التعليق على تفسير القرطبي - سورة الجن (01)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:

سورة الجن مكية في قول الجميع، وهي ثمان وعشرون آية، قوله تعالى: قد أوحي إلي. "

قل.

"                ﭣﭤ        الجن: ١ - ٣  فيه خمس مسائل؛ الأولى: قوله تعالى:    الجن: ١  أي قل يا محمد لأمتك أوحى الله إلي على لسان جبريل أنه استمع إلي نفر من الجن وما كان -عليه السلام- عالمًا به قبل أن أوحي إليه، هكذا قال ابن عباس وغيره على ما يأتي، وقرأ ابن أبي.. "

يعني استمع إليه من غير علمه -عليه الصلاة والسلام- ولا رآهم على هذا القول، وسيأتي القول الآخر أنه رآهم واتفق معهم، وقرأ عليهم القرآن، ومنهم من يقول: هما قصتان، فمرة استمعوا ولم يعلم بهم كما دل عليه كلام ابن عباس ومرة بالاتفاق معهم، فقرأ عليهم القرآن ورآهم وأبصرهم، وهذا ما يدل عليه خبر ابن مسعود الآتي.

" وقرأ ابن أبي عبلة: أحيى على الأصل يقال: أوحى إليه ووحى، فقلبت الواو همزة، ومنه قوله تعالى:    المرسلات: ١١  وهو من القلب المُطلق جوازه في كل واو مضمومة، وقد أطلقه المازني في المكسورة أيضًا كإشاح وإسادة وإداء أخيه ونحوه. "

وإعاء أخيه.

" وإعاء أخيه ونحوه الثانية، واختلف هل رآهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أم لا؟ فظاهر القرآن يدل على أنه لم يرهم؛ لقوله تعالى: استمع، وقوله تعالى... "

يعني كأنه لم يعلم بهم حتى أُوحي إليه بعد ذلك كما يدل عليه صدر السورة    الجن: ١  فلو لم يوحَ إليه في شأنهم شيء ما علم بهم، فلم يعلم بهم حتى أُوحي إليه.

" وقوله تعالى: الأحقاف: ٢٩ ، وفي صحيح مسلم والترمذي عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الجن، وما رآهم انطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب قالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أُخذوا نحو تهامة وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا، فأنزل الله -عز وجل- على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-         الجن: ١  رواه الترمذي. "

قوله وسمعوا فلما سمعوا القرآن استمعوا سمعوه صدفة من غير قصد، لكنهم لما سمعوه استمعوا له قصدوا سماعه ثم قالوا ما قالوا.

" رواه الترمذي عن ابن عباس قال: قول الجن لقومهم           الجن: ١٩  قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته فيسجدون بسجوده قال: تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم:           الجن: ١٩  قال: هذا حديث حسن صحيح، ففي هذا الحديث دليل على أنه -عليه السلام- لم ير الجن، ولكنهم حضروه وسمعوا قراءته، وفيه دليل على أن الجن كانوا مع الشياطين حين تجسسوا الخبر بسبب الشياطين لما رُموا بالشهب، وكان المرميون بالشهب من الجن أيضًا، وقيل لهم شياطين كما قال: شياطين الإنس والجن، فإن الشيطان كل متمرد وخارج عن طاعة الله، وفي الترمذي عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون إلى الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًّا، وأما ما زادوا فيها فيكون باطلاً، فلما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس: ما هذا الأمر إلا من أمر قد حدث في الأرض؟ فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائمًا يصلي بين جبلين -أُراه قال: بمكة- فأتوه فأخبروه فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض، قال: هذا حديث حسن صحيح، فدل هذا الحديث على أن الجن رُموا كما رميت الشياطين، وفي رواية السدي أنهم لما رُموا أتوا إبليس فأخبروه بما كان من أمرهم فقال: ائتوني من كل أرض.. "

مخرّج الحديث الأول والثاني؟

طالب: ................

لا، خل حديث مسلم، الترمذي.

طالب: ................

هذا الحديث يدل على أن الجن رُموا كما رُمي الشياطين يعني على القول بأن الجن من ولد إبليس، والإنس من ولد آدم -عليه السلام- ما فيه إشكال يكون من فصيلتهم، فصيلة واحدة الجن والشياطين إلا أن هؤلاء فيهم المؤمنون الجن وفيهم الكافرون، والشياطين كلهم تبع لأبيهم- نسأل الله العافية-، كما أن الإنس فيهم المؤمن وفيهم الكافر، فعلى خلاف بين أهل العلم في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة أو يُكتفى بنجاتهم من النار؟ خلاف بين أهل العلم، والذي يظهر أن مطيعهم يدخل الجنة كمطيع الإنس؛ لأنهم في التكليف وأمام التشريع سواء الذاريات: ٥٦  فيكونون في الجزاء سواء.

طالب: ................

معروف هذا الأصل، لكن الشياطين الذين هم من ذرية إبليس الشيطان الأكبر، ما فيه شك أن الشيطان يُطلق على كل من تمرد سواء كان من الإنس أو الجن كما قال -جل وعلا-: {شياطين الإنس والجن}، وبالمعنى الأخص الذين هم من ذرية إبليس.

طالب: ................

والشياطين منهم.

طالب: ................

نعم، لكن سواء قلنا بأن الأصل الجن وإبليس منهم أو قلنا وكما يدل على ذلك          ﮪﮫ الكهف: ٥٠  يعني خرج طاعته، وسواء قلنا: إن الشيطان الأكبر إبليس هو أصل الجميع من الجن والشياطين، فهل هو من الجن أو الجن منه؟ الآية تدل على أنه من الجن، يعني من هذه الفصيلة التي يقابلها الإنس، كان من الجن ففسق، طيب يكون الأصل في الجن الفسق أو عدم الفسق؟ يعني يمكن أن يقال: إنهم يولدون على الفطرة مثل بني آدم في الأص،ل ثم تمرد منهم من تمرد كإبليس؟

طالب: ................

لكن اقرأ الباقي..

طالب: ................

قبل الإنس، إذا كان فرع وهو إبليس مع آدم الذي هو أبو البشر، وقد تقدمه أصله الذي هم الجن يكونون قبل الإنس.

