كتاب بدء الوحي (033)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (033)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 23 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول: يوجد في المكتبات الطبعة السلفية، فما رأيكم فيها؟
يعني يسأل عن البخاري وعن شروحه، الطبعة السلفية معروفة إن كان المقصود بها: المتن،  الطبعة السلفية من صحيح البخاري فهي مأخوذة مما أُدخل في الشرح، الطبعة السلفية، هي طبعةٌ لا تستند إلى رواية معينة، يعني: ليست لها أي ميزة، سواء المدخلة مع "الفتح"، الطبعة السلفية أو المفردة بالطبعة السلفية في أربعة مجلدات، وأما بالنسبة للشرح الطبعة السلفية الأولى التي تولى تصحيح أوائلها، ثلاثة أجزاء، أو جزأين وشيء من الثالث الشيخ ابن باز بنفسه، ثم أكملت على طبعة بولاق، هذه الطبعة الأولى السلفية وما صُوِّر عنها إذا صححت فهي أقرب إلى الصحة، وإن لم تكن قد أوفت على الغاية. لا، لكنها أفضل الموجود، باستثناء الطبعة التي هي الأصل بالنسبة لها هي طبعة بولاق، الشيخ –رحمة الله عليه- لما قابل المجلد الأول والثاني وشيئًا من الثالث، رأى أن طبعة بولاق يمكن الاعتماد عليها، وانشغل بما أُشغل بها من رئاسة الجامعة، قال للشيخ محب الدين الخطيب –صاحب المطبعة السلفية- اطبع عن مطبعة بولاق.
طالب:...................
تعليق هذا في الأخير،...
طالب:.....
يعني .......... مرة ثانية؟ لا، انتخب مواضع قُرِئت على الشيخ، انتخب مواضع قُرئت على الشيخ وعلق عليها، فألحقت في طبعة "دار السلام" ثم بعد ذلك انتخب مواضع قُرئت على الشيخ عبد الرحمن البرّاك، وطبعت في مطبعة في طبعة "طيبة" مجموع هذه الطبعات إذا أخذت تعاليق على الطبعتين يكون تمَّ التعليق على كثير من مسائل الاعتقاد، لا على جميع المسائل؛ لأن الكتاب بكامله ما قرئ لا على الشيخ ابن باز ولا على الشيخ عبد الرحمن، إنما انتقي مسائل قرئت عليهم.

طالب:..........
ماذا فيه؟
طالب:....................
نعم كان كل من جاء جمع، وفيه طبعة وزعت من الإمارات، فيها تعليقات طيبة وفيها أيضًا: ردود العيني على ابن حجر، وفيها أيضًا دفاع ابن حجر عن نفسه في "انتقاض الاعتراض"، وفيها –أيضًا- المحاكمات بين العيني وابن حجر، هي سبعة عشر مجلدًا وزعت عن طريق شيوخ الإمارات.

 طالب:....................

ما أدري ما اسمها، لكنها مكتوب عليها: وُزِّعت على نفقة الشيخ زايد أو غيره، ما أدري والله.
المقصود أنها طبعة فيها ما ذكرت، يعني محتواها وصحتها ما أدرى عنه، لكنهم اعتنوا بردود العيني على ابن حجر، ودفاع ابن حجر عن نفسه في "انتقاض الاعتراض"، وذكر المحاكمات بين العيني وابن حجر في "المبتكرات".
يقول: في بدايةِ الوحي: "حتى ذهب عنه الروع"، وقال في سورة النجم بعد سنوات من التزكية: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم:17] وهذا ثناء وكمال، فهل من تعليق؟
أنا ما أدري هل الورقة مقصودة في السؤال، وأن الورقة يعني لها علاقة بالسؤال؛ لأنه في الورقة هذه من المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بمحافظة الرَّسْ، في أسفلها يقول: معرض وسائل الدعوة الثالث" كن داعيًا" قال معاذ بن جبل –رضي الله عنه-: إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه، يعني السؤال عن الروع، "حتى ذهب عنه الروع"، والورقة مطبوعٌ فيها مقالة معاذ بن جبل...

طالب:....................

 ماذا؟
طالب:...................
نعم، يعني ما  لها العلاقة بالسؤال؟ لأنه قال:
إن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه، يعني هل يدخل فيه الرسول –عليه الصلاة والسلام- ذهب عنه الروع فيعارض ما جاء عن معاذ، أو هذا حصل مجرد اتفاق؟ ما فيه فرق، ما فيه خلاف في كونه –عليه الصلاة والسلام- في أوِّل الأمر يصيبه ما يصيبه يرجف فؤاده، ويخشى على نفسِهِ على ما سيأتي، وكونه يذهب عنه الروع فيما بعد و{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}[النجم:17]  يعني يُثبَّت إلى حدٍّ لا يثبت معه أحد، وأما ما جاء عن معاذ من أن المؤمن لا يسكن روعه حتى يترك جسر جهنم وراءه؛ لأنه لا يدري بم يختم له، على المؤمن والمسلم عمومًا أن يبقى مادامت روحه في بدنه على الخوف والوجل والرجاء لله –جل وعلا-.

طالب:....................

