شرح كتاب الأربعين النووية (10) - من حديث رقم 10 إلى حديث رقم 12

بسم الله الرحمن الرحيم

شرح الأربعين النووية (10)

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [(51) سورة المؤمنون] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [(172) سورة البقرة] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك)) رواه مسلم.

وعن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وريحانته -رضي الله عنهما- قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) حديث حسن، رواه الترمذي وغيره. 

 

الحديث العاشر: أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء.

الحمد لله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [(51) سورة المؤمنون] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [(172) سورة البقرة] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك)) رواه مسلم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

نبهنا مراراً أنه لا يقال قبل (أما بعد) (ثم) فلا نقول: "ثم أما بعد"، جاء فيها أكثر من ثلاثين حديث بدون (ثم) والإتيان بها سنة كما هو ديدنه -عليه الصلاة والسلام- في خطبه ورسائله، وإبدالها بالواو (وبعد) -كما يقول كثير من الناس-، لا يجزئ عن (أما), ولا تأدى السنة إلا بهذا اللفظ (أما بعد).

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"الحديث العاشر: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله -تعالى- طيب لا يقبل إلا طيباً))" الله -جل وعلا- مقدس منزه عن العيوب والنقائص، لا يقبل ما كان بضد ذلك، لا من الأعمال، ولا من الأقوال، ولا من الاعتقادات، ولا أي شيء يمكن أن يوصف بغير هذا الوصف الذي هو الطيب.

"((إن الله -تعالى- طيب))" يخبر عن الله -جل وعلا- بأنه طيب، لكن هل يسمى بالطيب؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من أثبت الطيب في الأسماء الحسنى، ومنهم من قال: إن هذا على سبيل الخبر، وسبيل الإخبار أوسع من باب التسمية والوصف كما هو معلوم.

"((إن الله -تعالى- طيب لا يقبل إلا طيباً))" وحذف المفعول للتعميم؛ ليسرح الذهن في كل مسرح مما يمكن أن يوصف بأنه طيب فيقبله الله -جل وعلا-، أو ما كان بضده من الخبيث والرديء فإن الله -جل وعلا- لا يقبله, فلا يقبل من الاعتقادات إلا الطيب، وهو ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، ولا يقبل من الأعمال إلا ما دل عليه الدليل، ولا يقبل من الأقوال إلا الكلم الطيب، ولا يقبل من التصرفات من صدقات وغيرها إلا ما كان طيّباً في مورده ومصرفه، فلا يقبل إلا طيباً. قال الله -تعالى-: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [(267) سورة البقرة], وقال -تعالى-: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [(157) سورة الأعراف] فالمحرمات خبائث، والرديء خبيث، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((كسب الحجام خبيث)) {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [(267) سورة البقرة] وإن لم يكن محرماً، يعني النفقة بالمال الرديء غير محرمة. فلو قدِّر أن عندك تمرا من النوع الجيد، وتمرا من النوع الرديء، واحتبست الجيد لنفسك ولأولادك وتصدقت بالرديء هذا يدخل في قوله -تعالى-: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [(267) سورة البقرة] لكنها صدقة لها أجرها بقدرها، لكن قوله -تعالى-: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [(92) سورة آل عمران] أنت تحب الطيب فأنفق طيبًا، يعني لن تنالوا كمال البر إلا بهذا، وإن كانت الصدقة بالدون مقبولة -إن شاء الله تعالى-.

قول الله -تعالى-: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ} [(267) سورة البقرة] يعني المال الخبيث الذي هو الرديء في هذه الآية، النوع الرديء من الطعام، ومن سائر الأموال، لكن لا يقال: إن هذا التمر الذي هو دون مما ادخرته لنفسك وولدك، لا تتصدق منه، بل ترميه للمزابل وغيرها، لا، هذا إذا لم تحتج إليه تصدق به تجد من يأكله، لكنَّه نفقة مفضولة، لقوله -تعالى-: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [(92) سورة آل عمران] وهذا يدلُّ على سخاء النفس وجودها، وإيثارها لما عند الله -جل وعلا-، على حظ النفس كما هو معلوم.

الطيِّب يقابله الخبيث، الطيب الحلال والخبيث الحرام في قوله -جل وعلا-: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [(157) سورة الأعراف] فالمحرمات كلها خبائث، وقد يرد سؤال وهو أن العين الواحدة قد تكون مباحة في وقت، محرمة في وقت كالحُمُر الإنسية مثلاً، كانت حلال ثم حرمت هل كانت طيبة ثم صارت خبيثة؟ يعني انقلبت عينها؟ أو أن العين لم تتغير ولم تتأثر؟ يعني هل الخبث حسي؟ لا شك أنها رجس، يعني أنها نجسة، ومع ذلك هل كانت طيبة لما كانت حلالاً ثم انقلبت عينها إلى نجاسة بعد أن صارت حراماً؟ وقل مثل هذا في الخمر فيما طرأ عليه التحريم بعد التحليل أو العكس، هل أعيانه انقلبت؟ لأنه لما كانت حلالاً فهي مندرجة في: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} [(157) سورة الأعراف]، ولما صارت حراماً اندرجت في: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} [(157) سورة الأعراف] أو نقول: إن الطيب والخبث أمر معنوي يتبع النص, فما كان حلالاً فهو طيب، وما كان حراماً فهو خبيث؟ هل نقول هذا أو نقول: إن الله -جل وعلا- قادر على أن يحيل هذه الأعيان من الطيب إلى الخبث الحسي بعد أن حرمها بعد أن كانت حلالاً؟

لم أجد لأهل العلم أقوالا البة في مثل هذه المسألة، لكن النص ظاهر في أن الحلال طيب وأن الحرام خبيث، وقد يطلق الخبث على غير الحرام على الرديء من الشيء ((من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين)) يعني الثوم والبصل؛ ولذا ابن حزم يرى أن أكلهما حرام؛ لأنهما خبيثتان، والنص الصحيح الصريح في صحيح مسلم وغيره ((قال: أحرام هما يا رسول الله؟ قال: أنا لا أحرم ما أحل الله)) فهما حلال، وإن كانتا خبيثتين لكنهما دون، فهما ليسا من الطيب الذي هو فاضل مقدم على غيره مرغوب فيه عقلاً وشرعاً وحساً، وتفصيل هذه الأمور يطول.

"((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين))" الطيب إن كان المراد به ما يقابله الخبيث الحرام فهذا مردود بلا شك، وإن كان فيما دون ذلك مما ليس بحرام -وإن كان أقل- فنفي القبول هنا لعله ينطبق إلى أو يندرج فيما دون ذلك وهو نفي الثواب المرتب عليه؛ لأنه يطلق نفي القبول ويراد به نفي الصحة، كما أنه يطلق نفي القبول ويراد به نفي الثواب المرتب على العمل. فهناك فرق بين عدم القبول في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ)) وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) فهذا نفي للصحة؛ لأن النفي عاد إلى شرط مؤثر في العمل، وبين عدم القبول في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا يقبل الله صلاة من في جوفه خمر)) أو في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا يقبل الله صلاة عبد آبق)) النفي هنا لم يعد إلى شرط، فهنا ينفى الثواب المرتب على العبادة. ومن هذا قوله -جل وعلا-: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [(27) سورة المائدة] يعني الثواب المرتب على عباداتهم في مقابل معاصيهم لا يترتب عليها ثوابها، ولم يقل أحد من أهل العلم، أن الفساق يؤمرون بإعادة العبادات؛ لأن عباداتهم غير صحيحة، بل عباداتهم صحيحة ومجزئة ومسقطة للطلب، لكن النظر في الثواب المرتب عليها.