" وفي رواية السدي: أنهم لما رُموا أتوا إبليس فأخبروه بما كان من أمرهم فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها، فأتوه فشم فقال: صاحبكم بمكة، فبعث نفرًا من الجن قيل: كانوا سبعة، وقيل: تسعة منهم زوبعة. وروى عاصم عن زر قال: قدم رهط زوبعة وأصحابه على النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقال الثمالي: بلغني أنهم من بني الشيصبان، وهم أكثر الجن عددًا وأقواهم شوكة، وهم عامة جنود إبليس. وروى أيضًا عاصم عن زر أنهم كانوا سبعة نفر ثلاثة من أهل حرّان وأربعة من أهل نصيبين. وحكى جويبر عن الضحاك أنهم كانوا تسعة من أهل نصيبين، قرية باليمن غير التي بالعراق. وقيل: إن الجن الذين أتوا مكة جن نصيبين والذين أتوه.. "

لكن المشهور عند المفسرين قاطبة أنها التي بالعراق، نصيبين التي بالعراق، وأما كون نصيبين قرية في اليمن فهذا لا يُعرف في كتب البلدان.

" وقيل: إن الجن الذين أتوا مكة جن نصيبين، والذين أتوه بنخلة جن نينوى، وقد مضى بيان هذا في سورة الأحقاف، قال عكرمة: والسورة التي كان يقرؤها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اقرأ باسم ربك، وقد مضى في سورة الأحقاف التعريف باسم النفر من الجن، فلا معنى لإعادة ذلك. "

يعني ذكر أسمائهم وعددهم ومثل هذا الذي لم يذكر في الكتاب ولا في صحيح السنة لا يحتاج إليه.

" وقيل: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى الجن ليلة الجن، وهو أثبت، روى عامر الشعبي قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الجن؟ فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب فقلنا: استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبح إذا هو يجيء من قِبَل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فقدناك وطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: «أتاني داعي الجن، فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن»، فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة فقال: «لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم»."

جن الجزيرة ما يختلف مع ما تقدم من أنهم جن نصيبين؛ لأن نصيبين بالجزيرة بالعراق، لكن الإشكال في كونهم من نصيبين اليمن أن هذا ما يُعرف عند المفسرين، سيأتي أنهم من جن الموصل، وعلى كل حال الجزيرة ونصيبين والموصل ونينوى كلها تُطلق على مكان واحد يشملهم اسم العراق.

" فقال: «لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابّكم»، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فلا تستنجوا بهما، فإنها طعام إخوانكم الجن» قال ابن العربي: وابن مسعود أعرف من ابن عباس؛ لأنه شاهده، وابن عباس سمعه، وليس الخبر كالمعاينة، وقد قيل: إن الجن أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دفعتين إحداهما بمكة، وهي التي ذكرها ابن مسعود، والثانية بنخلة، وهي التي ذكرها ابن عباس قال البيهقي: الذي حكاه عبد الله بن عباس إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلمت بحاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم كما حكاه، ثم أتاه داعي الجن مرة أخرى فذهب معهم وقرأ عليهم القرآن، كما حكاه عبد الله بن مسعود قال البيهقي: والأحاديث الصحاح تدل على أن ابن مسعود لم يكن مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة الجن. "

لأنه سئل ابن مسعود سئل عن نفسه: هل كان مع النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال ابن مسعود: لم يكن معه منا أحد، ولعله يقصد لما ذهب إلى الجن، وقد كان معه جمع من أصحابه منهم ابن مسعود فقال لهم: لا تتعدوا هذا المكان، فالسفر الأصلي معه ثم قال لهم: لا تتعدوا هذا المكان، وذهب إلى الجن وقرأ عليهم وليس معه أحد في السفر الخاص إلى الجن مع أن أصل الحديث الذي فيه تمامه، وأن النبي -عليه الصلاة والسلام- سأله عن الماء قال: إنه ليس معه إلا نبيذ قال: تمرة طيبة وماء طهور، هذا حديث ضعيف، فيه أبو زيد مجهول عند أهل العلم ومضعّف، وعليه معوّل الحنفية في جواز الوضوء بالنبيذ مع أنه ضعيف وزيادة على النص على اصطلاحهم وهو نسخ، والنسخ لا يكون بمثل هذا.

طالب: ................

هو أكثر من لقاء، لكن الكلام على الذي يخص هذه السورة، والذي يخص سورة الأحقاف التي فيها تدوين للحادثة في القرآن، أما اللقاءات التي ما دونت..

طالب: ................

على كل حال يهمنا اللقاءات التي دونت في القرآن في سورة الأحقاف وفي سورة الجن.

" قال البيهقي: والأحاديث الصحاح تدل على أن ابن مسعود لم يكن مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة الجن، وإنما سار معه حين انطلق به وبغيره يريه آثار الجن وآثار نيرانهم. "

يعني خروجهم من مكة كانوا معه، ثم لما أراد أن يقرأ على الجن ويلتقي بهم لم يكن معه أحد، فلما انصرفوا ورجع إلى أصحابه ذهب وذهب من معه ممن يريه آثارهم وآثار نيرانهم.

طالب: ................

بنخلة.. بين مكة والطائف.

طالب: ................

نعم..

طالب: ................

مسجد الجن.. الذي بالمدينة..

طالب: ................

معروف الذي من جهة سوق الليل هناك يسمى مسجد الجن ما أدري هل هو.. وهناك محبس الجن أيضًا..

طالب: ................

أين؟

طالب: ................

هناك محبس الجن وهناك مسجد الجن.. ما هنا أحد من أهل مكة يحدد لنا..

طالب: ................

لا، هذا جهة، وذا جهة يختلف.

طالب: ................

مسألة الإثبات وما الإثبات يمكن من خلال تواريخ مكة يتبين.

طالب: ................

لا، فيه أشياء نُقلت وأشياء لم تُنقل، لكن ما يُحتاج إليه لا بد من نقله.

