معالم في طريق طلب العلم

تاريخ النشر: 
خميس 04/ صفر/ 1436 11:30 م
تصنيف المحاضرة: 
طلب العلم

محاضرة صوتية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالموضوع موضوع في غاية الأهمية، وهو من السعة والطول بحيث لا يمكن أن يحاط به في محاضرة، بل ولا في دورة، وترددت كثيراً من أين أبدأ؟ وكيف أبدأ؟ هل أنقل لكم ما قاله الله -جل وعلا- في فضل هذا العلم، وما ذكره، وما نقل عن رسوله -عليه الصلاة والسلام-، وما ثبت عن سلف هذه الأمة في هذا الباب، أو أنقل لكم تجارب في هذا العلم، صدرت ممن عانى هذا العلم، وتعب في تحصيله، المقصود أنني اجتهدت فذكرت -أو سأذكر لكم- إن شاء الله تعالى بعض النصوص التي تدل على فضل هذا العلم، والمراد بهذا العلم، مما يشحذ همة طالب العلم، وأذكر لكم -إن شاء الله تعالى- على سبيل الإجمال والاختصار الشديد بعض المعالم التي هي عنوان المحاضرة، وما ينبغي لطالب العلم أن يصحبه في هذه الرحلة المباركة، وهي طلب العلم الشرعي الشريف.  

من النصوص التي جاءت في فضل العلم ما قال المولى -جل وعلا-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [(11) سورة المجادلة] درجات، ما هذه الدرجات التي يرتفع بها أهل العلم على من سواهم؟ وهذه الدرجات لا شك أنها متفاوتة، فلكل عالم منها نصيبه، فمنهم من يحوز منها أعلى الدرجات، ومنهم من هو دون ذلك، ومن أعظم ما يستدل به على فضل العلم مما أطنب ابن القيم -رحمه الله تعالى- في بيانه وشرحه وتوضيحه في كتابه العظيم (مفتاح دار السعادة) قوله -جل وعلا-: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [(18) سورة آل عمران] يمر بها الطالب يقرأها، ويمر بها الكبير والصغير ولا تحرك ساكناً هذه الآية، وهي آية عظيمة في فضل العلم وأهله {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [(18) سورة آل عمران] يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "استشهد سبحانه بأولي العلم على أجلّ مشهود، وهو توحيده، وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه" ثم ذكر هذه الوجوه، أوردها باختصار شديد؛ لأنه أطنب -رحمه الله تعالى- كعادته إذا سال واديه في أي مسألة -رحمة الله عليه- حتى يملأ الخوابي، ويبلغ الروابي -رحمة الله عليه-، وبالمناسبة، وقبل أن نفوّت هذه المناسبة ينبغي لطالب العلم أن يعنى بكتب هذا الإمام المحقق -رحمة الله عليه-.

الوجه الأول: استشهادهم دون غيرهم من البشر، استشهادهم على أجل مشهود عليه، استشهادهم على هذا الأمر العظيم دون غيرهم من البشر.

والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته -جل وعلا-.

والأمر الثالث: اقتران شهادتهم أيضاً بشهادة ملائكته.

والرابع: أنه في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، من أي وجه؟ الشهادة إنما يطلب لها العدول، يعني لو شهد شخص على أدنى شيء من حطام الدنيا طلبت تزكيته وتعديله، فكيف بمن يشهد على أجل مشهود عليه؟ فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، ومنه الأثر المعروف عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا كلام بن القيم-: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)) يقول: الأثر المعروف مختلف في ثبوته، وممن أثبته الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) فابن القيم أخذ من الآية تزكية أهل العلم وتعديلهم، واستشهد بهذا الحديث الذي هو عمدة ابن عبد البر في تعديل أهل العلم، وأن كل من عرف بحمل العلم فهو عدل، ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) يعني العدول الثقات هم الذين يحملون هذا العلم، والحديث مختلف في ثبوته؛ لكن ممن أثبته الإمام أحمد، فعلى افتراض ثبوت هذا الخبر هل يدل على ما أدعاه بن عبد البر؟ بن القيم -رحمه الله- استشهد به على دلالة الآية؛ لكن يدّعي ابن عبد البر -رحمة الله عليه- أن كل من يحمل العلم فهو عدل، فهل الواقع كذلك أو لا؟ هل يوجد في واقع الناس على مر العصور من يحمل العلم الشرعي وهو غير عدل؟ يوجد ولا ما يوجد؟ إذاً كيف يقول ابن عبد البر من عُرف بحمل العلم فهو عدل؟ يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:

قلت: ولابن عبد البر كل من عُني
فهو عدل بقول المصطفى

 

بحمله هذا العلم ولم يُوهّنِ
يحمل هذا العلم لكن خولفا

خولف ابن عبد البر في هذه الدعوة؛ لأنه وجد في الواقع من يحمل شيئاً من العلم الشرعي، بل قد يكون من أعلم الناس، وأشدهم استحضاراً للمسائل العلمية؛ لكنه غير عدل، يعني يوجد من يحمل هذا العلم من الفساق ممن يخالف عمله قوله، يعني على ثبوت هذا الحديث كيف نجيب عنه؟ هل هذا خبر بمعنى الخبر الذي لا يختلف، بل لا بد أن يطابق الواقع؟ أو أن هذا وإن كان لفظه لفظ الخبر فالمراد به الأمر؟ فيكون الحديث والخبر حث للثقات العدول على حمل العلم، بحيث لا يترك مجال للفساق بأن يكون لهم موقع بين أهل العلم بدليل ما جاء في بعض طرقه بلام الأمر: (ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله) ونظير ذلك: ((ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى)) هل في الخبر طرد للصغار أو حث للكبار على أن يتقدموا بحيث لا يتركون مجالاً للصغار أن يلوا الأئمة؟ نعم، يوجد في الواقع من ينتسب إلى العلم من عنده مخالفات شرعية، على أنه يمكن أن يقال: أن العلم الشرعي لا يحمله إلا العدول الثقات، وإنما يحمله بعض من عندهم مخالفات أو فسق لا يسمى علم شرعي؛ لأنه وإن استحضر مسائل علمية في أدلتها، وعرف مظانها، وفهمها على وجهها، إلا أنها في الحقيقة ليس بعلم؛ لأن العلم إنما هو ما نفع، العلم إنما هو ما ينفع، وما يوصل إلى مرضات الله -جل وعلا-، أما مجرد معرفة المسائل العلمية مع مخالفتها هذا وبال على صاحبها، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا في الحقيقة ليس بعلم، العلم إنما هو ما نفع.

