مقارنة بين شروح كتب السنة الستة (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يقول: الرجاء ذكر ما تميّز به كل شرح من شروح البخاري عن غيره، فمن المعلوم أن هناك من تميّز بضبط أسماء الرواة وآخر في الأحكام وآخر في جمع الطرق.. الخ؟

هذا هو المقصود من هذه المحاضرات ومن هذه الدروس، وما تقدم بُيّن ووضّح، الكتب التي عرضت سابقاً بيّن فيها ما يمتاز بها كل كتاب، وكذلك الكتب اللاحقة، واليوم عن ثلاثة كتب هي في الحقيقة أهم شروح البخاري، ولعل الوقت يسعف بإكمال الحديث عنها.

شرح ابن حجر (فتح الباري شرح صحيح البخاري):

فأولها: (فتح الباري شرح صحيح البخاري) للإمام الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، هذا الكتاب هو أعظم شروح البخاري، اللهم إلا أنه لو كمل شرح ابن رجب لكان منافساً له، يقع الكتاب في ثلاثة عشر مجلداً كباراً إضافةً إلى مقدمةً وافية في مجلد كبير أسماها مؤلفها (هدي الساري) المقدمة مرتبة على عشرة فصول.

الأول: في بيان السبب الباعث على تصنيف البخاري لكتابه.

والثاني: في بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه، والكلام على تحقيق شرطه، وتقرير كونه من أصح الكتب المصنفة في الحديث، ويلتحق بذلك الكلام على تراجمه البديعة المنال، المنيعة المثال التي انفرد بتدقيقه فيها عن نظرائه، واشتهر بتحقيقه لها عن قرنائه.

الثالث: في بيان الحكمة في تقطيعه للحديث واختصاره وفائدة إعادته للحديث وتكراره.

المعذرةً للإخوان يمكن أن يكون في السرد شيء من السرعة؛ لأن الكلام طويل، وهذه الكتب إن لم تكن هي بيت القصيد فهي من أهم المهمات.

الرابع: في بيان السبب في إيراده الحديث أو الأحاديث المعلقة والآثار الموقوفة مع أنها تباين أصل موضوع الكتاب، نعم أصل موضوع الكتاب للأحاديث المرفوعة لا للآثار الموصولة، لا للمعلقة ولا المقطوعة، المقصود أن هذا أصل موضوع الكتاب؛ لكن أردف ما جاء في أصله بما أثبته تبعاً لذلك من الموقوفات والمعلقات.

الخامس: في ضبط الغريب الواقع في متونه، مرتباً له على حروف المعجم بألخص عبارة وأخلص إشارة، لتسهل مراجعته ويخف تكراره.

السادس: في ضبط الأسماء المشكلة التي فيه، وكذا الكنى والأنساب.

السابع: في تعريف شيوخه الذين أهمل نسبهم إذا كانت يكثر اشتراكها كمحمد، لا من يقل الاشتراك فيه كمسدد، وفيه الكلام على جميع ما فيه من مهملٍ ومبهمٍ على سياق الكتاب مختصراً.

الثامن: في سياق الأحاديث التي انتقدها عليها حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني، والجواب عنها حديثاً حديثاً وإيضاح أنه ليس فيها ما يخل بشرطه الذي حققناه.

التاسع: في سياق جميع من طعن فيه من رجاله على ترتيب الحروف والجواب عن ذلك الطعن بطريق الإنصاف والعدل والاعتذار عن المصنف في التخريج لبعض من يقوى جانب القدح فيه، إما لكونه تجنب ما طعن فيه بسببه، وإما لكونه أخرج ما وافقه عليه من هو أقوى منه.

العاشر: في سياق فهرسة الكتاب باباً باباً، وعدة ما في كل باب من الحديث، ومنه تظهر عدة أحاديثه بالمكرر أوردته تبعاً للنووي، أورده الحافظ تبعاً للنووي، والعيني أورده تبعاً للنووي، وكلهم يقولون: تبركاً به، ومعلوم ما في هذي الكلمة من المخالفة، يقول: ثم أضفت إليه مناسبة ذلك مما استفدته من شيخ الإسلام أبي حفصٍ البلقيني، ثم أردفته بسياق أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم كتابه من غير تكرير، ثم ختمت المقدمة بترجمةٍ كاشفة عن خصائص الإمام البخاري ومناقبه جامعةً لمآثره ليكون ذكره واسطة عقد نظامها، وسر مسك ختامها.