" قال: وقد رُوي من غير وجه أنه كان معه ليلتئذ، وقد مضى هذا المعنى في سورة الأحقاف والحمد لله، روي عن ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أمرت أن أتلو القرآن على الجن، فمن يذهب معي؟» فسكتوا ثم قال الثانية ثم قال الثالثة، ثم قال عبد الله بن مسعود: أنا أذهب معك يا رسول الله، فانطلق حتى جاء الحَجون عند شعب أبي دب، فخط علي خطًّا فقال: لا تجاوزه، ثم مضى إلى الحَجون فانحدر عليه أمثال الحَجل يحدرون الحجارة بأقدامهم يمشون يقرعون في دفوفهم كما تقرع النسوة في دفوفها حتى غشوه، فلا أراه، فقمت فأومأ إلي بيده أن اجلس، فتلا القرآن فلم يزل صوته يرتفع، ولصقوا بالأرض حتى ما أراهم، فلما انفتل إليَّ قال: «أردت أن تأتيني؟» قلت: نعم، يا رسول الله، قال: «ما كان ذلك لك هؤلاء الجن أتوا يستمعون القرآن ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فسألوني الزاد، فزودتهم العظم والبعر، فلا يستطيبن أحدكم بعظم ولا بعر» قال عكرمة: وكانوا اثني عشر ألفًا.. "

مخرج الخبر بكامله مخرّج؟

طالب: ................

ماذا يقول؟

طالب: ................

أما حديث النهي عن الاستطابة بالعظم والروث فهذا ثابت، هذا ما فيه إشكال صحيح، وقصة ابن مسعود بكاملها لاسيما حينما سأله عن الماء هذه مُضعّفة عند أهل العلم.

" قال عكرمة: وكانوا اثني عشر ألفًا من جزيرة الموصل، وفي رواية انطلق بي -عليه السلام- حتى إذا جئنا المسجد الذي عند حائط عوف خط لي خطًّا، فأتاه نفر منهم فقال أصحابنا: كأنهم رجال الزَّط. "

الزُّط.

" كأنهم رجال الزُّط، وكأن وجوههم المكاكئ فقالوا: ما أنت؟ قال: «أنا نبي الله» قالوا: فمن يشهد...؟ "

يقول: الزُّط جنس من الهنود لونهم ضارب إلى السواد، ويقول: المكاكي جمع مكوك وهو طاس يُشرب فيه، يعني إناء يشرب فيه أعلاه ضيِّق ووسطه واسع وهو مكيال معروف لأهل العراق بهذه الصفة.

طالب: ................

نعم قريبين من الصينيين.

" فقالوا: ما أنت؟ قال: «أنا نبي الله»، قالوا: فمن يشهد لك على ذلك؟ قال: هذه الشجرة، فقال: يا شجرة، فجاءت تجر عروقها لها قعاقع حتى انتصبت بين يديه فقال: «على ماذا تشهدين؟» قالت: أشهد أنك رسول الله، فرجعت كما جاءت تجر بعروقها الحجارة لها قعاقع حتى عادت كما كانت، ثم روي أنه -عليه السلام- لما فرغ وضع رأسه على حجر ابن مسعود فرقد ثم استيقظ فقال: «هل من وَضوء؟» قال: لا، إلا أن معي إداوة فيها نبيذ فقال: «هل هو إلا تمر وماء» فتوضأ به. "

إن هو إلا تمرة طيبة وماء طَهور، لكن الحديث ضعيف كما قلنا، ماذا يقول؟

طالب: ................

قلنا: هو معوّل الحنفية في جواز الوضوء بالنبيذ مع أنهم ردوا أحاديث صحيحة؛ لأنها تتضمن الزيادة على النص، والزيادة على النص نسخ عندهم، والآحاد لا ينسخ المتواتر، وهنا حديث شديد الضعف، وفيه زيادة على النص، ومع ذلك يثبتونه.

" الثالثة: قد مضى الكلام في الماء في سورة الحِجر، وما يستنجى به في سورة براءة، فلا معنى للإعادة. الرابعة: واختلف أهل العلم في أصل الجن، فروى إسماعيل عن الحسن البصري أن الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء في الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنًا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرًا فهو شيطان. "

وعدو لله، نسأل الله العافية.

" وروى الضحاك عن ابن عباس أن الجن هم ولد الجانّ وليسوا بشياطين، وهم يؤمنون، ومنهم المؤمن ومنهم الكافر، والشياطين هم ولد إبليس لا يموتون إلا مع إبليس، واختلفوا في دخول مؤمني الجن الجنة على حساب الاختلاف في أصلهم، فمن زعم أنهم من الجانّ لا من ذرية إبليس قال: يدخلون الجنة بإيمانهم، ومن قال: إنهم من ذرية إبليس فلهم فيه قولان: أحدهما وهو قول الحسن: يدخلونها، الثاني وهو رواية مجاهد: لا يدخلونها، وإن صرفوا عن النار حكاه الماوردي، وقد مضى في سورة الرحمن عند قوله تعالى:   الرحمن: ٥٦  بيان أنهم يدخلونها. الخامسة: قال البيهقي في روايته وسألوه الزاد.. "

ليس فيه دلالة صراحة على أنهم يدخلونها، المقصود أنهم لم يطمث ولم يجامع هؤلاء الحور قبلهم أحد لا بعد دخول ولا قبل دخول الجنة، النفي مطلق، فليس فيه نص أن هذا الطمث المنفي خاص بالجنة بعد دخول الجنة.

الخامسة: قال البيهقي..

طالب: ................

المسألة خلافية بين أهل العلم أن من يقابل الجن بالإنس، وأنه لا يوجد صنف ثالث قال: الإنس ولد آدم، والجن ولد إبليس؛ لأنهم موجودان في وقت واحد، والذي تدل عليه الآية       الكهف: ٥٠  أن الأصل الجن، وإبليس فرع منهم، وليس هو الأصل، فيلزم عليه أن الجن قبل الإنس.

طالب: ................

تقدم أن إبليس كان في الجنة وحده، لكن ما الذي يخصه بذلك والجن الذين خُلقوا من قبله، وهو واحد منهم، فإذا كانوا.

طالب: ................

الآن ما يمكن أن نقول آدم من الإنس من جنس هذا النوع.