نعود إلى كلام ابن القيم في استشهاد العلماء بالآية، يقول:

الخامس: أن الله وصفهم بكونهم أولي العلم، وهذا يدل على اختصاصهم به، وأنهم أهله وأصحابه، ليس بمستعار لهم، يعني إذا قلنا للطبيب: عالم، وقلنا للمهندس: عالم، وقلنا للمزارع: عالم في فنه، وقلنا للصانع: عالم؛ لكن من يقول الله -جل وعلا- عنه عالم، هذه هي الحقيقة التي حث عليها في كتابه، وعلى لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام-، فالله -سبحانه وتعالى- وصفهم بكونهم أولي العلم، وهذه هي الحقيقة الشرعية للعلم. السادس: أنه -سبحانه وتعالى- استشهد بنفسه، وهو أجل شاهد، ثم بخيار خلقه، وهم ملائكته، والعلماء من عباده، ويكفيهم بهذا فضلاً وشرفاً.

والسابع: أنه استشهد بهم على أجل مشهود به، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، واستشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم، لا شك أنه إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم، لو كان لك مبلغ يسير على شخص تأتي إلى علية القوم يشهدون لك، تذهب بهم إلى المحاكم وتحضرهم، وتأخذ مواعيد من القضاة، وترددهم على أمر يسير؟ لا، إنما يطلب مثل هؤلاء، الملأ، علية القوم، يطلبون للأمور الكبيرة، ولا شك أنك تفضل ترك ما لك من حق على استشهاد مثل هؤلاء الكبار، إذا كان شيئاً يسيراً.

يقول الثامن: "أنه سبحانه جعل شهادتهم حجة على المنكرين، فهم بمنزلة أدلته وبراهينه الدالة على توحيده" جعل شهادتهم حجة على المنكرين، يعني من أنكر الربوبية، من أنكر الألوهية من يشهد عليه؟ يشهد عليه من أُثبتت شهادته في هذه الآية.

التاسع: أنه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة منه، ومن ملائكته، ومنهم، يعني من أهل العلم، أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة، {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [(18) سورة آل عمران] فهي شهادة واحدة على مشهود به واحد، وإن كان للخالق ما يخصه، وللمخلوق ما يخصه، لم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته، ما قال: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهد ملائكته، وشهد العلماء؟ لا، وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته، فكأنه سبحانه شهد لنفسه بالتوحيد على ألسنتهم، وأنطقهم بهذه الشهادة، فكان هو الشاهد بها لنفسه إقامة، بمعنى أنه شهد هو بنفسه، وإنطاقاً وتعليماً، وهم الشاهدون بها له اقراراً واعترافاً وتصديقاً وإيماناً.

العاشر: "أنه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة يعني حق الله -جل وعلا- على العباد ما حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، هذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، أنه جعلهم مؤدين لحقه عند عبادة بهذه الشهادة، فإذا أدوها فقد أدوا الحق المشهود به، فثبت على الخلق الإقرار به، فكان ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وكل من ناله الهدى بشهادتهم، وأقر بهذا الحق بسبب شهادتهم فلهم من الأجر مثل أجره، هم بهذه الشهادة أقاموا هذا الحق، فمن عمل بهذا الحق يكون لهم من الأجر مثل أجر هذا الذي عمل بهذا الحق؛ لأنه الدال على الخير كفاعله، وهذا فضل عظيم لا يعرف قدره إلا الله -جل وعلا-، وكذلك كل من شهد بها عن شهادتهم، فلهم من الأجر مثل أجره أيضاً، فهذه عشرة أوجه في هذه الآية، وهذا يدلنا على أمر عظيم جداً، وهو عظم أجر من عني بهذه الشهادة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فبينها للناس، ودعاهم إليها، ووضحها، وكشف شبهات من نقضها، أو أتى بما يناقضها بقصد أو غير قصد، وبهذا تنال الإمامة بالدين اقتداءً بالأنبياء والرسل، وعلى رأسهم سيدهم نبينا محمد -عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم- الذي مكث في مكة ثلاثة عشرة سنة يقرر هذه العقيدة الصافية من خلال شهادة أن لا إله إلا الله، وسار على دربه أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين، وسلف هذه الأمة، ومن تبعهم على مر القرون، وأنتم من خلال سماعكم ومطالعتكم من نال الإمامة بالدين بغير الدعوة إلى هذه الشهادة الخالصة الصافية، وُجد من برز في العلوم كلها؛ لكن عنده شيء يخل بصفاء هذه الشهادة، لا يكتب له من نباهة الذكر واشتهار الأمر والاقتداء به مما يجعل أجره يجري مئات السنين بعد وفاته بقدر ما يناله من حقق هذه الشهادة، ودعا إليها من آخر من دعا إليها مع صفاء الدعوة على ما جاء عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام-، وجاهد دونها، وكشف شبهات من أراد أن أو أتى بما ينقضها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بدون حساب، وجمعنا به ووالدينا وجميع المسلمين في جنات النعيم.

من علامة التوفيق لطالب العلم وللعالم الاهتمام بهذه الشهادة، والدعوة إليها، وبيان ما يضادها وينقضها، والعناية بقراءة وإقراء الكتب التي تُعنى بها من كتب أئمة هذه الدعوة، وكتب من قبلهم من أئمة الإسلام من سلف هذه الأمة وأئمتها.