هذه الفصول العشرة التي اشتملت عليها مقدمة فتح الباري، ويمكن للطالب في الأسفار أن يقتصر على هذه المقدمة لطول الكتاب، فإذا قرأ في المتن ومرّ عليه اسم مهمل يحتاج إلى تمييز يرجع إلى هذه المقدمة، مر عليه حديث مقدوح فيه يرجع إلى هذه المقدمة، مرّ عليه راوٍ متكلم فيه يرجع إلى هذه المقدمة، فهي كالشرح المختصر أفردها الحافظ -رحمه الله تعالى- لأهمية مباحثها، ثم في آخر المقدمة ذكر الحافظ منهجه في شرح أحاديث الكتاب فقال: "أسوق الباب وحديثه أولاً"، يذكر الترجمة ثم يذكر الحديث، وهذا عدل عنه على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-، يقول: "ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتماتٍ وزيادات وكشف غامضٍ وفصيح مدلسٍ بسماعٍ ومتابعة سامعٍ من شيخٍ اختلط قبل ذلك، منتزعاً ذلك كله من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك" يعني الحافظ إذا أورد حديثاً في الشرح وسكت عليه، ولم يتعقبه بضعف شرطه في ذلك الصحة أو الحسن، وسيأتي ما يخل بهذا الشرط، "ثالثاً: أصل ما انقطع من معلقاته وموقوفاته، وهناك تلتئم زوائد الفوائد وتنتظم شوارد الفرائد"، يقول: "أضبط ما يشكل من جميع ما تقدم أسماءً وأوصافاً مع إيضاح معاني الألفاظ اللغوية، تنبيه على النكت البيانية ونحو ذلك، أورد ما استفدته من كلام الأئمة مما استنبطوه من ذلك الخبر من الأحكام الفقهية والمواعظ الزهدية والآداب المرعية"، يقول: "مقتصرا على الراجح من ذلك متحرياً للواضح دون المستغلق في تلك المسالك، مع الاعتناء بالجمع بينما ظاهره التعارض مع غيره، والتنصيص على المنسوخ بناسخه، والعام بمخصصه والمطلق بمقيده، والمجمل بمبينه، والظاهر بمؤوله، والإشارة إلى نكتٍ من القواعد الأصولية، ونبذ من فوائد العربية، ونخبٍ من الخلافات المذهبية، بحسب ما اتصل بي من كلام الأئمة، واتسع له فهمي من المقاصد المهمة، وأراعي في هذا الأسلوب -إن شاء الله تعالى- في كل باب، فإن تكرر المتن في بابٍ بعينه غير باب تقدم نبهت على حكمة التكرار، من غير إعادة له؛ إلا أن يتغاير لفظه أو معناه فأنبه على المواضع المغايرة أو على الموضع المغاير خاصةً، فإن تكرر في بابٍ آخر اقتصرت فيه بعد الأول على المناسبة شارحاً لما لم يتقدم له ذكر، منبهاً على الموضع الذي تقدم بسط القول فيه"، يقول: "فإن كانت الدلالة لا تظهر في الباب المقدم إلا على بُعد غيرت هذا الاصطلاح بالاقتصار في الأول على المناسبة، وفي الثاني على سياق الأساليب المتعاقبة، مراعياً في جميعها مصلحة الاختصار، دون الهذر والإكثار، والله أسأل أن يمنّ عليّ بالعون على إكماله بكرمه ومنّه".

هذا الكلام الذي سمعتموه مسروداً موجود حقيقةً في مقدمة فتح الباري؛ لكن هنا مسائل:

الأولى: ما ذكره أولاً من سوق الحديث، معروف أنه عدل عنه، قد قال في مقدمة المجلد الأول في صفحة (5) يقول: "وقد كنت عزمت على أن أسوق حديث الباب بلفظه قبل شرحه، ثم رأيت ذلك مما يطول به الكتاب جداً" يعني لو تصورنا أن البخاري في أربعة مجلدات إضافةً إلى هذه الثلاثة عشر مجلداً يطول الكتاب بلا شك، على هذا البخاري -رحمه الله تعالى- أخلى الكتاب من المتن، بينما يشرح الحديث مباشرةً، قوله: باب كذا، يشرح الترجمة ثم قوله يشرح الحديث لفظةً لفظة.

الذين رقّموا الكتاب وخدمه وطبعه -جزاهم الله خيرا- اجتهدوا، ففي التعليق على صفحة (5) قال المعلق محمد فؤاد عبد الباقي: "ونحن قد حققنا ذلك في هذه الطبعة، فسقنا حديث الباب بلفظه قبل شرحه، ليكون ذلك أعون على فهم الشرح والإلمام بمراميه"، أولاً: الحافظ -رحمه الله- عن قصد حذف الأحاديث، فإدخال الأحاديث في في صلب الكتاب لا شك أنه تصرف في الكتاب وزيادة في الكتاب، قصد المؤلف حذفها، فهذا التصرف لا ينبغي، نعم لو جعلوه في حاشية، في أعلى الصفحة وفصلوا بينه وبين الشرح بخط لا بأس، يقول: ونحن قد حققنا ذلك -لو كانت أمنية للحافظ تقول: حققنا هذه الأمنية-، لكن الحافظ عدل عنها قصداً وليت الحافظ حققها بنفسه، لسلمنا من كثير من الاعتراضات الواردة على المتن الموجود في الشرح الذي تصرف الطابع وأدخله فيه، يقول: ونحن قد حققنا ذلك في هذه الطبعة فسقنا حديث الباب بلفظه قبل شرحه، ليكون ذلك أعون على فهم الشرح والإلمام بمراميه وأشرنا بالأرقام إلى أطراف كل حديث، وهي أجزاء متفرقة في مواضع أخرى من صحيح البخاري.

أقول: وليته إذ تصرف على خلاف مراد المؤلف انتقى من روايات الصحيح ما اعتمده الحافظ في شرحه، وهي رواية أبي ذر الهروي، المتن المطبوع مع فتح الباري متن ملفق من روايات متعددة، لا يوافق رواية واحدة من الروايات، ليت هؤلاء الذين تصرفوا وأدخلوا الكتاب في هذا الشرح العظيم انتقوا من الروايات ما يناسب الشرح، ولذا يوجد في المتن المقحم من الألفاظ ما لا يوجد في الشرح والعكس، وهذا كثير جداً، كثيراً ما نجد الحافظ يقول: قوله: كذا، ثم يشرح، هذا اللفظ الذي شرحه الحافظ لا تجده في المتن المقحم، هذا كثير جداً.