"((وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين)) قال -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [(51) سورة المؤمنون]" يعني لا تأكلوا من الخبيث، إنما الإنسان مأمور بأن يأكل من الطيب، ولا يأكل من الخبيث، والمنهي عن أكله إنما هو الخبيث الذي هو المحرم، أما الدون فكون الإنسان يقصد إلى التمر الرديء أو البر الرديء، أو ما أشبه ذلك لنفسه ويرى أن هذا يعينه على كسر نفسه، وعدم ترفعه على غيره مع أداء حق الله الذي أوجبه عليه، قد يكون هذا مسلكًا لبعض الصالحين، وإن كان الأصل أن الله -جل وعلا- يحب أن يرى أثر نعمته على عبده. وهنا يقول: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [(51) سورة المؤمنون] التي أحلها الله -جل وعلا- وأباحها، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [(172) سورة البقرة] نفس الأمر {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [(51) سورة المؤمنون] وقال للمؤمنين آمراً لهم: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [(57) سورة البقرة] فيستوي في هذا الأمر الرسل وأتباع الرسل.

"ثم ذكر الرجل" ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- الرجل "يطيل السفر" وإطالة السفر، السفر في الجملة مظنة لإجابة الدعوة، وجاء ما يدل على ذلك في المرفوع "الرجل يطيل السفر" هذه من أسباب الإجابة "أشعث أغبر" منكسر القلب غير مترفع ولا متكبر. النبي -عليه الصلاة والسلام- لما خرج لصلاة الاستسقاء خرج -عليه الصلاة والسلام- متواضعاً, متذللاً, متخشعاً, متضرعاً؛ ليكون أدعى إلى إجابة الدعوة.

"أشعث أغبر" لأن الإنسان لا شك أنه يتأثر إذا لبس الجديد، أو ركب الفاخر الفاره، أو سكن المسكن الواسع الجميل، لا شك أن نفسيته تتأثر، بينما إذا لبس الوسط لا يقال: يلبس الرديء الخَلِق بحيث يزدريه الناس، بل يلبس المتوسط في أموره، يركب المتوسط من المركوبات، يسكن المتوسط من البيوت، والدنيا ليست بدار مقر وإنما هي ممر، فلا تكون محل عناية الإنسان وهمه الأول والآخر. إنما همه تحقيق ما خلق من أجله، وهو عبودية الله -جل وعلا-، والاستعانة بمتع هذه الدنيا؛ ليصل بذلك إلى تحقيق الهدف قال الله -تعالى-: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [(77) سورة القصص]. وبعض الناس عكس وجعل الهدف اللهث وراء هذه الدنيا، وجمع الحطام، والملبس الفاخر، والمسكن الواسع الفاخر، والمركب الفاره وهكذا.

فقد يأتي الإنسان ليجاور في بيت الله الحرام أو في مسجد رسوله -عليه الصلاة والسلام- ثم يبحث عن أرقى الفنادق، الأمر أهون من ذلك. قد يشغله هذا المسكن عما هو بصدده، وقد لا يعان على اجتماع قلبه إذا وقف بين يدي الله -جل وعلا- في مثل هذا المسكن، فالتوسط في الأمور هو المطلوب.

جاء في الخبر: ((البذاذة من الإيمان)) ولا يعني أن الإنسان يلبس الرديء من كل شيء، أو يأكل الرديء من كل شيء، أو يسكن الرديء بحيث يمقته الناس، ويزدرونه، المسلم عزيز بدينه، عليه أن يتوسط في أموره كلها، كما قال الله -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [(143) سورة البقرة].

((أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)) ورفع اليدين في الدعاء جاء في أكثر من مائة حديث، وجُمع فيه أجزاء لأهل العلم، أجزاء في رفع اليدين في الدعاء وهذا هو الأصل ما لم يكن في عبادة، فإن العبادة تؤدى كما جاءت عن القدوة -عليه الصلاة والسلام-، الصلاة ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) فلا يرفع يديه في الصلاة إلا فيما جاء فيه الرفع، لا يرفع يديه في الخطبة إلا فيما جاء فيه الرفع وهكذا، أما ما عدا ذلك فالأصل في الدعاء رفع اليدين.

((يمد يديه إلى السماء)) والله -جل وعلا- يستحيي أن يرد يدي عبده إذا رفعهما إليه صفراً، ((يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)) من أسباب إجابة الدعوة الندا بـ((يا رب يا رب)). والدعاء بـ(يا رب) جاء في أكثر الأدعية القرآنية، "يا رب"، "ربنا، ربنا"، وجاء في خواتم سورة آل عمران في العشر الآيات الأخيرة منها تكرار ربنا خمس مرات، حتى قال جمع من أهل العلم: "إن الإنسان إذا ضمّن دعاءه المصدر بـ"ربنا"، أو "يا رب" خمس مرات فإنه حري بالإجابة"؛ لأنه لما تمت الخمس قال الله -جل وعلا-: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} [(195) سورة آل عمران] فاستعمال هذا الاسم من أسماء الله -جل وعلا- من أسباب الإجابة، فعندنا الأسباب متوافرة، يطيل السفر، وأشعث، ويمد يديه إلى السماء، ويستعمل هذه الصيغة: "يا رب, يا رب"، الأسباب متوافرة، لكن الشأن في وجود المانع من قبول الدعاء كما هو الحاصل هنا.

((ومطعمه حرام)) في كسبه لا يتورع عما حرم الله -جل وعلا-، في ما يأكله لا يتورع في أكل ما حرم عليه، أو شرب ما حرم عليه، ((مطعمه حرام، ومشربه حرام)) هذه موانع ((وملبسه حرام)) يعني الحرام محيط به، محدق به من كل وجه، في باطنه وظاهره.

((وملبسه حرام، وغذي بالحرام)) المطعم والمشرب هما الغذاء، فعطف الغذاء عليهما من باب عطف العام على الخاص. ((فأنى يستجاب له))  استبعاد ((أنى يستجاب له)) الأسباب متوافرة, قال الله -تعالى-: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [(60) سورة غافر] فهذا دعا وبذل السبب في إجابة الدعوة، لكن المانع من قبولها موجود ((أنى يستجاب له)) استبعاد لإجابة الدعوة إذا كان هذا وضعه، لوجود هذه الموانع، ((فأنى)) وهو مجرد استبعاد لا استحالة، لا ييأس المسلم من دعاء الله -جل وعلا-؛ لأنه قد يدعو الله -جل وعلا- أن ينفي عنه وأن يبعده عن هذه الموانع، وقد أجاب الله -جل وعلا- دعوة شر الخلق وهو إبليس، أجاب الله دعوته، فليس هنا استحالة لإجابة الدعاء، وإنما هو استبعاد.