من الأدلة على فضل العلم والعلماء قوله -جل وعلا-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [(9) سورة الزمر] فنفى التسوية بينهم وبين غيرهم، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، هل هذا مجرد استفهام مطلوب جوابه؟ لا، هذا نفي للتسوية بين أهل العلم وبين غيرهم؛ لكن هذا النفي مقرون بأمر عظيم تقدمه فعلى طالب العلم أن يستحضر السبب الذي نفيت فيه هذه التسوية، وهو في صدر الأية، في صدر الآية يقول الله -جل وعلا-: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [(9) سورة الزمر] يعني هل يمكن فصل عجز الآية عن صدرها لا يعني سبب عدم أو نفي هذه التسوية ما اتصف به أهل العلم، مما أشير إليه في صدر هذه الآية، أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه خائفاً راجياً وجلاً، هذا هو المفضل على غيره، والله المستعان، وهذا يجرنا إلى أمر جاء في كتاب الله -جل وعلا- على سبيل الحصر للعلماء {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [(28) سورة فاطر] فالذي علمه لا يزيده من خشية الله -جل وعلا- فهذا في الحقيقة ليس بالعلم؛ لأنه على سبيل الحصر هل يستطيع أن يقول قائل: أن هذا حصر إضافي ليس بحصر حقيقي، والله -جل وعلا- يقول: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [(28) سورة فاطر] والنبي -عليه الصلاة والسلام- أخشى الناس وأتقاهم، فهل يوجد عالم لا يخشى الله -جل وعلا- بعد هذا الأسلوب الذي يقتضي الحصر فيهم، من شرف العلماء وفضلهم أن الله -جل وعلا- جعل أهل الجهل بمنزلة العميان، جعل الله -جل وعلا- أهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون، فقال تعالى: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [(19) سورة الرعد] فقابل الذي يعلم بالأعمى، العلم نقيض العمى وإلا نقيض الجهل؟ نقيض الجهل، فلما جعل العمى في مقابلة العلم صار الجهل عمى، إذا كان الذي يقابل العلم هو الجهل، وجُعل العمى مقابلاً للعلم إذاً الجهل عمى، قال ابن القيم: "فما ثم إلا عالم أو أعمى" وقد وصف الله أهل الجهل بأنهم صم بكم عمي في غير موضع، في أخلاق العلماء للآجري قال -رحمه الله-: فما ظنكم -رحمكم الله- بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء فما ظنكم -رحمكم الله- في طريق فيه آفات كثيرة، وادٍ مهلكة فيه سباع وهوام، ويحتاج الناس إلى سلوكه، يعني لا مندوحة لهم من سلوكه في ليلة ظلماء فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم فسلكوه على السلامة والعافية تصور وادٍ مهلكة فيها هوام، وفيه سباع، وفيه وحوش، في ليلة شديدة الظلام، وأنت مضطر إلى سلوكه، ثم يأتيك من بيده مصباح يمشي به بين يديك، هل له فضل عليك أو لا؟ أي فضل لهذا؟! يقول: "فقيض الله لهم فيه مصابيح لهم فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفأت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟! هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبد إلا ببقاء العلماء، كلام في غاية الوضوح، تصور جمع غفير من الناس، أو بلد كبير ليس به عالم، كيف يتعبد الناس، كيف يعبد الناس ربهم على مراده -جل وعلا-؟ يقول: "فإذا مات العلماء تحير الناس، ودرس العلم بموتهم، وظهر الجهل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مصيبة ما أعظمها على المسلمين..."إلى آخر كلامه -رحمه الله تعالى-.

من أعظم المصائب على هذه الأمة موت نبيها -عليه الصلاة والسلام- الذي لا يمكن أن يصل أحد إلى شيء من العلم إلا من طريقه -عليه الصلاة والسلام- لكنه تركنا على المحجة على البيضاء ليلها كنهارها، ترك فينا الكتاب والسنة، ولا شك أن موت العلماء وكل بحسب نفعه للأمة، بحسب نفعه وما يقدمه من نفع متعدي، فجيعة موت العلماء فاجعة، وثلمة في الدين لا تسد، وأدركتم شيء من هذا بموت بعض العلماء الراسخين في هذه البلاد وفي غيرها، تركوا ثلمة لا تسد، ولا شك أن الخير موجود في أمة محمد، وهذه البلاد -ولله الحمد- محط أنظار العالم كله، وفيها من العلماء العاملين، فيها العباد والزهاد، وفيها الدعاة والقضاة، والخير موجود، وطلاب العلم لا يحصرهم عدد -ولله الحمد-، وجلهم -ولله الحمد والمنة- على الجادة، والله المستعان.

ومن شرف العلماء أن الله -جل وعلا- أمر بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم، فقال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [(43) سورة النحل] وأهل الذكر هم أهل العلم بما أنزل الله على أنبيائه، والذكر يدخل فيه دخولاً أولياً القرآن {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ}[(9) سورة الحجر] المراد به القرآن، وليس في هذا مستمسك لما يروجه بعض المتصوفة أن الذين يُسألون هم أهل الأفكار المبتدعة من شيوخهم، يقول قائلهم: الله -جل وعلا- ما قال: اسألوا أهل العلم، قال: اسألوا أهل الذكر، يقول: ما المراد بالذكر؟ فالله -جل وعلا- يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ}[(9) سورة الحجر] ما هذا الذكر؟ هو القرآن، فالذي يسأل هم أهل القرآن الذين عنوا بكتاب الله -جل وعلا- حفظاً وقراءة وتعلماً وتعليماً وتدبراً وتفقهاً هم العلماء العاملون.

ومن ذلك أن الله -جل وعلا- سلا نبيه بإيمان أهل العلم به، وأمره أن لا يعبأ بالجاهلين، فقال -جل وعلا-: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} [(106) سورة الإسراء] {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا} جهال {آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً}[(107- 108) سورة الإسراء] إذا آمن أهل العلم الجهال لا تعبأ بهم، فالله -جل وعلا- سلا نبيه بهذا، يقول بن القيم: "وهذا شرف عظيم لأهل العلم، وتحته أن أهله العالمون قد عرفوه، وآمنوا به، وصدقوه، فسواء آمن به غيرهم أم لا".