 ماذا؟
طالب:..................
هو خشي على نفسه.
طالب:....................
سبحان الله! نحن قلنا فيه اتفاق أو اختلاف، نحن وجهنا هذا، ووجهنا هذا.
ولا علاقة، هذه ورقة مطبوعة من قديم، هذه ما لها علاقة بالحديث، لكن علقنا عليها مرتين. تظن أن لها دخلًا بالحديث ونشرحها مع الحديث؟ لا، لن تُشرح مع الحديث، ما لها علاقة ولا ارتباط بالحديث، لكن أنا سألت هل السائل قصد ذلك أم ما قصد؟ فقط. وإلا فما لها ارتباط بالحديث.
يقول: "حتى ذهب الروع"، الذي سأل عنه السائل، يقول صاحب "المحكم": الروع والرواع والتروع: الفزع، وقال الهروي في "غريب الحديث" هو بالضم: الرُّوع: موضع الفزع من القلب، يقول ابن الملقن: كونه لم يخبر بشيء حتى ذهب عنه الرَّوع، يؤخذ منه أن الفازع لا ينبغي أن يُسأل عن شيءٍ حتى يزول عنه فزعه، حتى قال الإمام مالك: إن المذعور لا يلزمه بيع ولا إقرارٌ ولا غيره. لا يلزمه بيع ولا إقرار ولا غيره.

 هو بمنزلة الخوف، وبمنزلة الغضب، وبمنزلة المؤثرات على القلب إذا كانت بحيث تغطي القلب، بحيث لا يعي ما يتصرف فيه ولا ما يقوله، هذا لا يترتب عليه أحكام، وإن كان العقل باقيًا، وإن كان معه شيء من الخوف، ومن الوجل، أو من الغضب لا يزول معه الإدراك فإن هذا مؤاخذ.

فقال –صلى الله عليه وسلم- لخديجة– أم المؤمنين، وأخبرها الخبر، قالوا: جملة حالية فالواو واو الحال بتقدير "قد" «لقد خشيت على نفسي»، هذا الذي وقفنا عليه.
طالب:..............
نعم، فقال لخديجة -وأخبرها الخبر-:«لقد خشيت على نفسي» هذه "اللام" واقعة في جواب قسم مقدَّر تقديره" واللهِ لقد خشيت" والخوف، والخشية: هي الخوف، يقال: خشي الرجل يخشيَ خشيةً، أي: خاف، قاله في "لسان العرب".
الخوف: الخشية، أو الخشية: الخوف، هذا بناء على الترادف بين الكلمتين، لكن هل الكلمتان مترادفتان بالفعل؟ يقول: الخشية الخوف. هذا كلام ابن منظور في "لسان العرب"، الخشية: الخوف، خشي الرجل يخشى خشيةً، أي: خاف، وفي المفردات للراغب في "غريب القرآن" يقول: الخشية: خوفٌ يشوبه تعظيم. يعني أخصّ من الخوف، الخشية: خوف يشوبه تعظيم. وأكثرُ ما يكونُ ذلكَ عن علمٍ بما يُخشَى منه، عن علمٍ بما يُخشَى منه. يعني إذا كان المخشي المخوف يعرفُه من يخافُه؛ يصل فيه إلى حدِّ الخشية.

 قال: ولذلك خُصَّ العلماء بها في قوله: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28]. طيب {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:56]، هل فيه فرق بين هذا وهذا؟
طالب:............
يندرج في الخوف غير العلماء، إذا خاف من الله –جل وعلا- استحقَّ الجنتين ولو لم يكن من العلماء، ولو لم يصل، ولو لم يصل إلى حد الخشية التي هي مما خصَّ به العلماء، التي مما يدل عليه الحصر {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، طيب ألا يُمكِن أن يصل إلى درجة الخشية أحدٌ من عامة النَّاس؟
طالب:.................
نعم.
طالب:...................
نعم، بلا شك أنه أضعف، لكن إذا وصل إلى هذا الحد، يعني حصل له معرفة بشيء ونفرض أنه طبيب، والطبيب في ميزان أهل العلم الشرعي حكمه هو من أهل العلم أم من العوام؟ لأن العبرة بالعلم الوارد في النصوص: هو العلم الشرعي المبني على قال الله وقال رسوله. فالطبيب قد يصل إلى حدٍّ يتأثَّر فيه مما يُزاول ويلاحظ ويشاهد بحيث يصل إلى حدِّ الخشية، هل يدخل في الحصر؟ وهل هذا من حصر الصفة على الموصوف، أو من ِحصر الموصوف على صفته؟ «إنما العلم الخشية» طيب الآن تفترض عالمًا بدون خشية، وصاحب خشية ليس عنده علم، إذا قلنا القصر حقيقي، {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}،  يعني: لا أحد يخشى الله –جل وعلا- إلا أهل العلم، فالعامة ليس لهم نصيب من هذه الآية، ومن في حكمهم، لكن قد يحصل من بعض الناس في بعض الأحوال شيء من الخشية، فيكون عالمًا فيما سبَّب له هذه الخشية، بحيث قرَّبه إلى الله –جل وعلا-، التفكر باب من أبواب العلم، والنظر في المخلوقات {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [ الذاريات:21]، يعني: هذا أمر مطلوب شرعي، فإذا أورث هذا النظر أو التفكُّر ويتفكرون في خلق السماء، إذا أورثهم هذا التفكر خشية صاروا علماء من هذه الحيثية في هذه الجزئيَّة التي أورثتهم هذه الخشية؛ لأنه لا يتصور في العالم أن يكون محيطًا بجميع العلوم، فيكون عالم في جزئية أورثته هذه الخشية، ولذا قال: ولذا خصَّ العلماء بها.
طالب:...................
نعم، يكون هذا إخبارًا عن الغالب، في غالب أحوال النَّاس، أنَّ العلماء هم أهل الخشية، لكن ما يمنع أن يكون الأعرابيّ الذي يتقلب في فراشه لا يقرأ ولا يكتب، ينظر في السموات والأرض يورثه ذلك الخشية، فيكون عالمًا في هذه الجزئيَّة التي دلَّته على ما يخشى ويتقَّي.
الآن أليس العلم يتجزَّأ، والاجتهاد يتجزأ، كل شيء يتجزأ، العالم الذي يغفل، في جوفه كتاب الله وسنَّة النبي –عليه الصلاة والسلام- ويصلِّي ويصوم مع الناس وكأنه عامِّي، قلبه لا وجود له ولا حضور في أثناء هذه العبادات، هل يمكن أن يُعد هذا من أهل العلم؟ والخشية غير موجودة، فضلاً عن كونه وُجد عنده شيء من المخالفات، إذا وجد عنده ولو كان يحمل من العلم ما يحمل، فيما يسميه الناس علمًا، هذا لا يُسمَّى عالمًا، يلزمه وصف الجهل وإن عرف ما عرف من الأحكام بأدلتها،
{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء:17]، يعني الذي يعرف أن حكم الخمر حرام، ويعرف الدلائل على ذلك من الكتاب والسنة وأقاويل أهل العلم، ثم يشرب الخمر هذا عالم أم جاهل؟
نعم. عالم؟ يعني ما له توبة؟
طالب:..............
إذًا جاهل،
{إِنَّمَا التَّوْبَةُ} حصر، وكل من عصى الله عند أهل العلم جاهل، فالذي يحمله الفسَّاق من العلم هذا في الحقيقة ليس بعلم؛ لأن العلم ما نفع.
وجاء في الحديث المختلَف فيه «يحملُ هذا العلم من كلِّ خلف عدوله»، فدل على أن ما يحمله الفساق، أن الفساق إذا حملوا شيئًا من العلم وهم ليسوا بعدول فإنه لا يسمى علمًا، لكن هل في هذا تعديل لكلِّ من يحمل العلم، كما يقول ابن عبد البر؟ لا. ليس فيه تعديل لكلِّ من حمل العلم، قلت -لابن عبد البر-: كل من عُنِي بحمله العلم ولم يوهن فإنه عدلٌ بقول المصطفى «يحملُ هذا العلم» لكن خولف. لا يكون عالم حتى يعمل بعلمه، والعبرة بما ينفع، وما يقرب إلى الله –جل وعلا-، وأما ما عداه فوبال على صاحبه، هذا ليس بعلم في الحقيقة، ما الفائدة من أشجار بدون ثمار؟ الأشجار فيها فوائد غير الثمار، الظل مثلاً، هذا لا إشكال فيه، لكن هل تُغرس الأشجار من أجل الظل فقط؟ الثمرة العظمى هي ثمرتها التي ينتفع بها  الناس، ولذا خُصَّ العلماء بها في قوله:
{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء:17]، قال: {َوَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى*وَهُوَ يَخْشَى} [عبس: 8-9]، وقال: {مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ} [ق:33] {فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا} [الكهف:80]، {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [البقرة:180]، {يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} [النساء:77].