طالب: ................

لا، أنا أقول: ألا يمكن أن يكون آدم من الجنس فتكون (مِن) بيانية، وإبليس من الجن، ما يمكن أن يقال هذا؟

طالب: ................

والله مثل ما نقول: إن آدم من الإنس وإبليس من الجن.

طالب: ................

وقوله من الجن يرد على من يقول إنه كان من الملائكة بصدد الرد على قول من قال إنه كان من الملائكة.

طالب: ................

الشياطين هو رأسهم.

طالب: ................

نعم، إبليس مخلد إلى قيام الساعة للحكمة الإلهية التي من أجلها خلق للحكمة التي من أجلها خلق امتحان الناس، به امتحان الجن والإنس به.

طالب: ................

من سلك مسلكهم فهذه سبيله يدعو على ضلالة ومن اتبعه بخلاف سبيل النبي -عليه الصلاة والسلام-    ﮅﮆ ﮋﮌ يوسف: ١٠٨.

طالب: ................

والله مقتضى الحديث أنه من رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- مؤمنًا به ومات على ذلك لا شك أنهم يدخلون في الحد، ومن خص ذلك ببني آدم، والمراد بالصحبة المصاحبة العرفية، ولا تعرف المصاحبة العرفية من جني لإنسي.

طالب: ................

نعم، لكن التخصيص بالعرف.

" الخامسة: قال البيهقي في روايته: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال: «لكم كل عظم»، دليل على أنهم يأكلون ويطعمون، وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن وقالوا: إنهم بسائط، ولا يصح طعامهم. "

بسائط غير مركبة وغير المركب لا يتصور منه الأكل والشرب، لكن انسياق وراء العقل فيما لا يدركه العقل، وهذه مشكلة الفلاسفة أنهم لهثوا وراء عقولهم فيما لا يدركون، فضلوا وأضلوا، هذه أمور لا تُدرك إلا بسمع، بنقل، فمن تصدى لها لا بد أن يقع في الخطأ.

" اجتراء على الله وافتراءً، والقرآن والسنة ترد عليهم، وليس في المخلوقات بسيط مركب مزدوج، إنما الواحد سبحانه، وغيره مركب وليس بواحد كيفما تصرف حاله، وليس يمتنع أن يراهم النبي- صلى الله عليه وسلم- في صورهم كما يرى الملائكة، وأكثر ما يتصوّرون لنا في صور الحيات. "

في الحيات وفي القطط وفي الكلاب، يتصورون يتشكلون بهذه الأشياء.

" ففي الموطأ أن رجلاً حديث عهد بعرس استأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنصاف النهار أن يرجع إلى أهله.. الحديث، وفيه فإذا حية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرُّمح فانتظمها، وذكر الحديث، وفي الصحيح أنه -عليه السلام- قال: «إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئًا فحرِّجوا عليها ثلاثًا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر»، وقال: «اذهبوا فادفنوا صاحبكم»، وقد مضى هذا المعنى في سورة البقرة. "

الحديث صحيح، ماذا قال عليه؟

طالب: ................

هو في صحيح مسلم، لكن يبقى أنه يحرِّج عليها ثلاثًا هل يبقى في بيته وأولاده وذريته وأطفاله ونساؤه عندهم، هذا الجني بصورة الحية أو أنه يخرج من بيته وينتقل إلى مكان آخر، ويمر عليها يحرجها؟ قد لا يطيق البقاء في البيت، يخاف منها، تأخذ لك شقة مفروشة إلى أن تنتهي ثلاثة الأيام، من أهل العلم من يرى أن هذا خاص بالمدينة «إن في المدينة» النص جاء في المدينة، ومن أهل العلم من يرى أن العبرة بعموم اللفظ، ولو جاء خاصًّا بالمدينة فغيرها من البلدان في حكمها، فإذا رأى أحد حية في بيته أو حتى هرًّا استشكل من تصرفاته ما يستشكل فإنه يحرج عليه، ولا يبادر بقتله، وهم ينتقمون ممن يتعدى عليهم، هناك شواهد كثيرة جدًّا من انتقامهم ممن اعتدى عليهم، فإذا حرّج عليها ثلاثًا فهو في حل من ذلك.

طالب: ................

يقول: أسألك بالله إلا خرجت عن داري.

طالب: ................

لا، فيه تصرفات تدل على أشياء.. يعني وُجد من القطط ما يتصرف أحيانًا تصرف عاقل، فتجده وهذا موجود ومشهور يجلس في البيت سنين، تجده يرعى مصالح أهل البيت أحيانًا، ويحرس الصبيان، ويذهب مع مثل الكلب مع من يخاف منهم إلى غايته ويرجع، لا شك أن هذا التصرف ما يصدر من قط عادي، مثل هذا إذا خيف منه وإلا فبعضها ينفع.

طالب: ................

ثلاث ليالٍ.

" وقد ذهب قومٌ إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة؛ لقوله في الصحيح: «إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا»، وهذا لفظ مختص بها، فيختص بحكمها. قلنا: هذا يدل على أن غيرها من البيوت مثلها؛ لأنه لم يُعلل بحرمة المدينة، فيكون ذلك الحكم مخصوصًا بها، وإنما عُلل بالإسلام، وذلك عامٌّ في غيرها، ألا ترى قوله في الحديث مخبِرًا عن الجن الذي لقي وكانوا من جن الجزيرة؟ وهذا بيِّن يعضده قوله: ونهى عن عوامر البيوت، وهذا عام، وقد مضى في سورة البقرة القول في هذا، فلا معنى للإعادة. قوله تعالى   الجن: ١  أي في فصاحة كلامه، وقيل: عجبًا في بلاغة مواعظه، وقيل: عجبًا في عِظَم بركته، وقيل: قرآنًا عزيزًا لا يوجد مثله، وقيل: يعنون عظيمًا      الجن: ٢  أي إلى مراشد الأمور، وقيل: إلى معرفة الله تعالى، ويهدي: في موضع الصفة أي هاديًا ﭣﭤ الجن: ٢. "

لأن الجمل بعد النكرة صفة، وبعد المعرفة حال، وقرآنًا نكرة.

