كتاب الجامع من سبل السلام (12)

نعم.

أحسن الله إليك.

"الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان.

اللهم اغفر لشيخنا والسامعين.

أما بعد،

فقال في البلوغ وشرحه في كتاب الجامع:

باب الزهد والورع:

 الزهد هو قلة الرغبة في الشيء وإن شئت قلت: قلة الرغبة عنه، وفي اصطلاح أهل الحقيقة: بغض الدنيا والإعراض عنها وقيل: ترك راحة الدنيا.."

أهل الحقيقة هذا اصطلاح صوفي تداوله أهل التصوف عندهم حقيقة، وعندهم طريقة، وعندهم شريعة، هذه اصطلاحات لا تعرف عند أهل التحقيق من أهل العلم، لكن هي موجودة في اصطلاحات بعض المتصوفة، وإن كان التصوف مراتب يذكرها من هو مقبول في الجملة، وعنده بعض المخالفات يكون الأصل فيه أنه على أهل السنة، وفيه تأثر بالتصوف، وهؤلاء هذا النوع يستفيد منهم أهل العلم، وينقلون أقوالهم، وكثيرًا ما نجد شيخ الإسلام ينقل عن بعضهم، وابن القيم كذلك، وابن رجب يتداولون أقوالهم التي هي في الحقيقة حق، ولا ينقلون من باطلهم شيء إلا من أجل الرد عليه، والحق يقبل ممن جاء به.

أحسن الله إليك.

"وقيل: ترك راحة الدنيا لراحة الآخرة، وقيل: ترك نعيم الدنيا وشهواتها لنعيم الآخرة ولذاتها، وقيل: أن يخلو قلبك مما خلت منه يدك، وقيل: بذلك ما تملك، ولا تؤثر ما تدرك، وقيل: ترك الأسف على معدوم، ونفي الفرح بمعلوم، قاله المناوي في تعريفاته، وأخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذرة مرفوعًا: «الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا ألا يكون بما في يدك.."

أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك.

قلب الحديث.. أقول: عندي مقلوب الحديث، الله المستعان.

الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله..»"

هكذا؟

نعم.. أوثق..

أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أُصبت بها أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك»، انتهى، فهذا تفسير.."

مخرج؟

نعم..

يقول الترمذي في السنن: وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو إدريس الخولاني اسمه عائذ الله بن عبد الله وعمرو بن واقد منكر الحديث، وابن ماجه في السنن وقال: هو حديث ضعيف، والله أعلم.

وظاهر ضعفه، ضعفه ظاهر.

أحسن الله إليك.

"فهذا تفسير الزهادة في الحديث، والورع في التعريفات للمناوي."

المُناوي أم المَناوي؟

المُناوي.

أحسن الله إليك.

"للمُناوي، والورع تجنُّب الشبهات؛ خوف الوقوع في.."

هذا يقدم على كل تفسير لو صح، لكنه لم يصح.

أحسن الله إليك.

"والورع تجنب الشبهات خوف الوقوع في المحرم، وقيل: ترك ما يريبك، ونفي ما يعيبك، وقيل: الأخذ بالأوثق، وحمل النفس على الأشق، وقيل: النظر في المطعم واللباس، وترك ما به باس، وقيل: تجنب الشبهات، ومراقبة الخطرات."

والفرق بين الزهد والورع أن الورع عن الشيء قبل حلوله في يدك، والزهد فيه إنما يكون بعد حصوله عندك تتورع عن اقتنائه وتحصيله وتزهد فيه، وتزهد فيما حصل بيدك منه.

أحسن الله إليك.

"عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول- وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه-: «إن الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهات»، ويروى «مشبَّهات» بضم الميم وتشديد الموحدة، «ومشْبَهات» بضمها أيضًا وتخفيف الموحدة، «لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ» بالهمزة من البراءة أي حصل له البراء من الذم الشرعي، وصان عرضه من ذم الناس، «لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام».

 أي يوشك أن يقع فيه، وإنما حذفه؛ لدلالة ما بعده عليه؛ إذ لو كان الوقوع في الشبهات وقوعًا في الحرام لكانت من قسم الحرام البيِّن، وقد جعلها قسمًا برأسه، وكما يدل له التشبيه بقوله: «كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». متفق عليه.

