في الأيام الطويلة الصائفة، ويقوم الليالي الشاتية الليالي الطوال، ومع ذلك هو في لذة وسرور؛ نظرًا إلى المردود من أجل الآخرة {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل:4] منهم من يُريد الدنيا، ومنهم من يُريد الآخرة.

وعلى كل حال إذا عرف الإنسان الهدف الذي من أجله خُلق هان في سبيله كل شيء.

"وإلى هذا المعنى يرجع الفرق بين المشقة التي لا تُعد مشقةً عادةً، والتي تُعد مشقة، وهو أنه إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه، أو عن بعضه، وإلى وقوع خللٍ في صاحبه، في نفسه أو ماله، أو حالٍ من أحواله، فالمشقة هنا خارجةٌ عن المعتاد".

نعم إذا أدى العمل الكثير الذي يُلزم الإنسان به نفسه من النوافل، وإلا الفرائض ليست محل نقاش اللهم إلا إذا زِيد على القدر المجزئ، يعني إذا زِيد على القدر المجزئ، قد يزيد الإنسان شيئًا يشق عليه، فيؤدي إلى تركه في النهاية، وكذلك إذا اعتاد الإنسان من العبادات النوافل قدرًا زائدًا على الواجبات إذا كان بحيث يتوقع في يومٍ من الأيام أنه يترك هذا العمل صاحبته المشقة صار شاقًّا عليه، ولولا هذه المشقة لما أدى إلى تركه، يعني شخص اعتاد، ألزم نفسه بأن يقرأ القرآن في ثلاث، وله مندوحة في أن يقرأ القرآن في سبع، هذا إذا أداه في يوم من الأيام أنه يترك ما ألزم نفسه به، نقول: هذا عمل شاق، هذا شاق بالنسبة لهذا الشخص، بينما هو بالنسبة لغيره يكون مريحًا؛ لأنه يطلب المزيد، يُنازع نفسه في أن يختم في يومين مثلاً، وقد يختم في يوم في بعض الأيام لاسيما الأيام الفاضلة، والأزمان والأماكن الفاضلة، فالمشقة والسهولة أمور نسبية.

تجد الاثنين يُصليان بجوار بعض، ويقرأ الإمام ويُطيل في القراءة تجد بينهما بونًا شاسعًا، أحدهما يقول: ما أبخله، إذا ركع، والثاني يقول: قطع ظهورنا، نعم يقول: ما أبخله، لماذا؟ لماذا يركع؟ لماذا ما كمل السورة؟ لماذا ما...كثير من الناس يقول هذا، وبعض الناس يقول: قطع ظهورنا، قطع أعناقنا؛ لطول القيام.

فلا شك أن هذه أمور نسبية، تكون شاقة على البعض، والكلام كله في القدر الزائد على الواجبات، أما الواجبات فليس فيها مساومة.

"وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب، فلا يُعد في العادة مشقة، وإنما سُميت كُلفة، فأحوال الإنسان كلها كُلفةٌ في هذه الدار، في أكله وشربه وسائر تصرفاته".

لأن الإنسان مخلوق في كبَّد، وهذه الدنيا معروف أنها ليست بدار قرار، وهي سجن المؤمن وجنة الكافر، فالإنسان مادام في كبد فلا بد أن يُكابد في هذه الدنيا هذه الأمور الشاقة على نفسه، ولن يرتاح إلى أن تدخل قدمه اليمنى في دار القرار هناك الراحة، أما في الدنيا فهي دار كَبَّد؛ ولذا يقول الشاعر:

ومُكلّفُ الأيّام ضــد طباعـها

 

مُتطلبٌ في الماء جذوة نار

 نعم؛ لأن هذه الدنيا ليست بدار قرار.

"ولكن جُعل له قدرةٌ عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره، لا أن يكون هو تحت قهر التصرفات، فكذلك التكاليف، فعلى هذا ينبغي أن يُفهم التكليف وما تضمن من المشقة، وإذا تقرر هذا، فما تضمن التكليف الثابت على العباد من المشقة المعتادة أيضًا ليس بمقصود الطلب للشارع من جهة نفس المشقة، بل من جهة ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلَّف، والدليل على ذلك ما تقدم في المسالة قبل هذا".

أيهما أفضل أن يحج الإنسان على وسيلةٍ مريحة سريعة كطائرة أو يحج على قدميه أو يحج على بعير أو يحج على سيارة؟

طالب:..........

