التعليق على الموافقات (1436) - 06

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1436) - 06
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأحد, 6 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا يقول: وقع في المطبوع فيما قرئ في الدرس الماضي: "حتى تعرفون"، فإن لم يكن هذا سهوًا من الطابع أو الناسخ، فقد جاء رفع الفعل المضارع بعد (حتى) في قراءة سَبْعيَّة، فقد قرأ نافع: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ} [البقرة: 214]، برفع {يَقُولُ}.

والمسألة معروفة ومشار إليها في كتب النحو، ولها شواهد في العربية: (أن تقرآن على أسماء ويحكما)، يعني إلغاء عمل الناصب، هذا موجود. لكن الكلام العادي الذي لا يُضطر إليه لا يأتي بنص صحيح أو بشعر من كلام العرب، يأتي في كلام يحتمل أنه من ناسخ أو غلط من مصنف، مثل هذا ما تُجرى عليه ما خالف القواعد، القاعدة أن (حتى) و(أنْ) تنصبان الفعل المضارع، ومتى يُتأول أو يُلجأ إلى خلاف هذا الأصل؟ إذا وقع في نص، لا تستطيع أن... يعني إذا وُجد في قراءة ما تستطيع أن تقول: شاذ، أو خلاف القاعدة، أو شيء، هذا أصل. لكن في كلام منثور يحتمل أن يقع السهو والخطأ من ناسخ أو حتى من مصنف، فإنه يُجرى على القواعد ويصحح عليها.

 في الرسالة للإمام الشافعي الشيخ أحمد شاكر لما حققها وقد اعتمد على نسخة الربيع الراوي عن الإمام الشافعي، أبقى كل ما كان على ما كان، لماذا؟ لأن الشافعي حجة في لغة العرب، وتلميذه الربيع، وإن كان يحتمل السهو والخطأ، لكن مع ذلك هو أقرب إلى أن ينقل كلام الشافعي بحروفه. أما ما عدا ذلك ممن لا يُحتج بكلامه، الخطأ خطأ، الأصل أن الخطأ يُصحح، إضافةً إلى أنه كلما كثرت الوسائط، زاد احتمال الخطأ، الكتاب إذا نُسخ، ثم نُسخ، ثم نُسخ، مع أنهم يشترطون المقابلة على الأصل، وقالوا: إذا نُسخ الكتاب ثم نُسخ ولم يُقابَل ثم نسخ خرج أعجميًّا، يعني من الأخطاء التي يتداولها النساخ، وتتكرر في أخطائهم.

نعم.

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: "المسألة العاشرة: النظر في مآلات الأفعال معتبَر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقةً أو مخالفةً، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب الورود، إلا أنه عذب المذاق محمود الغِب، جارٍ على مقاصد الشريعة".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في كلام في غاية الأهمية مما يُحتاج إليه، يَحتاج إليه من يزاول الفتوى، ويحتاج إليه الأب في تربية أولاده، والمعلم في تعليمهم، بل كل يحتاج إليه.

 لو أن شخصًا استفتى عالمًا وقال: إن ولدي يريد أن يذهب إلى مدرسة مسائية تُدرس علومًا شرعية؟ المصلحة ظاهرة، لكن لو عُرف أو غلب على ظن من يُستشار أو يُستفتى أن هذه المدرسة حولها شباب يجتالونه قبل أن يدخل أو بعد أن يخرج، ويناله من الشرور أكثر مما يحصله من المصلحة، فماذا يكون موقف المفتي؟ المنع، مع أنها مصلحة ظاهرة، المنع. في السابق يَستفتي الأب فيقول: إن ولده مقصر في الصلاة مع الجماعة، أو لا يصلي مع الجماعة أصلاً. في السابق كانت الجرائم والمفاسد ما هي مثل ما بيننا الآن. يقال له: اطرده من البيت. وقد يقول: إنه لا يصلي بالكلية، فيقال له: ما وراء هذا فساد، اطرده عن البيت. والنتيجة أنه إذا غابت الشمس رجع إلى أهله، وإذا رجع فلا بد أن يستجيب لطلبهم. لكن في وقتنا الحاضر، هل يقال لوالد يستفتي عن ولده المراهق إنه لا يصلي، يقال: اطرده من البيت؟ كم يتلقفه من شياطين الإنس في الاستراحات وفي غيرها من البراري والقفار؟ وماذا يصنعون؟ وما يترتب على هذا التلقف من مفاسد؟

 الإنسان ينظر فيما يؤول إليه الأمر فيما يُفتى به من إقدام أو إحجام. فالنظر في المآلات في غاية الأهمية. شخص حريص وصاحب تحرٍّ ومنع دخول وسائل الإعلام إلى البيت حتى الجرايد والتلفزيونات والقنوات، يمنعها بالكلية. كان هذا إلى وقت قريب مقبولًا وموجودًا بكثرة، لكن الآن ماذا حصل؟ منعوا من القنوات وذهبوا إلى المقاهي، ماذا يحصل في هذه المقاهي؟ وليس هذا بمبرر على الإقدام على استجلاب القنوات الإباحية والتي فيها حرية وقد يكون فيها دعوة إلى إلحاد، وزندقة، هذه أمور لا تجوز بحال مهما ترتب على ذلك من مفاسد.