 {يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}.
طالب:...................
وقال: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} [الأحزاب:39]، {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ} [النساء:9]
الآيات، هذا كله كلام الراغب، يستشعر، وليخشى الذين: يعني ليستشعروا خوفًا من معرَّته،  يقول في "بصائر ذوي التمييز" الفيروز أبادي: والخشية أخص من الخوف؛ فإن الخشية للعلماء بالله تعالى، فهي خوف مقرون بمعرفته.
طب قال: يخشون الناس، ما قال: يخافون الناس، هل يخشونهم  خوف مقرون بشيء من التعظيم أو مجرَّد خوف؛ لأنهم قالوا: فرق بين كلام صاحب اللسان الذي قال: الخشية الخوف، معنى أنها مرادفة له، وغيره يرى أنه وإن كان وجد نوع ترادف إلا أن فيه نوع تغاير في المعنى.

يعني: زيادة في معنى الخشية، فهي أخصّ من الخوف، والخوف أعم.

 يقول: الخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى، فهي خوف مقرون بمعرفة. قال النبي –عليه الصلاة والسلام-: «إني أتقاكم لله، وأشدكم له خشية»، فالخوف اسمعوا التفريق على كلام الفيروز أبادي صاحب "البصائر": فالخوف حركة، والخشية انجماعٌ وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدوّ والسيل ونحو ذلك له حالتان:
إحداهما: حركة الهرب منه، وهي حالة الخوف.
الهرب هو الخوف؟ أو أنَّ الهرب ناشئ عن الخوف، سببه الخوف، فهو مُسبب للخوف؟

قال: إحداهما: حركة الهرب منه، وهي حالة الخوف.
والثاني: سكونه وقراره لا يصل إليه، وهي الخشية.
كلام مستقيم أم غير مستقيم؟ يعني معناه: إذا أمن وصل إلى مكان لا يصل إليه هذا المخوف هذا هو الخشية! أين؟
هو يقول: إحداهما: حركة الهرب منه، وهي حالة الخوف. لأنه قرر في الأصل أن الخوف حركة، والخشية: انجماع وانقباض وسكون، وصل إلى المكان الذي يأمن فيه فسكن، زال الخوف من باب أولى تزول الخشية، إذا وصل إلى هذا المكان.