بهذا نعرف خطأ من يقول -وقد سُمعت من بعض طلاب العلم مع الأسف- إننا إذا طُلب منا الاستسقاء، يعني طلب ولي الأمر من المسلمين الاستسقاء قال بعضهم: إن هذا استهزاء، واستخفاف بأمر الله وشأنه، نتخوض في الحرام من كل وجه، ثم بعد ذلك نخرج نستسقي، وقد استسقينا واستسقينا واستسقينا فلم نسق، هذا خطأ شنيع -نسأل الله العافية-، هذا هو الاستحسار من جهة، فقوله: "دعوت، دعوت فلم أر يستجاب لي"، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى: أنه استبعاد واستحالة لما عند الله -جل وعلا-. النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((فأنّى يستجاب له)) ليحرص المسلم على التخلص من هذه الموانع. قال سعد: "يا رسول الله, ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، قال: ((أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)). فالمطعم له شأن عظيم في إجابة الدعوة، لكن لا يعني أننا نتفوه بمثل هذا الكلام، وفينا من الأخيار ومن الصالحين من ترجى إجابة دعوته، نعم عموم الناس دخلت عليهم الشبهات، وبعضهم يزاول الحرام، ويأكل الحرام، ويتخبط في الحرام، لكن لا يعني أن هذا معناه استحالة إجابة الدعوة. فعاى المسلم أن يسعى لانتفاء هذه الموانع، لكن عليه أن يبدأ بإصلاح نفسه قبل غيره، ثم بعد ذلك يدعو الناس الأقرب فالأقرب.

((فأنى يستجاب له)) وعرفنا أن هذا مجرد استبعاد لوجود الموانع، وقد يغلب السبب المانع فلا يستجاب له حينئذٍ، والله -جل وعلا- يبتلي عباده، فقد يستجيب لهم فوراً, وقد لا يستجاب للإنسان في ظاهر الأمر حتى مع انتفاء الموانع؛ لأنه ما من دعوة يدعو بها مسلم يعني بغض النظر عن وجود الموانع إلا أنه إما أن يستجاب له بما طلب، أو يدفع عنه من الشر مقدار ما طلب أو أعظم، وقد تدخر له هذه الدعوة إلى وقت هو أحوج بها من هذا الوقت.

 

الحديث الحادي عشر: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)).

عن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وريحانته -رضي الله عنهما- قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

في الحديث الحادي عشر يقول النووي -رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب المختصر النافع:

"عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب" الحسن بن علي بن أبي طالب "سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" السبط ابن البنت، والحفيد ابن الابن، والسبط واحد الأسباط، وأسباط بني إسرائيل هم أولاد يعقوب -عليه السلام-، يقال لهم: الأسباط، فهم أولاد الأولاد، والمعروف أن الأسباط أولاد البنات، فيه مخالفة أو لا؟ نعم، سبط رسول الله ابن بنت الرسول -عليه الصلاة والسلام- فاطمة -رضي الله عنها وأرضاها-، وهذا هو المعروف في السبط في لغة العرب أنه ابن البنت، وقد يكون في اصطلاح من تقدم يشمل ابن البنت وابن الابن بدليل أن أسباط بني إسرائيل أولاد أولاد، ليسوا بأولاد بنات. ولعل هذه التسميات التي لا يترتب على الاختلاف فيها أحكام شرعية الاصطلاح فيها واسع، ولا مشاحة في مثل هذا الاصطلاح؛ لأنه لا يترتب عليه حكم شرعي يتغير من اصطلاح إلى اصطلاح.

مثال ذلك: العم أخو الأب لا يجوز بحال أن نسميه خالاً، والخال أخو الأم لا يجوز بحال أن نسميه عماً؛ لأنه يترتب عليه أحكام شرعية. لكن أبو الزوجة بعض المجتمعات تسميه عم، وبعض المجتمعات تسميه خالاً، ومثله أبو الزوج، يعني هل يلام من يسميه عماً أو يلام من يسميه خالا؟ نقول: لا مشاحة في الاصطلاح، هو أبو الزوج أبو الزوجة لا يترتب عليه تغير في الحكم الشرعي. هل يترتب عليه تغير حكم؟ هل يتأثر ميراثه إذا قلنا: عم أو خال؟ هو لن يرث على كل حال، لن يرث سواءً سميناه عماً أو خالاً، بخلاف العم أخي الأب، والخال أخي الأم فإنه لا يجوز بحال أن نسمي أحدهما باسم الآخر.

وهذه القاعدة التي يطلقها أهل العلم أنه لا مشاحة في الاصطلاح يجب تقييدها، يعني إذا قال شخص: أنا أصطلح لنفسي أن الأرض فوق والسماء تحت، فمثل هذا يوافق أو لا يوافق؟ هل يقال: لا مشاحة في الاصطلاح؟ لا، لا بد وأن يشاحح، ولا بد أن يرد عليه، إذا سمى الشمال جنوبًا والجنوب شمالاً، هذا تترتب عليه أحكام كثيرة، نقول: يشاحح في الاصطلاح. لكن في الخارطة مثلاً الناس مطبقون على أن الشمال فوق الخارطة، والجنوب تحت، لو عكس صار الجنوب فوق والشمال تحت، من غير تغيير للواقع، قلب الخارطة وجعل الجنوب فوق، والشمال تحت، نقول: لا مشاحة في الاصطلاح، ما يترتب عليه شيء، وما يغير من الواقع شيئًا، وابن حوقل من أوائل الجغرافيين العرب عاكس الخارطة، فعنده الجنوب فوق.

على كل حال هذه القاعدة يجب تقييدها، وعندنا سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا ابن البنت، كما هو واقعه -رضي الله عنه وأرضاه-.

"سبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وريحانته -رضي الله عنهما-" -رضي الله عنهما- الضمير يعود على الحسن وأبيه؛ لأنه ذكر الأب، الحسن بن علي، لكن قد يقول قائل: إنه ذُكر أربعة محمد الابن، والحسن الأب، وعلي وأبو طالب، ذُكر أربعة، فالترضي يكون عمن؟ عن المسلم، أما غير المسلم فلا يجوز الترضي عنه، ولا الترحم عليه، مع أن العرف عند أهل العلم أن الترضي إنما هو للصحابة، فعندنا من الصحابة اثنان الحسن وعلي، أبو طالب مات على الكفر -نسأل الله السلامة والعافية وحسن الختام- كما هو معروف في قصته في الصحيح، ومحمد ليس بصحابي، نعم يترحم عليه، كثيراً ما يقولون:

"عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده -رضي الله عنهما-" يعني على سبيل التبعية لعبد الله بن عمرو.

"-رضي الله عنهما- قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))" وحفظ أحاديث كثيرة جداً، لكن أكثرها بواسطة؛ لأنه من صغار الصحابة، فكثير منها بواسطة، وإذا كان ابن عباس لم يثبت عنه أنه روى مباشرة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا ما يقارب الأربعين حديثاً، وما عداه فبواسطة. فالحسن على قربه من النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يحضر كل مجلس، ولا يحفظ كل ما يسمع، ولا ينتبه لكل ما يقال؛ لكونه صغيرا. على كل حال هذا الحديث الذي معنا مما حفظه من النبي -صلى الله عليه وسلم-.

"قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))" ((دع)) يعني اترك، والأمر مستعمل كما هنا، والمضارع مستعمل, كما في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من لم يدع قول الزور)) والمصدر مستعمل, كما في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لينتهين أقوام عن ودعهم)) والماضي منه أميت فلم يستعمل، فلا يقولون ودع بمعنى ترك، وقرئ في الشواذ: "ما ودعك ربك" لكنها قراءة شاذة، وأهل العلم ينصون على أن الماضي من هذه المادة قد أميت، واستعمل الأمر كما هنا ((دع ما يريبك)) اترك ما تشك فيه، و(ما) من صيغ العموم، كل شيء يريبك وتشك فيه دعه، بمعنى اتركه.

((يريبك)) من راب الثلاثي، وقد يقال: أراب يريب رباعياً أي: اترك هذا الشيء الذي ترتاب فيه، وتشك فيه إلى أمر أو إلى شيء لا تشك فيه، ولا ترتاب فيه. وهذا من أصعب الأمور على كثير من الناس، التخلي عن المشكوك فيه مع الحاجة إليه صعب على النفوس، مع أن البخاري ذكر عن حسان بن أبي سنان قال: "ما رأيت شيئاً أهون من الورع -يعني الورع سهل عنده-، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))". هذا الكلام من مثل حسان مقبول؛ لأن هذه منزلته، وعرف عنه الورع الشديد مع أن سفيان استغرب هذا الكلام، وهو سفيان الثوري من أئمة المسلمين ومن ساداتهم، ومن أزهد الناس وأورعهم، ومع ذلك يقول: "كيف يقول حسان هذا الكلام؟"

لكنها مقامات، بعض الناس يظن هذا الأمر ضرب من الخيال، يعني بعض الناس ما يستوعب مثل هذا الكلام؛ لأنه لا يستطيع ولا يتصور أن يحصل منه هذا الأمر. بعض الناس إذا سمع أن قراءة القرآن في سبع أمرها سهل جداً، قال: هذا ما هو بصحيح، هذا مستحيل، فضلاً عن أنه يقرأ القرآن في ثلاث وفي يوم، هذا شيء لا يطاق في عرف كثير من الناس؛ لأنه ما تعود هذا الأمر، ولا أطر نفسه على هذا العمل، يعني يتعجب بعض الناس من صيام بعض الناس النوافل في الصيف، وبعضهم يتعجب من قيام الليل في الليالي الشاتية الطويلة، ويرى أن هذا أمر لا يطاق. لكن المسألة كل له مقامه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قام حتى تفطرت قدماه -عليه الصلاة والسلام-؛ لعلو مقامه ومنزلته ومكانه عند الله -جل وعلا-. وحسان بن أبي سنان يقول: "ما رأيت شيئاً أهون من الورع -الكلام النظري سهل- ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))" لكن المحك عند العمل. إذا وقع بيدك شيء أنت بحاجة إليه اختبر نفسك في هذا المقام، وليس الأمر خاصًّا بأمر الدنيا، تجد متاعا أو سيارة في كيفية عقدها شبهة ثم تتجاوز وتسكت. لا، حتى عند بعض طلاب العلم يقع في يده الكتاب النفيس النادر فيكون في عقده شيء يبي يترك هذا الكتاب الذي وقع بيده بعد أن تعب عليه، وحرص عليه، وبحث عنه سنين؟! أو هذا يدع هذا البيت الذي ما صدق أنه يوقع العقد، هذه أمور يعني فيها منازعة في النفوس، وفيها مشادة، فيها جذب وأخذ وردّ، لكن من يغلب نفسه وهواه هذا هو السعيد.

((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) أي شيء تشك فيه، أي شيء فيه أدنى شبهة اتركه، كما تقدم في حديث النعمان بن بشير: ((الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)). هكذا ينبغي لطالب العلم على وجه الخصوص، والمسلم عموماً أن يأطر نفسه على هذا الأمر، يبتعد عن الشبهات ليضع لنفسه سياجاً يأمن معه ارتكاب المحرمات، والنفس لا نهاية لها.

وعرفنا في دروس مضت أن سلف هذه الأمة يتركون من الحلال الشيء الكثير؛ لأن النفس إذا ضَرَتْ على شيء وتعودت عليه لا تطيق فراقه، فقد لا يحصل هذا الشيء الذي عود نفسه عليه من وجه حلال بين، ثم بعد ذلك يرتكب شبهة، يقول: "الشبهة -الحمد لله- ما ارتكبنا حرامًا"، لكن الشبهة تجره إلى الحرام، ((كالراعي حول الحمى)) فكل شيء يقربك من الحرام ابتعد عنه, كما قال الله -تعالى-: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [(187) سورة البقرة].

((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) من كل شيء. فهذا ضابط، أي شيء تشك فيه اتركه، ولا تقدم على شيء إلا أن تجزم بأنه حلال، لا شبهة فيه ولا كراهية فضلاً عن أن يكون محرماً.

بعض الناس يستفتي بعض من يتصدر للفتوى ويجيبه بكلام يوافق هواه ومع ذلك نفسه لهذه الفتوى، ويقول: "الحمد لله أفتاني من تبرأ الذمة بتقليده، أين أروح أبحث عن غير هذا؟" العامة عندهم مثل يقول: "ضع بينك وبين النار مطوع"، يعني الذي يفتيك فأنت بذمته. صحيح أنت بذمته، وهو آثم إذا أفتاك بغير الحق، لكن مع ذلك ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) و((الإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر ولو أفتاك الناس وأفتوك)), فإذا أفتاك بما يوافق هواك وفي نفسك شيء منه لم تقتنع به عليك أن تسأل غيره، عليك أن تسأل غير هذا الذي أفتاك.

نعود إلى حال حسان بن أبي سنان وهو يقول: "ما رأيت شيئاً أهون من الورع، ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))", هذا بالنسبة لأمور الآخرة، وما يتعلق بالثواب والعقاب ظاهر، لكنه من أشد الأمور على النفوس, ذكرنا أن سفيان استغرب هذا الكلام من حسان، لكن حسان بالمقام الذي يناسب مثل هذا الكلام.