لا، العلماء يختلفون في حج الماشي والراكب أيهما أفضل؟ فمن قائلٍ يقول: إن حج الراكب أفضل؛ لأن النبي –عليه الصلاة والسلام- حج راكبًا، ومنهم من يقول: حج الماشي أفضل؛ لأنه أكثر تعبًا وأكثر مشقة، وقُدِّم في الآية {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } [الحج:27] فقدِّم؛ لأنه أفضل.

وعلى كل حال لا هذا ولا هذا، الوسيلة هنا المقصود أنه يأتي بالغاية، والله –جلَّ وعلا- عن تعذيب الإنسان نفسه غني، ليس بحاجة إلى أن يحج الإنسان ماشيًّا أو حافيًّا إنما عليه أن يؤدي هذه الفريضة، كما أنه ليس عليه أيضًا أن يستدين أو يتكلف الأعمال الشاقة من أجل أن يُحصِّل ما يحج به؛ لأنه حينئذٍ غير مستطيع، وليس عليه أن يتكلَّف لجمع النِّصاب؛ ليزكي، كل هذا ليس إليه، المقصود أن عليه أن يُحقق الغاية المستطاعة التي من أجلها خُلِّق، وهي في مقدور الناس.

قد يقول قائل: أيهما أفضل المشي أو الركوب للصلاة؟ المشي الأفضل، وله بكل خطوةٍ يخطوها حسنة، ويُحط بها عنه سيئة، وجاء في الجمعة ما جاء من الأجور العظيمة، ولما أراد أن يرجع في الرجوع أراد أن يركب قيل له: لا؛ لأن رجوعه له من الأجر كأجره في ذهابه، فهذه المشقة التي رُتِّب عليها أجر على نفس الخطوات، رُتِّب عليها أجر فهي غاية من هذه الحيثية، هي غايةٌ من هذه الحيثية، فلا يُقال: إن الركوب أفضل، كما أن الركوب إلى الحج أفضل؛ لأن هذا في الغالب في مقدور جميع الناس، لكن الذي ليس في قدرته أن يمشي يركب كالمقعد.

طالب:..........

على كل حال كل شيء بحسب ما يترتب عليه، هذا قدر زائد على أصل المسألة.

"فإن قيل: ما تقدم لا يدل على عدم القصد إلى المشقة في التكليف؛ لأوجه:

أحدها: أن نفس تسميته تكليفًا يُشعر بذلك، إذ حقيقته في اللغة طلب ما فيه كُلفة، وهي المشقة، فقول الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] معناه: لا يطلبه بما يشق عليه مشقةً لا يقدر عليها، وإنما يطلبه بما تتسع له قدرته عادةً، فقد ثبت التكليف بما هو مشقة، فقصد الأمر والنهي يستلزم بلا بُدٍ طلب المشقة، والطلب إنما تعلق بالفعل من حيث هو مشقة، لتسمية الشرع له تكليفًا، فهي إذن مقصودةٌ له".

المعلق ينقل عن شيخ الإسلام، وابن القيم أنهما استقرئا النصوص، ولم يجدا فيها ما يُسمى بالتكليف، يعني الأوامر والنواهي لا تُسمى تكليفًا، يعني ما في النصوص ما يدل على هذا، ولكن قوله: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] المنفي هنا ما زاد على الوسع، فدل على أن ما في الوسع مُثبت، يعني مفهوم الآية أن الله -جلَّ وعلا- يُكلِّف الله نفسًا وسعها، مادام لا يُكلفها إلا وسعها إذًا هو يُكلفها وسعها، فالأوامر والنواهي تكاليف من هذه الآية وغيرها.

"وعلى هذا النحو يتنزل قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الْحَجِّ:78] وَأَشْبَاهُهُ.

والثاني: أن الشارع عالمٌ بما كلَّف به وبما يلزم عنه، ومعلومٌ أن مجرد التكليف يستلزم المشقة، فالشارع عالمٌ بلزوم المشقة من غير انفكاك، فإذًا يلزم أن يكون الشارع طالبًا للمشقة، بناءً على أن القاصد إلى السبب عالمًا بما يتسبب عنه قاصدٌ للمسبب، وقد مر تقرير هذه المسألة في كتاب الأحكام، فاقتضى أن الشارع قاصدٌ للمشقة هنا".