والثاني: سكونه وقراره لا يصل إليه وهي الخشية. قال القاضي عياض: ليس معناه الشك.  خشي على نفسه –عليه الصلاة والسلام- من أي شيء؟ الذي يخشى على نفسه إذا وُجد هناك ما يُخشى منه، ويُخاف منه، فإذا وُجد مثل هذا أو شُكَّ في وجودِه؛ حصل الخوف والخشية. والرسول –عليه الصلاة والسلام- يقول: «لقد خشيت على نفسي» بالتأكيد، هل حصل منه شك في أنه يناله أذى بسبب الوحي؟ أو جزم بأنه يناله أذى بسبب الوحي؟

 قال القاضي عياض: ليس معناه الشك في أن ما أتاه من الله، لكنه كأنه خشي أن لا يقوى على مقاومة هذا الأمر. يعني: كأنه خشي أن يعجز عن حمل الأعباء التي كُلِّف بها، وإذا عجز حصل له ما يُخشى، وحصل منه ما يخاف. قال: لكنه كأنه خشي ألَّا يقوى على مقاومة هذا الأمر، ولا يطيق حمل أعباء الوحي، فتزهق نفسه لشدَّة ما لقيه أوَّلا عند لقاء الملك، قال: أو يكون هذا أوَّلَ ما رأى التباشير في النوم واليقظة، وسمع الصوت قبل لقاء الملك وتحققه رسالة ربه، فقد خاف أن يكون من الشيطان، فأما بعد أن جاء الملك بالرسالة فلا يجوز عليه الشكُّ فيه، ولا يخشى تسلُّط الشيطان عليه. لا يجوز له أن يشك بعد أن استقر عنده أن هذا ملك جاءه من عند الله –جل وعلا-. هذا كلام القاضي عياض.
طيب: قوله –عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» هل يثبت منه أنه يشك؟
طالب: لو كان شك. إبراهيم ما شك.
يعني، إبراهيم لما قال: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ
ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ} [البقرة:260] هل هذا الكلام ناشئ عن شك من إبراهيم؟ أبدًا؛ {أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} يعني: القلب قبل أن يطمئن، ولكن ليطمئن قلبي، هل يلزم من القلب قبل اطمئنانه أن ينطوي على شيء من الشك ولو نسبة يسيرة؟
طالب: نعم، قد يكون خشي............
الآن إبراهيم –عليه السلام- لما طلب رؤية إحياء الله الموتى {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ
ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ} الإيمان حاصل، قوله: {وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} ما الذي يقابل الطمأنينة؟
طالب: الشك.
نعم؟
طالب:.............
نعم؟
يلزم منه الشك أم ما يلزم؟
طالب:.................
هذا الكلام.
هو عنده علم اليقين، العلم اليقيني الذي لا يعتريه أدنى شك، لكن ليس الخبر كالعِيان، مهما كان، موسى –عليه السلام- لما أخبر الله –جل وعلا- أن قومه عبدوا العجل تأثر بلا شك، لكن ألقى الألواح؟ ألقاها لما رآهم، ففرق بين: علم اليقين وعين اليقين وحقَّ اليقين، يمثلون بمن جاءه من يُخبِره عن وجود الكمأة في السوق –مثلاً- قلنا: العسل، ولا فرق بينهما، قال: السوق الآن فيه كمأة كثير، ولله الحمد.
طالب:........
نعم. صدقهم؛ لأنهم يثبت الخبر بقولهم، وعدد لا يمكن تواطؤهم على الكذِب فخبرهم مفيد للعلم، ما فيه أدنى شك، ذهب إلى السوق ورآه بعينه، هذا عين اليقين، لما اشترى منه وأكل صار هذا حقّ اليقين، فاليقين مراتب، فاليقين موجود عند إبراهيم –عليه السلام-، لكنه يريد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، كيف يصل إبراهيم إلى حقِّ اليقين؟
طالب:............
نعم، إذا حصل المُشاهدة العينية التي لا تحتمل، لكن كونه يشاهد موت غيره هذا شيء، وكونه يباشر الموت بنفسه هذا حق اليقين، وهي كما نقول: جاءه الحق، يعني الموت. الإيمان بالغيب هذا الذي يُمدح به، {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]، أما المشاهدة يعني: هذا يؤمن به كل شخص، ما فيه أحد يُماري بما تُوصله العين أو الأذن أو الحواس من معلومات، ما أحد يشك في هذا.
 فقد خاف أن يكون من الشيطان، فأما بعد أن جاءه الملك بالرسالة فلا يجوز عليه الشك، ولا يخشى تسلط الشيطان عليه، وعلى هذا الطريق يُحمل كلُّ ما ورد من مثل هذا في حديث المبعث.
وقال النووي: معنى قوله: «خشيت على نفسي» أنه يخبرها، يعني: يخبر خديجة، بما حصل له أولاً من الخوف، لا أنه في الحال خائف.

يعني: لما نزل عليه الملَك وضمَّه ورجف فؤاده. حصل له شيء من الخوف، لكن لما أخبره وألقى عليه الوحي زال عنه الخوف فالرسول –عليه الصلاة والسلام- يخبر عما حصل له قبل أن يُلقى إليه الوحي. هذا مقتضى كلام النووي. معنى قوله: «خشيت على نفسي» أنه يخبرها بما حصل له أولاً من الخوف، لا أنه في الحال خائف.
يعني: لما وصل إليها ما هو بخائف. يعني قوله: «زملوني، زملوني، دثروني»، أمور يعني، يرجف فؤاده، يستقيم مع هذا الكلام؟ لا يستقيم.
طالب:...........
حال إيش؟
طالب:.........
يعني بعدما زملوه وذهب عنه الفزع يقول: معنى قوله: «خشيت على نفسي» أنه يخبرها، يعني: يخبر خديجة، بما حصل له أولاً من الخوف، لا أنه في الحال خائف. وانظر "كشف المشكل" لابن الجوزي يقول: كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يخاف بداية الأمر أن يكون ما يراه من قبل الشيطان؛ لأن الباطل قد يلتبس بالحق، وما زال يستقرئ الدلائل، ويسأل الآيات إلى أن وضح له الصواب.
نعم.
يقول: كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يخاف بداية الأمر أن يكون ما يراه من قِبَل الشيطان؛ لأن الباطل قد يلتبس بالحق، وما زال يستقرئ الدلائل، ويسأل الآيات إلى أن وضح له الصواب.
الآن لو رأيت شخصًا يطير في الهواء، قبل أن تعرف حقيقة هذا الشخص أو يمشي على البحر قبل أن تعرف حال هذا الشخص، وتنظر في أمره هل هو على الحق أو على الباطل؟ الآن يلتبس عليك حق أم باطل أم ما يلتبس؟ يلتبس، ما تدري كرامة أم إعانة شياطين، يلتبس عليك، لكن إذا عرفت أنه على الجادة، ويحتاج مثل هذه الكرامة في تثبيته أو تثبيت من يدعوه، يتميز لك الحق من الباطل.