 أقرب مثال يقال: أن شخصًا من هذا النوع منع دخول الإنترنت في بيته، فالأولاد يطلعون على سور البيت، من أجل ماذا؟ من أجل الشبكة من الجيران تجيء. سقط واحد وتكسر من الأولاد! يقول: ما الحل؟ أبقى على هذه  الطريقة وأمنعهم أم ماذا أفعل؟ أعطوني حلًّا.

 فمثل هذه الأمور لا سيما في وقتنا الحاضر، فيها نوع إشكال. صحيح أن الإنسان ألزم ما عليه نجاة نفسه، ثم يسعى إلى نجاة من تحت يده: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6]. فمثل هذه المسألة وما كتبه المؤلف فيها، يحتاج طالب العلم أن يقرأها بعناية، وأن يطبقها بدقة. ونسمع ممن يُفتي ممن يغفل عن مثل هذا الكلام، يفتي في أمور لو نُظر إليها مجردة لكان الأمر فيها سهلاً، قد يقال بالجواز. لكن نظرًا إلى ما تؤول إليه ويترتب عليها من مفاسد كبرى، تُمنع.

 نسمع أيام الصبا من أهل الحسبة، سمعنا، بل رأينا من يمنع الدراجة للطفل، وأن الدراجة النارية أشد، التي هي الدباب. وما حجتهم؟ كانوا يُرمون بالتشدد والتَّزمُّت، لكن ينظرون إلى المآل، الولد، الطفل إذا ركب دراجة، وكانت البلدان صغيرة، القفار قريبة يصل إليها بالدراجة، وأما الدراجة النارية، الدباب فتوصله إلى بلد آخر مجاور، ثم ماذا يصنع هذا الشاب إذا انتقل من بلده إلى بلد آخر، والشرور موجودة، والشواهد موجودة، كان الناس يقولون: مضيقين على الناس بهذه الطريقة، وهو في الحقيقة نظر في المآلات. الآن صار الذي يمنع مثل هذه الأمور يُضحك عليه، أو حتى من يتحدث فيها، مع أن لها وجهًا، أنا لا أقول: إنها صواب مائة بالمائة؛ لأن بعض الصغار يحتاجون إلى مثل هذه الأمور في قضاء حوائج أهليهم أو حوائجهم، ويذهبون بها إلى المدارس، لكن المنع له وجه من تلك الجهة. فهذا نظر في المآلات على ما قال المؤلف.

يقول: "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة"، يعني يُفتى فيها بالإباحة أو بالمنع.

"وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل"، يعني الذي أثار قضية قيادة المرأة للسيارة، وهذا قبل ثلاثين عامًا في صحيفة من الصحف أجرت معه مقابلة، وقال: إنها لا تختلف عن قيادة الجمل. هل نظر في المآلات؟ واللهِ ما نظر في المآلات، والذي ينظر ليرى السبب في منع أهل العلم في قيادة المرأة، ينظر في البلدان المجاورة. يعني لو أن امرأة عندها سيارة في بيتهم وسيارة ثانية، أراد صاحب السيارة المتقدمة أن يخرج من البيت وهذه سادة عليه، وقالت المرأة: أنا أقدم السيارة وأؤخرها، هل يقول أحد شيئًا؟ مثل قيادة الجمل. لكن تخرج إلى الخارج، وقد تخرج عن البلد، وقد يحصل لها عطل، ماذا يتعرض لها من الشرور والمغرضون ممن في قلبه مرض؟

يعني في وقت التنزيل وفي عصره -عليه الصلاة والسلام-: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53]، والعلة: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53]، وفي التعليل الآخر: لئلا، ماذا؟ الذي في قلبه مرض؟

طالب: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32].

{فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]. كم نسبة من في قلوبهم مرض في ذلك الوقت إلى من في قلوبهم مرض في وقتنا؟

طالب: ما فيه نسبة.

ما فيه نسبة، ما فيه نسبة أبدًا ولا فيه مقارنة. فإذا كان الحذر هناك: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]، والمنع: لئلا يطمع الذي في قلبه مرض، فماذا عن وقتنا؟ والنساء ما سلمنا حتى في مواطن العبادة، فضلاً عن كونها تركب السيارة وتمشي في البراري ولا عندها أحد، ورأينا من تخرج برحلة ونزهة خارج البلد مع سائق. كله شر، سواء ذهبت بنفسها أو ذهبت بالسائق، كله شر. لكن وجود السائق فيما بين الناس مع جمع من النسوة أخف من كونها تقود بنفسها.

على كل حال النظر فيما يؤول إليه الأمر وما يترتب عليه من مفاسد، هذا لا بد منه في حق من أراد أن يتصدى لفتوى الناس.

"إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلب"، الذين حققوا الكتاب كلهم قالوا إنه فيه سقطًا: "فقد يكون مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه"، يعني لو كان في مصلحة مثل المثال الذي ذكرناه: هذا الذي يريد أن يلحق ابنه في مدرسة يتعلم العلم، لكن يترتب على ذلك شرور كثيرة مما ذكرناه. الآن الخروج إلى المسجد للصلاة مع الجماعة لا شك أنه مطلوب، وعلى البالغين واجب يأثم بتركه، لكن بالنسبة لحق الأطفال الأمر فيه أخف، هو الأصل أن يُربى على هذه العبادة، ويتعود عليها، لكن إذا كان سيتعرض لمفاسد كبرى؟

 وذكرنا في دروس كثيرة في مسألة تقديم الحظر أو الأمر إذا تعارضا. منهم يقول: إن ترك المأمور أعظم من فعل المحظور، وهذا يرجحه شيخ الإسلام، والجمهور على العكس: أن ترك المحظور أولى من فعل المأمور. طيب حجة شيخ الإسلام؟ يقول: حجة شيخ الإسلام أن معصية آدم فعل محظور، ومعصية إبليس ترك مأمور، صارت معصية إبليس أشد. هل يُنظر إليها مجردة بهذه الطريقة، أو لما تبعها من الكبر والمصادمة لأمر الله -جل وعلا-؟

 على كل حال، ضربنا مثالاً في ذلك الوقت أن صلاة الجماعة واجبة في المسجد، وفرق بين من في طريقه إلى الصلاة في المسجد من يزاول بعض المحرمات كبائع خمر مثلاً، ولا يستطيع الإنكار عليه، وبين من في طريقه إلى المسجد بغي وعلى بابها ظالم يُلزمه بالوقوع عليها، أيهما أعظم؟ تروح المسجد وتقع على هذه البغي؛ لأنك فعلت مأمورًا، ولو ارتكبت محظورًا أو العكس؟

طالب: العكس.

والصواب في هذه المسألة أنه يُنظر في كل مسألة بعينها؛ لأن من المحظورات ما يصل إلى الشرك، ومن المأمورات ما يصل تركه إلى الكفر كترك الصلاة، ومنها ما هو دون ذلك بمراحل، إلى أن يصل الأمر إلى الأمور اليسيرة التي قد تصل إلى حد الاستحباب في المأمورات أو الكراهية في المحظورات، فليست على حد واحد. والحديث الثابت عنه -عليه الصلاة والسلام-: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، هذا يدل على ماذا؟ ما فيه استثناء للنهي: «فاجتنبوه»، هذه حجة الجمهور، وبه احتج الإمام أحمد على أن ترك المحظور أولى من فعل المأمور عند التعارض. وعلى كل حال الإطلاق في هذه المسألة غير سائغ، وإنما يُنظر إلى كل مسألة بعينها.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

هو الأمر بالشيء نهي عن ضده، إذا ما كان له إلا ضد واحد، أما إذا كان له أضداد؟ إذا كان له أضداد متعددة؟ الآن: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، وماذا ضد الجلوس؟

طالب: القيام .......

كم له من ضد؟

طالب: أضداد.

أضداد، له أضداد، حتى قال بعضهم: يضطجع؛ لأنه ما هو ضد الجلوس، ضده القيام. فإذا اضطجع، دخل المسجد واضطجع أدى السنة أو قال: ما عليك شيء؟

طالب: .......

المسألة أنت عندك أصل المسألة، لكن فروعها وما ينشأ عنها أنت تحتاج أن تراجعها.

"فقد يكون مشروعًا لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصد فيه"، فيه مصلحة، والأصل فيه قد يكون الأصل فيه الإباحة لهذه المصلحة. لكن في هذه المسألة أو في هذه القضية بعينها ترتب عليها آثار.

طالب: كلام شيخ الإسلام .......

لكن الحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»؟ والنهي ما فيه مثنوية، وهو قول الجمهور على كل حال، والإمام أحمد أول من استدل بالحديث.

"ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد".

 نعم، الموازنة بين المصالح والمفاسد معروفة؛ لأنه مطلوب تحصيل أعلى المصالح، ولو ترتب على ذلك دفع أدناها، والعكس في المفاسد، إلا أنه عذب المذاق، يعني أن الإنسان المجتهد او توصل إلى شيء من هذا، وأفتى على مقتضى هذا، تجده ارتاح، نعم، ارتاح إلى أنه دفع هذه المفسدة وحصل المصلحة العليا.

"محمود الغب"، يعني العاقبة. "جارٍ على مقاصد الشريعة".

"والدليل على صحته أمور"، نعم.

طالب: "والدليل على صحته أمور؛ أحدها: أن التكاليف -كما تقدم- مشروعة لمصالح العباد، ومصالح العباد إما دنيوية وإما أخروية. أما الأخروية، فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم.

 وأما الدنيوية، فإن الأعمال -إذا تأملتها- مقدمات لنتائجِ المصالح، فإنها أسباب لمسبَّبات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب، فاعتبارُها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظرُ في المآلات".

"معنى"، "معنى"؟

طالب: "وهو معنى النظرِ في المآلات".

نعم.

طالب: "لا يقال: إنه قد مر في كتاب الأحكام أن المسبَّبات لا يلزم الالتفات إليها عند الدخول في الأسباب؛ لأنا نقول: وتقدم أيضًا أنه لا بد من اعتبار المسببات في الأسباب، ومر الكلام في ذلك والجمع بين المطلبين، ومسألتنا من الثاني لا من الأول".