وقد يقوله قائل ومقامه دون، قد تقوله اتباعاً للنص، تُسأل فتقول: "((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) هذا الأمر سهل". نعم في الكلام النظري سهل، لكن عند التطبيق من أصعب الأمور، يعني سهل على الإنسان أن يأتي إلى شخص مصاب ويصبره، ويقرأ عليه النصوص، لكن ماذا عنه نفسه لو أصيب؟ لو أصيب هو يستطيع أن يستحضر هذه النصوص ويصبر الصبر المطلوب؟ كثير من الناس لا يحتمل هذه الأمور، نعم عنده استعداد تام لتصبير غيره، ويظهر بمظهر هو من أرضى الناس بقدر الله، ثم إذا أصيب ظهرت النتيجة صفرًا؛ لأن الكلام النظري سهل، والتطبيق العملي هو المحك. يعني بعض الناس يأتي إلى مريض -مريض سكري مثلاً- يقول: العلاج سهل اقبض يدك وأطلق رجلك، يعني لا تأكل كثيراً، وامش كثيراً، العلاج سهل، لكن خله يصاب هو وشوف، يعني يصاب بنهم شديد على كل ما له أثر في هذا المرض، وهذا مجرب عند المرضى كلهم، بعض من يصاب يستغفل أهله وزوجته وأولاده ويذهب إلى المستودع ويأكل مما يؤثر فيه، يصاب بنهم قد يكون قبل ذلك ليست الشهوة بمثل ما هي عليه الآن بعد المرض، فالعبرة بالتطبيق، بالعمل، أما الكلام النظري هذا أكثر الناس يحسنه، سهل، لكن ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) إذا قاله مثل حسان بن أبي سنان فمنزلته مثل ذلك، بل قيل عنه: إنه أرفع من ذلك، رحمه الله.

هذا الحديث يدخل كسابقه ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)) في كل شيء، حتى جعلوه من الأحاديث الأربعة التي جاءت في نظم طاهر بن المفوز الذي ذكرناه في أول الحديث:

عمدة الدين عندنا كلماتٌ
اتـرك الشبــــــهات وازهد ودع مـا

 

أربعٌ من قول خير البرية
ليس يعنيك واعملن بنية

 

 

((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) يدخل في الاعتقادات نفياً وإثباتاً، فلا تثبت لله -جل وعلا- إلا ما تجزم بثبوته عنه، وما كان مشكوكاً فيه ولم يتفق عليه علماء هذه الأمة من سلفها وأئمتها فإنك لا تثبته لله -جل وعلا-. إذا أردت أن تصلي صلاة يختلف فيها أهل العلم من الصلوات الخاصة الذي جاء فيها بعض النصوص التي يختلف أهل العلم في ثبوتها ونفيها، صلاة التسابيح، صلاة الرغائب، صلاة كذا، صلاة كذا، لا تقدم على هذه العبادة إلا مع عدم الشك في ثبوتها؛ لئلا تتعبد لله -جل وعلا- بما لم يشرعه. أمور المعاملات ظاهرة، مثلما قلنا في المقتنيات من المآكل والمشارب والملابس والمساكن لا تقدم على شيء إلا في عقد صحيح تبرأ به الذمة، والعقود التي تشك في صحتها، وإن أفتاك من أفتاك بأنها صحيحة فإنك لا تقدم عليها امتثالاً لهذا الأمر؛ لأن فيها ما يريب.

"رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح".

 

الحديث الثاني عشر: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) حديث حسن، رواه الترمذي وغيره.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: الحديث الثاني عشر:

عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) حديث حسن، رواه الترمذي وغيره هكذا.

يعني موصولاً عن أبي هريرة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، ورواه غيره مرسلاً.

اختلف فيه العلماء في وصله وإرساله، لكن الترمذي حكم عليه بأنه حسن، والمؤلف أيضاً -رحمه الله تعالى- النووي حكم عليه بأنه حسن، وقال بعضهم بأنه مرسل، لا يثبت موصولاً، وعلى كل حال أقل أحواله الحسن، وصححه بعضهم بشواهده.

عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، يعني من كماله وتمامه. والترك محمول على ما لا يعنيه من المباحات، فلا يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يتدخل في شئون غيره، ولا يسأل عما لا حاجة له به، ولا ينظر إلى ما لا يحتاج للنظر إليه، ولا يستمع إلى ما لا يحتاج استماعه، ما لا ينفعه في دينه أو دنياه، وليس بحاجة لهذه الأمور؛ لأنها لا تعنيه، فمن تمام إسلامه وحسن إسلامه وكماله ألا ينظر إلى هذه الأمور.

كثير من الناس مغرم بتتبع هذه الأمور التي لا تعنيه، بل فيها إضاعة لوقته وجهده واهتمامه، ولها آثار على قلبه؛ لأن هذه الأمور منافذ للقلب إذا تكلم فيما لا يعنيه، ونظر إلى ما لا يعنيه، واستمع إلى ما لا يعنيه، فهذه المنافذ إلى القلب التي تورثه تشتتاً وعدم اجتماع، فيصاب بالغفلة. إذا أكثر النظر في الأمور التي لا تعنيه، وهو ماش في طريقه هذه العمارة ما شاء الله كم دور؟ ولمن؟ ولماذا فعلوا كذا؟ ولماذا كان اللون كذا؟ هذا لا يعنيك، اشتغل بما يعنيك. لو أنت قلت: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" بدلاً من هذا الفضول لكان أكمل لإسلامك، وأحفظ لقلبك. ومثله الاستماع، بعض الناس يحب سماع كل شيء، وإذا فاته شيء قال: "ماذا قال فلان؟ ماذا حصل؟", ومثله فضول النظر. وهذه الأمور هي التي تصيب القلب بالتشتت والغفلة عما يراد من الإنسان، فمنافذ القلب السمع والبصر، واللسان، فضول القول، فضول النظر، فضول الاستماع، فضول النوم، فضول الأكل، كل هذه الفضول الإنسان ليس بحاجة إليها، إنما يقتصر على ما يحتاج إليه، ويقتصر على ما يعنيه.

((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) قد يقول قائل -وقد قيل- في بعض الوسائل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل في شئون الغير، ويدخل في هذا الحديث ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) نقول: لا، هو مأمور به شرعاً فهو يعنيه، مأمور بالأمر بالمعروف فهو مما يعنيه، مأمور بالنهي عن المنكر فهو يعنيه, ولو تركه لأخل بواجب أوجبه الله عليه، فهو آثم بسببه على حسب قدرته واستطاعته.

ويردد في الوسائل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخُّل في شئون الغير، فهو في الحقيقة لا يعنيه. نقول: لا، بل يعنيه، بل هو ملزم به شرعاً، ولذا طلب منه: ((من رأى منكم منكراً فليغيره)), وهو مأمور به أمرا صريحا، وليس هو باستنباط، بل أمر صريح ((فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)) فهذا يعنيه. ولا يمكن أن يقال: "ما لك دخل بالناس"، أو "ما عليك من الناس، كل يبي يدفن بقبره لحاله"، هذه كلمات تُرَدَّدُ كثيرا. لا، ونقول له: "أنت تريد أن تُسْأل عن هذا المنكر الذي رأيته فلم تغيره؟" لأنك مأمور وداخل في عموم (من) ((من رأى منكم)) والمراد بالرؤية هنا أعم من البصرية, فلو قيل لك: "إن فلان ارتكب منكراً، أو يوجد منكر في المكان الفلاني" هل تقول: "هذا لا يعنيني"؟ نقول: يعنيك؛ لأنك مأمور بالتغيير، تقول: "أنا ما رأيت، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((من رأى))" نقول: لا، الرؤية هنا أعم من أن تكون بصرية، إذا بلغك بطريق صحيح فكأنك رأيت. والنبي -عليه الصلاة والسلام- خوطب بالرؤية في أمور لم يرها؛ لأنها بلغته بما يثبت به الخبر, فقال الله -نعالى-: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [(6) سورة الفجر], وقال -تعالى-: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [(1) سورة الفيل] وهو -عليه الصلاة والسلام- لم يَرَ، لكنه بلغه بخبر قطعي كأنه رؤية، وإلا لو قلنا: إن ما جاء بالنصوص بلفظ الرؤية يقتصر على البصرية لقلنا: 

إن الأعمى لا يلزمه الأمر والنهي، ولا يلزمه الغسل إذا احتلم؛ لأنه لم ير المني, كما جاء في الحديث: ((هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم إذا هي رأت الماء)). ولو قدر أنها في ظلام الليل، وجزمت يقيناً أن الماء قد خرج، أو جزم الأعمى، أو الرجل في الظلام أنه قد خرج منه الماء، هل نقول: لا، لا يغتسل؛ لأنه ما رأى الماء؟ هل يمكن أن يقول بهذا أحد؟ ما يقول بهذا أحد.

