التعليق على الموافقات (1433) - 18

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1433) - 18
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
السبت, 21 رجب, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، يقول الشاطبي -رحمه الله تعالى-:

"المسألة الثامنة: من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وربما نفلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار".

"نقلوا".

طالب: "نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار".

أنا عندي بنقطة واحدة، لكن ما يمكن.

طالب: صحيح، وكأنه لو "نفلوا" مثل غنموا مثلًا يا شيخ؟

ما هي بواضحة في التصوير.

طالب: يعني لو كان غنموا يعني "نفلوا" مثل غنموا؟

لا لا، ما يمكن، "نقلوا في ذلك بعض الآثار"، جاء فيه حديث ضعيف لا يثبت، وتمسك بها المتصوفة واعتمدوا عليها في إثبات التفسير الإشاري، وإن كان موجودًا عند أهل العلم ما يُسمى بالمنطوق، وما يسمى بالمفهوم، فإذا كان المراد بالظاهر المنطوق، وبالباطن المفهوم الذي دلالته من اللفظ لا في محل النطق، فهذا المعنى صحيح. أما إذا كان المراد بالباطن ما يذكره المتصوفة في تفاسيرهم من المعاني التي لا يدل لها لا سمع ولا عقل، ولا تربطها باللفظ أدنى رابطة، التفسير الإشاري موجود، تفسير التستري، وتفسير اللطائف، وتفسير القشيري، ومع الأسف أن الألوسي ينقل عنهم كثيرًا فيما يُسمى بالتفسير الإشاري، وهذا تفسير باطل بلا شك؛ لأنه تحريف، ليس بتفسير إنما هو تحريف.

طالب: "وربما نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار، فعن الحسن مما أرسله عن النبي أنه قال: «ما أنزل الله آيةً إلا ولها ظهر»".

ومعروف أن مراسيل الحسن شبه الريح.

طالب: "«إلا لها ظهر وباطن»".

وهي أضعف المراسيل، نعم.

طالب: "«بمعنى ظاهر وباطن، وكل حرف حد، وكل حد مطلع». وفُسِّر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة، والباطن هو الفهم عن الله لمراده؛ لأن الله تعالى قال: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]، والمعنى: لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام، كيف وهو مُنزل بلسانهم؟ ولكن لم يحظوا بفهم مراد الله من الكلام".

قد ينقدح في ذهن العالم شيء لم يُسبق إليه، ويكون له أصول يرجع إليها في هذا الفهم، وقد يكون عنده مزيد في الإدراك، كما فهم ابن عباس من سورة: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] أنها نعي رسول الله ، والإخبار بالإعلام بدنو أجله مما لم يفهمه كثير من الصحابة حتى من أكابرهم، ما يقال: إن هذا بطن أو إشاري أو شيء.

طالب: "وكأن هذا هو معنى ما رُوي عن علي أنه سئل: هل عندكم كتاب؟ فقال: «لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة...» الحديث".

إلا الكلام لا يمكن أن يُقبل على إطلاقه في هذا الباب، أنه يمكن لكل شخص أو طائفة أنها تستقل بفهم لم تُسبق إليه، نعم، جاء في الحديث الصحيح: «رُب مبلَّغ أوعى من سامع»، ما يجيء واحد دَعَيٌّ لا علاقة له بالعلم، ويفهم من النصوص غير ما فهمه أهل العلم من سلف الأمة وأئمتها، هذا مردود ومرفوض. لكن من له صلة بالعلم، وله معاملة ومعاناة مع أقوال السلف، وعرف أقوالهم ومرادهم ومقاصدهم، وعرف من الشريعة نصوصها وقواعدها، مثل هذا قد يفتح الله عليه بشيء يكون موافقًا لما جاءه عن السلف، وهو مقبول في هذه الحالة، وهو الذي ينطبق عليه حديث: «ربما مبلغ أوعى من سامع». أما ما يأتينا من هؤلاء الكتبة أو من هؤلاء الذين يتحدثون في وسائل الإعلام، ويأتون بفهوم لم يُسبقوا إليها، فهي في حقيقتها ضلال وابتداع.

طالب: "وإليه يرجع تفسير الحسن للحديث، إذ قال: «الظهر هو الظاهر، والباطن هو السر»".

أما إذا كان المراد بذلك المنطوق والمفهوم فهذا صحيح.