يعني من أعظم ما تظهر فيه المشقة من التكاليف الجهاد، هل يستطيع أن يقول إنسان: إن الجهاد ليس فيه مشقة، يُمكن؟ لا، لكنه في مقابل ما رُتب عليه من الأجور نُزِّل وجود هذه المشقة منزلة العدم؛ لأن بعضهم يقول: لماذا أتعب؟ ولماذا أنصب؟ ولماذا أصوم؟ ولماذا أصلي؟ أبذل أشياء حاضرة في مقابل أجور غائبة، أبيع ناجزًا بنسيئة.

نقول: أهل الدنيا وهم يرون الدراهم والدنانير بأيديهم يُفرطون فيها؛ لِما يعود عليهم بسبب هذا التفريط من أجر، يعني إذا تصورنا أن صاحب الدراهم والدنانير إذا أقرضها أو سلَّفها أو ديَّن أحدًا –دعونا من القرض- إذا باعها نسيئة على أحد اشترى بها سلعة وباعها نسيئة على أحد لماذا فرَّط فيها؟ لِما يعود عليه من الزيادة، والزيادة بنسية أيش؟ نفترض أنها عشرة بالمائة كما هو المتوسط الآن، عشرة بالمائة، فالنسيئة بما يُبذل بالبدن عشرة أضعاف على الأقل على أقل تقدير، فلماذا يجود الإنسال بهذا البدن من غير كَلفة ولا مشقة؟ ومع ذلك الحسنة بعشر أمثالها، والجهاد لا يعلم قدر أجره إلا الله –جلَّ وعلا-؛ لما فيه من الكَلفة والمشقة.

فهذه المشقة، وهذه الكَلفة الثابتة التابعة لهذه الأعمال كأنها معدومة بالنسبة للأجور العظيمة التي تترتب عليها.

ولو أن الإنسان أخذ يحسب المصالح والمفاسد المترتبة على كل عمل، وقال: الحاضر أولى من الغائب ما فعل شيئًا، لماذا يذهب يدرس ستة عشر سنة يدرس، الابتدائي، والمتوسط، والثانوي، والجامعة، وقد يزيد على ذلك إلى عشرين أو أكثر من أجل أيش؟ هذه إذا تمحضت المسألة للدنيا؛ من أجل حطام الدنيا الذي يأتيه بسببها، وهذا يسير بالنسبة لتعب ربع قرن، كلا شيء، لكن كيف بالأجور المرتبة على طلب النافع، طلب العلم الشرعي، بحيث يُرفع درجات من درجات الآخرة التي بين الواحدة والثانية كم؟ مائة عام بين الدرجة والدرجة، فهذه المشقات وهذه المصاعب والمتاعب التي يواجهها طالب العلم أو المتنفل بالصيام أو بالصلاة أو بالحج أو بالجهاد لا شك أن هذه المشقات مُتجاوزة ولا شيء أو كلا شيء بالنسبة للمردود من أجل الآخرة، والله –جلَّ وعلا- يُضاعف لمن يشاء، الحسنة بعشر أمثالها هذا أقل تقدير، ثم بعد ذلك يُضاعف إلى سبعمائة ضعف.

وجاء في المُسند حديث فيه مقال «إن الله ليُضاعف لبعض عباده إلى ألفي ألف حسنة» مليونين حسنة، فإذا تصورنا هذا أن الختمة الواحدة ثلاثة ملايين اضربها في مليونين كم؟ الآلات ما تحسب هذه الأرقام، ما يمكن أن تُحصي هذه الأرقام –والله المستعان- فضل الله واسع.

والثالث: أن المشقة في الجملة مثابٌ عليها إذا لحقت في أثناء التكليف، مع قطع النظر عن ثواب التكليف، كقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:120] إلى آخر الآية.

وقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69]".

جاهدوا في الله حق جهاده باللسان، بالسنان، بالقلم، بالمال، يترتب عليه هذا الوعد {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69].

ولابن المبارك قول: إذا أعياك شيءٌ من أمر العلم، فاسأل عنه أهله الثغور؛ لأن الله –جلَّ وعلا- يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69].

لا شك أن من يُوفَّق لهذا العمل الجليل العظيم لا شك أنه يكون على بصيرة في الغالب.