قد تكون الأسباب والمقدمات لها أيضًا أسباب ومقدمات، والأسباب الثانية لها أسباب ومقدمات. عندنا الصلاة غاية، من وسائلها الوضوء، ومن وسائل الوضوء تحصيل الماء وبذل ما يستطاع لتحصيله، فهذه أسباب لأسباب، وأيضًا لتحصيل الماء أسباب وهو الحصول على المال، والحصول على المال له أسباب، وكل ما قرب السبب من الغاية قرب من حكمها، كل ما بعُد بعُدَ من حكمها. ولذلك قد يكون من الأسباب البعيدة ما لا أثر له، مثل الوضوء بإناء ذهب مثلاً، ولذلك يختلفون فيه لأنه ما هو بسبب مباشر؛ لأن الأسباب لها أحكام الغايات، لا هو سبب لسبب: الوعاء سبب لحفظ الماء الذي يُتوضأ به، وهكذا. قد يكون تحصيل المال الذي اشتري به الماء والإناء من شبهة أو من حرام، وهكذا.

طالب: "ومسألتنا من الثاني لا من الأول؛ لأنها راجعة إلى المجتهد الناظر في حكم غيره على البراءة من الحظوظ، فإن المجتهد نائب عن الشارع في الحكم على أفعال المكلفين، وقد تقدم أن الشارع قاصد للمسبَّبات في الأسباب، وإذا ثبت ذلك لم يكن للمجتهد بدٌّ من اعتبار المسبَّب، وهو مآل السبب.

والثانى: أن مآلات الأعمال إما أن تكون معتبرةً شرعًا أو غير معتبرة، فإن اعتُبرت فهو المطلوب، وإن لم تُعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلاتٌ مضادة لمقصود تلك الأعمال، وذلك غير صحيح؛ لِما تقدم من أن التكليف لمصالح العباد، ولا مصلحة تُتوقع مطلقًا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد".

هناك مآلات غير معتبرة للشارع، في طلب العلم الشرعي أو الحفظ للقرآن يرتَّب على ذلك مكافآت وجوائز، هل هذا من المآلات المعتبرة في الشرع، أو من باب حث الطالب على الاجتهاد والطلب والاستمرار في الطلب، لكن ليس بالمآل المعتبر شرعًا لينظر إليه ويؤثر في الفتوى، بل العكس: إذا نُظر إليه أخل بالإخلاص الذي هو شرط لقبول هذا العمل الصالح. نعم.

طالب: "وأيضًا فإن ذلك يؤدي إلى أن لا نتطلب مصلحةً بفعل مشروع، ولا نتوقع مفسدةً بفعل ممنوع، وهو خلاف وضع الشريعة كما سبق.

 والثالث".

الأصل في وضع الشريعة جلب المصالح ودرء المفاسد، أما الذي لا ينظر لا إلى مصالح ولا إلى درء مفاسد، فهذا خلاف وضع الشريعة.

 نعم: "والثالث".

طالب: "والثالث: الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]".

المآل في العبادة: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ}، وكذلك الصيام وكذلك الصلاة وكذلك الحج، من أجل ماذا؟ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، هذه النهاية وهذه النتيجة من العبادة. وأيضًا في الصيام كذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فالفائدة من الصيام تحصيل التقوى، هذا المآل الذي هو وصية الله للأولين والآخرين، وهي لباس المؤمن: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26].

 وأيضًا في الحج: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة: 203]، هذه الغاية، والتقوى هي المشار إليها: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»، وهنا قال: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203]، يعني يرتفع عنه الإثم. وقل مثل هذا في الصلاة، الغاية منها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، وحقيقة ذلك لزوم التقوى.

طالب: "وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188] الآية، وقوله: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنعام: 108] الآية، وقوله: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] الآية، وقوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} [الأحزاب: 37] الآية.

 وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216] الآية، وقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 179]. وهذا مما فيه اعتبار المآل على الجملة. وأما في المسألة على الخصوص فكثير".

يعني هذه الأدلة من حيث الإجمال، ولكن من حيث التفصيل فيه أدلة تفصيلية فهذا كثير جدًّا في النصوص.

طالب: "فقد قال في الحديث حين أُشير عليه بقتل من ظهر نفاقه: «أخاف أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»".

هذا نظر في المآل: «لئلا يتحدث الناس» يعني من غير المسلمين «أن محمدًا يقتل أصحابه»، فيكون ذلك سببًا للصد عن دخولهم في دين الله، إذا تناقل الناس أنه يقتل أصحابه فلن يدخلوا في الإسلام. وهذا منافق له من يروِّج له، وله من يدافع عنه، وله من يشيع خبره، وإلا فماعز قدم نفسه ورُجم ما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: «لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، وهذا شواهده كثيرة، إذا قُصد شخص من أهل الشر والفساد وطُلب للعدالة واعتُقل، ثارت حقوق الإنسان ومن يتبعها. لكن لو يؤتى بطالب علم أو شيخ يُزَلُّ بزلة وعوقب بما يستحق ليس بالظلم، لكن من يتحدث عنه ويقول: ظُلم وفعل وترك. لما أشير بقتل المنافق: «لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»؛ لأن هذا له من يدافع عنه، ويشيع خبره من أمثاله. لكن ماذا يقول الصحابة حينما رُجم ماعز؟

 الحمد لله، طُبق حد من حدود الله، والحمد لله، ما صار شيء، الحمد لله، هذه نعمة. ولكل قوم وارث، لما اتهم شهر بن حوشب بسرقة الخريطة، وهو من القراء، ماذا قيل؟ لقد باع شهر دينه بخريطة، فمن يأمن القراء؟ غلطة من شخص أُلصقت بجميع نظرائه وأمثاله من القراء، وهذا موجود الآن: لما يخطئ عالم، يقال: كل المشايخ هكذا.

