التعليق على الموافقات (1429) - 05

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1429) - 05
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الاثنين, 9 صفر, 1439 - 20:45

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيقول المصنف الإمام الشاطبي -رحمه الله تعالى-: "المسألة الرابعة: ما فيه حظ العبد محضًا من المأذون فيه يتأتى تخليصه من الحظ، فيكون العمل فيه لله تعالى خالصًا، فإنه من قبيل ما أُذن فيه أو أُمر به، فإذا تلقى الإذن بالقبول من حيث كان المأذون فيه هديةً من الله للعبد، صار مجردًا من الحظ، كما أنه إذا لبى الطلب بالامتثال من غير مراعاة لما سواه، تجرد عن الحظ، وإذا تجرد من الحظ ساوى ما لا عوض عليه شرعًا من القسم الأول الذي لا حظ فيه للمكلف. وإذا كان كذلك، فهل يُلحق به في الحكم لما صار ملحقًا به في القصد؟ هذا مما يُنظر فيه، ويحتمل وجهين من النظر:

أحدهما أن يقال: إنه يرجع في الحكم إلى ما ساواه في القصد؛ لأن قسم الحظ هنا قد صار عين القسم الأول بالقصد، وهو القيام بعبادة من العبادات مختصة بالخلق في إصلاح أقواتهم ومعايشهم، أو صار صاحبه على حظ من منافع الخلق يشبه الخزان على أموال بيوت الأموال والعمال في أموال الخلق، فكما لا ينبغي لصاحب القسم الأول أن يقبل من أحد هديةً ولا عوضًا على ما وُلِّيَ عليه ولا على ما تُعبِّد به، كذلك هاهنا لا ينبغي له أن يزيد على مقدار حاجته يقتطعه من تحت يده، كما يقتطع الوالي ما يحتاج إليه من تحت يده بالمعروف".

الإمام الوالي، وهو الإمام الأعظم ومن في حكمه ممن يتولى ولاية جزئية، إذا تولى لمصلحة غيره فإنه لا يجوز أن يأخذ من هؤلاء أصحاب المصلحة شيئًا، وإذا انقطع لهذا العمل وتعطل بسببه من الكسب له ولولده فإنه حينئذ يُفرض له من بيت المال؛ هذا في الولايات العامة، وكذا في الولايات الخاصة كأموال الأيتام مثلاً والخزائن، كأمناء المستودعات وما أشبه ذلك، فإنهم يتولونها بالمعروف، يأخذون منها بقدر كفايتهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأن الولاية أصلها لا لحظ العامل نفسه، وإنما هي لحظ غيره. بخلاف ما كانت الولاية فيه لحظ نفسه أو العمل فيه لحظ نفسه، كالأكل والشرب والبيوعات والأنكحة وغيرها، فإنه يُتفق فيها على ما ينتفع به هو بالدرجة الأولى من غير نظر إلى غيره، وإن كان غيره ينتفع، لكن الملاحظ في هذا العقد مصلحة النفس وحظ النفس، مثل ما قلنا: لو أن إنسانًا استغنى عن سلعة وذهب ليبيعها في السوق لم يلاحظ انتفاع الناس بهذه السلعة لا من قريب ولا من بعيد، لا يقول: أنا أطلع بها السيارة أبيعها؛ لأنه قد ينتفع بها مسلم، لا، هو ليأخذ قيمتها وينتفع به، هذا المنظور إليه أولاً وآخرًا، وإن حصل بطريق التبع أنه قد يشتري هذه السلعة من ينتفع بها.

وأما القسم الثاني وهو منظور في حظ الغير، كالولايات العامة والخاصة، هذه لا يُنظر فيها إلى حظ الإنسان نفسه، وإنما ينظر فيها إلى حظ غيره.

طالب: "كما يقتطع الوالي ما يحتاج إليه من تحت يده بالمعروف، وما سوى ذلك يبذله من غير عوض، إما بهدية، أو صدقة، أو إرفاق، أو إعراء أو ما أشبه ذلك، أو يعد نفسه في الأخذ كالغير يأخذ من حيث يأخذ الغير؛ لأنه لما صار كالوكيل على غيره والقيم بمصالحه، عد نفسه مثل ذلك الغير؛ لأنها نفس مطلوب إحياؤها على الجملة".

نعم، يعني ناظر الوقف مثلاً، ناظر الوقف، الموقف ينظر إلى مصرف الوقف، يهمه مصرف الوقف وتسيير هذا المصرف، ولا يكون ولا يتم هذا التسيير إلا بناظر. فهذا الناظر يحتاج من هذا الوقف ما يحتاجه الموقوف عليه والموصى له. نعم، قد لا يكون بحاجة، وحينئذ يستغني ويستعفف عنه، لكن إذا كان بحاجة أخذ منه بالمعروف، وبقاؤه وإحياؤه نظير ما في إحيائه نفس الموقوف عليه والموصى به، كلاهما مطلوب شرعًا، فلا يُنظر أحد ولا تُنظر مصلحة أحد على حساب آخر.

ونظير ذلك أيضًا الزكوات، يعني الشرع حينما فرض الزكاة، وجعلها ركنًا من أركان الإسلام، لاحظ فيها حق الفقير والمحتاج بالدرجة الأولى، لكنه مع ذلك لم يُهمل حاجة الأغنياء، يعني ما أهمل الأغنياء بالكلية، نعم هو نظر إلى مصلحة الفقير والمحتاج وجعلها غاية، لكن مع ذلك نظر أيضًا في مصلحة الغني فلم يرهقه، ولم يكلفه أكثر مما يحتمله من النسبة المقدرة شرعًا، وأيضًا من حيث الكمية والكيفية أيضًا يؤخذ من أوساط المال لا يؤخذ من نفائس الأموال: «إياك وكرائم أموالهم».

