تنقيح الأنظار في معرفة علوم الآثار (25)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال- رحمه الله تعالى- في تنقيح الأنظار "العنعنة قال هي مصدر عنعن الحديث إذا رواه بلفظ: (عن) بأن كانت صيغة الأداء (عن) عن فلان.

معنعن كعن سعيد عن كَرَم

 

 

 

...............................

 

"إذا رواه بلفظ عن من غير بيان للتحديث والسماع" صيغ الأداء كثيرة سمعت وحدثني وأخبرني وعن فلان وقال فلان وأن فلانا صيغ كثيرة على كل حال، فإذا روى الراوي بعن قلنا هذا السند معنعن "من غير بيان للتحديث والسماع واختلفوا في حكمها فالذي عليه العمل وهو الصحيح الذي عليه الجماهير من أئمة العلم أنه من قبيل الإسناد المتصل بشرط سلامة الراوي من التدليس" أما إذا كان مدلسا فإنه لا بد أن يصرح بالسماع أو التحديث "وبشرط سلامة الراوي من التدليس وبشرط ثبوت ملاقاة الراوي لمن رواه عنه بالعنعنة" وهذا هو الشرط المعروف عن الإمام البخاري.

وصححوا وصل معنعن سلم

 

 

 

من دلسة راويه واللقا علم

 

وصححوا وصل معنعن سلم

 

 

من دلسة راويه واللقا علم

 