 أجمع الأئمة على عظم شأن هذا الحديث، وأنه من الأحاديث التي تدور عليها قواعد الإسلام، قال جماعة: هو ثلث الإسلام، فإن دورانه عليه، وعلى حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وعلى حديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، قال أبو داود: إنه يدور على أربعة، هذه ثلاثة والرابع حديث: «لا يؤمِن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وقيل: الرابع حديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس».

 وقوله: «الحلال بيِّن»."

عمدة الدين عندنا كلمات

 

 

 

 

أربع من قول خير البرية

 

 

اتق الله وازهد ودع ما

 

 

 

ليس يعنيك واعملن بنية

 

 

هذا ابن المفوز أبو طاهر بن المفوز، وذكره الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين.

طالب: .........

الورع بلا شك أنه أوجب.

أحسن الله إليك.

"وقوله «الحلال بيِّن» أي قد بيَّنه الله ورسوله إما بالإعلام بأنه حلال نحو: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} [سورة المائدة:96] الآية، وقوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} [سورة الأنفال:69]، أو سكت عنه تعالى ولم يحرمه فالأصل حله، أو بما أخبر عنه رسوله -صلى الله عليه وسلم- بأنه حلال أو امتن الله تعالى به ورسوله فإنه لازم حله."

لأن الله لا يمتن بمحرم.

أحسن الله إليك.

"قوله «والحرام بيِّن» أي بينه الله تعالى لنا في كتابه."

وقد يمتن الله -جل وعلا- بشيء محرم من وجه، لكنه حلال من وجوه {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا} [سورة النحل:8]، هذا امتنان، لكن هل مقتضى ذلك أن يكون أكلها أكل الحمر لاسيما الحمر حلال؟

لا، إنما هي للركوب امتن بها من هذه الحيثية.

أحسن الله إليك.

"قوله «والحرام بيِّن» أي بينه الله تعالى لنا في كتابه أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- نحو: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [سورة المائدة:3]، أو بالنهي عنه نحو: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [سورة البقرة:188]، ونحوه، والإخبار عن الحلال بأنه بيِّن إعلام بحل الانتفاع، إعلام بحل الانتفاع به في وجوه النفع، كما أن الإخبار بأن الحرام بيِّن إعلام باجتنابه.

 وقوله: «وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس» المراد بها التي لم يُعرَف حلها ولا حرمتها، فصارت مترددة بين الحل والحرمة عند الكثير من الناس، وهم الجهال، فلا يعرفها إلا العلماء، فلا يعرفها.."

وقد يلتبس بعضها على بعض أهل العلم وتكون بينة عند بعض.

أحسن الله إليك.

"فلا يعرفها إلا العلماء بنص، فما لم يوجد فيه شيء من ذلك اجتهد فيه العلماء، وألحقوه بأيهما بقياس أو استصحاب أو نحو ذلك، فإن خفي دليله فالورع تركه، فالورع تركه، ويدخل تحت: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ»، أي أخذ بالبراءة لدينه وعرضه، فإذا لم يظهر للعالم دليل تحريمه ولا حله فإنه يدخل في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، فمن لا يثبت للعقل حكمًا يقول: لا حكم فيها بشيء؛ لأن الأحكام شرعية، والفرض أنه لم يعرف فيها حكم شرعي، ولا حكم للعقل، والقائلون بأن العقل حاكم لهم في ذلك ثلاثة أقوال: التحريم، والإباحة، والوقف."

يعني في الأعيان المنتفَع بها يقولون: يؤخذ الحكم من العقل؛ إذ لا نقل، طيب كيف نأخذ الحكم من العقل؟ يختلفون في هذا الحكم، منهم من يقول: التحريم؛ لأنها ملك لله، ولا يجوز استعمال ملك الغير إلا بإذنه، ولا إذن، والذي يقول بالإباحة يقول: نعم هي ملك لله، لكنه لا يتضرر باستعمالها بحال، وموجود بين المخلوق ما يتداوله الناس من استعمال لأملاك غيرهم، ولا يرون بذلك بأسًا؛ لأنهم لا يتضررون. لو جئت وواحد مستظل بجدارك تقول له: قم؟ أنت لا تتضرر، ولا عليك نقص، أو مستصبح بنارك، نعم إذا تضررت، أو جلس عند الباب كل ما فتح الباب التفت فأنت متضرر، لكن المسألة مفترضة فيما لا يتضرر به المخلوق، هذا لا يتأثر به، ولا يمنعه، ومنهم من وقف يقول: حتى يرد الدليل نقف لا نحرم ولا نحلل، فالتحريم حكم، والتحليل حكم، وكلاهما يحتاج إلى دليل.