ومن ذلك أن الله -سبحانه وتعالى- مدح أهل العلم، وأثنى عليهم وشرفهم بأن جعل كتابه آيات بينات في صدورهم، وهذه خاصة ومنقبة لهم دون غيرهم، فقال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ} [(49) سورة العنكبوت] فالذي ليس في صدره شيء من القرآن هل يمكن أن يقال: أنه من أهل العلم؟ {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [(49) سورة العنكبوت] الذي ليس بجوفه شيء من القرآن ليس من أهل العلم قطعاً؛ لكن أهل العلم يقررون في أبواب الاجتهاد من كتب الأصول أنه لا يلزم حفظ القرآن كاملاً للاجتهاد، والاجتهاد علم المجتهد هو العالم الحقيقي؛ لكنه يقبح ممن يتصدى لإقراء الناس وإفتاءهم وتعليمهم ألا يكون حافظاً لكتاب الله -جل وعلا- نعم قد يكون بعض الناس لا تسعفه الحافظة، لا سيما إذا كان انتباهه لحفظ القرآن متأخراً، قد لا تسعفه حافظته للحفظ، عليه أن يحرص، أن يحفظ ما يستطيع من حفظه، وإن لم يستطع الحفظ كاملاً فعليه أن يديم النظر في هذا الكتاب العظيم على الوجه المأمور به، ويحرص على قراءته بالتدبر والترتيل، وحينئذ يورثه ذلك من العلم واليقين والإيمان ما لا يدركه إلا من فعل فعله، كما يقول شيخ الإسلام بن تيمية، وإذا أدام النظر في هذا الكتاب العظيم، وقرأه على الوجه المأمور به، واستنبط منه، وفهمه، وعمل بما علم منه صار من أهله، الذين هم أهل الله وخاصته، يقول بن القيم -رحمه الله تعالى- في زاد المعاد: "أهل القرآن هم العاملون به، وإن لم يحفظوه" لكن لا شك أن الحفظ شأنه عظيم الحفظ شأنه عظيم، ولا علم إلا بحفظ، من فضل العلم أن الله -جل وعلا- لم يأمر نبيه أن يسأله المزيد من شيء سواه، كما في قوله -جل وعلا-: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [(114) سورة طـه] وكفى بهذا شرفاً للعلم وأهله إلى غير ذلك من الآيات الشيء الكثير، ومن السنة أيضاً نصوص كثيرة جداً صحيحة صريحة في فضل العلم، وفضل أهله، الحث على طلبه مما ورد فيه قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة)) وجاء في الحديث: ((العلماء ورثة الأنبياء)) ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة)) في هذا بشارة عظيمة لمن يسلك هذا السبيل ويطلب العلم، ويستمر في الطلب، ولو لم يدرك منه شيئاً على حد زعمه، بعض الناس يبدأ بطلب العلم والمقومات قد تكون مستواها أقل، يكون ضعيف الحافظة، وضعيف الفهم، لم يوفق لسلوك جادة مختصرة لتحصيله، فينتقل من شيخ إلى آخر، ومن حلقة إلى أخرى، ويمضي سنة، سنتين، عشر سنوات، عشرين سنة، فإذا حاسب نفسه وجد أنه لم يدرك شيء يذكر، ثم هذا الإحساس يحمله على ترك التعلم، تسهيل طريق الجنة مربوط ببذل السبب، ولم يربط بالنتيجة، ابذل السبب، واسلك هذا الطريق، التمس العلم، نعم احرص على أن تحصل ما تستطيعه من علم؛ لكن إذا لم تدرك لست مطالب بالنتائج، وهذه من نعم الله -جل وعلا- على خلقه أن ربط الأجور ببذل الأسباب، طالب العلم يلتمس العلم ويسهل له به طريق إلى الجنة وإن لم يدرك، العالم يجلس للتعليم وأجره عند الله عظيم ولو لم يستفد منه طلابه، نعم يحرص على أن يفيد الطلاب؛ لكن جلس، وبذل الأسباب، ولم يستفد منه أحد، النبي يأتي وليس معه أحد، وليس في هذا عيب، الآمر الناهي الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر: ((من رأى منكم منكراً فليغره بيده، فإن لم يستطع...)) يبذل السبب لا يقول: والله أنا يائس من تغيير هذا المنكر، نقول: لا يا أخي أنت مأمور ببذل السبب، والنتائج بيد الله -جل وعلا-، فأنت يسهل لك طريق إلى الجنة، وإن لم تدرك ما تطمع فيه من علم، في الحديث الصحيح: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) والمراد بالفقه هنا جميع أبواب الدين، وعلى رأس ذلك الفقه الأكبر، والفقه العملي، وجميع أبواب الدين، مما يحتاج إليه طالب العلم، وكثير من طلاب العلم تجد حرصه على الفقه العملي؛ لكن الأبواب الأخرى كثير منها مهجور، ونصيبها لو استعرضنا الجداول، جداول الدروس يعني في الرياض على سبيل المثال حدود خمسمائة درس أسبوعي، تجد النصيب الأوفر للفقه، الأحكام العملية؛ لكن ما يخص العقائد أقل، وإن كان موجود -ولله الحمد-، ما يخص التفسير أقل، ما يتعلق بأمراض القلوب وعلاجها أقل، طالب علم يدرك يقول: يخشى أن يقرئ الناس أو يشرح للناس كتب الرقاق أن يصنف واعظ، ولا يصنف من أهل العلم، ما هذه الخشية؟ هذا من أعظم أبواب العلم، هب أن الناس تعلموا وفقهوا؛ لكن ما الذي يحدوهم إلى العمل؟ إلا مثل هذه الأبواب، فعلى طالب العلم وقبل ذلك على العالم أن تكون نظرته إلى العلم أشمل وأوسع، وأن يعلم الناس جميع أبواب الدين.