ونقل عن القسطلاني بالنسبة لفتح الباري: يقول: شهرته وانفراده بما اشتمل عليه الفوائد الحديثية والنكات الأدبية، والفوائد الفقهية، تغني عن وصفه، لا سيما وقد امتاز بجمع طرق الحديث التي ربما يتبين من بعضها ترجيح أحد الاحتمالات شرحاً وإعراباً، وطريقته في الأحاديث المكررة أنه يشرح في كل موضعٍ ما يتعلق بمقصد البخاري من ذكره، ويحيل بباقي شرحه على مكان المشروح فيه، وهذه ميزة امتاز بها فتح الباري، يعني تجد الكتاب متناسبا من أوله إلى آخره، يشرح آخر حديث في الكتاب بنفس الطريقة والمنهج الذي شرح فيه أول حديث في الكتاب، بخلاف غالب المؤلفين من الشراح والمفسرين وغيرهم، تجده في أول الكتاب يجلب بجميع ما عنده، ثم تفتر همته أو ينتهي ما عنده فيختصر ويوجز، غالب الشروح هكذا، تأتي الإشارة إلى شيءٍ من هذا في عمدة القاري -إن شاء الله تعالى-.

كان الحافظ -رحمه الله تعالى- يتمنى ويود أن لو تتبع الإحالات التي تقع له فيه؛ لأن الكتاب طويل، والكتاب كان تأليفه فيما يقارب ربع قرن لطوله وتحريره وتنقيحه، مكث فيه أكثر من ربع قرن، أنهاه في خمسة وعشرين عاما، لكنه ما زال يحرر وينقح، ويضيف إلى وفاته -رحمه الله-.

بعض الإحالات يحصل فيها ما لا يوجد في موضعه، تجد الحافظ يقول: وسنتكلم على هذا الحديث، أو تأتي الإشارة إلى كذا في موضع كذا ثم تأتي، يحيل مرةً ثانية، تأتي الإحالة، الكتاب بحر محيط، كتاب كبير جداً، لا يبعد أن يقع فيه مثل هذه الأشياء، لكن الحافظ تمنى وودّ أن لو تتبعت هذه الحوالات، يقول: فإن لم يكن المحال به مذكوراً أو ذكر في مكانٍ آخر غير المحال عليه ليقع إصلاحه فما فعل ذلك، والكمال لله -سبحانه وتعالى-.

يقول: وكذا ربما يقع له ترجيح أحد الأوجه في الإعراب أو غيره من الاحتمالات أو الأقوال في موضع ثم يرجح في موضعٍ آخر غيره إلى غير ذلك مما لا طعن عليه بسببه، بل هذا أمر لا ينفك عنه كثير من الأئمة المعتمدين، هذا يدل على أن الحافظ مستمر في البحث، لم يقف اجتهاده عند حدّ، وتغير الاجتهاد عند أهل العلم معروف، يتحرر له في مسألةٍ ما، في وقتٍ ما، ثم يتبين له في وقتٍ آخر غيره، المقصود أن تغير الاجتهاد أمر معروف عند أهل العلم، ولذا تجدون الحافظ في أوائل الكتاب أو في مواضع من الكتاب يرجح شيئا ثم يعدل عنه في مواضع أخرى.

الحافظ -رحمه الله تعالى- ابتدأ تأليف الكتاب في أوائل سنة سبعة عشرة وثمانمائة على طريق الإملاء، يمليه إملاءً، يعني في الجزء الثامن صفحة (463) يقول: "وقد كنت أمليت في أوائل كتاب الوضوء أن قصة الإفك وقعت قبل نزول الحجاب" وقد كنت أمليت، هذا يدل على أن الكتاب ألف بطريق الإملاء، ثم قال: "وهو سهو والصواب أنه بعد نزول الحجاب فليصلح هناك"، ابتدأ الحافظ -رحمه الله تعالى- تأليف الكتاب في أوائل سنة سبع عشرة وثمانمائة على طريق الإملاء، بعد أن كملت مقدمته في مجلدٍ ضخم في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وسبق منه الوعد للشرح ثم صار يكتب بخطه شيئاً فشيئاً، فيكتب الكراسة، ثم يكتبها جماعة من الأئمة، يمليها على جماعة من الأئمة لتراجع وتنقّح، ثم يكتبها جماعة من الأئمة المعتبرين، ويعارض بالأصل مع المباحثة في يومٍ من الأسبوع، وذلك بقراءة البرهان بن خضر، فصار السفر -يعني المجلد- لا يكمل منه إلا وقد قوبل وحرر إلى أن انتهى، بهذه الطريقة يملي الكراسة على جمع من الأئمة المعتبرين، يمليها عليهم ليراجعوها وينظروا فيها، ثم تقابل وتعارض بالأصل، ثم في يومٍ من الأسبوع تحصل المباحثة والمناقشة حول ما كتب، وهذا هو السر في تحرير هذا الكتاب وتنقيحه وضبطه وإتقانه، يقول: إلى أن انتهى في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، سوى ما ألحقه فيه بعد ذلك فلم ينته إلا قبيل وفاته، ولما تمّ عمل مصنفه وليمةً عظيمة لم يتخلف فيها من وجوه المسلمين إلا نادراً، في يوم السبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وقرئ في المجلس الأخير، وهناك حضره الأئمة كالقاياتي والونائي والسعد الديري وغيرهم، يقول: وكان المصروف في الوليمة المذكورة نحو (500) دينار، فطلبه ملوك الأطراف بالاستكتاب واشتري بنحو ثلاثمائة دينار، وانتشر بالآفاق، الكتاب طويل لكن مملوء بالفوائد، واختصاره يخل به، وإن حصل من بعض العلماء أنهم اختصروه، فمختصر للشيخ أبي الفتح محمد بن حسين المراغي المتوفى سنة تسع وخمسين وثمانمائة، والشيخ فيصل بن عبد العزيز بن المبارك العالم النجدي المعروف قاضي الجوف له مختصر أسماه (لذة القاري مختصر صحيح البخاري) وله أيضاً مختصر جديد موجود في الأسواق، المقصود أن الكتاب لا يقبل الاختصار، كله فوائد.