"وما جاء في: «كَثْرَةِ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ» «وَأَنَّ أعظمهم أجرا أبعدهم دارًا»".

لما أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من منازلهم إلى جوار المسجد، قال لهم النبي –عليه الصلاة والسلام-: «بني سلمة دياركم» يعني الزموا دياركم «تُكتب آثاركم» هذه الآثار التابعة لهذه العبادة لا شك أنها مُحصاة من قِبل الشارع، وكل خطوةٍ فيها ما فيها.

"وما جاء في «إسباغ الوضوء على المكاره» وقد نبَّه على ذلك أيضًا قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216] الآية؛ وذلك لِما في القتال من أعظم المشقات، حتى قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة} [التوبة:111] وأشباه ذلك".

وتقديم النفس على المال لم يرد إلا في هذه الآية، وما عداها من النصوص تقديم المال على النفس، فالمال لا شك أنه يُفيد في هذا الباب في الغالب أنه أكثر من النفس فائدة.

"فإذا كانت المشقات -من حيث هي مشقات- مُثابًا عليها زيادةً على معتاد التكليف، دل على أنها مقصودةٌ له، وإلا، فلو لم يقصدها، لم يقع عليها ثواب كسائر الأمور التي لم يُكلَّف بها".

لو أن واحدًا في بيته بعد صلاة العشاء وبعد راحته مع أهله وتناوله طعام العشاء قال: مادام الأجر يُكتب للخُطى إلى المساجد أذهب حتى أصل باب المسجد وأرجع تُكتب لي الخطوات ذهابًا وإيابًا، يُكتب أم ما يُكتب؟ ما يُكتب له شيء؛ لأن هذه الخطوات إنما كُتِبت؛ لأنها تابعة لغاية التي الصلاة، فلمَّا تجردت عنها تجردت عنها الجهة.

"كسائر الأمور التي لم يُكلَّف بها، فأوقعها المكلَّف باختياره حسبما هو مذكورٌ في المباح في كتاب الأحكام، فدل هذا كله على قصد الشارع لطلب المشقة بالتكليف، وهو المطلوب.

فالجواب عن الأول: أن التكليف إذا وُجِه على المكلف يمكن القصد فيه على وجهين:

أحدهما: أن يُقصد إليه من جهة ما هو مشقة.

والثاني: أن يُقصد إليه من جهة ما هو مصلحةٌ وخيرٌ للمكلف عاجلاً وآجلاً.

فأما الثاني: فلا شك في أنه مقصود الشارع بالعمل، والشريعة كلها ناطقةٌ بذلك كما تقدم أول هذا الكتاب.

وأما الأول، فلا نُسلم أنه قصد ذلك، والقصدان لا يلزم اجتماعهما، فإن الطبيب يقصد بسقي الدواء المُر البشع، والإيلام بفصد العروق وقطع الأعضاء المتآكلة، نفع المريض لا إيلامه، وإن كان على علمٍ من حصول الإيلام، فكذلك يُتصور في قصد الشارع إلى مصالح الخلق بالتكليف، في العاجلة والآجلة، والإجماع على أن الشارع يقصد بالتكليف المصالح على الجملة، فالنزاع في قصده للمشقة، وإنما سُمي تكليفًا باعتبار ما يلزمه، على عادة العرب في تسمية الشيء بما يلزمه، وإن كان في الاستعمال غير مقصود حسبما هو معلومٌ في علم الاشتقاق من غير أن يكون ذلك مجازًا، بل على حقيقة الوضع اللغوي.

والجواب عن الثاني أن العلم بوقوع المسبب عن السبب".