فالرؤية أعم من أن تكون بصرية، فإذا بلغك المنكر بمن يثبت بقوله الخبر عليك أن تنكر، وعليك أن تتثبت، وعليك أن تتريث ولا تتعجل؛ لأن الأساليب الآن الكيدية تنوعت وتعددت، فمن المكن أن يشاع خبر, فإذا استعجل الإنسان في إنكاره خفت مصداقيته، ثم إذا تكرر منه ذلك صار كلامه وجوده مثل عدمه، فنقول: عليك أن تتثبت، فإذا ثبت لديك بما لا مجال فيه للشك، عليك أن تغير، عليك أن تنكر.

ولو قلنا بأن مثل هذا لا يعني المسلم فأيضاً جميع أبواب الخير أيضاً المتعلقة بغيره إذا طردنا هذا قلنا: لا تعنيه، أمر فلان، أو أمر المجموعة من الطلاب لا يعنيك لماذا تعلمهم الخير؟ فذلك مثله. ففي منعك إياه من مزاولة المنكر أنفع له من أن تعلمه العلم؛ لأنك تحول دونه ودون ما هو ضرر محض عليه، ومعلوم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فأنت إذا رأيت عاصياً تبادر إلى إنكار المنكر قبل أن تسعى لتعليمه العلم، وحثه على طلب العلم، ثم إذا زال هذا المنكر تدعوه إلى أن يكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، يعني من حسن إسلام المرء، يعني من كماله وهذا قلنا إنه في المباحات. أما إذا كان في المحرمات أو في الواجبات فإنه من صميمه وصلبه، من صميم دينه، من صميم إسلامه تركه ما لا يعنيه في هذه الأمور المحرمة أو فعل أو ترك الواجبات، فإن هذا أمر ليس من كمال الإسلام، ولا من حسنه فقط، بل من صميمه من لبه، والله أعلم.

وصلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يقول: ما الفرق بين المطعم والغذاء في قوله: ((ومطعمه حرام، وغذي بالحرام))؟

المطعم والمشرب هما الغذاء، فعطف الغذاء عليهما من باب عطف العام على الخاص.

يقول: رجل أراد العمرة لكن لم يحرم من الميقات ماذا عليه؟

أهل العلم يلزمونه بأنه ترك نسكًا عليه دم، وهذا هو القول الوسط في المسألة، يعني خلاف قول سعيد بن المسيب الذي يقول: لا شيء عليه، وقول سعيد بن جبير الذي يقول: لا حج له، المسألة بين هذين القولين قول جمهور أهل العلم أنه ترك نسكاً فعليه أن يريق دماً.

يقول: ما هو سبب خلاف أهل العلم في رفع اليدين عند دعاء الخطيب يوم الجمعة؟ وما الراجح في ذلك؟

الراجح أنه لا يرفع يديه لا الخطيب ولا المستمع إلا في الاستسقاء، إذا استسقى الخطيب في خطبة الجمعة يرفع يديه، ويرفع يديه أيضاً كل من يستمع إليه، أما إذا دعا بغير الاستسقاء فإنه لا يرفع، وقد أنكر الصحابي -رضي الله عنه- على الخطيب الذي رفع يديه.

هذا يقول: أعتقد بقول أهل السنة والجماعة في القدر، ولكن عندما يحاجني البعض من الناس على أن الله قدر كل شيء.

{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [(49) سورة القمر] قدر المقادير قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.
ولكن عندما يحاجني البعض من الناس على أن الله قدر كل شيء حتى قدر مصائر الناس في الجنة والنار، وأنه تعالى أعطى العبد المشيئة، ولكن مع ذلك لا يشاء العبد إلا تبعاً لمشيئة الله، فكيف يكون الجواب؟ إذًا النهاية أن الأمر بيد الله، ولا يكون شيء إلا ما كتبه الله.
الصحابة سألوا النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا كان كل شيء مقدر فَلِمَ العمل؟ فقال: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) وأنت حينما تحكم على نفسك بأنك محكوم عليك ومقدر عليك ومفروغ من أمرك، والله جعل لك مشيئة واختيارًا، هداك الطريقين، هداك السبيلين، هداك النجدين، وأنت حر ومختار، نعم لن تخرج عن قدر الله بحال، لكن لك أن تختار لنفسك أن تصلي أو لا تصلي، يعني إذا سمعت المؤذن هل في أحد يمنعك أن تقوم وتتوضأ وتذهب إلى المسجد وتصلي؟ فأنت إذا فعلت ذلك فأنت اخترت طريق الهدى، وإن قلت: إنه مكتوب علي في القدر في الأزل، لماذا أفعل؟ لماذا أصلي وأنا مكتوب علي ومقدر علي؟ قلت: أنت اخترت الطريق الثاني، طريق النار -نسأل الله السلامة والعافية-، فالله -جل وعلا- قدر عليك، لكن هداك النجدين، وأعطاك حرية تستطيع أن تزاول بها ما كلفت به، فعليك أن تفعل ما أمرت به، وما وراء ذلك اتركه لله -جل وعلا-، واحرص أن تكون ممن كتبت له الهداية، والطريق واضح، السبيل ظاهر.

يقول: يذكر بعض أهل العلم أن النووي تراجع عن عقيدته الأشعرية، وألف رسالة في هذا ستخرج قريباً؟

على كل حال النووي في كتبه كلها يقرر عقيدة الأشعرية، وحري به أن يرجع، لكن مع ذلك هو النووي -رحمة الله عليه- له من الحسنات الشيء الكثير، والذي يغلب على الظن من خلال مؤلفاته أن نفس الإخلاص فيه ظاهر، نفس الزهد والعبادة واضح، وعلى كل حال ليس هو بمعصوم، كونه خالف الاعتقاد هذه زلة عظيمة، وهفوة كبيرة، والذي نراه أنه مقلد في هذا الباب، ليس بمجتهد.

يقول: في حديث عمارة بن رؤيبة الذي أنكر رفع اليدين، وقال: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يثبت عنه إلا رفع الأصبع عند الدعاء.