من فوائد الفتح: أنا انتقيت كم فائدة، ففي الجزء الأول صفحة (59) أشار إلى عدم اعتناء البخاري بالتنبيه على ما بين الرواة من فروق، وإنما همّ البخاري مراعاة الأصول دون الألفاظ بخلاف مسلم، في الجزء الأول صفحة (16) والحادي عشر صفحة (340) يقول: "جملة ما كرره البخاري بسنده ومتنه نحو عشرين"، عشرين حديثاً، المكررات في البخاري تزيد على خمسة آلاف حديث، التكرار فيه، لكن ما يمكن أن يكرر بالسند والمتن ويخلي المكرر من الفائدة سواء كانت في متنه أو في إسناده أو على أقل الأحوال في صيغ الأداء يقول: إلا في نحو عشرين موضعاً، هذا ذكره الحافظ في الجزء الأول صفحة (16) وفي الحادي عشر صفحة (340).

من فوائده وقواعده وضوابطه التي ذكرها يقول: "وقد ظهر بالاستقراء من صنيع الإمام البخاري أنه إذا أورد حديثاً عن غير واحد فإن اللفظ يكون للأخير" يعني إذا كان الحديث مخرج في الصحيح عن أكثر من واحد فاللفظ للأخير، إذا قال البخاري: حدثنا فلان وفلان، فصاحب اللفظ هو الأخير، يقول: "وقد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا أورد الحديث عن غير واحدٍ فإن اللفظ يكون للأخير" هذا في الجزء الأول صفحة (436) ظهر بالاستقرار، لكنها قاعدة أغلبية وليست كلية؛ لأنه يوجد ما يخالف هذه القاعدة، مثلاً في صفحة (30) يقول: "أخبرنا يونس ومعمر" من صاحب اللفظ على القاعدة؟ على القاعدة معمر، يقول الحافظ: "أما باللفظ فعن يونس، وأما بالمعنى فعن معمر" هذا خرج عن القاعدة، في أمثلة ليست يسيرة من هذا النوع، لكن مثلما قال الحافظ -رحمه الله تعالى- بالاستقراء والتتبع القاعدة شبه مطردة إلا في مواضع يسيرة، فالقاعدة حينئذٍ تكون أغلبية وليست كلية.

في التاسع صفحة (374) يقول: "في مواضع الاختلاف -يعني في المسائل المختلف فيها، المسائل الفقهية المختلف فيها- مهما صدر به البخاري من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره"، يعني إذا أردت أن تستخرج فقه البخاري واختياراته تنظر في الترجمة في الباب، إذا صدر البخاري الترجمة بقول واحد، إما بحديث أو بقول واحد من الصحابة أو من التابعين فهو اختياره، يقول: "في مواضع الاختلاف مهما صدر به البخاري من النقل عن صحابي أو تابعي فهو اختياره".

في التاسع صفحة (420) يقول: "جرت عادة البخاري أن دليل الحكم إذا كان محتملاً لا يجزم بالحكم، بل يورده مورد الاستفهام" ما يقول البخاري باب وجوب كذا، أو باب استحباب كذا إذا كان الدليل محتملا، لا، إنما يورده بلفظ الاستفهام، هل كذا أو هل كذا؟ ما يجزم بهذا إلا إذا كان الدليل نصا في الموضوع.

في العاشر صفحة (11، 52، 54) يقول: "من قال: إن البخاري لا يستعمل (قال) إلا في المذاكرة لا مستند له" هذه شاعت بين الشراح، وبين العلماء، يتناقلونه، يقولون: البخاري إذا قال: حدثنا فلان قال فلان فإنما يكون البخاري قد أخذ الحديث عن هذا الشيخ مذاكرة، وليس على طريق التحديث، ومعلوم ما بين المذاكرة والتحديث من فرق، يقول: "من قال إن البخاري لا يستعمل (قال) إلا في المذاكرة لا مستند له".

الحافظ له اختيار في تكفير المصائب للذنوب في الجزء العاشرة صفحة (105 و110) يقول: "حصول التكفير للمصاب وإن لم يرضَ ولم يصبر" هذه من الغرائب؛ لكن يرى أن التكفير بمجرد المصيبة، والرضا والصبر أجره قدر زائد على ذلك، وهذا رأي استقل به، وهو محتمل.

في العاشر صفحة (332) يقول: "هيئة اللباس تختلف باختلاف عادة كل بلد".

في الحادي عشر صفحة (209) يقول: "لا يشترط في الذاكر استحضار معناه" يعني لو كان الذكر يعني على غفلة اعتاد الإنسان في أذكاره في الصباح والمساء، وفي غيرها، الذكر يجري على اللسان يقول: "لا يشترط استحضار معناه، ولكن يشترط أن لا يقصد به غير معناه".

في الحادي عشر صفحة (268) وفي مواضع أخرى يقول: "أبو الفتح الأزدي غير مرضي في كلامه على الرجال".

في الحادي عشر صفحة (441) يقول: "يحيى القطان متعنّت في الرجال".