ما معنى هذا الكلام "وإن كان في الاستعمال غير مقصود حسبما هو معلومٌ في علم الاشتقاق"؟ يعني: التكليف هل يلزم منه الكُلفة والمشقة بحسب وضعه الأصلي كُلف المسلم بهذه العبادات من صلاةٍ وزكاةٌ وصيام وحج، هل هي بذاتها تكاليف أو بسبب ما يتبعها أو ما يؤدي إليها؟ هي لن تُفعل إلا بوسائل، والوسائل هذه فيها مشقة الحركات بذاتها، كون الإنسان يقوم ويُكبِّر، ثم يركع، ثم يسجد، ثم...هذا في الأصل ليس فيه مشقة لذاته، لماذا؟ لأنه يُزاول هذه الأمور في حياته اليومية مرارًا من غير تكليف من غير أن يُقال له: قُم أو اقعد من غير تكليف، القيام والقعود جِبلي بالنسبة للمستطيع، تجده أحيانًا يقوم من غير فائدة من غير حاجة ويجلس، يغير يكون القيام أفضل له، كيف نقول: إن مثل هذا القيام فيه كُلفة ومشقة؟! لكن الصورة المجتمعة، وكون الإنسان يُؤمر بالشيء يقع في نفسه شيءٌ منه، وإلا لو لم يؤمر به لتمنى أن يكون قد أُمر به، ولو نُهي الإنسان عن شيءٍ يفعله من غير إرادة ولا قصد لوجد في الامتثال مشقة، هذا إذا تجرد عن الأجر المرتب على هذا العمل؛ ولذا جاء في بعض الأخبار أن الناس لو نُهوا عن فت البعض لفتُّوا؛ لأن الأمر والنهي لا شك أنه مصادمة لهوى النفس في الجملة، وإن كان لا مشقة فيه البتة.

فأصل العمل الذي كُلِّف به لا مشقة فيه، ولا يُمكن أن تُطلق عليه الكلفة والمشقة إلا في الوضع أيش؟ يقولون: "وإن كان في الاستعمال غير مقصود حسبما هو معلومٌ في علم الاشتقاق من غير أن يكون ذلك مجازًا"؛ لأنه لم يُستعمل في غير ما وضِع له، ولا تدل عليه قرينة "بل على حقيقة الوضع اللغوي".

فاللفظ موضوعٌ له وضعًا أوليًّا، يعني: كما تضع اسم صالح على هذا الرجل، وقد يكون من أفسد الناس.

هذا ما يُريد أن يُقرره المؤلف، لكن لا شك أن لكل شيء من اسمه نصيبًا لاسيما في أصل الاستعمال في الوضع الأصلي، أما إذا تتابع الناس على تسمية الشيء، فهذا قد تخفى فيه العلة المرادة الأصلية، يعني سُمي صالحًا؛ لصلاحه هذا في الأصل، وإذا استمر على صلاحه فلك أن تقول فيما بعد: الصلاح، وتلمح بأل هذه الصفة الأصلية في الإنسان، لكن إذا سميته صالحًا، ثم بعد ذلك ظهر من تصرفاته فيما بعد ما لا يدل على الصلاح والاستقامة فلا تلمح هذه الصفة إنما هو مجرد علم، والأعلام لا تُعلل، فهو يُريد أن يقول: إن التكليف من هذا النوع، لكن لا شك أن بعض الغايات المأمور به في الشرع فيها كُلفة وفيها مشقة، لكنها المشقة المعتادة المحتملة التي لا تدعو إلى الترك، ولا تعوق عن تحصيل أمور دين ولا دنيا.

طالب:........

أنت ادرس ورعك قبل ذلك؛ لأن بعض الناس لو بعد عن المسجد لشق عليه، وصعب عليه في بعض الأوقات أو اشتد ذلك على أولاده؛ لأنه قد يملك نفسه ويقول: أنا عندي استعداد أمشي كيلو إلى المسجد، لكن ماذا عن الأولاد؟ فينبغي أن يُحسب لهم حساب، ويؤجر على هذا الحساب، ولا شك أنه إذا أردت تحقيق مصلحة فلابد أن تُضحي في مقابلها بأشياء، لكن هؤلاء من أصلهم ساكنون من بعيد يقربون ويجلسون مكانكم، وأنت مادام بإمكانك أن تسكن جوار المسجد ويُعينك على المبادرة إلى الصلاة ولا يعوقك حينما يكون هناك عوائق من حرٍّ شديد أو بردٍ شديد، ولا يعوق أولادك؛ لأن الإنسان ما يملك، يأتيه شباب يقولون: والله المسجد بعيد ما نقدر ويتلومون ويتبرمون، لكن ما لهم حجة إذا كان بجوار المسجد.

فمثل هذه يترتب عليها المصالح والمفاسد حال الاختيار، أما إذا اختار الإنسان سكنًا، ثم بُني المسجد قريبًا أو بعيدًا عنه يقول: لا تنتقل من مكانك.