"وبشرط ثبوت ملاقاة الراوي لمن رواه عنه بالعنعنة قال ابن الصلاح وكاد ابن عبد البر يدّعي إجماع أئمة الحديث على ذلك قال الزين العراقي رحمه الله لا حاجة إلى قوله كاد فقد ادعاه" ادعى الاتفاق على توافر الشرطين للحكم بالاتصال، "لا حاجة إلى قوله كاد فقد ادعاه وادعى أبو عمرو الداني إجماع أهل النقل على ذلك لكنه زاد شرطا وهو أن يكون الراوي معروفا بالرواية لمن روى عنه" يعني لا يكفي أن يكون روى عنه مرة أو مرتين حتى يكون معروفا بالرواية عنه، "لكن قد يظهر عدم اتصاله بوجه آخر كما في الإرسال الخفي كما سيأتي" الفرق بين الإرسال الخفي والإرسال الظاهر الإرسال الظاهر إن حملناه على معناه الخاص وهو ما يرفعه التابعي إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا يعرفه كل طالب علم يعاني مثل هذا ويعرف طبقات الرواة، وإذا قلنا الإرسال معناه العام وهو الانقطاع فهو ظاهر أيضا، لكن الإرسال الخفي هو رواية الراوي عمن عاصره ولم يثبت لقاؤه له بصيغة موهِمة كعن، أما إذا ثبت لقاؤه له أو سماعه منه فإن هذا تدليس وليس من باب الإرسال الخفي على ما سيأتي في الفرق بينهما، قال "وما ذكرناه من اشتراط ثبوت اللقاء وهو مذهب ابن المديني والبخاري وغيرهما من أئمة هذا العلم" مذهب علي بن المديني والبخاري وغيرهما من أئمة هذا العلم وقلنا إن هذا متفق عليه بين أهل العلم، لا  يوجد أحد نفى أن يكون هذا شرط البخاري إلا من جاء متأخرا، وللإمام ابن رُشيد رسالة في الباب اسمها السَّنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن قال "وأنكر مسلم في خطبة صحيحه اشتراط ذلك وادعى أنه قول مخترع لم يسبق لم يسبق قائله إليه وأن الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا أنه يكفي في ذلك كونهما في عصر واحد قال ابن الصلاح وفيما قاله مسلم نظر" في الجواب الذي في أول الدرس قلنا إن مسلما أنكر وشنّع على من اشترط، نعم مذهبه الاكتفاء بالمعاصرة ومذهب جمع غفير من أهل العلم وعليه العمل عند المتأخرين ولا إشكال في هذا، لكن يبقى مسألة الجزم بنفي اشتراط البخاري للقاء، اشتراط علي بن المديني كما استفاض عنهما وتوارثه الأئمة لا وجه له، وأما الاستدلال بكون الإمام مسلم قال إن هذا قول مخترع وصاحبه مبتدع نقول لا، هو لا يريد البخاري ولا يريد مسلما، يريد مبتدعا في عصره أراد أن يجيِّر قول البخاري وعلي بن المديني لتأييد بدعته ونصر قوله الباطل الذي يريد منه رد السنة، أما من احتاط للسنة واحتاط للحديث فإن هذا لا يرد عليه كما نظّرناه برد عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، وقلنا إن المبتدعة استغلوا مثل هذا الخبر في رد السنة، وإذا رددنا على أبي علي الجبّائي أو أبو الحسين البصري حينما يشترطون ذلك فإننا لا نرد على عمر رضي الله عنه الذي يحتاط للسنة، وإذا رددنا على هذا المخترع هذا المبتدع الذي يريد رد السنة فإننا لا نرد بذلك على الإمام البخاري، "قال الزين وذهب بعضهم" عرفنا أن الزين هو الحافظ العراقي رحمة الله زين الدين "ذهب بعضهم إلى أن الإسناد المعنعن من قبيل المرسل والمنقطع قلت وهذا هو اختيار أبي طالب في عنعنة الصحابي" أبو طالب من أئمة الزيدية لأن الكتاب لابن الوزير اليماني وهو ما يسلم من شوب التزيّد، "وهو اختيار أبي طالب في عنعنة الصحابي وكذلك الشيخ الحسن وقال المنصور بالله وهؤلاء كلهم منهم هو يحتمل الاتصال أو الإرسال وكلامه كله إنما رسموه في حق الصحابي" الصحابي إذا قال عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو افترضنا أن فيه سقط فإنما يكون من قبيل مرسل الصحابي وهو حجة عند عامة أهل العلم خلافا لأبي إسحاق الإسفراييني، ونقل بعضهم عليه الإجماع ولم يلتفت إلى خلافه، "فإن قلت وما الفرق بين الصحابي وغيره قلت الفرق أنه لم يثبت عن الصحابة أن ذلك يفيد السماع وأما من ثبت أنه يفيد السماع من جماهير المحدثين فإنه يكون مفيدا لذلك في حقه مثلما أن المتأخرين لما استعملوا العنعنة بالإجازة وصار ذلك عرفا لهم لم نحكم فيها بالسماع في حقهم فالحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية" يعني إذا قال المتأخرون أن حكم عن الاتصال فإننا نحملها على السماع لكن لم يثبت مثل هذا عن الصحابة، لكن هل ثبت عن الصحابة نفي الاتصال بالرواية بعن؟ ما ثبت عنهم لا نفي ولا إثبات فكيف نقول أنها لا تفيد الاتصال بالنسبة للصحابة وتفيد الاتصال بالنسبة لغيرهم؟ هذا قول مردود "وأما من ثبت أنه يفيد السماع من جماهير المحدثين فإنه يكون مفيدا لذلك في حقه مثلما أن المتأخرين لما استعملوا العنعنة في الإجازة وصار ذلك عرفا لهم لم نحكم فيها بالسماع في حقهم فالحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية" يعني كثر استعمال عن في الإجازة في العصور المتأخرة، لكن هل يعني أنها يُحكم بانقطاعها وأنها لا تفيد السماع؟

وكثر استعمال (عن) في ذا الزمن

 

 

 

إجازة وهي بوصل ما قمن

 