في الثاني عشر صفحة (214) يقول: "طريقة بعض السلف عند الاختلاف الأخذ برأي الأكثر".

فوائد كثيرة جداً جداً، الكتاب مملوء ومشحون بالفوائد؛ لكن الوقت لا يحتمل أكثر من هذا.

الحافظ -رحمه الله تعالى- كما سمعنا اشترط في مقدمة الكتاب أنه لا يورد من الأحاديث إلا ما كان صحيحاً أو حسناً، لكن الكمال لله -سبحانه وتعالى- أورد أحاديث فيها كلام، وفيها ضعف، ولم ينبه عليها.

في الجزء الأول صفحة (307) يقول: "وعند أحمد من طريقٍ أخرى عن المغيرة أن الماء الذي توضأ به -يعني النبي -عليه الصلاة والسلام-أخذه المغيرة من أعرابية صبت له من قربة كانت جلدة ميتة، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال له: ((سلها فإن كانت دبغتها فهو طهور)) حديث في المسند في الرابع (254) وهو ضعيف، وإن لم يتعقبه الحافظ، ففيه أكثر من راوٍ ضعيف.

في صفحة (67) من الجزء الأول قال عن حديث في إسناده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "رجاله ثقات" وحال عمرو بن شعيب معروفة عند أهل العلم لا سيما عند الحافظ يرى أنه صدوق، ومع ذلك يقول: "رجاله ثقات".

في الجزء الثالث صفحة (489) يقول: "روى الإمام أحمد بإسنادٍ حسن عن أبي الزبير عن جابر قال: كنا نطوف ونمسح الركن في الفاتحة والخاتمة" والحديث في المسند، وفي إسناده ابن لهيعة، وقد نص الحافظ في الفتح في الجزء الأول صفحة (23) على ضعفه، الحافظ نفسه نص على ضعف ابن لهيعة ويقول: "بإسنادٍ حسن".

في مسائل الاعتقاد منهجه مضطرب، الحافظ منهجه في العقيدة ليس على طريقةٍ واحدة، إنما هو نقال في هذا الباب، ينقل أقوال السلف والأئمة المقتدين بهم، ممن يثبت لله -سبحانه وتعالى-ما أثبته لنفسه، وينقل أقوال الخلف من المخالفين لعقيدة السلف، ولا يتعقب شيئاً من ذلك.

وفي صفحة (145) من الجزء السادس و(632) من الجزء الثامن، و(444) من الجزء الحادي عشر أوّل صفحة (العجب) في عجب الله -سبحانه وتعالى- من قوم، أو عجب الله -سبحانه وتعالى- من قوم أوّل ذلك بالرضا يعني على طريقة الخطابي وغيره ممن تقدم ذكرهم، على كلٍ هذا خلل في الكتاب، يعني لو مرّ على الكتاب كله، وعلق على هذه المسائل التي خالف فيها لكان جيداً.

والكتاب يحتاج إلى زمن طويل لنشر محاسنه ومزاياه؛ لكن هذا ما يحتمله الوقت.

بعد هذا (عمدة القاري في شرح صحيح البخاري) لبدر الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي المتوفى سنة خمس وخمسين وثمانمائة.

طالب: الطبعة المعتمدة لفتح الباري؟

يسأل عن الطبعة، أفضل الطبعات بالنسبة لفتح الباري، هذه إن تيسرت طبعة بولاق فهي أجود الطبعات على الإطلاق؛ لأن الذين طبعوها، المطبعة السلفية، نعم الشيخ -رحمه الله-راجع مجلدين وشيء من الثالث؛ لكن بقية الكتاب طبع بحروفه بطبعة بولاق، طبعة بولاق هي الأصل التي أخذت منها الطبعة السلفية، إن لم تتيسر فالطبعة السلفية الأولى، وليست الثانية ولا الثالثة، الطبعة الثانية فيها أسقاط كثيرة وأوهام، والثالثة فرع عنها، مصورة عنها، وإن سموها طبعة ثالثة، لكن الطبعة السلفية الأولى متقنة إلى حدٍ ما.

طالب: المتقنة الأولى أو الثالثة؟

الأولى، الثانية لا شيء، فيها أسقاط وأسطر أحياناً، الطبعة السلفية الأولى، وهي تكاد أن تكون صورة لطبعة بولاق؛ لكن فيها بعض الأخطاء اليسيرة، هنا حتى في بعض التعليقات أشياء في تصويب بعض الكلمات مثل هنا يقول: "فينبغي الاضطراب" في هذه الطبعة، السلفية الأولى، "فينبغي الاضطراب" علق الشيخ -رحمه الله-، قال: "فينبغي أن لا اضطراب" لأن الحافظ نفى الاضطراب عن الحديث؛ لكن لا هذا ولا ذاك: "فينتفي الاضطراب" الحافظ في الفتح يقول: "فينبغي الاضطراب" فعلق الشيخ -رحمه الله- فقال: "ينبغي أن لا اضطراب" صواب العبارة: "فينتفي الاضطراب" يعني بعد كلام وتقرير الحافظ ابن حجر نفى فيه الاضطراب، على كلٍ البشر هذا ما ودع فيهم، من يعرى من الخطأ والنسيان.