"والجواب عن الثاني أن العلم بوقوع المسبب عن السبب وإن ثبت أنه يقوم مقام القصد إليه في حق المكلف، فإنما هو جارٍ مجرى القصد من بعض الوجوه، أعني: في الأحكام الشرعية من جهة ما هو بالتسبب متعدٍّ على الجملة، لا من جهة ما هو قاصدٌ للمفسدة الواقعة، إذ قد فرضناه لم يقصد إلا منفعة نفسه، وإن كان غير قاصدٍ، فهو المطلوب هنا في حق الشارع، إذ هو قاصدٌ نفس المصلحة لا ما يلزم في طريقها من بعض المفاسد، وقد تقدم لها تقريرٌ في كتاب الأحكام".

وقد تقدم لهذا.

طالب: لهذا؟

نعم.

"وقد تقدم لهذا تقريرٌ في كتاب الأحكام، وسيأتي بسطه في حق المكلف بعد هذا، إن شاء الله".

يعني المكلَّف حينما يقصد إلى فعل ما كُلِّف به لا يقصد إلا منفعة نفسه، ولا يُريد إلا خلاص نفسه، يعني لو قُدِّر أن إنسانًا جالس في بيته ويُؤذَّن للجمعة، ويقول: أذهب لصلاة الجمعة؛ لأنه تُوعِّد على تركها، وأوجبها الله، بل هي من أعظم الواجبات، أو يقول: أذهب لتكميل العدد؛ لأن العدد لا يصح إلا بكذا ولو تخلفت نقص العدد بأي نيةٍ يذهب؟ الأولى بلا شك، ما فيه أحدٍ يقول: إن الجماعة ما يكملون أربعين؛ أذهب حتى أكمل الأربعين لتصح جمعتهم، في أحد يفكر بمثل هذا؟ ما فيه.

إنما الإنسان حينما يمتثل أوامر الله –جلَّ وعلا- إنما يقصد مصلحة نفسه وخلاص نفسه، نعم هناك أمور يتعدى نفعها إلى الغير هي المقصود الأول نفع النفس يعني أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وزكاة وصدقات وبذل، وعلم وتعليم، متعدي صح؟ لكنه في الأصل الملحوظ مصلحة النفس قبل مصلحة الغير؛ ولذلك إذا تعارضت مصلحة النفس مع مصلحة الغير قُدِمت مصلحة النفس، الإنسان ألزم عليه نفسه.

"وأيضًا لو لزم من قصد الشارع إلى التكليف بما يلزم عنه مفسدةٌ في طريق المصلحة قصده إلى إيقاع المفسدة شرعًا، لزم بطلان ما تقدم البرهان على صحته من وضع الشريعة للمصالح لا للمفاسد، ولزم في خصوص مسألتنا أن يكون قاصدًا لرفع المشقة وإيقاعها معًا، وهو محالٌ باطلٌ عقلاً وسمعًا.

وأيضًا فلا يمتنع قصد الطبيب لسقي الدواء المُر، وقطع الأعضاء المتآكلة، وقلع الأضراس الوجعة، وربط الجراحات".

بط بط.

طالب: بط؟

بط.

طالب: من البط، يعني الثقب.

الثقب نعم.

طالب: هنا جاء ربط.

ماذا عندكم؟

طالب:.........

على كل حال هذا وهذا كله صالح.

طالب:.........

لا لا هو بط، بط يعني: نغزه حتى تنفجر، نعم.

طالب: في نسخةٍ بط.

لكن جراحات يعني لو كانت خُراجات أو دمامل أو شيئًا من هذا يُمكن أن يُقال: بط، لكن الجراحات الوجعة الأقرب إليها الربط والشد.

طالب: الذي عندك بط يا شيخ؟

نعم، واو باء طاء.

"وأن يحمي المريض ما يشتهيه، وإن كان يلزم منه إذاية المريض؛ لأن المقصود إنما هو المصلحة التي هي أعظم وأشد في المراعاة من مفسدة الإيذاء التي هي بطريق اللزوم، وهذا شأن الشريعة أبدًا، فإذا كان التكليف على وجهٍ، فلا بد منه وإن أدى إلى مشقة؛ لأن المقصود المصلحة، فالتكليف أبدًا جارٍ على هذا المهيع، فقد عُلم من الشارع أن المشقة يُنهى عنها، فإذا أمر بما تلزم عنه فلم يقصدها، إذ لو كان قاصدًا لها لما نهى عنها، ومن هنا لا يُسمى ما يلزم عن الأعمال العاديات مشقةً عادة.