طالب:....................

 هو يريد أن يقرر أن هذا مثل هذا.
يقول: كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يخاف بداية الأمر أن يكون ما يراه من قبل الشيطان؛ لأن الباطل قد يلتبس بالحق، وما زال يستقرئ الدلائل، ويسأل الآيات إلى أن وضح له الصواب.
يقول: وكما أن أحدنا يجعل، الرسول –عليه الصلاة والسلام- رجف فؤاده، وخشي على نفسه. هذا ما فيه إشكال، لكن السبب، لماذا خشي على نفسه ولماذا رجف فؤاده؟ هل يمكن أن...؟

 يعني إذا جزم بأن هذا وحي، وهذا حق، وهذا ملك، ومن الله –جل وعلا- يحصل له شيء من هذا؟ اللهم إلا ما يقال من أنه يخشى أن لا يتحمل أعباء النبوة. وسيأتي أن في المخشِي اثنى عشر قولًا لأهل العلم.

 وكما أن أحدنا يجب عليه أن يسبر صدق المرسل إليه، وينظر في دلائل صدقه، فكذلك الرسل يجب عليها أن تسبر حال المرسل إليها، هل هو ملك أو شيطان، فاجتهادها في تمييز الحق من الباطل أعظم من اجتهادنا، ولذلك علت منازل الأنبياء؛ لعظَمِ ما ابتلوا به من ذلك، وقد كان نبينا –صلى الله عليه وسلم- في بدايته قد نفر من جبريل، ونسب الحال إلى الأمر المخوف، وقال لخديجة: «لقد خشيت على نفسي»، إلى أن بان له أن الأمر حقٌّ، ثمَّ استظهر بزيادة الأدلة حتى تحقق له اليقين.
ويقول ابن حجر: دلَّ قوله «لقد خشيت على نفسي»، مع قوله: "يرجف فؤاده" على انفعال حصل له من مجيء الملك، ومن ثم قال: «زملوني».
 الآن، سبب الخشية وسبب رجفان القلب في ضوء ما قاله أهل العلم مما تقدم، يعني هو لا يخلو من حالين:
إما أن يكون حصل له شكّ فيما جاءه، هل هو من عند الله؟ وهل هو ملك أو شيطان؟ ولا شك أن مثل هذا الشك يورث هذه الخشية ورجفان الفؤاد، حتى يستقر الأمر، لكن هذا نفاه أهل العلم أن يكون حصل له شيء من الشك، وإن كان الإنسان في بداية الأمر، إذا دهمه أمر لم يتحققه يحصل شيء من هذا، ثم بعد ذلك يزال يُثبت حتى يصل إلى درجةٍ يرتفع عنه الشك بجميع أجزائه.
قال ابن حجر: دل قوله: «لقد خشيت على نفسي» مع قوله: "يرجف فؤاده" على انفعال حصل له من مجيء الملك ومن ثم قال: «زملوني».

 طيب، الانفعال هل هو في الأمر المَخُوف فقط، أو يشمل أيضًا الأمر المحبوب الذي يشتد حبُّه، بحيث يصل إلى درجةٍ يبكي معها؟ أحيانًا من شدة الفرح قد يبكي؛ الانفعال موجود، والخشية موجودة، وهي الخوف، والإنسان قد يخشى المحبوب كما يخشى المكروه، يعني: يصل إلى حد لا يملك نفسه فيه، إضافة إلى أنه قد يخشى من زوال هذا المحبوب من عِظَمِه في نفسِه عنده، هذا يحصل للبشر كلِّهم.

 لكن عندنا الخشيةُ المذكورة اختلف العلماء في المُراد بها على اثني عشر قولاً، قالوا:

أولها: الجنون، خشي أن يُجنّ –عليه الصلاة والسلام- وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة، وجاء مصرَّحا به في عدَّة طرق. وهذا يحصل لبعض النَّاس في الأمرِ العظيم، في الأمر العظيم، سواء كان من المكروه أو من المحبوب، من شدَّةِ الهول، سواء كان محبوبًا أو مكروهًا، ومثل ما قلنا بالنسبة للطبيب النفسي الذي جاء يطمئِن أو يتدرَّج في الشخص الذي جاءه ما جاءه من جائزة فاز بها؛ لأنه لو أُخبر مباشرة أن هذه العمارة الشاهقة جاءته جائزة أو جاءه شيء مبلغ كبير من المال يُخشى عليه، فجاؤوا له بطبيب نفسي. ذكرت هذه في السابق، قصة مشهورة ومتداولة إلى أن جُنَّ الطبيب النَّفسي؛ لأنه تنازل له عن شيء يسير من هذه الجائزة، فالأمر المهول لا شك أنه يُؤثِّر، سواء كان محبوبًا أو مكروهًا، والجنون جاء مُصرَّحًا به في عدَّة طُرق، قال: وأبطله أبو بكر بن العربي.
يقول ابن حجر: وحُقَّ له أن يبطل أو يُبطل، لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضروري أن الذي جاءه ملكٌ وأنه من عند الله –تعالى-.