شرح العيني (عمدة القاري):

(عمدة القاري) لبدر الدين العيني شرع في تأليفه مؤلفه كما قال القسطلاني في أواخر سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وفرغ منه في آخر الثلث الأول من ليلة السبت خامس شهر جمادى الأولى سنة سبعٍ وأربعين وثمانمائة، يعني بدأ بعد الحافظ بأربع سنوات، وفرغ بعده بخمس سنوات، ذكر في مقدمته أنه لما رحل إلى البلاد الشمالية قبل الثمانمائة مستصحباً صحيح البخاري لنشر فضله عن ذوي الألباب ظفر هناك من بعض مشايخه بغرائب النوادر مما يتعلق باستخراج ما في الصحيح من الكنوز، ثم لما عاد إلى الديار المصرية ندبه إلى شرح الكتاب أمور:

الأول: يقول: "أن يعلم أن في الزوايا خبايا، وأن العلم من منايح الله -عز وجل- ومن أفضل العطايا.

الثاني: إظهار ما منحه الله من فضله الغزير، وإقداره إياه على أخذ شيءٍ من علمه الكثير، يقول: "والشكر مما يزيد النعمة، ومن الشكر إظهار العلم للأمة".

الثالث: كثرة دعاء بعض الأصحاب للتصدي لشرح الكتاب، يقول: أنه طلب منه بإلحاح أن يتصدى لشرح الكتاب، ثم أجاب هذه الدعوة فشرح الكتاب.

افتتح الكتاب بمقدمة مختصرة، مقدمة لا تعدو عشرة صفحات، قريبة جداً من مقدمة النووي، افتتح المقدمة بذكر أسانيده إلى الإمام البخاري، ثم فوائد في اسم الصحيح وسبب تأليفه، وترجيح الصحيح على غيره، في شرطه، وعدد الأحاديث المسندة في صحيح البخاري، في فهرس أبواب البخاري مع عدد أحاديث كل كتاب، طبقات شيوخ البخاري، من تكلم فيه من رجال الصحيح، الفرق بين الاعتبار والمتابعة والشاهد، ضبط الأسماء المتكررة، معلقات الصحيح، ثم عرف بموضوع علم الحديث ومبادئه ومسائله، موضوع علم الحديث ومبادئه أخذها من شرح الكرماني، ولذا وقع فيما وقع فيه الكرماني، قال: "موضوع علم الحديث ذات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، هذا الكرماني قاله قبل، ثم العيني من بعده، ولذا يقول السيوطي في مقدمة التدريب: "ما زال شيخنا محي الدين الكافيجي يتعجب من قول الكرماني أن موضوع علم الحديث ذات الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: لأن ذاته موضوع علم الطب وليس موضوع علم الحديث"، ذاته، بدنه، شخصه، المقصود أن التقليد يوقع في مثل هذا، كل هذه المسائل التي ذكرها لا تزيد على عشر صفحات، نعم المباحث التي أودعها الحافظ في مقدمته موجودة في ثنايا هذا الكتاب، كل مبحث في موضعه، وإن كان ليس بصورة جلية وواضحة كما فعل الحافظ -رحمه الله تعالى-.

شرع بعد ذلكم في شرح الكتاب على ترتيبٍ جميل منظم، يشوّق القارئ، يبدأ أولاً: بمناسبة الحديث للترجمة، ثم يتحدث عن رجال رواة الحديث، ثم في ضبط أسماء الرجال ثم الأنساب، يعنون عناوين، مناسبة الحديث للترجمة: ثم إذا انتهى قال: رواة الحديث، ثم ضبط أسماء الرجال، ثم ضبط الأنساب، ثم يذكر فوائد تتعلق بالرجال، ثم لطائف الإسناد، قد يوجد مثل هذه في فتح الباري لكنها غير معنونة، ثم يبين نوع الحديث إن كان الحديث متميزاً بنوعٍ خاص من العزة والغرابة والتواتر، يقول: نوع الحديث، ثم يذكر مواضع الحديث من صحيح البخاري، ثم يذكر من أخرجه غير البخاري، ثم يبين اختلاف لفظه في المواضع، ثم يقول: بيان اللغة، عنوان، ثم بعد ذلكم بيان الإعراب، ثم بيان المعاني، عناوين هذه، بيان البيان، بيان البديع، ثم بعد ذلكم يقول: الأسئلة والأجوبة، يورد إشكالات في الحديث ثم يجيب عنها، ثم سبب الحديث إن كان له سبب، ثم استنباط الأحكام، وهو في كل ذلك يطيل ويغرب في النقول والردود والمناقشات، ينقل من الشراح، وينقض أقوالهم، المقصود أن الشرح منظم ومرتب لو كان على وتيرةٍ واحدة، لكنه في هذا الترتيب وهذا التنظيم في أوائله لأنه اعتمد على أشياء انقطعت فانقطع معها على ما سيأتي ذكره.

ينقل ممن سبقه من الشراح كالخطابي والكرماني وابن بطال والنووي وغيرهم، وينقل كثيراً من فتح الباري، أحياناً ينقل المقطع الكبير من فتح الباري ويبهم المؤلف يقول: قال بعضهم، ولا يسمي، لا يسمي ابن حجر وإن كان ينقل منه واستفاد منه كثيراً، ثم بعد ذلكم يتعقبه كثيراً.