فالشرع يطلب الشيء بتوازن، وإذا نزل إلى مصلحة الفرد فإنه لا يهمل مصلحة الجماعة، وكذلك إذا كان الأمر متعلقًا بالجماعة فإن الفرد أيضًا مصلحته يُنظر إليها شرعًا، فالشرع متكامل.

طالب: "ومثل هذا محكي التزامه عن كثير من الفضلاء، بل هو محكي عن الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم-، فإنهم كانوا في الاكتساب ماهرين ودائبين ومتابعين لأنواع الاكتسابات؛ لكن لا ليدخروا لأنفسهم".

"ماهرين ودائبين ومتابعين لأنواع الاكتسابات" على مقتضى نظر الشرع، يعني من غير غرر ولا خيانة ولا خديعة ولا مكوس ولا عقود محرمة، على مقتضى الشرع لماذا؟ لأنها وسيلة وليست غاية يُحقق بها الهدف الشرعي، فإذا كانت وسيلة إلى العبودية، فكيف يتوسل بالمحرم إلى الواجب؟ ولذلك يأخذون منها قدر الكفاية، "لا ليدخروا لأنفسهم"، وإنما يأخذون منها ما تقوم بها حياتهم.

طالب: .......

باعتباره ناظرًا، يعني قائمًا بمصالح الوقف.

طالب: .......

لا، هو وصفه النظارة، ما هو بوصفه لا المسكنة ولا..

طالب: "لكن لا ليدخروا لأنفسهم ولا ليحتجنوا أموالهم؛ بل لينفقوها في سبيل الخيرات، ومكارم الأخلاق، وما ندب الشرع إليه، وما حسنته العوائد الشرعية، فكانوا في أموالهم كالولاة على بيوت الأموال، وهم في كل ذلك على درجات حسبما تنصه أخبارهم، فهذا وجه يقتضي أنهم لما صاروا عاملين لغير حظ، عاملوا هذه الأعمال معاملة ما لا حظ فيه ألبتة".

يعني وإن كانوا يستفيدون من كسب الأموال الأكل والشرب والمسكن والنكاح والاستمتاع بأنواع متع الدنيا، إلا أنهم ينظرون إليها على أنها ممر، وليست مقرًّا، وليست من حظهم؛ لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، مهما كانت بمتاعها وملاذها ومتعها، كلها سجن المؤمن، يأخذون منهم ما يقيم الأود وما يقيم الصلب وما تبقى معه الحياة، ولذلك لا يرونها من مصلحتهم ولا من حظهم؛ إنما هي لحظ غيرهم.

طالب: "ويدل على أن هذا مراعًى على الجملة، وإن قلنا بثبوت الحظ أنَّ طلب الإنسان لحظه حيث أُذن له لا بد فيه من مراعاة حق الله وحق المخلوقين، فإنَّ طلب الحظ إذا كان مقيدًا بوجود الشروط الشرعية، وانتفاء الموانع الشرعية، ووجود الأسباب الشرعية على الإطلاق والعموم، وهذا كله لا حظ فيه للمكلف من حيث هو مطلوب به؛ فقد خرج في نفسه عن مقتضى حظه. ثم إن معاملة الغير في طريق حظ النفس تقتضي ما أُمر به من الإحسان إليه في المعاملة، والمسامحة في المكيال والميزان، والنصيحة على الإطلاق، وترك الغش كله، وترك المغابنة غبنًا يتجاوز الحد المشروع، وأن لا تكون المعاملة عونًا له على ما يُكره شرعًا، فيكون طريقًا إلى الإثم والعدوان، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تعود على طالب حظه بحظ أصلاً، فقد آل الأمر في طلب الحظ إلى عدم الحظ".

كلام المؤلف -رحمه الله- يعني في غاية من المثالية: ينظر إلى المسلم على أنه كامل، وأنه لا ينظر إلى غير الهدف الذي خُلق من أجله، وأن ما عداه لا لحظه، حتى الأكل والشرب والنكاح وجميع متع الحياة ليست من قصده ولا من هدفه ألبتة، وكأنه يقول: إنه ينبغي أن لا تخطر له على بال. لكن هذه مثالية من يُطيقها؟ أقول: هذه مثالية من يطيقها؟ بل عموم المسلمين ينظرون إلى أن هذه المتع من حظوظهم، ويسعون لكسبها وجلبها، والشارع لا يكلفهم أكثر مما طلب منهم ووجب عليهم شرعًا، يعني لا يطالبهم بأن يتخلصوا مما زاد على حاجتهم من الأموال أبدًا، الواجب المفروض في الأموال نسبة معينة، نعم الأكمل أن يفعل المسلم كما فعل النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكما سيأتي من صنيع عائشة، النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «ما يسرني أن لي مثل أحد ذهبًا، تأتي عليه ثالثة وعندي منه دينار، إلا دينار أرصده لدين».

نعم، هذه مثالية، وهذا لا شك أنه غاية في دوران الإنسان مع مراد الله -جل وعلا-، وأن هذه الدنيا ينظر إليها على أنها لا شيء. لكن هل يُكلَّف جميع المسلمين بمثل هذا؟ الواجب شيء والكمال شيء آخر، فإذا أدى الإنسان ما أوجب الله عليه فالباقي له أن يدخره، وما محل الخلاف بين عثمان وأبي ذر وبين معاوية وأبي ذر إلا في هذا الباب، أبو ذر يقول: نعم، الزائد على الحاجة لا بد أن يتصدق به، الزائد على الحاجة لا بد أن يتخلص منه. هذه مثالية وهذا كمال. لكن غيره من الصحابة، وهو المقرر في الشريعة، أنه لا يجب على الإنسان إلا ما أوجب الله عليه.