" ﭣﭤ الجن: ٢  أي فاهتدينا به وصدقنا أنه من عند الله.    الجن: ٢  أي لا نرجع إلى إبليس ولا نطيعه؛ لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر، ثم رُمي الجن بالشهب، وقيل: لا نتخذ مع الله إلهًا آخر؛ لأنه متفرد بالربوبية، وفي هذا تعجيب المؤمنين بذهاب مشركي قريش عما أدركته الجن بتدبرها القرآن. وقوله      الجن: ١  أي استمعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعلموا أن ما يقرؤه كلام الله، ولم يذكر المستمِع إليه. "

المستمَع.

" ولم يذكر المستمَعُ إليه. "

المستمَعَ إليه.

" ولم يذكر المستمَعَ إليه؛ لدلالة الحالة إليه. "

الحال.

" ولم يذكر المستمَعَ؛ لدلالة الحال عليه، والنفر: الرهط قال الخليل: هو ما بين ثلاثة إلى عشرة. وقرأ عيسى الثقفي: يهدي إلى الرَّشَد بفتح الراء والشين. "

والرَّشَد والرُّشْد كلاهما مصدران للفعل رَشَد يرشد رَشَدًا ورُشْدًا.

" قوله تعالى:   الجن: ٣  كان علقمة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وابن عامر وخلف وحفص والسلمي ينصبون أن في جميع السورة في اثني عشر موضعًا، وهو   الجن: ٣،              الجن: ٤ ، الجن: ٥،         الجن: ٦ ، الجن: ٧ ، الجن: ٨ ،           الجن: ٩ ، الجن: ١٠،   الجن: ١١،   الجن: ١٢،      الجن: ١٣،   الجن: ١٤ ، عطفًا على قوله:      الجن: ١  وأنه استمع لا يجوز فيه إلا الفتح؛ لأنها في موضع اسم فاعل أوحي، فما بعده معطوف عليه، وقيل: هو محمول على الهاء في قوله: آمنا به أي: وبأنه تعالى جد ربنا، وجاز ذلك، وهو مُضمر مجرور؛ لكثرة حرف الجارّ مع (أن) أي وصدّقنا أنه جد ربنا، وقرأ الباقون كلها بالكسر، وهو الصواب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفًا على قوله: فقالوا إنا سمعنا؛ لأنه.. "

إذا كان المعطوف على مقول القول والعطف على نية تكرار العامل فكأن القول مكرر فـ(إن) إذا وقعت في مقول القول وجب كسر همزها.

واختاره..

وإذا قلنا: إنه محمول ومعطوف على آمنا على الهاء في آمنا به المجرورة، فتكون مفتوحة.

" واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم عطفًا على قوله: فقالوا إنا سمعنا؛ لأنه كله من كلام.. "

كلَّه.

" لأنه كلَّه من كلام الجن، وأما أبو جعفر وشيبة فإنهما فتحا ثلاثة مواضع وهي قوله تعالى:   الجن: ٣ ،            الجن: ٤،         الجن: ٦  قالا: لأنه من الوحي، وكسرا ما بقي؛ لأنه من كلام الجن. "

يعني فيصح عطفه على قولهم: إنا سمعنا.

" وأما قوله تعالى: الجن: ١٩  فكلهم فتحوا إلا نافعًا وشيبة وزر بن حبيش وأبا بكر والمفضَّلَ عن عاصم، فإنهم كسروا لا غير، ولا خلاف في فتح همزة أنه استمع نفر من الجن، وأن لو استقاموا، وأن المساجد لله، وأن قد أبلغوا، وكذلك لا خلاف في كسر ما بعد القول نحو قوله تعالى:   الجن: ١ ، وقال:        الجن: ٢٠ ، و الجن: ٢٥ ، و الجن: ٢١ ، وكذلك لا خلاف في كسر ما كان بعد باء الجزاء نحو قوله تعالى:     الجن: ٢٣ ،      الجن: ٢٧ ؛ لأنه موضع ابتداء. "

يعني من المتفق عليه عند النحاة أن همزة إن مكسورة بعد القول تكسر في مواضع وتفتح في مواضع، فتكسر بعد القول اتفاقًا، لكن يبقى أن العطف في الاثني عشر موضعًا منه ما يتجه عطفه على مقول القول، ومنه ما يظهر عدم عطفه على مقول القول، وحينئذٍ يفتح على حسب التقدير الذي سبق، ومنه ما يتردد بين الأمرين، فمنهم من يفتح، ومنهم من يكسر.

" قوله تعالى:   الجن: ٣  الجد في اللغة العظمة والجلال، ومنه قول أنس: كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في عيوننا أي عظم وجلّ، فمعنى الجن: ٣  أي عظمته وجلاله، قاله عكرمة ومجاهد وقتادة. وعن مجاهد أيضًا: ذِكْرُه، وقال أنس بن مالك. "

جدّه: عظمته القول الأول، والثاني جدّه: ذِكْرُه.

وقال أنس.

«ولا ينفع ذا الجد منك الجد» المراد به الحظ، كما أن الجد يطلق ويراد أبو الأب أو أبو الأم، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله.

طالب: ................

يحبس الجد.

طالب: ................

لا، في الكل الحظ، والجد الحظ، ومنه الغنى، وذو الجد محبوسون، لما تكلم عن الفقراء يعني الغنى.

" وقال أنس بن مالك والحسن وعكرمة أيضًا: غناه، ومنه قيل للحظ جد، ورجل مجدود أي محظوظ، وفي الحديث: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد» قال أبو عبيدة والخليل: أي ذا الغنى منك الغنى، إنما تنفعه الطاعة، وقال ابن عباس: قدرته. وقال الضحاك: فعله. وقال القرظي والضحاك أيضًا: آلاؤه ونعمه على خلقه. وقال أبو عبيدة والأخفش: ملكه وسلطانه. وقال السدي: أمره. وقال سعيد بن جبير:   الجن: ٣  أي تعالى ربنا، وقيل: إنهم عنوا بذلك الجد الذي هو أبو الأب، ويكون هذا من قول الجن. "

ويكون هذا أيضًا من جهلهم بالله -جل وعلا-، حيث قاسوه على خلقه ورأوا أن له جدًّا.