ما المراد بالعلم الذي ذكرنا فضله في النصوص؟ المراد به ما عظم شأنه في النصوص الشرعية إنما هو العلم الشرعي، المورث لخشية الله -جل وعلا- كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [(28) سورة فاطر] "أي إنما يخاف من الله -جل وعلا- من علم قدرته وسلطانه، وهم العلماء" قاله ابن عباس، يقول ابن القيم في مدارج السالكين: "الخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله، كما في الآية، فهي خوف مقرون بمعرفة" قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية)) ولا شك أن من كان بالله أعرف كان منه أخوف، وله أتقى، قد يقول قائل: هل الأولى أن يتجه الناس كلهم لتحصيل العلم الشرعي ويترك ما سواه من العلوم التي تنفع في أمور الدنيا؟ العلوم الدنيوية الأخرى النافعة مما يحتاجه المسلمون كالطب والهندسة والزراعة والصناعة وغيرها هذه كغيرها من الحرف حرفة من الحرف إذا طلبت بغير نية هي حرفة مما يكتسب به المال، إنما يؤجر الإنسان في طلبها بقدر نيته في تحصيلها، فإن نوى بها الاستغناء عن الخلق، وكفاية نفسه، وكفاية من يمون، هذا له أجر بهذه النية، وإذا نوى بها رفعة الأمة، وقوتها على أعدائها، وعدم احتياجها إلى غيرها من أعدائها أجر على ذلك أعظم، وهكذا هذه العلوم إن أورثت خشية الله -جل وعلا- وهذا موجود عند بعضهم لا سيما من وفق للتفكر والتأمل صار أجره أعظم يوجد في محيط الأطباء من قاده هذا العلم الدقيق إلى منزلة من الإيمان، قد لا يصل إليها كثير ممن تصدى لطلب العلم الشرعي؛ لكن طالب العلم الشرعي إذا امتثل بقوله -جل وتعالى-: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [(21) سورة الذاريات] حصل له من هذا ما هو أعظم لمعرفته للنصوص الشرعية؛ لكن هذه العلوم من طلبها للدنيا فقط أعني علوم الدنيا مما أشرنا إليه من طب وهندسة وزراعة وصناعة وغيرها من العلوم، من طلبها للدنيا فقط هذا لا يأثم، بخلاف العلوم الشرعية التي يبتغى بها وجه الله -عز وجل-، العلم الشرعي من أمور الآخرة المحضة التي لا يجوز التشريك فيها في طلبها، فضلاً عن أن تطلب بغير نية، أو رياء، أو سمعة، أو ليقال، وقد جاء التحذير من ذلك أشد التحذير، وأبلغ التنفير، ففي حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، منهم من تعلم العلم وعلمه، فقد يمضي عمره كله مائة سنة نصفها في التعلم، والنصف الثاني في التعليم ثم يكون بعد ذلك أحد الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، ماذا صنعت يا فلان؟ تعلمت العلم، وعلمته الناس، لا، إنما تعلمت ليقال، وقد قيل، ومثله المجاهد الذي يبذل نفسه ومهجته فيما يبدو للناس، ويظهر للناس أنه يقدمها لإعلاء كلمة الله -جل وعلا-، والأمر خلاف ذلك، إنما ليقال: شجاع، وثالثهم الذي يتصدق بالأموال الطائلة ليقال: جواد، والله المستعان.

يقول الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله تعالى- في ميميته في الوصية بالعلم وطلبه، وهي منظومة جدير بطالب العلم أن يحفظها، ويعنى بها، يقول -رحمه الله تعالى-:

ومن يكن ليقول الناس يطلبه

 

أخسر بصفقته في موقف الندمِ

فالإنسان عليه أن يتفقد هذه النية، فالنية شرود، يأتي ليطلب العلم ثم يغفل عن هذه النية فتشرد.

ومن يكن ليقول الناس يطلبه

 

أخسر بصفقته في موقف الندمِ

فليطلب العلم طالبه مخلصاً لله -عز وجل-، مبتغياً به وجه الله -جل وعلا- والدار الآخرة، وليحذر من المراءات والممارات، يقول الشيخ حافظ أيضاً -رحمه الله-:

إياك واحذر ممارات السفيه به

 

كذا مباهاة أهل العلم لا ترومِ

ليحذر طالب العلم أيضاً الكبر، يعني إذا كان ممن أوتي مزيد من حفظ، أو فهم لا يتكبر على غيره؛ لأن المتكبر يصرف عن الإفادة من العلم الشرعي، لا سيما ما يتعلق بالقرآن الكريم، الذي هو أصل العلوم، كلها كما قال -جل وعلا-: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}[(146) سورة الأعراف] المتكبر يصرف عن آيات الله، وبهذا رد مفتي حضرموت الشيخ عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف رد على من اتهم شيخ الإسلام بن تيمية بالكبر؛ لأن بعض من ترجم له نبزه بالكبر، شيخ الإسلام إمام من أئمة المسلمين، إمام علم وعمل وتواضع وتقوى ونشر للعلم وجهاد في سبيل الله، ويأتيك من ينبزه بمثل هذا، ماذا قال مفتي حضرموت عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف له محاضرة ألقاها في تحقيق الفرق بين العامل بعلمه وغيره، نفى الكبر عن شيخ الإسلام ابن تيمية، قد يكون ممن يختلف مع شيخ الإسلام في بعض الأمور؛ لكنها كلمة حق، نفى الكبر عن شيخ الإسلام ابن تيمية، واستند في نقض كلامه -كلام الذي ادعى هذه الدعوى- إلى أنه رأى القرآن على طرف لسانه، وأثلة قلمه، كيف يفسر القرآن لمثل هذا وفيه شيء من الكبر؟ وعلق الإمام البخاري عن مجاهد: "لا يتعلم العلم مستحيي ولا مستكبر" مستحيي بياءين "مستحيي ولا مستكبر" لا شك أن الذي يستحيي والمراد بالحياء الحياء العرفي لا الحياء الشرعي؛ لأن الحياء في الشرع خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير؛ لكن الحياء في عرف الناس الذي يمنع من تحصيل العلم، ويمنع من إنكار المنكر، ويمنع من توجيه الناس ونصحهم وإرشادهم مثل هذا مذموم، وحينئذ لا يدرك من العلم من اتصف بهذا الوصف، وهو الحياء الذي يمنعه، قد يجلس الطالب وفي نفسه أشياء مشكلة، فيستحيي أن يسأل الشيخ، وبلفظ آخر يخجل أن يسأل الشيخ، فتستمر هذه الإشكالات عنده، فكيف تنجلي هذه المشكلات إلا بالسؤال، "ولا مستكبر" قد يستكبر ويستنكف ويترفع على أن يسأل هذا السؤال بين الناس، ويظهر للناس أنه فوق مثل هذا السؤال، وبهذا يحرم العلم.