وتحصيله أن التكليف بالمعتادات وما هو من جنسها لا مشقة فيه كما تقدم، فما يلزم عن التكليف لا يُسمى مشقة، فضلاً عن أن يكون العلم بوقوعها يستلزم طلبها أو القصد إليها.

والجواب عن الثالث: أن الثواب حاصلٌ من حيث كانت المشقة لا بد من وقوعها لزومًا عن مجرد التكليف، وبها حصل العمل المكلف به، ومن هذه الجهة يصح أن تكون كالمقصودة، لا أنها مقصودةٌ مطلقًا، فرتب الشارع في مقابلتها أجرًا زائدًا على أجر إيقاع المكلف به، ولا يدل هذا على أن النصب مطلوبٌ أصلاً، ويؤيد هذا أن الثواب يحصل بسبب المشقات وإن لم تتسبب عن العمل المطلوب، كما يؤجر الإنسان ويُكفر عنه من سيئاته؛ بسبب ما يلحقه من المصائب والمشقات، كما دل عليه قوله -عليه الصلاة والسلام-: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَب، وَلَا نَصَب، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حَزَن، حَتَّى الشَّوْكَة يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» وما أشبه ذلك".

وهذا جارٍ على من يقول: إن مجرد حصول المصيبة كفارة، ولو لم يصبر، ولو لم يرضَ، ولو لم يحتسب، مجرد حصول المصيبة كفارة، والصبر والرضى والاحتساب أجره قدرٌ زائدٌ على ذلك، وهذا قولٌ معروف عند أهل العلم، ويُرجحه ابن حجر وغيره، والأكثر على أنه لا أجر ولا تكفير إلا على فعل النفس، وفعل النفس إنما هو بالصبر والرضا الذي لا يصبر لا شيء له؛ لأنه ما قدَّم من نفسه شيئًا، هذا وقع من غير اختياره من غير طلبه، ومن غير رضاه، ولا يُحمد ولا يُمدح إلا على الاختياري، أما ما يُجبر عليه فلا مدح فيه ولا ذم، فإن صبر واحتسب كان له أجر وكُفِّر من ذنوبه ما يُكفَّر، وإن لم يصبر فلا شيء له، ولا يُكفَّر عن ذنوبه شيء.

وكلام المؤلف إنما هو جارٍ على قول من يقول: إن مجرد الإصابة بهذه المصائب كفارة يُكفَّر بها من سيئاته، وهذا هو الذي مشى عليه ابن حجر ورجَّحه، وإن خالفه غيره.

طالب:.........

هذا كلام ابن حجر يقول: إن التكفير حاصل شرط رُتب على فعل الشرط وانتهى وحصل.

وأيضًا فالمباح إذا عُلم أنه ينشأ عن ممنوعٍ لا يكون العلم بذلك كالقصد إلى نفس الممنوع ".

أنه ينشأ عنه.

طالب: نعم.

إذا عُلم أنه ينشأ عنه.

طالب: ممنوعٌ.

نعم.

"عُلم أنه ينشأ عنه ممنوعٌ لا يكون العلم بذلك كالقصد إلى نفس الممنوع، وكذلك يتفق على منع القصد إلى نفس الممنوع اللازم عن المباح، ويختلفون إذا لم يقصد إليه وهو عالمٌ به، وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.

يعني إذا ترتب على فعل العبادة شيءٌ ممنوع، فهل أمر المكلَّف بهذه العبادة أمرٌ له، وتكليفٌ له بهذا الممنوع؟ يعني إذا كان في طريقه إلى المسجد نساء متبرجات، ولا يملك نفسه من النظر إليهن، هل نقول: إن أمرك بالذهاب إلى المسجد أمرٌ لك بارتكاب هذا الممنوع أو نقول: إن حجك الذي أمرك الله به وافترضه عليك وجعله ركنًا من أركان الإسلام أمرٌ بترك والديك الذين هم بأمس الحاجة إليك؟ لا ليس هذا، يعني ما ينشأ عن العبادة، العبادة نعم مأمور بها، لكن أيضًا على الإنسان أن يُلاحظ ما أُمر به من أوامر أو نُهي عنه من نواهٍ أخرى.

والله أعلم.

طالب:.........

لا، قد تُكفِّر السيئات، ومنها ما يرفع الدرجات إضافةً إلى التكفير.