  لما يخطئ قارئ قال: كلهم أخطؤوا، وتضخم الأخطاء في حق هؤلاء، وأولئك كأن شيئًا لم يكن، والله المستعان، نعم.

طالب: "وقوله: «لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم»".

نعم. هذا نظر في المآل.

طالب: فيه خطأ يا شيخ "«عهدهم»"؟

ماذا؟

طالب: "«عهدهم»" مكتوبة "«عدهم»"، نصححها؟

ما فيها الهاء الأولى؟

طالب: تصحح يا شيخ؟

نعم، صح: "«عهدهم»".

طالب: أحسن الله إليك.

"بمقتضى هذا أفتى مالك الأميرَ حين أراد أن يرد البيت على قواعد إبراهيم، فقال له: لا تفعل؛ لئلا يتلاعب الناس ببيت الله. هذا معنى الكلام دون لفظه".

نعم. لما استشير الإمام مالك، والحديث حديث عائشة صحيح، لماذا لا نطبق أو نحقق أمنية الرسول -عليه الصلاة والسلام- والعلة قد زالت، وقد فعله ابن الزبير، لما هدم الحجاج الكعبة أُعيدت على مثل ما كانت عليه في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-، فجاء المنصور...

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

وهي؟

طالب: .......

نعم، هدمت، هي هدمت من آثار الحرب، المنجنيق في عهد الحجاج.

طالب: .......

نعم. وفرصة، لما هُدمت، ابن الزبير لن يهدم الكعبة، لكن هُدمت وتحتاج إلى إعادة بناء، لماذا لا يحقق أمنيته -عليه الصلاة والسلام- ويبنيها على قواعد إبراهيم؟ هذا اجتهاده. ثم لما جاء الدور الثاني طُلب من الإمام مالك أن تُبنى، أن يفتي ببنائها على قواعد إبراهيم، قال: لا، لا يصير البيت ملعبة للملوك كل من جاء قال: أنا أجدد على قواعد إبراهيم، وذلك يقول: لا، ما تركه على عهده -عليه الصلاة والسلام- هذا الأكمل، ثم واحد يهدم وواحد يبني.

طالب: "وفي حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بتركه حتى يتم بوله وقال: «لا تَزْرِمُوه»".

«لا تُزْرِمُوه»".

طالب: «لا تُزْرِمُوه»".

يعني لا تقطعوا عليه بوله.

طالب: "وحديث النهي عن التشديد على النفس في العبادة خوفًا من الانقطاع. وجميع ما مر في تحقيق المناط الخاص".

«إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، نعم.

طالب: "وجميع ما مر في تحقيق المناط الخاص مما فيه هذا المعنى حيث يكون العمل في الأصل مشروعًا، لكن يُنهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة أو ممنوعًا، لكن يُترك النهي عنه لِما في ذلك من المصلحة، وكذلك الأدلة الدالة على سد الذرائع كلها، فإن غالبها تذرُّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، فالأصل على المشروعية، لكن مآله غير مشروع، والأدلة الدالة على التوسعة ورفع الحرج كلها، فإن غالبها سماح في عمل غير مشروع في الأصل لما يؤول إليه من الرفق المشروع، ولا معنى للإطناب بذكرها لكثرتها واشتهارها. قال ابن العربي حين أخذ في تقرير هذه المسألة: اختلف الناس بزعمهم فيها، وهي متفق عليها بين العلماء، فافهموها وادخروها.

فصل:.."

ما هذه المسألة التي أخذ بتقريرها.

طالب: سد الذرائع.

لا، الذرائع ستجيء.

طالب: المآلات.

مسألة المآلات التي هي المسألة الكبرى التي يندرج تحتها قاعدة سد الذرائع، وأيضًا النظر في الخلاف واتقائه والخروج منه، ومسائل أخرى.

طالب: "فصل: وهذا الأصل ينبني عليه قواعد؛ منها: قاعدة الذرائع التي حكَّمها مالك في أكثر أبواب الفقه، لأن حقيقتها التوسل بما هو مصلحة إلى مفسدة، فإن عاقد البيع أولاً على السلعة بعشرة إلى أجل ظاهرُ الجواز، من جهة ما يتسبب عن البيع من المصالح على الجملة".

يعني فيه مصلحة، يعني شخص يبيع عشرة بأكثر، اثني عشر، خمسة عشر، فيه مصلحة، هذا مستفيد وهذا مستفيد، هذه مصلحة. لكن فيه ذرائع موصلة إلى ما حرم الله -جل وعلا- من الشرك، لا سيما إذا كان حيلة موصلة للشرع، ما هي عشرة بعشرة دراهم بدراهم، لكن باعه سلعة بخمسة عشر إلى أجل، ثم اشتراها منه بعشرة، التي تُسمى عند أهل العلم العينة، لا شك أن مثل هذا بيع سلعة، ثم شراء هذه السلعة الأصل فيه أنه ما فيه إشكال إذا نظرنا أنها سلعة بدراهم. لكن مبرم العقل يتذرع بهذا إلى الوصول إلى الربا بطريقة، مثل ما قال ابن عباس عن التورق: «درهم بدرهمين بينهما حريرة».