يعني حرية وجديرة بالوصل، لكن لا يلزم من كونهم استعملوها في الإجازة ألا تستعمل في السماع؟ لا يلزم من ذلك، كما أن الصحابي أو الصحابة الذين لم ينصوا على أنها تفيد السماع لا يلزم من كونها لا تفيده، "فالحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية" لأنها أخص "ولا ينبغي أن يكون في في هذا خلاف وإنما يكون الخلاف في حق من لم يثبت عنه نقل في ذلك من الصحابة والتابعين والفقهاء الأصوليين والقليل من المحدثين ومما اختُلف فيه إذا قال الراوي أن فلانا قال هو كالعنعنة وهو قول مالك وحكى ابن عبد البر في التمهيد عن الجمهور أنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ يعني لا فرق بين عن وقال وأنّ، "لا اعتبار بالحروف والألفاظ وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة قال "قال الزين يعني السلامة من التدليس فإذا سلم الراوي من التدليس وعُرف بلقاء من روى عنه أو عاصره على القول الآخر فإنه يُحمل على الاتصال سواء قال قال فلان أو عن فلان أو أنّ فلانا قال، وحكى ابن عبد البر عن بعضهم أن حرف أنّ محمول على الانقطاع حتى يتبين السماع من جهة أخرى وضعفه ابن عبد البر محتجًّا بالإجماع على أن مثل ذلك يفيد الاتصال في حق الصحابة قلت الإجماع غير مسلم في حق الصحابة خاصة وقال أحمد بن حنبل ليس أنّ وعن سواء" هذا ما قرره ابن الصلاح في مقدمته فنسب إلى أحمد ويعقوب بن شيبة إلى أنّ (أنّ) تختلف عن (عن) فأنّ محمولة على الانقطاع، وعن محمول على الاتصال، وذكرنا خبر محمد بن الحنفية الذي يرويه عن عمار أو أنّ عمارا  فقال عن عمار متصل؛ لأنه يروي القصة عن صاحبها، وإذا قال أنّ عمارا فهو منقطع؛ لأنه يروي قصة لم يشهدها وليس مرد ذلك في الحقيقة إلى الصيغة وإنما مرده إلى حقيقة الأمر فإذا روى عن صاحب القصة تبين اتصالها، وإذا روى القصة التي لم يشهدها عرفنا أنه يحكي شيئا لم يشهده ولم يحضره "قال الزين لأن قول التابعي عن عائشة يفيد الإسناد إليها وقوله أنّ عائشة قالت لا يفيد ذلك فلعله استفاد من غيرها أنها قالت أو فعلت قال ابن الصلاح والزين وأما في الأعصار الأخيرة فقد صارت العنعنة مستعملة في الإجازة دون السماع فافهم" استعملوها في الإجازة وقلّ السماع ندر السماع في العصور المتأخرة وصارت الإجازة هي المستعملة والسائدة بين كثير من طلاب الحديث "دون السماع فافهم ذلك ولكنه لا يخرج الحديث من الاتصال بنوع الوصل لأن حكم الإجازة الوصل لا القطع عند كثير من أهل العلم" الذي اعتمده المتأخرون أن الإجازة يروى بها وتصح الرواية بها وإن كان لم يسمع الحديث من لفظ الشيخ ولم يقرأه على الشيخ، لكن العلماء أجازوها بضرب من التساهل لتستمر سلسلة الإسناد لاسيما وأن أثر الرواية في العصور المتأخرة صار ضعيفا، مجرد إبقاء سلسلة الإسناد ولا يترتب عليه تصحيح ولا تضعيف لأن الأحاديث ضبطت ودونت في المصنفات فما الذي يفيده رواية من يجيء بعد عصر الرواية بقرون فيروي حديثا في صحيح البخاري أو يروي حديثا في صحيح مسلم أو في غيرهما من الكتب، والكتب مضبوطة ومدونة ونسبتها إلى مؤلفيها قطعية، يعني ما الذي يفيد أنه حديث في صحيح البخاري افترض في طريقك إلى البخاري عشرة من الضعفاء يضعف الحديث؟ ما يضعف الحديث، أو في طريقك إلى حديث ضعيف في ابن ماجه عشرة من الثقات هل يتقوى الحديث بذلك؟ لا ينفعه ولا يضيره إنما بقي الاهتمام بالرواية من أجل إبقاء هذه الخصيصة لهذه الأمة، سلسلة الإسناد التي لا يشركها فيها غيرها من الأمم.

 

والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.