أحسن الله إليك.

"وإنما اختلف في المشتبهات هل هي مما اشتبه تحريمه أو ما اشتبه بالحرام الذي قد صح تحريمه؟

رجح المحققون الأخير، وإنما اختُلف في المشتبهات هل هي مما اشتبه تحريمه أو ما اشتبه بالحرام الذي قد صح تحريمه رجح المحققون الأخير، ومثَّلوا ذلك بما ورد في حديث عقبة بن الحارث الصحابي الذي أخبرته أمة سوداء بأنها أرضعته، وأرضعت زوجته، فسأل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال له -صلى الله عليه وسلم-: «كيف وقد قيل؟!»."

فصارت شبهة، صارت شبهة، والشبهة يجب اتقاؤها، ومنه ما جاء في قصة عبد بن زمعة، أخي سودة، حينما تداعاه عتبة هل هو ولد لعتبة أو ولد لزمعة؟ فحكم به النبي -عليه الصلاة والسلام- للفراش، وأنه ولد على فراش زمعة، فقال: «هو لك يا عبد بن زمعة» يعني أخًا، «واحتجبي منه يا سودة»؛ لأنه به شبه بيِّن بعتبة، «احتجبي منه يا سودة» فهذا الشَّبه أوجد شُبهة.

أحسن الله إليك.

"فقد صح تحريم الأخت من الرضاعة شرعًا قطعًا، والتبست عليه زوجته بهذا الحرام المعلوم، ومثله التمرة التي وجدها -صلى الله عليه وسلم- في الطريق فقال: «لولا أني أخاف أنها من الزكاة أو من الصدقة لأكلتها»، فقد صح تحريم الصدقة عليه، فقد صح تحريم الصدقة عليه، ثم والتبست."

ثم التبست.

أحسن الله إليك.

"فقد صح تحريم الصدقة عليه، ثم التبست هذه التمرة بالحرام المعلوم، وأما ما التبس هل حرمه الله علينا أم لا؟ فقد وردت أحاديث دالة على أنه حلال، منها: حديث سعد بن أبي وقاص: «إن من أعظم الناس إثمًا في المسلمين من سأل عن شيء لم يُحرَّم فحُرِّم من أجل مسألته»، فإنه يفيد بأنه كان قبل سؤاله حلالاً، ولما اشتبه عليه سأل عنه فحرم من أجل مسألته، ومنها حديث: «ما سكت الله عنه فهو مما عفي عنه»، له طرق كثيرة، ويدل له قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} [سورة الأعراف:157]، فكل ما كان طيبًا، ولم يثبت تحريمه فهو حلال، وإن اشتبه علينا تحريمه، والمراد بالطيب ما أحله الله تعالى على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو سكت عنه، والخبيث ما حرمه، وإن عدته النفوس طيبًا كالخمر، فإنه أحد الأطيبين في لسان العرب في الجاهلية.

 قال ابن عبد البر: إن الحلال الكسب الطيب وهو الحلال المحض، وإن المتشابه عندنا في حيِّز الحلال؛ بدلائل ذكرناها في غير هذا الموضع، ذكره صاحب تنضيد التمهيد في الترغيب في الصدقة، نقله عنه السيد محمد بن إبراهيم الوزير، وقد حققنا أنه من قسم الحلال البيِّن في رسالتنا المسماة القول المبين.

 وقال الخطابي: ما شككت فيه فالأولى اجتنابه، وهو على ثلاثة أحوال: واجب، ومستحب، ومكروه، فالواجب اجتناب ما يستلزم المحرم، والمندوب اجتناب معاملة من غلب على ماله الحرام، والمكروه اجتناب الرخصة المشروعة. انتهى.  قال في الشرح: وقد ينازَع في المندوب، فمنه إذا كان الأغلب الحرام فالأولى أن يكون واجب الاجتناب، وهو الذي بنى عليه الهادوية في معاملة الظالم فيما لم يُظَن تحريمه؛ لأن الذي غلب عليه الحرام يُظَن فيه تحريم. انتهى. وقد أوضحنا هذا في حواشي ضوء النهار. وقسَّم الغزالي الورع أقسامًا.."

قف على هذا، قف على هذا..

أحسن الله إليك.

طالب: .........

التمرة؟

 هذا ورع منه -عليه الصلاة والسلام-.

 

اللهم صل على محمد...