طالب: "فإذا جعل مآل ذلك البيع مؤديًا إلى بيع خمسة نقدًا بعشرة إلى أجل، بأن يشتري البائع سلعته من مشتريها منه بخمسة نقدًا، فقد صار مآل هذا العمل إلى أن باع صاحب السلعة من مشتريها منه خمسةً نقدًا بعشرة إلى أجل، والسلعة لغو لا معنًى لها في هذا العمل؛ لأن المصالح التي لأجلها شُرع البيع لم يوجد منها شيء، ولكن هذا بشرط أن يَظهر لذلك قصدٌ ويكثر في الناس بمقتضى العادة".

يعني إذا ظهر الأمر وكثر في الناس وتداوله الناس وعرفوه بحيث يصير كالمشروط عرفًا؛ لأنه لو اشترطوا ذلك لصار عين الربا، لكن ما شرطوه، لكن تعارف الناس أنه سوف يؤول إليه، وأن كل من تعامل بهذه المعاملة هذه طريقته.

 يعني مثل ما يقال في النكاح بنية الطلاق، يفتي به ومنسوب للجمهور جوازه، لكن إذا عرف الناس أن هذه الطريقة وأن عدم ذكر الأجل في العقد ولو لم يُذكر سيئول إلى العلم؛ بسبب تردد الناس على هذا البلد مثلاً..

طالب: .......

القرائن، لا والعادة المطردة، إذا يكثر في الناس، كثر في الناس من يأتي إلى هذا البلد؛ ليتزوج، ويطلق بعد أيام أو بعد شهر، ولو لم ينص عليه في العقد؛ لأنه إذا نُص عليه في العقد كان المتعة المجمع عليها، لكن إذا كثر في الناس، وعرفوه صار حكمه حكم المتعة. وبعضهم يفتي بأنه متعة مطلقة، ولو لم يعرف الناس، هو رواية في المذهب.

طالب: .......

يكمل يكمل.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

كله؟

طالب: .......

خلاص انتهى، سنة فات محلها.

طالب: "ومن أسقط حكم الذرائع كالشافعي، فإنه اعتبر المآل".

تداول الكتبة في السنوات الأخيرة مسألة فتح الذرائع، وأن الدين ما فيه شيء يسمى سد الذرائع. الله -جل وعلا- أحل لنا ما في الأرض جميعًا، ونحن ضيقنا على أنفسنا بهذه الذرائع، والمحرمات قليلة يسيرة وكثَّرناها بالذرائع، من أجل أن يتوصَّلوا إلى ما يريدون بهذا الكلام.

طالب: "ومن أسقط حكم الذرائع كالشافعي، فإنه اعتبر المآل أيضًا؛ لأن البيع إذا كان مصلحةً جاز، وما فُعل من البيع الثاني فتحصيلٌ لمصلحة أخرى منفردة عن الأولى".

ولذلك مسألة العينة جائزة عند الشافعية.

طالب: "فكل عقد"، "فكل عُقدة"، "فكل عُقدة منهما لها مآلها".

العُقدة والعَقد واحد.

طالب: أحسن الله إليك. "فكل عُقدة منهما لها مآلها، ومآلها في ظاهر أحكام الإسلام مصلحة".

يعني البائع الأول منتفع، والمشتري الأول منتفع، وكذلك في الصورة الثانية كلهم منتفعون، فيها مصالح، لكنهم لم ينظروا إلى الذريعة التي أوصلت إلى أن يكون العقد عقد ربا؛ لأن هذه حقيقته.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

الشافعي في هذه المسألة ونظائرها ينظر إلى الصورة الظاهرة.

طالب: ولو وقعت؟

ولو وقع، ينظر إلى صورة العقد، يعني النجش مثلاً، تلقي الركبان، كل هذه البيوع صحيحة عند الشافعي؛ لأن ظاهر العقد ما فيه شيء.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

نعم، يأثم لأنه خالف الأمر.

طالب: "ومآلها في ظاهر أحكام الإسلام مصلحةً، فلا مانع على هذا".

"مصلحةٌ".

طالب: أحسن الله إليك.

 "مصلحةٌ، فلا مانع على هذا؛ إذ ليس ثَم مآل هو مفسدة على هذا التقرير، ولكن هذا بشرط أن لا يظهر قصد إلى المآل الممنوع. ولأجل ذلك يتفق الفريقان على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان بإطلاق، واتفقوا في خصوص المسألة على أنه لا يجوز سب الأصنام حيث يكون سببًا في سب الله؛ عملاً بمقتضى قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، وأشباه ذلك من المسائل التي اتفق مالك مع الشافعي على منع التوسُّل فيها".

يعني وإن اشتهر عند الشافعية أن سد الذرائع ليس بمطلوب كما هو عند المالكية وغيرهم من أهل العلم، إلا أنهم في مفردات المسائل يقررونه، في مفردات بعض المسائل، وإن لم يقرروا التقعيد فإنهم أقروا بعض المفردات لهذه المسائل.