طالب: نعم.

نعم.

طالب: "وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]. فظاهر المعنى شيء، وهم عارفون به؛ لأنهم عرب، والمراد شيء آخر".

وهو النوع من التفسير الذي تعرفه العرب من لغتها، هذا لا يخفى على أحد، إلا في المتأخرين، وهو كثير، حينما تغيرت الحقائق العرفية عن الحقائق اللغوية، فضلًا عن الشرعية.

طالب: "وهو الذي لا شك فيه أنه من عند الله، وإذا حصل التدبر لم يوجد في القرآن اختلاف ألبتة، فهذا الوجه الذي من جهته يُفهم الاتفاق وينزاح الاختلاف هو الباطن المشار إليه.

 ولما قالوا في الحسنة: {هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [النساء: 78]، وفي السيئة: هذا من عند رسول الله؛ بيَّن لهم أن كلًّا من عند الله، وأنهم لا يفقهون حديثًا، لكن بيَّن الوجه الذي يتنزل عليه أن كلًّا من عند الله بقوله: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} الآية [النساء: 79] ".

{وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ}..

طالب: {فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79].

نعم، هذا في ظاهره يتفق مع الدعوة، لكن ليس المراد: {فَمِنْ نَفْسِكَ} أن هذه السيئة نشأت من نفسك، وإنما كنت أنت السبب فيها فنُسبت إليك.

طالب: "وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد، وذلك ظاهر في أنهم أعرضوا عن مقاصد القرآن، فلم يحصل منهم تدبر، قال بعضهم: الكلام في القرآن على ضربين؛ أحدِهما: يكون برواية".

"أحدُهما".

طالب: "أحدُهما: يكون برواية، فليس يعتبر فيها".

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا}.

طالب: رجلًا.

{رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا} [النحل: 76]، نعم.

طالب: "أحدُهما: يكون برواية، فليس يُعتبر فيها إلا النقل. والآخر: يقع بفَهم، فليس يكون إلا بلسان من الحق إظهار حكمة على لسان العبد. وهذا الكلام يشير إلى معنى كلام عليٍّ. وحاصل هذا الكلام أن المراد بالظاهر هو المفهوم العربي، والباطن هو مراد الله تعالى من كلامه وخطابه، فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فُسِّر فصحيح، ولا نزاع فيه، وإن أرادوا غير ذلك فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلومًا عند الصحابة ومن بعدهم، فلا بد من دليل قطعي، يثبت هذه الدعوى؛ لأنها أصل يُحكم به على تفسير الكتاب، فلا يكون ظنيًّا، وما استُدل به إنما غايته إذا صح سنده أن ينتظم في سلك المراسيل، وإذا تقرر هذا، فلنرجع إلى بيانهما على التفسير المذكور بحول الله".

"إذا صح سنده" يعني عن الحسن "غايته أن ينتظم بسلك المراسيل"، والجمهور على رد المراسيل لا سيما مراسيل الحسن التي هي أضعف المراسيل، ردَّه جماهير النقاد؛ للجهل بالساقط في الإسناد.

طالب: "وله أمثلة تبيّن معناه بإطلاق، فعن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أصحاب النبي ، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتدخله ولنا بنونٌ مثله؟".

"«بنونَ»".

طالب: نعم؟

"«ولنا بنونَ»".

طالب: "«ولنا بنون مثله؟»".

ملحق بجمع المذكر، نعم.

طالب: "«فقال له عمر: إنه مَن حيث تعلم»".

يعني من حيث السن "«من حيث تعلم»"، لكن ترى الفارق.

طالب: "«فسألني عن هذه الآية: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]؟ فقلت: إنما هو أجل رسول الله أعلمه إياه، وقرأ السورة إلى آخرها. فقال عمر: والله ما أعلم منها إلا ما تعلم». فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه أن يسبح بحمد ربه ويستغفره؛ إذ نصره الله وفتح عليه، وباطنها أن الله نعى إليه نفسه. ولما نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية [المائدة: 3]، فرح الصحابة وبكى عمر، وقال: «ما بعدَ الكمال إلا النقصان» مستشعرًا نعيه -عليه الصلاة والسلام-، فما عاش بعدها إلا واحدًا وثمانين يومًا".

يعني تمت المهمة، إذا كمل الدين خلاص، كملت المهمة، والله المستعان.

