الاجتهاد في الجرح والتعديل

الفتاوى الصوتية

عنوان الفتوى: 
الاجتهاد في الجرح والتعديل
تاريخ النشر: 
سبت 14/ ربيع الأول/ 1437 8:15 م
مصدر الفتوى: 
برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة السابعة والخمسون 23/11/1432هـ
تصنيف الفتوى: 
مصطلح الحديث
رقم الفتوى: 
5463

محتوى الفتاوى

سؤال: 

هل الاجتهاد في نقد الرجال تعديلاً وتجريحًا ممتنع، وذلك بأن يقول الناظر: هذا مقبول الرواية، وذاك مردود. أم أن ذلك سائغ وباق؟

الجواب: 

الجرح والتعديل منه ما هو مجرد نقل محض، وهذا للأئمة الذين عاصروا الرواة ومن نقل عنهم بالسند، وأما المتأخر الذي لم يعاصر، وليست له رواية عن الأئمة بالسند فإنه حينئذٍ ينتقل إلى النظر في المدونات من كتب الجرح والتعديل، وحينئذٍ ينظر في أقوال أهل العلم من علماء الجرح والتعديل في هذا الراوي ويوازن بين هذه الأقوال، فينظر في أقوال المعدلِّين، وينظر في أقوال المجرِّحين، وهل منهم من عدله مطلقًا، وهل منهم من وثقه في بعض الأحوال وعن بعض الشيوخ دون بعض، وهل منهم من وثقه في أول أمره وضعفه في آخره، وهل منهم من جرَّحه مطلقًا، أو جرَّحه في بعض شيوخه، إلى غير ذلك مما هو معلوم في كتب علوم الحديث، للناظر المتأهل الذي أدام النظر في كتب الرجال، وفي أقوال أهل العلم، وفي مواقع استعمالهم لهذه الأقوال النظرية، فإذا نَظر في أقوال الرجال ونظر في مروياتهم، ووازن بين أقوالهم جرحًا وتعديلًا، وقد تأهّل قبل ذلك فله أن يخرج برأي يستخلصه ويستوحيه ويستشفه من أقوال أهل العلم، كما فعل الذهبي وابن حجر وغيرُهما ممن صنف من المتأخرين، فتجد الحافظ ابن حجر يحكم على راوٍ بأنه ثقة، ويحكم على راوٍ بأنه صدوق، ويحكم على راوٍ بأنه ضعيف، ويحكم على راوٍ بأنه مقبول، ويحكم على راوٍ بأنه ليّن، وابن حجر ما عاصر الرواة إنما نظر في أقوال الأئمة النظرية المدونة في كتب العلم وفيما يروى عنهم، وقارن بينها وبين صنيعهم في مواقع الاستعمال، إذ إن التوثيق أحيانًا يُؤخذ من تصحيح حديث مثلًا، ويؤخذ التضعيف من ردِّ حديث، وإن كان هذا لا يستقل بالحكم؛ لأنه قد يُصحح الحكم ويعمل به وحديثه بمفرده قد لا يصل إلى درجة الصحيح، لكن لما يحتف به من أمور مقوية من الكتاب أو من السنة الصحيحة، فالعلماء لهم أنظار في هذا، والمتأخرون وظيفتهم النظر في أقوال المتقدمين والموازنة بينها، والنظر أيضًا في مرويات الراوي فإن كان موافقًا للرواة الثقات الأثبات فهو حافظ ضابط، وإن كان مخالفًا لهم فليس بضابط ولا حافظ، قال الحافظ العراقي –رحمه الله-:

ومن يوافق غالبًا ذا الضَّبْطِ            .

 

فضابطٌ، أو نادرًا فَمُخْطِيْ             .

فهم ينظرون بين الكلام النظري، ومواقع الاستعمال العملي، ويطبقون هذا على هذا ويخلصون برأي وسط، فإذا وجدنا في أحد الرواة عشرةً من أهل العلم وثقوه، وخمسةً ضعَّفوه، ننظر أيضًا في مسألة تقديم الجرح على التعديل، والنظر في الجرح المفسَّر، والجرح غير المفسَّر، إلى غير ذلك مما يحتاجه طالب العلم من قواعد الجرح والتعديل. ومع ذلك فالطالب الذي لا يدرك حقائق الأمور في هذا الباب قد يجد شيئًا يظنه اضطرابًا، فيجد كلامًا لعالمٍ في أحد الرواة توثيقًا، ويجد لنفس العالم في هذا الراوي تضعيفًا، وقد يضعفه في شيخ، وقد يقويه في شيخ، وما أشبه ذلك، فطالب العلم عليه أن يتريث في هذه المسألة ولا يتعجل في الأحكام حتى يتأهل؛ لأن الكلام في أعراض المسلمين محرم، وهذا منه، ومن جرّح راويًا فإنه يتسبب في إسقاط حديثه، وإذا وثق راويًا تسبب في قبول حديثه وقد لا يكون مقبولاً، فيعمل بسنة لا أصل لها في الواقع، أو يترك سنة لها أصل صحيح، لكنه باجتهاده الذي لم يُبْنَ على أساس يكون سببًا في قبول حديث ضعيف، أو رد حديث صحيح، فعلى طالب العلم أن يتقي الله في ذلك ويتريث.

ومما قد يقف عليه طالبُ العلم من كلام العلماء ويظنه اضطرابًا كلامُ ابن حجر في عبيد الله بن الأخنس، وهو من رواة (صحيح البخاري)، قال عنه ابن حجر في (فتح الباري): (وثَّقه الأئمة، وشذ ابنُ حبان فقال في (الثقات): يخطئ كثيرًا). وقال عنه في (التقريب): (صدوق، قال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا). فشتان بين القولين، فهو في (فتح الباري) نظر إلى روايته المخرَّجة في (الصحيح) فحكم عليه بالتوثيق، وحكم على قول ابن حبان بالشذوذ نظرًا إلى هذه الرواية، وأنه من رواة البخاري، وأنه جاز القنطرة، وروايته صحيحة، لكن في حكمه عليه على سبيل العموم في (التقريب) حيث إنه يروي أحاديث في الصحيح وخارج الصحيح، فيحتاج إلى حكم متوازن يشمل جميع الكتب، فحكم عليه بأنه صدوق، فهذا من الأنظار الدقيقة التي ينبغي لطالب العلم الاهتمام بها.