نعم ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يحرك أصبعه يدعو بها.
أنه يسن للخطيب رفع أصبعه عند الدعاء في الخطبة، وهل يقال مثل ذلك في حق المستمع؟
على كل حال المستمع عليه أن يستمع، عليه أن ينصت، وإذا رفع حرك أصبعه لا يضره -إن شاء الله تعالى-.

استشكل الشيخ ابن عثيمين في كون السبط هو ابن البنت، في كون أخوة يوسف أنبياء، وهذا في تفسير آل عمران.

على كل حال مثلما ذكرنا هم أولاد أولاد يعقوب، الأسباط أولاد يعقوب فكونه يطلق عليهم أسباط في شرع من قبلنا، ويطلق السبط في شرعنا أو في لغتنا، عندنا في لغة العرب يطلق هذا مجرد اصطلاح، ولا يمنع أن يختلف الاصطلاح من جيل إلى جيل.
الأمر الثاني: كون أخوة يوسف أنبياء، شيخ الإسلام يرى هذا الرأي أنهم أنبياء، والحافظ ابن كثير يقول: لم أقف على ما يدل على نبوتهم.

يقول: كيف أنكر على أمر لم أره، ولا أستطيع أن أغيره؛ لعدم القرب والمباشرة؟

إذا لم تره ولم يبلغك بطريق صحيح لا يلزمك إنكاره، لكن إذا رأيته سواءً كان ببصرك أو بعلمك الذي لا تشك فيه فأنت داخل في حديث: ((من رأى منكم منكراً فليغيره)) وكونك بعيداً عنه لا يمنع أن تنكره بوسيلة مناسبة، ولو بالاتصال الهاتفي، أو برسالة، أو ما أشبه ذلك.

يقول: هل يجب على المسلم أن يتحرى في أكله، ويسأل من يدعوه لوليمة مثلاً فيقول له: ما نوع هذا اللحم؟ أو من أي بلد هو؟ وهل ذبح على الطريقة الإسلامية؟ وكذلك مثل هذا في المطاعم؟

المسألة مسألة غلبة ظن، إذا كان الإنسان في بلاد مسلمين، والذي يغلب على الظن أن الذي يذبح مسلم، أو كتابي، فإذا غلب على ظنه ذلك فإنه لا يسأل، لكن إذا كان في بلد مختلط، وقد يتناول ما يذبحه غير المسلم لكثرة من يزاول ذلك في هذا البلد، أو ما يرد إلى هذا البلد على كل حال المسألة تبعاً لغلبة الظن.

يقول: رأينا بعض العلماء يخرج في المساجد وفي القنوات الفضائية كث اللحية، ولا يأخذ منها شيء، ثم ما يلبث إلا وقد أخذ منها شيئاً فشيئاً مع العلم أن هذه الظاهرة تتزايد فما السبب؟

على كل حال يوجد من يفتي بالقص والأخذ من اللحية مستدلاً بما ذكر عن بعض الصحابة كابن عمر وأبي هريرة وغيرهما، وعدوا من الصحابة بضعة عشر، لكن العبرة بما ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، فهو القدوة وهو الأسوة، وتعرف قراءته من خلفه باضطراب لحيته، وجاء في وصفه -عليه الصلاة والسلام- أنه كث اللحية، وجاء الأمر بإعفاء اللحية، توفير اللحى، وإكرام اللحى، فكيف يعارض قوله وفعله بقول غيره أو فعله؟! وما من مسألة من مسائل الدين إلا ويوجد من الصحابة -إلا ما ندر الأمور المجمع عليها إلا ما ندر- إلا ويوجد من الصحابة من لم يبلغه الخبر فتجده يخالف؛ لأنه لم يبلغه الخبر، أو بلغه الخبر لكنه تأول كابن عمر، ابن عمر حينما أخذ من لحيته في النسك خاصة متأولاً ما جاء في آية الفتح: {مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [(27) سورة الفتح] فإذا حلق رأسه وهو يرى الجمع بينهما فماذا بقي للتقصير؟ ما بقي إلا اللحية، فإذا كان هذا تأويله فكيف يقتدى به باستمرار يعني في كل مناسبة وفي كل..؟! ويجعل هذا هو الأصل مع أن ما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- من فعله وقوله صريح وواضح.
يعني جاءت مسائل لا يقول بها إلا أهل البدع، وذكر عن بعض الصحابة أنه كان يفعلها، يعني حينما يذكر عن ابن عباس أنه يرى المتعة مع أنه ثبت عنه الرجوع، هل نقول: إن المتعة حلال؛ لأن ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن يقول بها؟ وعمر يقول: لا أوتى بناكح المتعة إلا جلدته الحد، يعني ما من مسألة من المسائل إلا ويوجد من يخالف فيها، فهل العبرة بالمخالف أو العبرة بالأصل القدوة والأسوة النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ والله المستعان، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

يقول: هل صحيح ما يقال: إن الحسن بن علي أفضل من الحسين -رضي الله عنهما-؟

هو الأكبر، وقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إن ابني هذا سيد)) وعلى كل حال هما سيدا شباب أهل الجنة، ومنزلتهما من النبي -عليه الصلاة والسلام- واحدة، وكل بعمله.

يقول: يوجد معاملة في أحد البنوك ولا أدري عن حكمها، وهي أن الشخص يقول للبنك: أريد قرضاً، فيقول البنك: نحن نشتري أسهم بسعر وقدره تسعة وثلاثين ألف ونتملكها ثم نبيعها لك بسعر القسط وهو واحد وخمسين ألف، فهل هذا جائز؟ ومن وقع فيه ماذا عليه؟

المسالة مسألة تورق، والأسهم إذا كانت عروض تجارية يعني ما هي في وقت الاكتتاب قبل أن تكون عروض يشترى بهذه الدراهم التي اجتمعت من الاكتتاب، يشترى بها عروضًا، تباع وتشترى هذه العروض على أن السهم جزء مشاع من هذه الشركة إذا كانت الشركة نقية، والذي يفتى به جواز بيع وتداول هذه الأسهم، وإن كنت لست مرتاحاً لها.
على كل حال إذا كانت من الأسهم النقية، وهي عبارة عن عروض تجارية تتداول فيها هذه الأسهم، والسهم جزء مشاع من هذه الشركة، فلا مانع من شرائه عند من يرتاح لمثل هذه الأمور، وإلا فالأسهم عندي كلها فيها ما فيها، أقل ما فيها الشبهة.
المسألة تعود إلى مسألة التورق، مسألة التورق إذا جاء المحتاج لمبلغ من المال إلى شخص يملك هذا المال ولا يرضى أن يقرضه بغير زيادة، فإنه يبيع عليه سلعة وإن كان لا يحتاجها، وإنما يحتاج قيمتها لقضاء حاجته، فعامة أهل العلم على الجواز، يأتي إلى هذا التاجر وعنده هذه البضاعة يملكها ملكاً تاماً مستقراً فيبيعها عليه، ويقبضها قبضاً شرعياً معتبراً ثم يبيعها إلى طرف ثالث، هذه مسألة تورق جائزة عند عامة أهل العلم، وإن منعها ابن عباس وشيخ الإسلام ابن تيمية، لكن عامة أهل العلم على جوازها.