يعني هل العلم الضروري الذي لا يحتمل النقيض القطعي يحصل في القلب دفعة واحدة، أو ينمو فيبدأ بخبر، ثمَّ ينضاف إليه خبر ثانٍ ثم ثالث، فينمو شيئًا فشيئًا إلى أن يصل إلى حدّ العلم القطعي؟
طالب:...........
نعم، هو ينمو، يعني: مثل نمو الإنسان، مثل نمو النبات، ينمو نموًّا لا يشعر به، فأول من يخبرك عن خبر وإن كان من أصدق الناس إليك إلا أن الاحتمال في كونه أخطأ وارد، الاحتمال، لكن جاء الثاني تقوى الخبر، ثالث، عاشر، مائة، انتهى الإشكال خلاص، صار قاطعًا لي.
حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضروري، أن الذي جاءه ملك وأنه من عند الله تعالى.
ثانيها: قالوا: الهاجِس،
عندنا خاطر، وعندنا هاجس، وعندنا حديث نفس، وعندنا همّ، وعندنا عزم، هذه المراتب الخاصة المعروفة عند أهل العلم. طيب، خشي على نفسه الهاجس، كيف يخشى النبي –عليه الصلاة والسلام- على نفسه الهاجس؟ يعني أن يطرأ على قلبه شيء يقتضي إما الشك فيما أُوحي إليه، أو التردد في قبوله، أو شيء من هذا؟ هاجس. طيب الهاجس يؤاخذ عليه؟ الخاطر لا يؤاخذ عليه، الهاجس لا يؤاخذ عليه، حديث النفس الذي يتردد لا يؤاخذ عليه ما لم يتكلم ويعمل؟ الهم كذلك لا يؤاخذ عليه، يؤاخذ على العزم فيما قرره أهل العلم.

مراتب القصد خمس: هاجس ذكروا

 

فخاطر فحديث النفس فاستمعا

يليه هم فعزم كلها رفعت

 

إلا الأخير ففيه الإثم قد وقعا

يعني يخشى من الهاجس؟

 نعم؟
طالب:.............
لا، إذًا وُجد هاجس فيخشى أن ينمو، أم أن أصل الهاجس يخشاه؟
يقول: وهو باطلٌ أيضًا؛ لأنه لا يستقرّ، وهذا استقرّ. هذا استقر، المَخشي تكلَّم به، وتحدَّث به عند خديجة، هناك خشية.

 قال: وهو باطل أيضًا؛ لأنه لا يستقر، وهذا استقر، وحصلت بينهما المراجعة.
ثالثها: الموت، من شدة الرعب.
رابعها: المرض، وقد جزم به ابن أبي جمرة. خشي أن يمرض، ابن أبي جمرة
هذا مرَّ بنا مرارًا له مختصر للبخاري، اقتصر منه على ثلاثمائة حديث، مشهور معروف بـ" مختصر ابن أبي جمرة" وله شرح طُبِع في أربعة أجزاء، اسمه "بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها"، وهو شرح مطوَّل بالنسبة لثلاثمائة حديث، وفيه فوائد، والشروح قاطبة ينقلون منه، ويحسنون الظن بمؤلِّفه ويعبِّرون عنه بالإمام القدوة، وعنده تصوف، وعنده أشياء، وعنده رؤى ومنامات وأوهام، لكن لا يمنع أن يُستفاد من كتابه. كتابه فيه فوائد.
خامسها: دوام المرض. يعني مرض يُتحمل، لكن مرض يدوم، خشي من مرض، مثلاً شيء يستمر معه. هذا قول.
سادسها: العجز عن حمل أعباء النبوة. نعم. هذا الذي تقدَّم، العجز عن حمل أعباء النبوة، الآن لو استدعي واحد منكم وقيل: سوف تولَّى منصبًا كبيرًا وشرف دين ودنيا، منصبًا شرعيًّا وكبيرًا، الإنسان يخشى أن لا يقوم بحقوق هذا العمل، وإن كان غيرُه فئام من الناس يتمنون هذا العمل، لكن صاحب التحرِّي يخشى أن لا يحمل أو لا يقوم بأعباء هذا العمل، فتحصل له المؤاخذة.

 قال: العجز عن حمل أعباء النبوَّة.
سابعها: العجز عن النظر إلى الملَك من الرُّعب.
العجز عن النظر إلى الملَك من الرُّعب. يعني بعض النَّاس يتمنَّى أن يرى فلانًا من المسؤولين أو من أهل العلم، لكن في قلبه شيء من الرَّهبة والخوف، فيُقال له: اليوم لنا موعد مع فلان الذي تتمنى رؤيته، فيخشى، قال: ما عندي استعداد أواجه فلان، لماذا؟ لأنه يخشى أن يقع أو تقع عينه على شيء لا يعجبه من شدة تعظيمه له، فقال: العجز عن النظر إلى الملك من الرعب. هذا كلام العلماء بالنسبة له –عليه الصلاة والسلام- فإذا كان الإنسان العادي يخشى من إنسان عادي فالخشية من الملَك لا شكَّ أنَّها أعظم.
طالب:.................
الذي يظهر أنه على هيئة إنسان، إنسان فيه قوة، أما على هيئة ستمائة جناح والله ما....
طالب:.........
أين؟
طالب:............
لكنه مع ما حصل له في أول جلسة معه، مسألة غطّ وغتّ وشيء مهول، تكاد أن ينقطع نفسه، فهذا يورِث عندَه رعبًا، يورث عنده الخشية من رؤيته.
طالب:.......
طيب، هل هذا له أثر على مستقبل الشَّخص الذي حصل له هذا الأمر؟ لأن النظريات التربوية ضد هذا الآن تمامًا، في السابق إذا جيء بالطالب الطِّفل سبع سنوات إلى المعلِّم ما يقال: لا يرى الطفل هذا الطالب الذي يُضرب، وهذا الطالب الذي يوقف، وهذا الطالب الذي يُتكلَّم عليه؛ لئلا ينفر.