يقول القسطلاني: "واستمد فيه من فتح الباري"، يقول: "كان فيما قيل يستعيره من البرهان بن خضر بإذن مصنفه"، القدر الذي يفرغ منه الحافظ يستعيره العيني من البرهان من خضر بإذن ابن حجر، لا بأس أن يطلع على الكلام ويناقش ويرد عليه لا إشكال؛ لأن قصد الجمع الوصول إلى الحقيقة، بإذن مصنفه وتعقبه في مواضع، وطوله بما تعمد الحافظ ابن حجر في الفتح حذفه، من سياق الحديث بتمامه وإفراد كل من تراجم الرواة بالكلام، وبيان الأنساب واللغات والإعراب والمعاني والبيان، واستنباط الفرائد من الحديث والأسئلة والأجوبة إلى غير ذلك، يقول: "وقد حكي أن بعض الفضلاء ذكر للحافظ ابن حجر ترجيح شرح العيني بما اشتمل عليه من البديع وغيره، فقال بديهةً: "هذا شيء نقله من شرح لركن الدين -يعني أحمد بن محمد القريني هذا له شرح على البخاري، قطعة، شرح أوائل البخاري وجد فيها مثل هذا الترتيب وهذا التنظيم، والكلام على الحديث من حيث اللغة والإعرابات والبيان والمعاني والبديع إلى غير ذلك، يقول: "هذا شيء نقله من شرحٍ لركن الدين، وكنت -يقول الحافظ- قد وقفت عليه قبله، ولكن تركت النقل عنه؛ لكونه لم يتم، إنما كتبت منه قطعة وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال"، يقول: إن أردت الاستمرار في هذا الترتيب لا شك أنه متعب، متعب جداً، الاسترسال في بيان ما في كل حديث من هذه المباحث متعب، يقول: "وخشيت من تعبي بعد فراغها في الاسترسال في هذا المهيع، ولذا لم يتكلم البدر العيني بعد تلك القطعة بشيءٍ من ذلك"، هذا الترتيب البديع الذي مشى عليه شيء يسير بالنسبة لعمدة القاري، يعني مشى فيه قرابة جزأين من الخمسة والعشرين، يمكن أن نقول: عشر الكتاب أو أقل، ثم بعد ذلك ترك كثيرا من هذه المباحث، نعم مشى على الترتيب، يمشي على تراجم الرواة، والرابط والاستنباط والأسئلة والأجوبة؛ لكن ما يتعلق بغرائب اللغة من النقول وما يتعلق به البيان والبديع وغير ذلك لما انتهى شرح ركن الدين انتهى العيني من ذلك.

ولا شك أن شرح العيني شرح موسع ومطول، وشرح حافل لا سيما في ثلثه الأول، والسبب في ذلكم أنه لم يفرق شرح الأحاديث على المواضع المتعددة، ويتحدث عن كل حديث في الموضع المناسب له، لا، أجلب بكل ما عنده في أول الكتاب، ثم في النهاية اختصر جداً، ميزة فتح الباري كما ذكرنا سابقاً التوازن في الشرح، حيث شرح آخر حديث في الكتاب بنفس المنهج والطريقة التي سار عليها في أوله، ثم بعد ذلكم العيني كما هو معروف حنفي المذهب، يتعصب لمذهبه، وهذا مما يحط من قيمة الكتاب، وابن حجر وإن كان شافعياً إلا أنه قد يخرج عن مذهبه لموافقة الحديث على أن المخالفة بين الكتاب المشروح، أحاديث الكتاب المشروح وبين مذهب الشافعي ليست كبيرة، بينهما تقارب كثير، ولذا لا يظهر التعصب بالنسبة لمن شرح الكتاب حينما يكون شافعياً أو يكون حنبلياً مثلاً، لكن حينما يكون الشارح حنفيا، وكثير من أحاديث الكتاب تخالف مذهبه، الفجوة كبيرة، بخلاف الهوة التي بين الأحاديث التي في الصحيح وبين مذهب الحنابلة مثلاً أو مذهب الشافعية، الكرماني وابن حجر في مواضع ذكروا أن البخاري إذا قال: قال بعض الناس فمراده الحنفية، هذا يدل على أن هناك اختلافا كبيرا بين الإمام البخاري وبين مذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-.

طالب:........

كلاهما، الكرماني (24،66) وفتح الباري (12،320) وغيرهم، يقولون: إذا قال البخاري: قال بعض الناس فمراده الحنفية، هذا يبين لنا سبب ظهور التعصب في شرح العيني وخفاؤه في شرح ابن حجر، هذا الأمر ينبغي أن يتنبه له، يقال: يحمل النصوص على غير مراد مؤلفها؟ نعم فرق كبير بين ما يراه البخاري واختياراته ومذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، لا شك أن مذهب أبي حنيفة مذهب متبوع، وله أصوله من الكتاب والسنة، نعم يختلفون في بعض الأصول؛ لكن القدر المشترك من الأصول والأقطاب التي يعتمد عليها في الاستنباط والاستدلال متقارب؛ لكن بعض الأصول التي يعتمدها الحنفية قد توجد بعض الفجوة بينهم وبين غيرهم.

العيني يقصد في نقوله عن الحافظ هو لا يسميه، يبهمه، قال بعضهم، قال بعض الشراح، زعم بعضهم، ثم يتعقبه في مواطن كثيرة جداً، الكتاب مملوء من النقول عن ابن حجر والتعقبات والاستدراكات عليه، أجاب الحافظ ابن حجر عن هذه الاعتراضات وهذه الانتقادات بكتابٍ أسماه (انتقاض الاعتراض) وهو مطبوع في مجلدين، قال القسطلاني: "لكنه لم يجب عن أكثرها، ولعله كان يكتب الاعتراضات ويبيض لها ليجيب عنها فاخترمته المنية"، وله أيضاً -أي لابن حجر- (الاستنصار على الطاعن المعثار) وهو صورة فتيا عما وقع في خطبة شرح البخاري للعيني.