يقول: حديث: ((دع ما يريبك)) بعض المؤسسات المصرفية استعملت هذا الحديث في الدعاية لها، فهل يجوز لهم ذلك؟

العبرة بالواقع، إذا كان هذا المصرف ما فيه شبهات فليستعملوا هذا الحديث، وإذا كان عندهم شيء من الشبهات، وعندهم شيء مما يريب فهذا استهتار واستخفاف بالحديث.
عمدة الدين عندنا كلمات
أربع من قول خير البرية
هذه الأحاديث: ((اتق الله حيثما كنت)) و((ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس))
اتق الله وازهد ودع ما ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) واعملن بنية ((إنما الأعمال بالنيات)).

هذا يسأل عن علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.

إذا بلغك الخبر الصادق الذي لا تشك فيه يقيناً هذا علم اليقين، وإذا رأيت ما بلغك عنه بالخبر صار عين اليقين، وإذا استعملته إضافة إلى رؤيته صار حق اليقين.
يمثلون بالعسل إذا جاءك جمع من الناس يستحيل تواطؤهم على الكذب وقالوا: إن العسل موجود في الأسواق هذا علم اليقين، ثم إذا ذهبت بنفسك إلى السوق ورأيته صار عين اليقين، فإذا لعقته وطعمته صار حق اليقين.

هذا يقول: ظهرت في الآونة الأخيرة تَفرقٌ بين طلاب العلم، وأصبح كل فريق منهم يتعصب إما للشيخ أو لجماعة، وبعضهم يطعن في العلماء الذين عرف عنهم العلم والعمل، فما هو توجيهكم؟

على كل حال أعراض المسلمين كما قال ابن دقيق العيد: حفرة من حفر النار، حفرة من حفر النار، وما جاء في الغيبة من النصوص القطعية والنميمة ما جاء فيها معروف في نصوص الكتاب والسنة، ويبقى أن مثل هذا العلم أو مثل هذا الانشغال بالقيل والقال والوقوع في أعراض الناس، هذا علامة خذلان، علامة خذلان، يحرم طالب العلم من العلم والعمل، هذا مشاهد أن من اشتغل بهذه الأمور انصرف عنها وهي تدخل دخولاً أولياً في حديث الباب: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) هذا إذا كان الأمر مباحًا، أما إذا كان الأمر أشد من ذلك دخلت فيه الغيبة والنميمة وما أشبه ذلك، والوقيعة في الأعراض هذا أمره خطير جداً، حقوق الناس لا تقبل الغفران، بخلاف حقوق الله -جل وعلا-، إذا قصر الإنسان في حق الله فهو تحت المشيئة، لكن حقوق العباد لا بد من استيفائها، وهذا من التحريش الذي رضيه الشيطان بعد أن أيس أن يعبد في جزيرة العرب، فعلى طالب العلم أن يهتم بنفسه، وأن يهتم بتكميل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح.

يقول: ما معنى قول المتكلمين: النظر والقصد إلى النظر والشك؟

يعني الخلاف في أول واجب على المكلف، يعني المعروف عند أهل الحق أن أول واجب النطق بالشهادتين ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) هذا أول واجب على المكلف، وبهما يدخل في الإسلام، المتكلمون يقولون: أول واجب النظر، أن تنظر في الدلائل التي تستدل بها وتتوصل إلى وجود الله -جل وعلا-، ولأنه هو الخالق، وأنه هو الرب المعبود، يعني ليست أدلة شرعية، أدلة عقلية وكونية، النظر في هذه الأدلة أو القصد إلى النظر الذي هو وسيلة النظر، ومنهم من يقول: قبل ذلك أن تشك فتكون المعبودات عندك على حد سواء، ثم بعد ذلك تؤسس وتنظر في الإله الحق، وهذا كله باطل، ليس عليه دليل، ولا أثارة من علم.

سؤاله الثاني يقول: حكم لبن الأتان؟

حكم لبن الأتان نجس لا يجوز شربه.

شخص مذنب على نفسه وأهله وعمره ثلاثون عاماً ما نصيحتكم له؟ ويبدو أنه قد أيس من الدنيا والدين نسأل الله العافية؟

لا، لا، المجال مفتوح، التوبة مقبولة قبل أن يغرغر، وقبل أن تطلع الشمس من مغربها، وإذا تاب توبة نصوحاً بشروطها المعروفة عند أهل العلم فإن الله يتوب عليه، والتوبة تهدم ما كان قبلها، بل الأمر أعظم من ذلك، يتصور هذا الإنسان المسرف على نفسه أن السيئات التي ارتكبها وزاولها تقلب له حسنات، تبدل له حسنات، ومن الذي يحول بينه وبين ربه، وأي أمل أعظم من هذا، لا يكفي أن تهدم سيئاته، وإنما تبدل سيئاته حسنات، هذا الإسراف في هذه المدة التي زاول فيها هذه المعاصي تبدل سيئاته حسنات بالنص، حتى أن رأي شيخ الإسلام -رحمه الله- أن هذه الحسنات المنقلبة عن سيئات تضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، فضل الله واسع، وإن كان المترجح أن البدل له حكم المبدل، وأن الحسنة حسنة واحدة؛ لأنها منقلبة عن سيئة، والسيئات لا تضاعف، والبدل له حكم المبدل، وبهذا ننفصل عن السؤال والإشكال الذي يورده بعضهم، يورد بعضهم إشكال حول تبديل السيئات حسنات، وأنه إذا افترضنا أن شخصين في السبعين من العمر، أو الثمانين أحدهما نشأ شاباً في طاعة الله، مقبلاً على ربه، عبادة ربه منذ أن وجد إلى أن بلغ الثمانين، وأعماله كلها طاعات لازمة ومتعدية، والثاني بلغ من العمر الثمانين وهو مسرف على نفسه في المعاصي والجرائم والكبائر والسيئات، ثم تاب لما بلغ الثمانين، قد يقول قائل: إذا كانت سيئات هذا الرجل العاصي المسرف أعماله السيئة ونشاطه فيها أكثر مما عمله ذلك من الحسنات، قد يكون أفضل منه، على كلام شيخ الإسلام، لو افترضنا أن عنده في خلال هذه الثمانين سنة مليون سيئة، والثاني عنده مليون حسنة، تاب هذا عن هذه المليون السيئة، وصارت عشر ملايين حسنة أقل شيء، ضوعفت، صارت حسنات ثم ضوعفت، صار أفضل من الثاني الذي نشأ في عبادة الله إلى الثمانين، والعدل الإلهي وعموم الشريعة ونصوصها وقواعدها لا يأتي بمثل هذا؛ لأن الشرع مدح من نشأ في طاعة الله، وقلبه معلق في المساجد، وجاء نصوص كثيرة في هذا الأمر، بينما هذا الشخص الذي نشأ على الشر والفساد وطيلة عمره، إذا قلنا: إن حسناته المبدلة من سيئات لا تضاعف، وحسنات الآخر مضاعفة انفصلنا عن هذا الإشكال، والقاعدة أن البدل له حكم المبدل.