مما يتعين على طالب العلم الحذر منه العجب والإعجاب ورؤية النفس؛ ولا شك أن هذا من الأمراض المقيتة، فإذا كان الإنسان إذا أعجب بما أوتي من أمور الدنيا قد يعطى الإنسان من هذه الدنيا الشيء الكثير، ويستفيد منه في أمور دينه ودنياه؛ لكن متى يذم؟ إذا طغى، ومتى يطغى؟ {أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}[(7) سورة العلق] يعني إذا رأى أنه استغنى، وهنا طالب العلم إذا رأى أنه حصل ما يغنيه عن غيره، وأعجب بنفسه حينئذ يهلك إذا وصل إلى هذه المرحلة، فلا شك أنه وصل إلى مرض مزمن يحتاج إلى علاج قوي، ماحق لبركة العلم والعمل، يقول الشيخ حافظ -رحمه الله- في ميميته التي أشرت إليها:

والعجب فاحذره إن العجب مجترف

 

أعمال صاحبه في سيله العرمِ

طالب العلم ينبغي أن يتفقد القلب، والقلب لا يخفى عليكم أنه جميع الخطابات الشرعية جاءت موجه إلى ماذا؟ إلى القلب ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) ({يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [(88-89) سورة الشعراء] فالقلب على طالب العلم أن يعنى به، ويترفع عن هذه الأمراض والأدواء، أيضاً على طالب العلم أن يطرح الكسل، ويشمر عن ساعد الجد في الطلب، فإن العلم لا ينال براحة الجسد، نقله الإمام مسلم عن يحي بن أبي كثير، العلم لا يستطاع براحة الجسم، ما هو بتمني المسألة، وإلا كان كل الناس علماء، كل يعرف منزلة العلماء؛ لكن دونه خرط القتات، لا بد من الجد والاجتهاد، لا بد من ثني النفس وغسلها عن شهواتها، وما حصل أهل العلم ما حصلوا إلا بالسهر، إذا أراد الطالب سلوك هذا الطريق، بعد أن يبذل الأسباب، ويسعى في البراءة من هذه الموانع التي أشرنا إلى بعضها، يسلك أسباب التحصيل، ويبرأ من الموانع، فليسلك الجواد المعروفة عند أهل التحقيق من العلماء الراسخين، الذين يربون طلابهم على العلم النافع والعمل الصالح على الكتاب والسنة وعقيدة أهل السنة والجماعة، وفي هذه البلاد -ولله الحمد- العلماء العاملين الناصحين لهذه البلاد القدح المعلى، وهي أيضاً محط أنضار العالم كله في العلم والفتوى، وحينئذ يبدأ بمن يراه يفيده من الشيوخ؛ لأن الشيوخ مدارس، فالشيخ له طريقته ومنهجه في التعليم، قد يناسب هذا، وقد لا يناسب هذا، ثم ليتخير من المتون ما يناسب سنه وفهمه، من المتون المختصرة في العلوم المعتبرة عند أهل العلم في كل فن مقدم بين يدي ذلك حفظ كتاب الله -عز وجل-، ولو تفرغ في أول الأمر في حفظ القرآن الكريم كاملاً ثم طلب غيره من العلوم ليضمن حفظ القرآن؛ لأن من العلماء تختلف طريقتهم في هذا الأمر فأهل المشرق لهم طريقة، وأهل المغرب لهم طريقة، طريقة المغاربة يجعلون الطالب يحفظ القرآن كاملاً، ولا يدخل عليه شيء من الحفظ، فإذا انتهى من حفظه طلب غيره من العلوم، وإذا ضمن حفظ القرآن اتجه إلى الأمور الأخرى، أما المشارقة فطريقتهم تختلف في بداية الطلب يحفظون المتون الصغيرة، التي هي بمثابة اللبنة الأولى الأساس لهذا العلم، مع حفظ ما تيسر حفظه من المفصل، ثم يترقى الطالب إلى كتب الطبقة الثانية، ويزيد على ذلك من حفظ القرآن ما يناسب سنه، وهكذا حتى إذا انتهى من الطلب يكون قد حفظ القرآن كاملاً، وأدرك ما يحتاجه من علوم، وليحرص طالب العلم على كتاب الله -جل وعلا-، وما يعينه على فهم كتاب الله من النظر في التفاسير الموثوقة التي كتبها أهل التحقيق، والنظر أيضاً في العلوم التي يسمونها علوم الآلة التي تعين على فهم الكتاب والسنة؛ وليكن حفظه للقرآن وغيره من العلوم على الجادة، فالقرآن مثلاً يخصص ما يريد حفظه، والناس يتفاوتون، من الناس من رزق حافظه تسعفه لو أراد حفظ جزء كامل من القرآن، ومن الناس من لا يستطيع حفظ أكثر من آية، وبقية الناس بين هذين، فيحدد ما يغلب على ظنه أنه يستطيع حفظه، أربع آيات، خمس آيات، عشر آيات، ثم يحفظ هذه الآيات، ويتعلم ما فيها من علم و عمل، يراجع عليها ما يناسب سنه، وتحصيله من التفاسير التي تعينه على فهم هذه الآيات، فإذا انتهى من القرآن فإذا به قد انتهى من العلم والعمل، يتعلم، يحفظ، يفهم، يستنبط، يعمل، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: "حدثنا الذين يقرؤننا القرآن أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ويعرفوا ما فيها من علم وعمل، فتعلموا العلم والعمل جميعا"ً بهذه الطريقة.