طالب:....................

 لا، الآن ما فيه شيء من هذا، هو في مكان مستقل وهدايا وألعاب؛ من أجل أن يدرَّب شيئًا فشيئًا، وقبل لا، العكس، يمكن في أول يوم يُضرب ضربًا لا يطيقه، ما فيه شك أن هذا يربي قوة نفس، لكنه مع ذلك هذا يحرم فئامًا كثيرة من المواصلة، كثير من الطلاب الصغار إذا حصل لهم هذا اليوم الثاني ما يمكن أن بذهب مهما بُذل، ويستمر بسبب هذا عامِّيًّا، فالمسألة تحتاج إلى شيء من التسديد والمقاربة، لا التدليل والتدليع لينشئ ناشئة ما يتحملون شيئًا، ولا الشدة التي تصرف الناس عن العلم وطلبِه.
طالب:..............
ثامن الأقوال في المخشِي الذي خشيه النبي –عليه الصلاة والسلام- عدم الصبر على أذى قومِه، عدم الصبر على أذى قومِه.
تاسعها: أن يقتلوه. خشي أن يقتُلَه قومه.
عاشرها: قالوا: مفارقة الوطن.
مفارقة الوطن، لا شك أنه إذا حصل بينه وبين قومِه اختلاف فإن هذا الاختلاف يؤدِّي إلى أن يُخرج من وطنه، لكن في الحديث حينما قال: «أو مخرجيَّ هم؟» هل عنده خبر أنهم مخرجوه قبل أن يقال له؟ «أو مخرجيَّ هم؟» هذا يُضعِف هذا القول.
والحادي عشر: تكذيبهم إيَّاه. خشي أن يكذبه قومه، وهو قد عُرِف عندهم بالصَّدوق، عرف عندهم بالصدق، والذي عُرِف بوصف يصعب عليه أن يُرمَى بغيره، أن يرمى بضده.
الثاني عشر: تعييرهم إياه.

قال ابن حجر: وأولى هذه الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب الثالث، الذي هو الموت، واللذان بعده: الرابع والخامس، المرض أو دوام المرض. يعني: خشي على نفسه، خشي أن يموت، أو خشي أن يمرض أو خشي أن يمرض مرضًا دائِمًا.

 وأولى هذه الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب الثالث واللذان بعده، وما عاداها فهو معتَرَضٌ، والله الموفق. 

«لقد خشيت على نفسي»، فقالت خديجة: كلَّا، والله ما يخزيك الله أبدًا.
فقالت خديجة كلا: يقول ابن الملقن: معنى "كلا" النفي والإبعاد، النفي والإبعاد، وهذا أحد معانيها، وقد تكون بمعنى "حقًّا" وبمعنى "ألا" التي للتنبيه، يستفتح بها الكلام. وقد جاءت في القرآن على أقسامٍ جمعها ابن الأنباري في باب من كتابه "الوقف والابتداء" وفي "الإتقان" للسيوطي: "كلا" في القرآن في ثلاثةٍ وثلاثين موضعًا، "كلا" في القرآن في ثلاثة وثلاثين موضعًا.

يعني في أي السور ما نزلت "كلا"؟
طالب:.................
كيف؟
طالب:.............
نعم لكن نزلت بمكة أم في المدينة "كلَّا"؟ أقول: ما نزلت "كلَّا" بيثرب، يعني لا توجد إلا في السور المكية على هذا الكلام، وهل توجد في النصف الأعلى من القرآن أو في النصف الأدنى؟
النصف الثاني من القرآن.
قال: "كلا" في القرآن في ثلاثة وثلاثين موضِعًا منها: سبعةٌ للردع، فيوقف عليها، وذكرها، والباقي منها ما هو بمعنى "حقًا" "قطعًا" فلا يوقف عليها، ومنها ما احتمل الأمرين ففيه الوجهان، وقال المكي بن أبي طالب القيسي: هي أربعة أقسام:
الأول: ما يحسن الوقف فيه عليها. على معنى الردع وهو الاختيار. ويجوز الابتداء بها على معنى "حقًّا"، وذلك أحد عشر موضعًا.
الثاني: ما يحسن الوقف عليها ولا يجوز الابتداء بها، وهو موضعان في الشعراء. {أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا} [الشعراء:14-15]، الثاني: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلَّا} [الشعراء:61-62] هذه لا يجوز الابتداء بها.
الثالث: ما لا يحسن الوقف عليها ولا الابتداء بها، بل توصل بما قبلها وبما بعدها، في موضعين في "عمَّ" و"التكاثر"، {ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} [النبأ:4]، {ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر:4].
الرابع: ما لا يحسن الوقف عليها، ولكن يبتدأ بها. وهو الثمانية عشر الباقية.
الثمانية عشر الباقية في "التهذيب" تهذيب اللغة للأزهري، قال الأخفش: معنى "كلا" الردع والزجر، وهو مذهب الخليل، وإليه ذهب الزجاج في جميع القرآن. قال ابن الأنباري: قال المفسرون: معنى "كلا" "حقًّا"، لكنها تأتي بمعنى الردع والزجر، وتأتي بمعنى "حق".
كلا، والله ما يخزيك الله. يخزيك، كذا في روايةِ غير أبي زر. يعني من رواة الصحيح بضم أوله والخاء المعجمة، والزاي المكسورة ثم الياء الساكنة، من الخِزي، وفي رواية أبي ذر: "يحزنك" هذه رواية أبي ذر بفتح أوله والحاء المهملة والزاي المضمومة والنون، من الحزن.