" وقال محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر الصادق. "

وليس هو الباقر محمد بن علي الباقر والثاني جعفر بن محمد الصادق.

" وابنه جعفر الصديق والربيع: ليس لله تعالى جد، وإنما قالته الجن للجهالة، فلم يؤاخذوا به، وقال القشيري: ويجوز إطلاق لفظ الجد في حق الله تعالى؛ إذ لو لم يجز لما ذُكر في القرآن، غير أنه لفظ موهِم، فتجنبه أولى، وقراءة عكرمة: جِد بكسر الجيم على ضد الهزل، وكذلك قرأ أبو حيوة ومحمد بن السميقع، ويروى عن ابن السميقع أيضًا وأبي الأشهب جدّى.. جدَى ربنا.. جدّى ربنا.. "

لا.

مشددة؟

بدون تشديد.

" جدَى ربُّنا. "

ربِّنا.

" جدَى ربِّنا وهو الجدوى والمنفعة، وقرأ عكرمة أيضًا جدًّا بالتنوين، وربُّنا بالرفع على أنه مرفوع بتعالى، وجدَّى منصوب على التمييز، وعن عكرمة جدّ بالتنوين والرفع، وربُّنا بالرفع على تقدير تعالى جد جد ربنا، فجد الثاني بدل من الأول، وحُذف وأقيم المضاف إليه مقامه، ومعنى الآية: وأنه تعالى جلال ربنا أن يتخذ صاحبة ولا ولدًا للاستئناس بهما والحاجة إليهما، والرب يتعالى عن الأنداد والنظراء. "

الله -جل وعلا- هو الغني عن خلقه، الناس كلهم والمخلوقات كلها بحاجته، فلا يحتاج إلى ما يتكثر به أو يستعين به.

" قوله تعالى:            الجن: ٤  الهاء في أنه للأمر أو الحديث، وفي كان اسمها وما بعدها الخبر، ويجوز أن تكون زائدة، والسفيه هنا إبليس في قول مجاهد وابن جريج وقتادة. "

قوله: ويجوز أن تكون كان زائدة؛ لئلا يُظن أنه كان في السابق ولا يقال في اللاحق، ولا يزال السفهاء من الناس من طوائف الكفر يطلقون عليه -جل وعلا- ما لا يليق به، وكذلك من أهل البدع يصفونه بما لا يليق به، وهذا يدل على السفه، وهذا من الشطط الذي لم يُنزل الله به سلطانًا ولا حجة ولا برهانًا، والمبتدعة إما يبالغون في الإثبات، وإما يبالغون في النفي، ولا يلزمون ولا يعتمدون ما اعتمده الله لنفسه ووصف به نفسه بالأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة، وهذا نوع من الشطط.

" ورواه أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقيل: المشركون من الجن قال قتادة: عصاه سفيه الجن كما عصاه سفيه الإنس، والشطط والاشتطاط الغلو في الكفر، وقال أبو مالك: هو الجَور، وقال الكلبي: هو الكذب، وأصله البعدن فيعبر به عن الجَور؛ لبعده عن العدل، وعن الكذب؛ لبعده عن الصدق، قال الشاعر:

بأية حال حكّموا فيك فاشتطّوا

 

وما ذاك إلا حيث يممك الوخط

قوله تعالى: الجن: ٥  أي حسبنا. "

الشطط البعد عن الصراط السوي والنهج المستقيم ص: ٢٢  يعني لا تبعد عن الحق، كن في الحق، في دائرة الحق، قال: وأصله البعد، فيعبر به عن الجور؛ لبعده عن العدل، وعن الكذب؛ لبعده عن الصدق، كل ما بعد عن الحق كل ما بعد عن صفة من صفات الحق التي جاء بها الشرع فإنه شطط.

" ﭿ           الجن: ٥  فلذلك صدقناهم في أن لله صاحبة وولدًا حتى سمعنا القرآن وتبينّا به الحق، وقرأ يعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق: أن لن تقوَّل، وقيل: انقطع الإخبار عن الجن هاهنا. "

تقوّل أصلها تتقول، واقتصر على إحدى التاءين، وهذا كثير.

" وقيل: انقطع الإخبار عن الجن هاهنا فقال الله تعالى :          الجن: ٦ ، فمن فتح وجعله من قول الجن ردها إلى قوله: أنه استمع، ومن كسر جعلها مبتدأً من قول الله تعالى والمراد به بما كانوا.. "

استئناف فيكون استئنافًا غير معطوف على ما تقدم.

" والمراد به ما كانوا يفعلونه من قول الرجل إذا نزل بوادٍ أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، قاله الحسن وابن زيد وغيرهما، قال مقاتل: كان أوّل من تعوّذ بالجن قومٌ من أهل اليمن ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم. وقال كردم. "

وقول الذكر المشهور: أعوذ بكلمات الله التامة.. من شر ما خلق، أعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق.

طالب: ................

أعوذ بكلمات التامة من كل شيطان وهامة جاء هذا وهذا، لكن الأول فيمن خاف قالها ثلاثًا حين يصبح وحين يمسي ما يضره.

" وقال كردم بن أبي السائب: خرجت مع أبي إلى المدينة أول ما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء الذئب فحمل حملاً من الغنم فقال الراعي: يا عامر الوادي أنا جارك، فنادى منادٍ يا سِرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة:          الجن: ٦. "

وهذا من الزيادة في الابتلاء أنه استجار بغير الله فأجيب وأجير، هذا زيادة في الابتلاء، كما بيّن شيخ الإسلام -رحمه الله- في الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان أنه قد يأتي من يدعو صاحب القبر ويستغيث به، فيسمع صوت الشيطان من داخل القبر من باب الابتلاء والامتحان، فيظن أن صاحب القبر أجابه، والله المستعان.

" وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة               الجن: ٦  أي زاد الجنُّ الإنسَ رهقًا أي خطيئة وإثمًا، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، والرهق: الإثم في كلام العرب وغشيان المحارم، ورجل رهِق إذا كان كذلك، ومنه قوله تعالى: ﭭﭮ يونس: ٢٧ ، وقال الأعشى:

لا شيء ينفعني من دون رؤيتها

 

هل يشتفي وامق ما لم يصب رهَقًا

يعني إثمًا، وأُضيفت الزيادة إلى الجن؛ إذ كانوا سببًا لها، وقال مجاهد أيضًا: فزادوهم أي إن الإنس زادوا الجن طغيانًا بهذا التعوذ حتى قالت الجن: سدنا الإنس والجن. وقال قتادة أيضًا وأبو العالية والربيع وابن زيد: يزداد الإنس بهذا فرقًا وخوفًا من الجن. وقال سعيد بن جبير: كفرًا، ولا خفاء أن الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك، وقيل: لا يطلق لفظ الرجال على الجن، فالمعنى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون من شر الجن برجال من الإنس، وكان الرجل من الإنس يقول مثلاً: أعوذ بحذيفة بن بدر من جن هذا الوادي، قال القشيري: وفي هذا تحكّم؛ إذ لا يبعد إطلاق لفظ الرجال على الجن. "

على كل حال الاستعانة والاستغاثة بغير الله سواء كانت بالإنس أو بالجن فيما لا يقدر عليه إلا الله هذا كله من الشرك الأكبر، نسأل الله العافية.

" قوله تعالى:    الجن: ٧  هذا من قول الله تعالى للإنس أي وأن الجن ظنوا أن لن يبعث الله الخلق كما ظننتم، قال الكلبي.. "

يعني كما أن الإنس ينفون وينكرون البعث هو أيضًا موجود في الجن.

" قال الكلبي: المعنى ظنت الجن كما ظنت الإنس أن لن يبعث الله رسولاً إلى خلقه يقيم به الحجة عليهم، وكل هذا توكيد للحجة على قريش، أي إذا آمن هؤلاء الجنِّ بمحمد.. "

الجنُّ.

" أي إذا آمن هؤلاء الجنُّ بمحمد فأنتم أحق بذلك. "

بأن المعرفة بعد اسم الإشارة بدل أو بيان.

طالب: ................

رسل؟

طالب: ................

دل على أن الرسل..

طالب: ................

نذر هؤلاء، لكن دلت الأدلة الصحيحة الصريحة على أنهم من الإنس كلهم.

طالب: ................

نعم بالآية..

طالب: ................

لا لا، دل الدليل على أنهم من الإنس، والواقع يشهد بذلك.

" قوله تعالى: الجن: ٨  هذا من قول الجن أي طلبنا خبرها كما جرت عادتنا، فوجدناها قد ملئت حرسًا شديدًا أي حفظة يعني الملائكة، والحرس جمع حارس، وشهبًا جمع شهاب، وهو انقضاض الكواكب المحرقة لهم عن استراق السمع، وقد مضى القول فيه في سورة الحِجر والصافات، ووجد يجوز أن يقدر متعديًا إلى مفعولين، فالأول الهاء والألف، ومُلئت في موضع المفعول الثاني، ويجوز أن يتعدى إلى مفعول واحد.. "

يعني وجدناها مملوءة.

ويكون ملئت في موضع الحال على إضمار قد...

قد ملئت وتؤوَّل بمملوءة، وتكون حالًا، وهذا أظهر.

" وحرسًا نصب على المفعول الثاني بملئت، وشديدًا من نعت الحرس أي ملئت ملائكة شدادًا، ووحّد الشديد على لفظ الحرس، وهو كما يقال السلف الصالح بمعنى الصالحين، وجمع السلف أسلاف، وجمع الحرس أحراس، قال:

تجاوزت أحراسا وأهوال معشر

 

.............................

ويجوز أن يكون حرسًا مصدرًا على معنى حُرست حراسة شديدة. قوله تعالى:           ﮫﮬ الجن: ٩  منها أي من السماء، ومقاعد مواضع يقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء، يعني أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليستمعوا من الملائكة أخبار السماء حتى يلقوها إلى الكهنة على ما تقدم بيانه، فحرسها الله تعالى حين بعث رسوله بالشهب المحرِقة فقالت الجن حينئذٍ: الجن: ٩  يعني بالشهاب الكوكب المحرق، وقد تقدم بيان ذلك، ويقال: لم يكن انقضاض الكوكب إلا بعد مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو آية من آياته. "

لأنهم قبل مبعثه -عليه الصلاة والسلام- كانوا يتمكنون من القرب من السماء، فيتراكبون حتى يصل أعلاهم إلى قريب بحيث يسمع ما يصدر، ثم يسمع الكلمة أو الكلمتين، ثم يضيف إليها مائة، فيصدق فيما سمع، ويكذب فيما عداه.

" واختلف السلف: هل كانت الشياطين تُقذَف قبل المبعث أو كان ذلك أمرًا حدث لمبعث النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال الكلبي: وقال قوم لم تكن تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد -صلوات الله عليهما وسلامه- خمسمائة عام، وإنما كان ذلك من أجل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما بُعث محمد -صلى الله عليه وسلم- مُنعوا من السموات كلها وحُرست بالملائكة والشهب. قلت: ورواه عطية العوفي عن ابن عباس، ذكره البيهقي وقال عبد الله بن عمر: لما كان اليوم الذي نُبِّئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُنعت الشياطين ورُموا بالشهب. وقال عبد الملك بن سابور: لم تكن السماء تُحرس في الفترة بين عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- فلما بُعث محمد -صلى الله عليه وسلم- حُرست السماء ورُميت الشياطين بالشهب ومُنعت عن الدنو من السماء. وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا تُرمى، فلما بُعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رُميت بالشهب، ونحوه عن أبيّ بن كعب قال: لم يُرم بنجم منذ رفع عيسى حتى نُبّئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرُمي بها، وقيل: كان ذلك قبل المبعث، وإنما زادت بمبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنذارًا بحاله، وهو معنى قوله تعالى: ملئت أي زيد في حرسها، وقال أوس بن حجر وهو جاهلي:

فانقض كالدري يتبعه

 

نقع يثور تخاله طُنبًا

وهذا.. "

النقع الغبار.