أيضاً هناك كتاب وهو نفيس ومؤلفه متأخر اسمه عبد الرحمن البوصيري المتوفى سنة أربعٍ وخمسين وثلاثمائة وألف، اسمه (مبتكرات اللآلئ والدرر في المحاكمة بين العيني وابن حجر) مجلد واحد، يذكر قول ابن حجر ثم يذكر رد العيني واعتراضه، ثم يحكم بما يراه صواباً، والكتاب جيد، إلا أن الموضوع نفسه يحتمل أكثر من ذلك، يعني ثلاثمائة وثلاث وأربعين محاكمة بينهما في هذا الكتاب، والمحاكمات أكثر من ذلك، فيحتاج إلى تكميل وتتميم.

شرح القسطلاني (إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري):

بقي عندنا شرح من أهم الشروح وهو (إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري) مؤلفه أحمد بن محمد بن أبي بكر شهاب الدين القسطلاني الشافعي المتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، شرح كبير ممزوج، يعني شرح تحليلي في عشرة مجلدات كبار، افتتحه -رحمه الله- بمقدمة تتضمن فصولاً:

الفصل الأول: في فضيلة أهل الحديث وشرفه في القديم والحديث.

الفصل الثاني: في ذكر أول من دوّن الحديث والسنن، ومن تلاه في ذلك سالكاً أحسن السنن.

الفصل الثالث: في ذكر نبذة لطيفة جامعة لفرائد فوائد مصطلح الحديث عن أهله وتقسيم أنواعه.

الفصل الرابع: فيما يتعلق بالبخاري وصحيحه من تقرير شرطه وتحريره وضبطه وترجيحه على غيره.

الفصل الخامس: في ذكر نسب البخاري ونسبته ومولده، وبدء أمره ونشأته وطلبه للعلم، ثم بعد ذلكم ذكر رواة الجامع الصحيح، وهو مرجع حقيقةً في ذكر الرواة وضبطهم وتشعب رواياتهم، ثم ذكر شروح الجامع الصحيح.

من منهج القسطلاني -رحمه الله- في كتابه هذا العناية بتراجم الرواة، وضبط أسماءهم وكناهم وأنسابهم باختصار، يعني لا يفعل مثل ما يفعله غيره من إطالة كالعيني أو غيره أو النووي، لا، كل هذا باختصار، ويكرر ذلك في كل موضع، نعم الاختصار يزيد كلما زاد التكرار؛ لكنه يهتم بهذا، يعتني بذلك عناية فائقة، ولذا الذي يقرأ هذا الشرح لن ينتهي منه حتى يتقن الرواة إتقاناً لا مزيد عليه، فينصح بقراءة هذا الكتاب، ثانياً: العناية بذكر فروق الروايات بدقة، معتمداً في ذلك على اليونيني فلا يترك فرقاً إلا ويشير إليه سواء كان ذلك في الأسانيد وصيغ الأداء أو المتون، وسواء كان الفرق مما يترتب عليه فائدة أم لا.

ثالثاً: يشرح الغريب من الألفاظ فالكتاب حقيقته شرح تحليلي، يعني يمكن أن يستغنى به عن غيره، ولا يستغنى بغيره عنه، يعني قد يعوزك شرح كلمة أردتها من شرح العيني أو شرح ابن حجر؛ لكن لا يمكن أن يعوزك شيء قد تتطلب مزيد إيضاح؛ لكن لا بد أن يتكلم عليها؛ لأنه اعتمد تحليل كل كلمة، يذكر في ثنايا الشرح ما في الكلمة من اختلاف من حيث المعنى والإعراب وغير ذلك، يُعنى بالتوفيق بين الأحاديث المتعارضة باختصار، يُعنى بالاستنباط من الأحاديث وذكر المذاهب من غير إطالة، يُخرِّج الحديث من المصادر المعتمدة في نهاية الشرح، ويذكر مواضع الحديث من الصحيح، يُعنى بذكر لطائف الإسناد، يعتمد في كثيرٍ من بحوثه على الشروح السابقة كالكرماني والعيني وابن حجر فهو ملخص لهذه الكتب، هو فيه جمع لهذه الكتب لا سيما الشرحين الكبيرين، العيني وابن حجر، خلاصة لهذين الشرحين.

مذهبه في مسائل العقيدة التأويل غالباً على طريقة المتأخرين من الأشاعرة، في صفحة (96) قال: "والذي نفسي بيده أي بقدرته أو هو من المتشابه المفوض علمه إلى الله، والأول أعلم والثاني أسلم" هذه مقالة كثير ممن ينتسب إلى علم الكلام أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لكن هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن الأحكم هو الأسلم، كل هذا على سبيل الاختصار والمقام يقتضي بسط أكثر من هذا لا سيما في هذه الكتب، لا سيما في الأخير منها، الأخير منها يحتاج إلى كشف وإشهار بين طلبة العلم؛ لأنه كتاب يكاد يكون مجهولا عند كثير من الطلبة؛ ولأهميته طبع الكتاب أضعاف مضاعفة عما طبع غيره، يعني الكتاب طبع في بولاق سبع مرات، بينما العيني ما طبع ولا مرة في بولاق، فتح الباري طبع مرة واحدة، لكن إرشاد الساري طبع سبع مرات، وفي الميمنية طبع مرتين، وغير ذلك من الطبعات، طبعات كثيرة لهذا الكتاب لأهميته، ومثل ما ذكرت المقام يحتمل أطول من ذلك؛ لكن ضيق الوقت يجعلنا نختصر هذا الاختصار الشديد.

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.