في شرح الكرماني: "يخزيك" بضم الياء وبالخاء المعجمة، من الخزي والفضيحة، وهو الهوان. ورواه مسلم: "يحزنك" بالحاء المهملة والنون من الحزن، ويجوز على هذا فتحُ النون، وضمُّها، وعلى هذا، ويجوز على هذا فتح النون وضمها. يقال: أحزنه، النون أم الياء؟ لأنه قال: يقال: أحزنه، وحزنَهُ لغتان فصيحتان قرئ بهما في السبع. الظاهر الياء الذي هو حرف المضارعة؛ لأنه إن كان من الثلاثي فهو مفتوح الياء، وإن كان من الرباعي فهو مضموم الياء. من الكرماني. هل مع أحد الكرماني؟ هو الظاهر الياء، والمقصود حرف المضارعة، بدليل أنه قال: يقال: أحزنه وحزنه من الرباعي أو من الثلاثي، فإن كان من الرباعي فهو بضم الياء، وإن كان من الثلاثي فهو بفتحها.
لغتان فصيحتان قُرِئ بهما في السبع. قال اليزيدي: أحزنه لغة تميم. الرباعي، وحزنه لغة قريش. قال تعالى: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الأنبياء:103] من حزن من الثلاثي، وقال: {لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ} [يوسف:13]، من أحزن على قراءة من قرأ بضم الياء، وهو من الحزنِ خلافُ السرور، يقال: حزِن بالكسر يحزن حزَنًا، إذا اغتم، وحزنه غيره وأحزنه. وحكي عن أبي عمرو أنه قال: إذا جاء الحُزن في موضع نصب. عندنا حزن وحزَن. وجاءت بهما الأحاديث في اختلاف الروايات، حُكي عن أبي عمرو أنه قال: إذا جاء الحزن في موضع نصب فتحت الحاء. قلت: حَزن ما تقول حُزن، الحَزن إيش؟ ضد السهل، ضد السهل، والحَزَن، والحُزن بمعنى واحد، الذي هو الغم، إذا جاء الحُزن في موضع نصبٍ فتحت الحاء، وإذا جاء في موضع رفع وجر ضممت، وقرأ: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} [يوسف:84]؛ لأنه مجرور تضم الحاء، وقال: {تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا} [التوبة:92]؛ لأنه منصوب. إذًا: من الخزي والفضيحة والهوان، أو من الحُزن وهو الغم، ويفرقون بين الهم وبين الغم، كما قال الخطابي وغيره، وبين الحَزن أيضًا. في فروق دقيقة ذكرها الخطَّابي وغيره.
أبدًا، كلا والله ما يخزيك الله أبدًا. في القاموس الأبد: محركة الدهر، جمعه آباد وأبود، والدائم يعني الأبد: الدائم، والقديم: الأزلي، والولد الذي أتت عليه سنة يسمونه أبدًا. ولا آتيه أبدًا الأبدية وأبد الآبدين، كالأراضين، وأبد الأبدِ: محركةٌ.

 يعني لما سئل عن الحج: أفي كل عام يا رسول الله؟ ألعامنا هذا  يا رسول الله؟ قال: «بل لأبدٍ أبد». وأبد الأبد محرَّكةٌ، وأبد الأبيد، وأبد الآباد، وأبد الدهر، وأبيد الأبيد بمعنىً. وفي "المفردات": أبد، قال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [النساء:57]، الأبد عبارة عن مدة الزمان الممتد، عن مدة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان، وذلك أنه يقال: زمان كذا ولا يقال: أبد كذا. وكان حقه أن لا يثنَّى ولا يُجمع؛ إذا لا يتصور حصول أبد آخر يضم إليه فيثنَّى.

يعني هل الأبد هذا ينقطع ثم يأتي أبد ثاني؟ كما تجمع الأحقاب {لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [النبأ:23]، دل على أن الحقب مدة محددة وإن طالت، أما الأبد فليس بمدة محددة وإن طالت.
فهل معنى هذا أن "الأبد" معناه أنه لا ينقطع، فما اقترن به لا نهاية له؟ ينقطع أم ما ينقطع؟ قد لا يلزم منه هذا، ولا يلزم منه هذا كما سيأتي في النفي ب "لن" المقرون بالتأبيد، فيثنى، لكن قيل: آباد، وذلك على حسب تخصيصه في بعض ما يتناوله كتخصيص اسم الجنس في بعضه ثم يُثنى ويُجمع. يعني: قالوا: بابُ المياه.
طالب:
........
نعم.
الماء اسم جنس يشمل القليل والكثير، لكن لماذا جمعوه؟ نظرًا لتعدد أنواعه، فإذا نظرنا إلى الأنواع جمعنا وثنَّينا على حسبِ تعدد الأنواع، وذلك على حسب تخصيصه ببعض ما يتناوله كتخصيص اسم الجنس في بعضِه ثم يُثنى ويجمع على أنه ذكرَ بعض الناس: أن آباد مولَّد وليس من كلام العرب العرباء، وقيل: أبدٌ، أبد، وأبيد: أي دائم، وذلك على التأكيد، وتأبَّد الشيء: بقي أبدًا، ويعبر عما يبقى مدة طويلة. وإذا اقترن التأبيد أو قبل ذلك أبدًا قالوا: منصوبًا على الظرف فيما قاله النووي والكرماني.

وإذا اقترن التأبيد ب "لن" بالنفي ب "لن" فإنها لا تقتضي عدم حصول المنفي كما في قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة:95] فقد تمنوه فقالوا: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف:77]، ولذا قال ابن مالكٍ:

ومن رأى النفي بلن مؤبدًا

 

فقولهم ب "إذ" وسواه فاعضدا

يقول ابن حجر: ثم استدلت على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدًا بأدلة ذكرتْها، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.