واستغل بعض المغرضين نزاع أبي ذر مع عثمان من جهة، ومع معاوية من جهة أخرى، يعني استغل هذا النزاع، فجعل رأي أبي ذر أصلًا يستند عليه من يقول بالشيوعية والاشتراكية، وأُلف في سيرة أبي ذر، وفي منهج أبي ذر الاقتصادي، وألف في ذلك الاشتراكي الزاهد أبو ذر الغفاري. من هذا المنطلق أبو ذر يرى أن الدنيا ما تساوي من يجمعها ولا تساوي أن يتعب، وأن القدر الزائد يُدفع إلى من يستحقه ممن يضطر إليه ويحتاج إليه من المسلمين، يعني تطبيقًا للمثالية التي كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتصف بها، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، أعطى غنمًا بين جبلين، من يطيق مثل هذا من الناس؟ ويمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين لا يوقد في بيته نار. لكن هذا ليس على سبيل الوجوب والإلزام، يعني لو أن الإنسان كسب الملايين بل المليارات، وأخرج ما أوجب الله عليه من الزكاة فما يُلام إذا أمسك الباقي، إذا أخرج ما أوجب الله عليه، لا يلام شرعًا. لكن إذا تخلص منها، وركب العزيمة، ورأى الكمال، لا شك أن هذا أفضل من جهة الاقتضاء به -عليه الصلاة والسلام-، ويدل أيضًا على قوة التوكل.

طالب: .......

ما يترك الأهل، ما يترك الأهل، فالناس يتفاوتون يا أخي، الناس يتفاوتون، الناس منازل، يعني جاء أبو بكر بجميع ماله، نقول: غلطان؟ وجاء عمر بنصف ماله، نقول غلطان؟ أيهما أكمل.

طالب: أبو بكر.

أبو بكر أكمل، لكن لو قُدر أن شخصًا إذا أخرج من ماله بدأ يسأل الناس بأبواب المساجد: لله يا محسنين. هذا نقول: هذا في حقه ليست ممدحة كونه يتصدق بجميع ماله ويتوكل على الناس ما يتوكل على الله، أو يضيع نفسه، ويضيع من تحت يده.

طالب: "هذا والإنسان بعدُ في طلب حظه قصدًا، فكيف إذا تجرد عن حظه في أعماله؟ فكما لا يجوز له أخذ عوض على تحري المشروع في الأعمال، لا بالنسبة إلى العبادات ولا إلى العادات، وهو مجمع عليه، فكذلك فيما صار بالقصد كذلك. وأيضًا؛ فإن فرض هذا القصد لا يُتصور مع فرض طلب الحظ، وإذا كان كذلك، فهي داخلة في حكم ما لا يتم الواجب إلا به، فإن ثبت أنه مطلوب بما يقتضي سلب الحظ، فهو مطلوب بما لا يتم ذلك المطلوب إلا به، سواء علينا أقلنا: إنه مطلوب به طلبًا شرعيًّا أم لا، فحكمه على الجملة لا يعدو أن يكون حكم ما ليس فيه حظ البتة".

يعني لو قال شخص: أنا أجلس في بيتي ولا أتسبب، وأتحمل المسؤولية ولو مت جوعًا. نقول: لا، لا يجوز أن تجلس. هو في الأصل ليس مطلوبًا أن تلهث وراء الدنيا وتجعلها غاية، لكن إذا لم يتحقق الهدف الذي من أجله خُلقت، فإنه لا بد أن يكون مطلوبًا من باب ما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب. يعني تحصيل شروط الصلاة واجب أم ليس بواجب؟ واجب، يعني أنت كونك تسعى لأخذ سترة لصلاتك تستر بها عورتك يجب عليك، وإذا قصرت في ذلك وأنت تستطيع فأنت آثم، لكن هل يجب عليك أن تحصل نصابًا لتزكي؟ لا يجب عليك، ففرق بين هذا وهذا.

طالب: "وهذا ظاهر، فالشارع قد طلب النصيحة مثلاً طلبًا جازمًا، بحيث جعله الشارع عمدة الدين بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «الدين النصيحة»، وتوعد على تركه في مواضع، فلو فرضنا توقفها على العوض أو حظ عاجل، لكانت موقوفةً على اختيار الناصح والمنصوح، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون طلبها جازمًا".

يعني إذا طُلبت النصيحة منك، جاء شخص يستشيرك في عمل، يجب عليك بذل النصيحة من دون عوض؛ لأنه لو جاز أخذ العوض عليها، لكان لك الاختيار في بذلها وعدم بذلها، مع أنه قال -عليه الصلاة والسلام-: «الدين النصيحة». وعلى هذا فمكاتب الاستشارات مثلاً شرعية أم غير شرعية؟

طالب: في أمور الدنيا لهم.

يعني شخص جاء يستشيرك في شخص خطب ابنته، تقول: لا أشير عليك إلا بمائة ريال أو بألف ريال؟ لا يجوز. لكن استشارك في مشروع تجاري يرجو الكسب من ورائه؟ هذا لا مانع منه؛ لأنه لا يتضرر بذلك، وهو مستفيد، والمصالح مشتركة.

طالب: .......

كيف؟

طالب: .......