العلوم كثيرة: هناك علوم غايات، وهناك وسائل، الغايات هي علم الكتاب والسنة، والوسائل ما يعين على فهم الكتاب والسنة، وليأخذ من كل فن ما يناسبه، ويتدرج في كل فن، والعلماء كتبوا في هذا المجال وأكثروا، وفي مناسبات كثيرة تحدثنا عن هذا الموضوع، فلا أريد أن أطيل فيه؛ لكن إذا اختار الشيخ واختار الكتاب عليه أن يحفظ المقطع الذي يراد شرحه في هذا اليوم، ذكروا في كتب طرق التعلم أنك تردد هذا المقطع حتى تحفظه، من الغد تقرأ ما حفظته بالأمس خمس مرات، ثم تحفظ نصيب اليوم الثاني، في اليوم الثالث تكرر ما حفظته في اليوم الأول أربع مرات، وما حفظته في اليوم الثاني خمس مرات، ثم تزيد نصيب اليوم الثالث، ثم في اليوم الرابع نصيب اليوم الأول ثلاث مرات، والثاني أربع مرات، والثالث خمس مرات، وهكذا تبدأ تترك في اليوم السادس تترك نصيب اليوم الأول، وفي اليوم السابع تترك نصيب الثاني، ضمنته، كم كررته من مرة، وهذه طريقة مجربة ونافعة، فإذا حفظ الطالب هذا النصيب...، والشيخ عبد القادر بدران ذكر طريقة لتحضير الدروس نافعة؛ لكن مع الأسف الشديد أن كثير من الطلاب لا يعرف الكتاب إلا عند الشيخ في حلقة الدرس، ومثل هذا قل أن يفلح، الشيخ عبد القادر يقول -رحمه الله-: "تحفظ المقدار المحدد مع مجموعة خمسة ستة يكون من الطلاب الجادين الذين يناسبونك في فهمك، وفي مستواك العلمي، ثم كل واحد ينفرد بمفرده، ويشرح ما حفظه من غير الرجوع إلى الشروح، يشرح المقطع، فإذا شرحه قرئ الشرح على هذا الكتاب، وكل واحد معه شرحه، ثم إذا تبين له خطأ في فهمه وفي شرحه صحح، بهذه الطريقة لن يتكرر الخطأ مرة ثانية، خلاص اجتث الخطأ من أساسه، ثم بعد ذلك راجعوا الحواشي، وتناقشوا في الشرح والحواشي، بعد ذلك يذهبون إلى الشيخ، يمثلون بين يديه بكل أدب وتواضع واحترام، ما يجي الطالب شايف نفسه، ويقول: خلاص أنا مانا بحاجة الشيخ، أنا حفظت وقرأت الشرح والحاشية، وش عنده هو؟ لأن بعض الطلاب يأتي بهذه النفسية، وحينئذ لن يستفيد من الشيخ، بعض الطلاب قد يحضر عند بعض الشيوخ يوم يومين ثلاثة عشرة ثم يتركه، ما السبب؟ والله ما استفد، ترددت على هذا الشيخ ما شفت منه فائدة تذكر، وقد يكون هذا الشيخ من الأكابر من العلماء الكبار؛ لكن هذا الطالب يريد يطلع من عند الشيخ في يوم وفي يومين وفي عشرة وهو شيخ، يصبر، ولا شك أن كلاً من الشيخ والطالب لا بد من أن يتعرضا لمرحلة امتحان، حتى إذا تجاوز هذه المرحلة وفقا وسددا، الشيخ أيضاً قد يجلس لإقراء الطلاب وتعليمهم، يجلس أول يوم عشرة مثلاً اليوم الثاني ينقصون يصيرون خمسة، اليوم الثالث يصيرون اثنين، الشيخ يراجع حساباته ويترك نقول: يا أخي لا تترك هذه مرحلة امتحان استمر، أنت لو استأجرت من يقرأ عليك بالدراهم ما هو بكثير خله يقرأ عليك اثنين ثلاثة ما يخالف؛ ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)) لكن أنت إذا تجاوزت هذه المرحلة أبشر، وقد أدركنا بعض شيوخنا ما عندهم إلا طالب واحد، ليس من أهل هذه البلاد، والآن بالمئات، بل بالألوف الحضور عنده، وآحاد الناس يأتي إلى هذا الشيخ الذي يحضره الأكابر من العلماء ومن القضاة ومن الدعاة يأتي من صغارهم يقول: والله ما مسكت شيء، ما فيه فائدة، إذا كنت جاي لتطلب العلم بهذه النفسية من الآن يا أخي لن تحصل شيء، على كل حال العلوم لا بد أن يأخذ طالب العلم من كل علم منها بطرف، فيعنى بكتاب الله، وما يخدم الكتاب، وليكن لسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- النصيب الأوفر على الجادة المعروفة، يبدأ بالكتب المتون الصغيرة المختصرة، إلى أن يترقى إلى الكتب المسندة الأصلية، يتفقه أيضاً على مذهب معين، وليست هذه دعوة إلى التقليد، لا إنما هي دعوة إلى المنهجية وسلوك  الجادة في طلب العلم، يعني بعض الناس يسمعنا نقول أو يسمع غيرنا يقول: اقرأ في زاد المستقنع، أو في دليل الطالب يظن أن هذه الكتب دساتير لا يحاد عنها، لا هي كتب البشر؛ لكن كيف تتحدد معالم العلم وأنت لست على جادة؟ يقول بعضهم: أنه يتفقه من الكتاب والسنة، يا أخي أنت مبتدئ كيف تتعامل مع الكتاب والسنة؟ هل عندك من العلم ما يعينك على فهم الكتاب والسنة؟ عرفت العام والخاص، والمطلق والمقيد، عرفت كيف تتعامل مع النصوص؟ عرفت الناسخ والمنسوخ ما عرفت، تفقه على كتاب مختصر احفظ مسائله، وتصور هذه المسائل بدقة، اقرأ الشروح، واحضر الدروس، وفرغ الأشرطة، واستدل لهذه المسائل؛ لأنه ليس مفترض من طالب العلم أن يحفظ أقوال جافة بدون أدلة، العلم قال الله قال رسوله، يستدل لهذه المسائل، وانظر من وافق المؤلف على هذه الأحكام، مع النظر في أدلتهم وتحليلاتهم، وانظر من خالف، وانظر دليل المخالف، ووازن بين الأدلة بهذا تخرج عالم، لكن لما تقول: أتفقه من الكتاب والسنة وأنت ما عندك شيء، طيب ما الذي في الكتاب من تفصيلات أحكام الصلاة فضلاً عن غيرها، وأنت تقول: أتفقه من الكتاب، إذا قرأت في السنة وأنت لا تعرف مطلق ولا مقيد ولا ناسخ ولا منسوخ كيف تعرف؟ مثال رددناه مراراً يقرأ الطالب المبتدئ (باب الأمر بقتل الكلاب) ثم يخرج بالمسدس فإذا رأى كلب قتله، طيب الدرس من الغد (باب نسخ الأمر بقتل الكلاب) كيف يتفقه مثل هذا؟ لا بد من الجواد المعروفة عند أهل العلم، قد يقول قائل: أن هذه الكتب لا توجد في عصر السلف، إنما أخذوا من النبي -عليه الصلاة والسلام- مباشرة وتفقهوا، يا أخي إذا كنت في مستواهم، وفي فهمهم، هم يفهمون اللفظ كيف يراد، اللفظ العام، اللفظ الخاص، العام المخصوص، العام الذي أُريد به الخصوص، أنت ما تفهم شيء، ما زلت مبتدئ بحكم العامي، بهذه الطريقة إذا سلكها الطالب -بإذن الله- ما ينهي كتاب مختصر من المختصرات من المتون المتينة المعروفة عند أهل العلم، لا يأتي إلى كتاب سهل والمشقة كما هو معروف ليست مقصودة لذاتها في الشرع؛ لكن الكتاب المتين يربي طالب علم، هو الذي يجعلك تبحث عن معاني هذا الكتاب ومنطوقه ومفهومه، وإلا فالمشقة ليست مطلوبة لذاتها، كتاب سهل تقرأه طيب ويش يثبت؟ ما الذي يثبت في الذهن من قراءة كتاب ميسر، ما يثبت شيء؛ لكن إذا كان الكتاب فيه معاناة، فيه صعوبة، هذا يثبت -بإذن الله-، وإلا ما الذي يجعل طلاب العلم يعانون زاد المستقنع من ألف إلى يومنا هذا، وهو من أعقد الكتب، مختصر خليل عند المالكية ألغاز، ومع ذلك هو عمدتهم، يعني هذا الاعتماد جاء من فراغ، اعتماد المالكية على خليل خطأ، ما هو بصحيح؛ لأنه كتاب يربي طالب علم، وكثير من الإخوان يعتمد على مؤلفات معاصرين وكتابات سيالة، هذه لا تحتاج إلى معاناة، ولا مجرد ما تترك الكتاب وش يعلق بذهنك منه؛ لكن الكتاب الصعب الذي السطر منه يحتاج معاناة مراجعة شروح وحواشي وسؤال مشايخ وتفريغ أشرطة هنا يثبت العلم.