طالب: "وأيضًا، فلا يصح أن يقول الشافعي: إنه يجوز التذرع إلى الربا بحال، إلا أنه لا يَتهم من لم يظهر منه قصد إلى الممنوع، ومالكٌ يَتهم بسبب ظهور فِعل اللغو، وهو دال على القصد إلى الممنوع، فقد ظهر أن قاعدة الذرائع متفق على اعتبارها في الجملة، وإنما الخلاف في أمر آخر. ومنها: قاعدة الحيل، فإن حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، فمآل العمل فيها خَرْم قواعد الشريعة في الواقع".

 نعم. التوصل إلى استحلال المحرم بهذه الحيلة، يعني من يتوصل إلى استحلال المحرم بحيلة، حرمت حيلته ولم يحل له المحرم: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل». لكن إذا كانت الحيلة يُتوصل بها إلى تحريم المحرم أو الوصول إلى ما أوجب الله -جل وعلا-، فمثل هذه الحيلة شرعية.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ.

نعم.

طالب: .......

كيف؟

طالب: أقرأ إلى نهاية القاعدة؟

اقرأ كله. نعم.

طالب: "فمآل العمل فيها خَرْم قواعد الشريعة في الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة، فإن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعًا، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشرعية.

 ومن أجاز الحيل كأبي حنيفة، فإنه اعتبر المآل أيضًا، لكن على حكم الانفراد، فإن الهبة على أي قصد كانت مبطلةً لإيجاب الزكاة، كإنفاق المال عند رأس الحول، وأداء الدين منه، وشراء العروض به، وغيرها مما لا تجب فيه زكاة، وهذا الإبطال صحيح جائز؛ لأنه مصلحة عائدة على الواهب والمنفق، لكن هذا بشرط أن لا يقصد إبطال الحكم، فإن هذا القصد بخصوصه ممنوع؛ لأنه عناد للشارع كما إذا امتنع من أداء الزكاة، فلا يخالف أبو حنيفة في أن قصد إبطال الأحكام صراحًا ممنوع، وأما إبطالها ضمنًا فلا، وإلا امتنعت الهبة عند رأس الحول مطلقًا، ولا يقول بهذا واحد منهم. ولذلك اتفقوا على تحريم القصد بالإيمان والصلاة وغيرهما إلى مجرد إحراز النفس والمال، كالمنافقين والمرائين وما أشبه ذلك. وبهذا يظهر أن التحيل على الأحكام الشرعية باطل على الجملة نظرًا إلى المآل، والخلاف إنما وقع في أمر آخر".

الحيل، وقد أطنب ابن القيم -رحمه الله- في الكلام عنها في إعلام الموقعين وفي إغاثة اللهفان، وذكر منها من حيل اليهود ما ذكر، ومن حيل من تشبه بهم من هذه الأمة؛ للتوصل والتذرع إلى إقرار المحرمات. امرأة أعيتها الحيل في مفارقة زوجها، الزوج ما فيه ما يقتضي الفسخ، فطلبت الطلاق رفض، طلبت الخلع رفض، تقدمت إلى الحاكم قال: هل تدعين عليه بشيء؟ استفتت من استفتت، فقال: ارتدي عن الإسلام تنفسخين منه تلقائيًّا! هذه حيلة وُجدت وأفتي بها، وقال ابن المبارك وغيره: من أفتى بهذه الحيلة فقد كفر، ومن رضيها وأقرها فقد كفر، إلى آخره، ثم قال: واللهِ إن هذه حيلة لا يعرفها إبليس حتى سمعها من هؤلاء!

 حيلة، لأنه لو نشزت ورفضت أن تعود إليه واضطرته اضطرارًا للطلاق، كان أسهل بكثير من أن تُفتى بأن ترتد عن الإسلام. يعني هذا مثال من الحيل المحرمة المجمع على تحريمها، هل يقول أبو حنيفة الذي يرى بعض الصور من الحيل، ويطلقون أنه يرى الحيل مطلقًا وليس بصحيح، هل يرى مثل هذه الحيلة؟

حاشاه -رحمه الله-. فالتوصل إلى إحلال المحرم، أو إسقاط الواجب بالحيل، هذا هو التشبه باليهود، وهذا المحرم. لكن من يتوصل بالحيلة إلى أن يفعل الواجب، أو يترك المحرم، هذه حيل شرعية: {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء: 98]، نعم. معناه أنه لو تحايل على خروجه من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، حيلته شرعية؛ لأنه يسعى بواسطة هذه الحيلة إلى تحقيق واجب، وهذه الحيلة منصوص عليها في القرآن.

يقول: "ومنها: قاعدة الحيل، فإن حقيقتها المشهورة تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر".

 يعني مثل ما فعل اليهود لما نُهوا عن الصيد يوم السبت، فجعلوا الشباك والحفائر التي تسقط فيها الحيتان يوم السبت ثم يأخذونها يوم الأحد، يقولون: ما صدنا يوم السبت، إنما صدنا يوم الأحد، تحايلوا على ما حرَّم الله، فكانت النتيجة أن مُسخوا قردة وخنازير، وهذا دليل على الجواز أم على التحريم؟

طالب: التحريم.