" وهذا قول الأكثرين، وقد أنكر الجاحظ هذا البيت وقال: كل شعر رُوي فيه فهو مصنوع، وأن الرمي لم يكن قبل المبعث والرمي، والقول بالرمي أصح؛ لقوله تعالى: الجن: ٨  وهذا إخبار عن الجن أنه زيد في حرس السماء حتى امتلأت منها ومنهم، ولما روي عن ابن عباس قال: بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- جالس في نفر من أصحابه إذ رمي بنجم فقال: ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنها لا تُرمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا سبحانه وتعالى إذا قضى أمرًا في السماء سبّح حملة العرش، ثم سبح أهل كل سماء حتى ينتهي التسبيح إلى هذه السماء، ويستخبر أهل السماء حملة العرش: ماذا قال ربكم، فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه، فتخطف الجن فيرمون، فما جاؤوا به فهو من..». "

تتخطف.

تتخطف؟

نعم فتتخطف الجن.

" فتتخطف الجن فيرمون، فما جاؤوا به فهو حق، ولكنهم يزيدون فيه. "

ومع ذلك لا يصدقون لا هم ولا من ألقوا إليهم الكلام من الكهنة، ولا يجوز تصديقهم حتى فيما يطابق الواقع من كلامهم، يعني كذب ولو صدق ولو قال ما يطابق الواقع فإنه لا يجوز تصديقهم، «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، مع أن الكاهن قد تلقي إليه الشياطين بعض شيء يطلعون عليه، ويخبر به على مقتضى الواقع، لكنه كذب والكذِب هذا حقيقة شرعية، ولو كان مطابقًا للواقع، مثل ما قلنا نظيره في القذفة الثلاثة ولو رأوه بأم أعينهم يزني بها زناءًا صريحًا ثم لم يأتوا برابع فإنهم النور: ١٣ ، «وإنها لا تُرمى لموت أحد ولا لحياته»، هذا جاء أيضًا في الكسوف «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته»؛ لأنهم قالوا: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، الحديث مخرّج؟

طالب: .............

ويصدقونهم ويتصلون عليهم.. لا شك.

طالب: .............

لا لا، ما يجوز، ترى الذي عندهم هذه فتنة يعطيك كلامًا يطابق ما وقع لك أو لغيرك، تفتتن وتصدقه.

طالب: .............

والله هو الإتيان وإن لم يكن بالقدم وهو يعرف أن هذه القناة فيها كهان فقد أتاهم، لا يلزم أن يكون الإتيان بالانتقال إلى مكانهم.

طالب: .............

المقصود أنها أشد.

" وهذا يدل على أن الرجم كان قبل المبعث، وروى الزهري نحوه عن علي بن الحسين عن علي بن أبي طالب عن ابن عباس، وفي آخره قيل للزهري: أكان يُرمى في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله سبحانه:           ﮫﮬ الجن: ٩ ؟ قال: غُلِّظت وشُدد أمرها حين بُعث النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، ونحوه قال القتبي. قال ابن قتيبة: كان ولكن اشتدت الحراسة بعد المبعث، وكانوا من قبلُ يسترقون ويُرمون في بعض الأحوال، فلما بُعث محمد -صلى الله عليه وسلم- مُنعت من ذلك أصلاً، وقد تقدم بيان هذا في سورة والصافات عند قوله:          ﭽﭾ ﭿ الصافات: ٨ - ٩  قال الحافظ: فلو قال قائل: كيف تتعرض الجن لإحراق نفسها بسبب استماع خبر بعد أن صار ذلك معلومًا لهم؟ فالجواب أن الله تعالى.. "

من الحافظ هذا؟ 

طالب: .............

ما مر أبدًا قوله: قال الحافظ، يعني مر علينا في كلام النووي قال الحافظ، وسبق أن نقل عنه، قال الحافظ ابن عساكر ثم صار يردده بدون تسمية فهو ابن عساكر، لكن هنا ما أدري والله.

طالب: .............

ممكن.. لكن ما قال قال الحافظ هناك.

طالب: .............

يتبين المبهم..

" فالجواب أن الله تعالى يُنسيهم ذلك حتى تعظم المحنة كما ينسي إبليس في كل وقت أنه لا يسلم، وأن الله تعالى قال له:   الحجر: ٣٥ ، ولولا هذا لما تحقق التكليف والرصد، قيل من الملائكة أي ورصدًا من الملائكة، والرصد الحافظ للشيء، والجمع أرصاد، وفي غير هذا الموضع يجوز أن يكون جمعًا كالحرس، والواحد راصد، وقيل: الرصد هو الشهاب أي شهابًا قد أرصد له ليُرجم به فهو فَعَلٌ بمعنى مفعول كالخَبَط والنَّقَص. "

والنَّفَض قريبة الخَبَط، والنَّفَض الخبط ما يخبط بالعصا من أوراق الشجر، والنَّفَض ما يسقط عند نفض الشجر مخبوط ومنفوض.

"كالخَبَط والنَّفَض. قوله تعالى         الجن: ١٠  أي هذا الحرس الذي حُرست بهم السماء الجن: ١٠  أي خيرًا قال ابن زيد: قال إبليس: لا ندري هل أراد الله."

    الجن: ١٠  لما كان في سياق الشر ما نسب إلى الله -جل وعلا- الجن: ١٠ في الخير أُضيف إلى الله -جل وعلا- على ما جاء في حديث: «والشر ليس إليك»، والكل من عند الله، لكن من باب الأدب لا يضاف الشر إلى الله، وإنما يضاف الخير.

" قال ابن زيد: قال إبليس: لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذابًا أو يرسل إليهم رسولاً، وقيل: هو من قول الجن فيما بينهم قبل أن يسمعوا قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- أي لا ندري أشر أُريد بمن في الأرض بإرسال محمد إليهم فإنهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذَّب من الأمم، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا؟ فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان، وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من السماء؛ حراسة للوحي، وقيل: لا، بل هذا قول قالوه لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين أي لما آمنوا أشفقوا ألا يؤمن كثير من أهل الأرض إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون. "

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

"