المقصود أن النصيحة في الأمور الحاجية والضرورية لا يؤخذ عليها، لكن في أمور التجارات في أمور الكماليات التي لا يجب على الإنسان بذلها يؤخذ عليها أجر.

طالب: "وأيضًا الإيثار مندوب إليه، ممدوح فاعله، فكونه معمولاً به على عوض لا يتصور أن يكون إيثارًا".

نعم، لو أن إنسانًا عند دخول المسجد آثر غيره وقال: تفضل ادخل قبلي، قال: طيب على اليمين، قال: لا أنت أكبر ادخل وآثره. عند أهل العلم الإيثار بالقرب غير مطلوب، بل تتجه الكراهة فيه لا سيما إذا كان من رتب عليه ثواب، إذا ترتب عليه مصلحة راجحة لكونه أبًا مثلاً أو بينك وبينه شحناء أو شيء من هذا، تريد زوال ما بينك وبينه، هذا صار مطلوبًا باعتبار المصلحة الراجحة. لكن لو قال لك: هذه فرجة في الصف الأول وأنت تقدمت إليها وأنت أحق بها مني، لكن هذه عشرة ريالات، وتنازل لي عنها، يجوز أم ما يجوز؟ ما يجوز. لكن لو قال: والله يا أخي أنا أحتاج هذا المكان؛ لأني أحتاج إلى أن أتسند على الجدار أو أعتمد على الجدار إذا أردت القيام، فالإيثار مطلوب في مثل هذا.

طالب: "لأن معنى الإيثار تقديم حظ الغير على حظ النفس، وذلك لا يكون مع طلب العوض العاجل، وهكذا سائر المطلوبات العادية والعبادية، فهذا وجه نظري في المسألة يمكن القول بمقتضاه. والوجه الثاني أن يقال: إنه يرجع في الحكم إلى أصله من الحظ؛ لأن الشارع قد أثبت لهذا العامل حظه في عمله، وجعله المقدم على غيره، حتى إنه إن أراد أن يستبد بجميعه كان سائغًا، وكان له أن يدخره لنفسه، أو يبذله لمصلحة نفسه في الدنيا أو في الآخرة، فهي هدية الله إليه، فكيف لا يقبلها؟ وهو وإن أخذها بالإذن وعلى مقتضى حدود الشرع، فإنما أخذ ما جُعل له فيه حظ، ومن حيث جُعل له، وبالقصد الذي أبيح له القصد إليه".

يعني الأموال وطريق كسبها متفاوتة، منها المحرم التحريم البين الواضح في النصوص كالربا والرشوة وغير ذلك وكسب البغي وحلوان الكاهن وما أشبه ذلك، هذه أمور محرمة لا إشكال فيها، ولا يمكن أن تباح بحال من الأحوال. هناك أيضًا كسوب مكروهة أو فيها شيء من الشبهات، على الإنسان أن يتقيها، وهو هناك كسب دون ذلك، وهو ما جاء بعد استشراف وتطلع، وإن كان لا شبهة فيه من بيت المال أو من السلطان، هذا أيضًا مال مرغوب عنه، لكن إذا جاء من بيت المال أو من السلطان من غير استشراف ولا تطلع، ولم يكن ثمنًا للدين، يعني كما جاء في صحيح مسلم: «ما جاءك من هذا المال من غير استشراف فخذه»، هذا أمر: «فخذه»، ما لم يكن ثمنًا لدينك، فإذا كان ثمنًا لدينك فلا. فإذا جاء من غير استشراف ولا تطلع ومن بيت المال وليس بثمن، ولا يرجى من ورائه شيء، ثم تنازل عنه وقال: والله أنا لا أريد وتورع عنه، هذه عزيمة، لكن إذا أخذه لا يلام بوجه من الوجوه.

"هذه هدية الله إليه فكيف لا يقبلها؟"، لكن يُنظر في البديل إذا لم يقبلها؛ لأن بعض الناس لا يقبل مثل هذه الأمور، ثم يقحم نفسه في أمور يضطر إليها هي أسوأ منها. فينظر الإنسان إلى البديل، إن كان عنده عزيمة وصبر أو عنده ما يغني عنها فله ذلك، وإلا فلا يضطر نفسه ولا يلجئها إلى كسب فيه شيء من المخالفة.

طالب: "وأيضًا فالحدود الشرعية وإن لم يكن له في العمل بمقتضاها حظ، فهي وسيلة وطريق إلى حظه، فكما لم يُحكم للمقصد بحكم الوسيلة فيما تقدم قبل هذه المسألة من أخذ الإنسان ما ليس له في العمل به حظ؛ لأنه وسيلة إلى حظه كالمعاوضات، فكذلك لا يُحكم هنا للمأذون فيه من الحظ بحكم ما تُوسل به إليه. وقد وجدنا من السلف الصالح -رحمهم الله- كثيرًا يدخرون الأموال لمصالح أنفسهم، ويأخذون في التجارة".

النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يأخذ من نصيبه من خيبر قوت سنة له ولأهله، قوت سنة، فمثل هذا لا يلام عليه الإنسان أن يدخر قوت سنة، مع أنه يحصل منه من هذا القوت المدخر الصدقات والبذل للناس سواء كانوا من الأقربين أو من الأبعدين، وكل من سأل يعطى حتى يأتي اليوم الذي لا يوجد ما يوقد عليه في بيته -عليه الصلاة والسلام-، ويبيت طاويًا ويربط الحجر على بطنه، وهو يدخر قوت سنة، ما فيه مانع أن يدخر قوت سنة، ثم بعد ذلك إذا جاء من يطلبه يصرف يدفع إليه.