نعم، بلا شك.

"فمآل العمل فيها خَرْم قواعد الشريعة في الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول"، حال عليه الحول، وجبت عليه الزكاة، فوهبه لابنه أو لزوجته أو لقريبه أو؛ لأنه لا يتصور أن يهبه لشخص لا يرده عليه؛ لأن الزكاة ما تشكل شيئًا، اثنان ونصف بالمائة بالنسبة لجميع المال، لكن يريد أن يهب هذا المال لهذا الشخص، ثم بعد ذلك بطريقة إما متفق عليها أو غير متفق عليها بحيث يفهم الطرف الثاني أنه أو يطلبه منه لأنه ولده، إذا تعدى الحول، مثل هذا لا تسقط عنه الزكاة ولو فعل ذلك.

"كالواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزكاة، فإن أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزكاة من غير هبة لكان ممنوعًا، فإن كل واحد منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة"؛ لأنه لو كان قصده الهبة من غير تبييت الفرار من الزكاة، كان القصد صحيحًا والهبة فيها أجرها وثوابها.

"فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزكاة، وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الحكم الشرعي"، إذا كان قصده الفرار من الزكاة.

"ومن أجاز الحيل كأبي حنيفة"، ونسبة القول إليه بإطلاق في جميع صورها التي تشمل الفتوى بالردة، لا يمكن أن يثبت عن الإمام أبي حنيفة.

"فإنه اعتبر المآل أيضًا، لكن على حكم الانفراد"، يعني في مفردات المسائل لا في الحكم الإجمالي.

"فإن الهبة على أي قصد كانت مبطلةً لإيجاب الزكاة"، "الهبة على أي قصد" يعني لو ما قصد الفرار من الزكاة، الزكاة تسقط.

"كإنفاق المال عند رأس الحول"، قال: قبل ما يجيء رأس الحول بأيام، سأنفقه كله، يشتري به أشياء ليس بحاجة إليها، بدل ما عنده سيارة بعشرة آلاف يشتري بمليون، وهو ليس بحاجة للسيارة، ولا تليق به، ولا تناسبه، لكن من أجل أن لا يخرج عن المليون خمسًا وعشرين ألفًا، نسأل الله العافية.

"كإنفاق المال عند رأس الحول وأداء الدين منه"، طيب شخص مديون، ولما قرب الحول أدى الدين، ما أحد يطالبه بزكاة؛ لأنه ما عنده مال عند حلول الحول.

"وشراء العروض به، وغيرها مما لا تجب فيه زكاة"، يعني إذا تغير المال من نوع إلى نوع، عنده إبل وجب فيها زكاة، فأبدلها بسيارات أو بنوع آخر لا يندرج في هذا الصنف.

طالب: .......

مبطلة نعم.

طالب: .......

لا، هذا في الظاهر، شخص وهب ماله، هو في قرارة نفسه أنه فرَّ من الزكاة، لكن لو جاء يستفتي يقول: أنا فارٌّ من الزكاة، قلنا: تجب عليك، وإلا فأصل الهبة في ظاهرها مبطلة سواء قصد أو لم يقصد.

"وغيرها مما لا تجب فيها زكاة، وهذا الإبطال صحيح جائز؛ لأنه مصلحة عائدة على الواهب والمنفق"، الإبطال من غير قصد، أما بالقصد إذا عُرف ذلك منه فإنه يُعامَل بنقيض قصده.

"بشرط أن لا يقصد إبطال الحكم".

طالب: .......

لا، أداء الدين هو مطالب بأداء الدين، يؤدي الدين ثم يصير ما عنده شيء قبل حلول الزكاة، أما إذا حلت لزمت.

"بشرط أن لا يقصد إبطال الحكم، فإن هذا القصد بخصوصه ممنوع؛ لأنه عناد للشارع كما إذا امتنع من أداء الزكاة"، يعني من غير حيلة.

"فلا يخالف أبو حنيفة في أن قصد إبطال الأحكام صراحًا ممنوع، وأما إبطالها ضمنًا فلا"، يعني بالحيلة، أما معاندة فإنه لا يختلف أبو حنيفة مع غيره في أن هذا لا يسع.

"وإلا امتنعت الهبة عند رأس الحول مطلقًا، ولا يقول بهذا واحد منهم. ولذلك اتفقوا على تحريم القصد بالإيمان والصلاة وغيرهما إلى مجرد إحراز النفس والمال"، يقول أنا، يزعم الإيمان ويشهد أن لا إله إلا الله، لكن ما قصده أن يدخل في الإسلام، ولكن قصده أن يعصم دمه وماله.

"كالمنافقين والمرائين وما أشبه ذلك. وبهذا يظهر أن التحيُّل على الأحكام الشرعية باطل على الجملة نظرًا إلى المآل، والخلاف إنما وقع في أمر آخر".

والله أعلم.

طالب: ....... قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فاجتنبوه» .......

ماذا؟

طالب: .......

لكن التنصيص عليه في الحديث يعطيه قوة، وإلا فموجود بعد في الأوامر ما هو أشد من بعض النواهي، والنواهي تروك، والتروك مقدور عليها، بخلاف الأوامر التي هي إيجاد الذي قد يعجز عنه المكلف.

اللهم صلِّ على محمد.