طالب: "وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا} الآية [العنكبوت: 41]، قال الكفار: ما بال العنكبوت والذباب يُذكر في القرآن؟ ما هذا الإله؟! فنزل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]، فأخذوا بمجرد الظاهر، ولم ينظروا في المراد، فقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} الآية [البقرة: 26]. ويشبه ما نحن فيه نظر الكفار للدنيا، واعتدادهم منها بمجرد الظاهر الذي هو لهو ولعب وظل زائل، وترك ما هو مقصود منها، وهو كونها مجازًا ومعبرًا لا محل سكنى، وهذا هو باطنها".

المجاز هنا ليس المراد به ما يقابل الحقيقة، وإنما هو من الجواز والعبور، يعني هذه الدنيا مجاز يعني معبرة إلى الآخرة.

طالب: "وهذا هو باطنها على ما تقدم من التفسير. ولما قال تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30] نظر الكفار إلى ظاهر العدد، فقال أبو جهل فيما رُوي: لا يعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم. فبيَّن الله تعالى باطن الأمر بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً...} [المدثر: 31] إلى قوله: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [المدثر: 31]".

ظنّهم أبو جهل من جنس رجاله، من جنس هؤلاء الذين يراهم، وأن الواحد مهما كان في الشجاعة فلن يصمد أمام عشرة، لكنهم من نوع خاص، لا يعرفون قدر هؤلاء المخلوقين الذين هم الملائكة، جبريل بجناح واحد رفع قرى قوم لوط إلى السماء، ستمائة قرية بجناح واحد من ستمائة جناح.

طالب: "وقال: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8]، فنظروا إلى ظاهر الحياة الدنيا، وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]. وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ...} الآية [لقمان: 6] لما نزل القرآن الذي هو هدًى للناس ورحمة للمحسنين، ناظره الكافر النضر بن الحارث بأخبار فارس والجاهلية وبالغناء، فهذا هو عدم الاعتبار لباطن ما أنزل الله. وقال تعالى في المنافقين: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ} [الحشر: 13]، وهذا عدم فقه منهم؛ لأن من علم أن الله هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وأنه هو مصرف الأمور، فهو الفقيه، ولذلك قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الحشر: 13]".

إذا كان الأمر كذلك، فالفقه معدوم عند كثير من المسلمين، بمن في ذلك من يوصف بالفقه؛ لأنه وإن وُصف بالفقه إلا أنه يعظم المخلوق وينظر إلى المخلوق، وأن مستقبله بيده، وإن عُد من أهل العلم، وإن عُد من أهل الفقه، هو في الحقيقة لا يفقه. كل شيء بيد الله، الأجل والرزق كله بيد الله -جل وعلا-.

طالب: "وكذلك قوله تعالى: {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127]؛ لأنهم نظر بعضهم إلى بعض: {هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ}؟ {ثُمَّ انْصَرَفُوا} [التوبة: 127]. فاعلم أن الله تعالى إذا نفى الفقه أو العلم عن قوم، فذلك لوقوفهم مع ظاهر الأمر، وعدم اعتبارهم للمراد منه، وإذا أثبت ذلك فهو لفهمهم مراد الله من خطابه، وهو باطنه".

إذا نفى الله الفقه والعلم عن قوم وإن وُصفوا به، وإن حملوا بعض ما يُسمى به بالفقه والعلم، إلا أنهم ما استفادوا من هذا العلم، وما استفادوا من هذا الفقه، بل صار وبالًا عليهم وحجة عليهم، وحينئذ صح نفيه عنهم، ووُصفوا بضده وهو الجهل: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17]، قد يكون عالمًا يُشار إليه، يعرف الأحكام بأدلتها، ويعرف أن الخمر حرام بالدليل القطعي، ويعرف جميع ما ثبت فيه من الكتاب والسنة، ثم يشرب. هذا عالم أم جاهل؟ هذا جاهل، وإلا قلنا: إن توبته لا تصح؛ لأن التوبة محصورة على من عمل السوء بجاهلة، وهذا عالم، إذًا لا تُقبل توبته. فلما قُبلت توبته بالإجماع، قلنا: إنه ثبت له الوصف الثاني، وهو الجهل.

فكل من يعصي الله فهو جاهل، كل من عصى الله فهو جاهل، ويحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، وإلا فما يحمله الجهال ليس بعلم في الحقيقة.

اللهم صلَّ على محمد.