طالب: "ويأخذون في التجارة وغيرها بمقدار ما يحتاجون إليه في أنفسهم خاصةً، ثم يرجعون إلى عبادة ربهم حتى إذا نفد ما اكتسبوه عادوا إلى الاكتساب، ولم يكونوا يتخذون التجارة أو الصناعة عبادةً لهم على ذلك الوجه، بل كانوا يقتصرون على حظوظ أنفسهم، وإن كانوا إنما يفعلون ذلك من حيث التعفف والقيام بالعبادة، فذلك لا يُخرجهم عن زمرة الطالبين لحظوظهم".

يعني وإن كان كسبهم من أجل الاستعانة به على طاعة الله -جل وعلا- وتحقيق الهدف الشرعي، إلا أن هذا أيضًا لا يخرجهم عن كونهم يطلبون ذلك لحظوظهم؛ لأن نفعه ملموس من جهة، ومن جهة كونه وسيلة إلى تحقيق هدف شرعي فهو مشروع.

طالب: "وما ذكر أولاً عن السلف الصالح ليس بمتعين فيما تقدم؛ لصحة حمله على أن المقصود بذلك التصرفِ حظوظ أنفسهم من حيث أثبتها الشارع لهم، فيعملون في دنياهم على حسب ما يسعهم من الحظوظ، ويعملون في أخراهم كذلك، فالجميع مبني على إثبات الحظوظ، وهو المطلوب، وإنما الغرض أن تكون الحظوظ مأخوذة من جهة ما حد الشارع، من غير تعدٍّ يقع في طريقها. وأيضًا فإنما حُدت الحدود في طريق الحظ أن لا يخل الإنسان بمصلحة غيره، فيتعدى ذلك إلى مصلحة نفسه، فإن الشارع لم يضع تلك الحدود إلا لتجرى المصالح على أقوم سبيل بالنسبة إلى كل أحد في نفسه، ولذلك قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46]، وذلك عام في أعمال الدنيا والآخرة".

"{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا}": جاء بالعمل الصالح بشروط القبول من الإخلاص والمتابعة؛ هذا لنفسه، هذا "{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ}". "{وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا}": في العبادة وفي المعاملة، إذا أساء في العبادة بأن أشرك مع الله غيره في هذه العبادة، أو عملها على غير هدي رسوله -عليه الصلاة والسلام-، فإن هذا العمل يكون عليه لا له، وكذلك المعاملات.

طالب: "وقال: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10]. وفي أخبار النبي بعد ذِكر الظلم وتحريمه: «يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها». ولا يختص مثل هذا بالآخرة دون الدنيا، ولذلك كانت المصائب النازلة بالإنسان بسبب ذنوبه؛ لقوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30]، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، والأدلة على هذا تفوت الحصر، فالإنسان لا ينفك عن طلب حظه في هذه الأمور التي هي طريق إلى نيل حظه. وإذا ثبت هذا تبين أن هذا القسم لا يساوي الأول في امتناع الحظوظ العاجلة جملةً".

يعني هذه العقوبات بسبب الذنوب والمعاصي فيها أطراف، وكل طرف له حكمه الشرعي، عصى زيد معصية فسُلط عليه عمرو، وطُلب من بكر أن ينصره، ويرفع الظلم عنه، ثلاث أشخاص كل له حكمه الشرعي، نقول لزيد: ما دام عصيت فما كسبت يداك، لكن هل معنى هذا أننا نسلمه لمن يظلمه؟ لا، لا بد من نصره، وهل نقول لعمرو: زيد مستحق لهذه العقوبة فشدد عليه وزد عليه؟ نقول: لا، أنت ظالم، وفعلت محرمًا، وأنت عُوقبت بسبب ذنبك، وأنت أيها الثالث عليك نصر المظلوم، ونصر الظالم بكفه عن الظلم؛ فكل له ما يخصه من خطاب الشرع.

وإذا وُجدت كارثة مثلاً جفاف أو فيضان أو ما أشبه ذلك في بلاد من بلدان المسلمين نقول: فبما كسبت أيديهم، لكن هل لا نساعدهم على رفع هذه المصيبة؟ ما نتصدق وندفع لهم الأموال؟ نقول: يتحملون مسؤوليتهم؟ أبدًا، نحن مطالبون برفع هذه المصيبة عنهم، وأن نتبرع عنهم، ونخفف عنهم آلامهم، ولو كانوا هم السبب، ولو اعتدى عليهم كافر وجب صده، ولا نقول: إن هذا الكافر سُلط عليهم بسبب ذنوبهم، اتركوهم ما داموا هم السبب اتركوهم، لا ما يُتركون. يعني لما حصل فيضان أو جفاف، ما أدري، في جهة أفريقيا في بلد إسلام، يعني ما أدري السودان أو الصومال أو غيرهم قبل عشر سنوات، خطب واحد من الخطباء عن هذه المصيبة النازلة بإخواننا من المسلمين وقال: إن سببها المعاصي والمنكرات والذنوب وما أدري أيش، قام واحد تكلم بعد الصلاة قال: يا أخي ما معك حق، الناس يبغون أن يتبرعوا وأنت صددتهم، ما دام بسبب ذنوبهم ألا نتصدق عليهم؟

نقول: ومع ذلك هي بسبب ذنوبهم، ويلامون على الذنوب، وترفع عنهم وتخفف عنهم هذه المصيبة من قِبل المسلمين. فكلٌّ له ما يخصه؛ لأنه أحيانًا الأنظار تضيق، يقول: ما دام هو السبب لماذا أساعده؟ ما دام عاصيًا يستحق؟ نعم هو يستحق في قضاء الله -جل وعلا-، وفي عدله، وفي شرعه، لكن الذي ظلمه يباح له أن يظلمه؛ لأنه مستحق؟ لا يجوز أن أظلمه. فهذا مطالب باعتباره ظالمًا، وهذا أيضًا مستحق باعتباره عصا، بما كسبت يداه، والثالث مطالب بأن ينصر أخاه الظالم والمظلوم.

طالب: .......

هو الآن عندك متسبب ومباشر، في الظلم اثنان: المظلوم متسبب بمعصيته وبما كسبت يداه، والظالم مباشر، والمباشر المباشرة تقضي على أثر التسبب، فالمطالب أولاً وآخرًا هو الظالم لأنه هو المباشر، فيدعو علينا وندعو عليه، وإذا كان مستحقًّا للعقوبة تنزل عليه آفة سماوية وقدر إلهي، ما يكون على يد مخلوق مكلف؛ لأن المكلف مطالب بما يرتكبه، فيدعو عليه بقدر مظلمته.

طالب: .......

لا، قد تكون بذنب، قد تكون رفع درجات في الآخرة، قد تكون لحكمة ومصلحة يراها الله- جل وعلا-، لكن الأصل: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر: 45]، لكن الله -جل وعلا- عفو.

طالب: "وقد يمكن الجمع بين الطريقين؛ وذلك أن الناس في أخذ حظوظهم على مراتب: منهم من لا يأخذها إلا بغير تسببه، فيعمل العمل أو يكتسب الشيء فيكون فيه وكيلاً على التفرقة على خلق الله بحسب ما قدر، ولا يدخر لنفسه من ذلك شيئًا، بل لا يجعل من ذلك حظًّا لنفسه من الحظوظ؛ إما لعدم تذكره لنفسه؛ لاطراح حظها حتى يصير عنده من قبيل ما يُنسى، وإما قوة يقين بالله؛ لأنه عالِم به، وبيده ملكوت السماوات والأرض، وهو حسبه فلا يخيبه، أو عدم التفات إلى حظه يقينًا بأن رزقه على الله فهو الناظر له بأحسن مما ينظر لنفسه، أو أنفة من الالتفات إلى حظه مع حق الله تعالى، أو لغير ذلك من المقاصد الواردة على أصحاب الأحوال.

وفي مثل هذا جاء: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. وقد نُقل عن عائشة -رضي الله عنها- أن ابن الزبير بعث لها بمال في غرارتين، قال الراوي: أراه ثمانين ومائة ألف، فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة، فجعلت تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم، فلما أمست قالت: يا جارية، هلمي أفطري، فجاءتها بخبز وزيت، فقيل لها: أما استطعت فيما قسمتِ أن تشتري بدرهم لحمًا تفطرين عليه؟ فقالت: لا تُعَنِّيني، لو كنتِ ذكَّرتِني لفعلتُ. وخرَّج مالك أن مسكينًا سأل عائشة وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إياه. فقالت: ليس لكِ ما تفطرين عليه. فقالت: أعطيه إياه. قالت: ففعلت. قالت: فلما أمسينا أهدى لنا أهل بيت أو إنسان ما كان يهدي لنا".

يعني ليس من عادته أن يُهدي.

طالب: "شاةً وكفنها، فدعتني عائشة فقالت: كلي من هذا؛ هذا خير من قرصك".

نعم، هي لقوة توكلها على الله -جل وعلا- ويقينها بما عند الله حصل مثل هذا، ما عندها إلا رغيف واحد وهي صائمة، تصدقت به فعُوضت بهذا الشاة المكفنة، والشاة المكفنة عندهم إذا سُلخت تطلى بالدقيق، ثم تُدخل الفرن وتشوى بما عليها من دقيق، ولا زالت موجودة الآن لا سيما في الحجاز موجودة المكفنة.

طالب: "ورُوي عنها أنها قسمت سبعين ألفًا وهي ترقع ثوبها".

"سبعين ألفًا وهي ترقع ثوبها"! قد يقول لها القائل مثل ما قيل لها: ما تشترين شيئًا تفطرين عليه؟ هلا لحمًا تفطرين عليه؟ الآن ترقع الثوب وتوزع سبعين ألفًا؟ يلام مثل هذا أم لا يلام؟ لا يلام؛ لثقتها بما عند الله -جل وعلا-، واقتداءً بالنبي -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: "وباعت ما لها بمائة ألف وقسمته، ثم أفطرت على خبز الشعير، وهذا يشبه الوالي على بعض المملكة، فلا يأخذ إلى من الملك؛ لأنه قام له اليقين بقسم الله وتدبيره مقام تدبيره لنفسه، ولا اعتراض على هذا المُقام بما تقدم، فإن صاحبه يرى تدبير الله له خيرًا من تدبيره لنفسه".

نعم، ولا يلام إذا سئل الغني وأعطى زيدًا، وسأله عمرو فلم يعطه، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إنما أنا قاسم والله العطي»، «أنا قاسم»، والذي يعطي هو الله -جل وعلا- ولذلك تجدون أحيانًا التاجر يأتيه الفقير المحتاج شديد الحاجة ثم يرده، ما قسم الله له شيئًا، ولذلك لا يعطيه التاجر، ثم يأتيه من هو أقل حاجة فيعطيه. فالله المعطي، فلا يلام لأنه أعطى هذا ولا يلام لأنه منع هذا.

طالب: "فإذا دبر لنفسه انحط عن رتبته إلى ما هو دونها، وهؤلاء هم أرباب الأحوال. ومنهم من يعد نفسه كالوكيل على مال اليتيم، إن استغنى استعف، وإن احتاج أكل بالمعروف، وما عدا ذلك صرفه كما يصرف مال اليتيم في منافعه، فقد يكون في الحال غنيًّا عنه، فينفقه حيث يجب الإنفاق، ويمسكه حيث يجب الإمساك، وإن احتاج أخذ منه مقدار كفايته بحسب ما أُذن له من غير إسراف ولا إقتار، وهذا أيضًا براءة من الحظوظ في ذلك الاكتساب، فإنه لو أخذ بحظه لحابى نفسه دون غيره، وهو لم يفعل، بل جعل نفسه كآحاد الخلق، فكأنه قسَّام في الخلق يعد نفسه واحدًا منهم".

لو أن هذا الأمين على هذا المال لتوزيعه أخذ لحظ نفسه مقدار كفايته، وهو يستحق من هذا المال بالوصفين: أحدهما الحاجة والثاني الأجرة، فهل يأخذ من تلقاء نفسه بالوصفين، أو يأخذ نفسه يجعل نفسه كآحاد الناس، ويأخذ بوصف واحد؛ لأن التقدير الثاني ليس إليه، يعني نصيب العامل على الزكاة مثلاً، يعني لو أن شخصًا فقير جمع أموال من التجار وقال: أنا آخذ بوصف الفقر وآخذ بوصف العمالة أنا عامل. له ذلك أم ليس له ذلك؟ ليس له ذلك، يأخذ بالوصف بوصف الفقر، لكن ليس له أن يأخذ بوصف العمالة حتى يكلف من قِبل ولي الأمر ويقرر له نسبة معينة؛ ولذلك تجدون بعض الإخوان يجتهد ويكلف بعض الشباب أن يجمعوا من أموال الزكاة، ويصرف لهم من هذه الزكاة لقاء عملهم، فيعتبرهم من العاملين عليها، وليس ذلك له، هذا ليس لأحد، إنما هو لولي الأمر، هو الذي يكلف، وهو الذي يحدد هذه النسب.

ولذلك أبو بكر ما كلف أحدًا في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- ولا عمر ولا غيره، الذي يكلفهم هو النبي -عليه الصلاة والسلام-، ومن بعده الذي يكلف أبو بكر، ومن بعده الذي يكلف عمر؛ ولذلك هذه الاجتهادات الشخصية من بعض الناس في تكليف بعض الشباب بجمع الأموال، ولهم نسبة واحد بالمائة، اثنان بالمائة مقابل أجرهم أو عملهم هذا لا يجوز بحال، ولو تُركت الأمور إلى تقدير آحاد الناس لصارت فوضى.

طالب: .......

لا، هو كونه أخذ من الأغنياء أموالاً ليردها على الفقراء باعتباره نائبًا عن الأغنياء أو نائبًا عن الفقراء هذا ما فيه إشكال إذا كان ثقة، الإشكال في كونه كلف من يجمع وفرض له نصيًاب ليس إليه هذا الفرض.

طالب: .......

ما يمكن أن تكون أجرة، من يفرض الأجرة؟ ليست لكل أحد، يعني لو تُركت في أحدنا لصارت فوضى.

طالب: "وفي الصحيح عن أبي موسى -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله : «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد، فهم مني وأنا منهم»، وفي حديث المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هذا، وقد كان -عليه الصلاة والسلام- يفعل في مغازيه من هذا ما هو مشهور، فالإيثار بالحظوظ محمود غير مضاد لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»، بل يُحمل على الاستقامة في حالتين. فهؤلاء والذين قبلهم لم يقيدوا أنفسهم بالحظوظ العاجلة، وما أخذوا لأنفسهم لا يعد سعيًا في حظ؛ إذ للقصد إليه أثر ظاهر، وهو أن يؤثِر الإنسان نفسه على غيره، ولم يفعل هنا ذلك، بل آثر غيره على نفسه، أو سوَّى نفسه مع غيره، وإذا ثبت ذلك كان هؤلاء برآء من الحظوظ، فكأنهم عدوا أنفسهم بمنزلة من لم يُجعل له حظ (أو بمنزلة من لم يَجعل له حظًّا)، وتجدهم في الإجارات والتجارات لا يأخذون إلا بأقل ما يكون من الربح أو الأجرة، حتى يكون ما حاول أحدهم من ذلك كسبًا لغيره لا له، ولذلك بالغوا في النصيحة فوق ما يلزمهم؛ لأنهم كانوا وكلاء للناس لا لأنفسهم، فأين الحظ هنا؟".

يعني مثل ما فعل جابر -رضي الله عنه-، جرير بن عبد الله، جرير بن عبد الله البجلي في الفرس، رأى مع شخص فرسًا فقال له: أتبيعه؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: بثلاثمائة، قال: اشتريت، لكن فرسك يستحق أكثر، فقال: بأربعمائة، فما زال به حتى وصل إلى التسعمائة؛ لأنه بايع النبي -عليه الصلاة والسلام- على النصح لكل مسلم، وهذا من النصح. فهل مثل هذا العقد لحظ نفسه أو لحظ غيره؟ ثلاثة أضعاف، والواحد منا إذا رأى سلعة تباع بربع قيمتها أو بثلث قيمتها قال: لا يا أخي القيمة مرتفعة، غالٍ، نزل، مائتين مائتين وخمسين، وهو يعرف أنها بربع القيمة، لماذا ما تأخذها مباشرة؟ قال: لا، لو آخذها مباشرة انتبه أنها رخيصة. فأين هذا من هذا؟

صحيح هذا طريق عند الناس كلهم الآن، إذا رأى سلعة وهو يريدها، وسأل عنها قيل له: بألف، ثم وجدها في مكان قال: بثلاثمائة، يقول: لا يا أخي، أنت خلها بمائتين، ما تساوي ذلك، وهو يعرف أن قيمتها ألف، تسعمائة، في هذا الحدود، يقول: ما تساوي. طيب، ما اشتريت بربع القيمة ما تشتري؟ قال: لا، لو أقول له اشتريت انتبه؛ لأنه من الطرفين أيضًا القلوب متغيرة، يعني حتى الطرف الآخر إذا قال الزبون اشتريت على طول، قال: ما اشترى بسرعة إلا لأن فيها رخصًا.

طالب: .......

لا ما هو بحاجة هنا، حاجته مقضية، لكن إلا لأن فيها نزولًا في قيمتها. إذًا نقول له والله لازم نرفع السعر.

فلا شك أن النصيحة تكاد أن تذوب في المجتمعات الإسلامية، يعني عند المسلمين تكاد أن لا يكون لها ذكر إلا في القليل النادر.

طالب: "بل كانوا يرون المحاباة لأنفسهم -وإن جازت- كالغش لغيرهم، فلا شك أن هؤلاء لاحقون حكمًا بالقسم الأول، بإلزامهم أنفسهم لا باللزوم الشرعي الواجب ابتداءً. ومنهم من لم يبلغ مبلغ هؤلاء، بل أخذوا ما أُذن لهم فيه من حيث الإذن، وامتنعوا مما منعوا منه، واقتصروا على الإنفاق في كل ما لهم إليه حاجة، فمثل هؤلاء بالاعتبار المتقدم أهل حظوظ، لكن مأخوذة من حيث يصح أخذها، فإن قيل في مثل هذا: إنه تجرُّد عن الحظ، فإنما يقال من جهة أنهم لم يأخذوها بمجرد أهوائهم تحرزًا ممن يأخذها غير ملاحظ للأمر والنهي، وهذا هو الحظ المذموم؛ إذ لم يقف دون ما حُدَّ له، بل تجرأ كالبهيمة لا تعرف غير المشي في شهواتها، ولا كلام في هذا".

نعم، مثل البهيمة، قد تمشي وتأكل من بستان صاحبها ثم تتعداه وتتجاوزه إلى بستان جاره، ثم إلى الثاني والثالث، تتعدى ما حُد لها؛ لأنها غير مكلفة ولا تثريب عليها. لكن كون مسلم مكلف يقع في مثل ما وقعت فيه هذه البهيمة هذه هي الكارثة.

طالب: .......

الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. ولذلك نهي عن تلقي الركبان، وأن يبيع الحاضر للبادي، كله خشية من هذا.

طالب: "وإنما الكلام في الأول، وهو لم يتصرف إلا لنفسه، فلا يُجعل في حكم الوالي على المصالح العامة للمسلمين، بل هو والٍ على مصلحة نفسه، وهو من هذا الوجه ليس بوالٍ عام، والولاية العامة هي المبرأة من الحظوظ، فالصواب -والله أعلم- أن أهل هذا القسم معاملون حكمًا بما قصدوا من استيفاء الحظوظ، فيجوز لهم ذلك بخلاف القسمين الأولين، وهما من لا يأخذ بتسبب أو يأخذ به، لكن على نسبة القسمة ونحوها".

لكن هنا صورة قد لا يتجه النصح فيها، النصح مطلوب و«الدين النصيحة»، لكن هناك شخص عُرف بأنه جشع، ولديه من الطمع ما لا يوجد عند غيره، وجميع السلع عنده مرتفعة أكثر من غيره، وعنده أشياء يُحتاج إليها، ولا توجد عند غيره، تأتي عنده كتاب تحتاجه فيقول لك بضعف الثمن، كتاب يستحق ألفًا يقول لك: بألفين، أنت محتاج إلى هذا الكتاب تأخذه ولا تجده عند غيره وهو ما يسوى، ثم تأتي إلى كتاب ثالث وخامس وعاشر، ثم يأتي كتاب من بين هذه الكتب بنصف القيمة مثلاً، هل تقول: هذه فرصة أستخرج بعض ما أخذ علي من الزيادة أو تنصح له؟

طالب: ......

نعم، ما يستحق النصح مثل هذا، مثل هذا لا يستحق النصح، وأخذ هذه السلعة بنصف القيمة استرداد لما أخذه من أقيام مرتفعة.

طالب: .......

هذه مثالية، أنا قلت لك ليس بواجب هذا، هذه مثالية، هذا صنيع النبي -عليه الصلاة والسلام- ومن أراد أن يرتكب مثل هذه العزيمة فهو على كل حال على خير، لكن لا يلزم الناس كلهم.

طالب: .......

كيف ما يساوي شيئًا؟

طالب: .......

هو ما يرى قيمته المعنوية، لكن يرى قيمته الحسية، يعني ترجع المسألة إلى أن القيمة هي المال.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

نعم، قد يكون المشتري اشترى برخص، الكتاب يستحق ثلاثة آلاف، ففرصة، خرج إلى الحراج ووجده بمائتين، بثلاثمائة، واشتراه ثم عرضه بخمسمائة، هو كسبان على كل حال، ينبه إلى أن الكتاب قيمته ثلاثة آلاف أو ألفان أو أكثر أو أقل؟ هو اشتراه برخص، أنت ما الذي يدريك أنه اشتراه برخص؟ ما تدري؟

طالب: .......

ما يدرى، هو غلطان أو وارث أو مهدى له.

طالب: ........