الكلام طويل جداً، والمعالم التي ذكرها الإخوان تحتاج إلى دروس لا درس واحد.

على كل حال مما يركز عليه مسألة الإخلاص والحرص، وملازمة الشيوخ واستشارتهم، وقبل ذلك التقوى {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} [(282) سورة البقرة] التقوى من أهم وسائل تحصيل العلم، فيتقي الله -جل وعلا- الطالب بفعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه، ولينشغل بعيوبه عن عيوب غيره، أما إذا انشغل بعيوب الناس والقيل والقال هذا لا يدرك علم، هناك أيضاً أمور ووصايا؛ لكن الوقت لا يسعف في استقصائها، ولا استيعابها، هناك أيضاً أشرطة حول كيف يبني طالب العلم مكتبته؟ كيف يقرأ المطولات؟ كيف يقرأ المختصرات؟ هي موجودة في الأسواق يستفيد منها طالب العلم، والله المستعان.

وأما بالنسبة لتوجيه طالب العلم الذي هو في البداية مثل ما ذكرنا، عليه أن يبدأ بنية صالحة خالصة، وينوي بذلك الانتفاع، وما يوصله إلى الله -جل وعلا-، وما يبتغى به وجهه، وأن يعبد الله -جل وعلا- كما أراد على مراده، لا يتعبد بجهل ينوي بطلب العلم رفع الجهل عنه، وعن غيره ممن هو تحت يده أو بقربه، أو يستطيع إيصال الخير إليه، فينوي بذلك الانتفاع بالدرجة الأولى والنفع.

عليه أن يصدق اللجأ إلى الله -جل وعلا-، وأن يسأله بصدق، وأن يحرص، وإذا حرص سوف يوفق إذا علم الله -جل وعلا- صدق النية، وصدق اللجوء إليه أعانه، وأن يفرِّغ نفسه لهذا الأمر، وأن يأخذ من القرآن بقدر ما تسعفه حافظته، لا يأتي متحمس يريد يحفظ جزء أو نصف جزء أو ربع جزء، لا إذا كان يعرف من نفسه أنه لا يستطيع، يحفظ آيتين ثلاث، والمجرب أن الحافظة تستجيب، الأصل فيها أنها غريزة؛ لكن منها قسم مكتسب يدرك بالتمرين، والحافظة لا شك أنها تزيد وتنقص، فإذا استعملت ونميِّت زادت؛ لأن من الغرائز ما هو ثابت ملكات، وهذا لا شك أن الناس يتفاوتون فيه، منه أيضاً ما هو مكتسب، وعامة أهل العلم يرون أن الحافظة في الصغر أقوى منها في الكبر، وهي تنقص تدريجياً كغيرها من القوى البدنية، والذي يقرره الماوردي في أدب الدنيا والدين أن الحافظة عند الكبير والصغير واحدة، لا تزيد ولا تنقص، واحدة عند الصغير ست سبع عشر سنوات وعند ستين سبعين سنة؛ لكن الذي يجعل الكبير ما يحفظ، التشتت، تشتت الذهن، لو أنجمع ذهن الكبير كما أنجمع ذهن الصغير لحفظ، ولذا على من أراد الحفظ أن يجمع نفسه، وأن ينزوي في مكان للحفظ، أهل العلم يقولون: ينبغي أن يكون مكان الحفظ ضيّق؛ لئلا ينتشر البصر، فيتشتت الذهن فإذا كان المكان ضيق أعان على الحفظ، بينما يقولون للفهم نعم يجلس في مكان فسيح، على كل حال على الإنسان أن يأخذ العلم بالتدريج، وأشرنا إلى أن الناس يتفاوتون، أعرف شخص قرأ شرح بن رجب لما ظهر في شهر واحد، عشرة مجلدات، وأجزم أنه استوعب منه تسعين بالمائة، وشخص آخر قرأه في ستة أشهر، وأعرف عنه أنه ما استوعب منه ولا عشرة بالمائة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذه نِعم ومِنح إلهية كغيرها من المنح؛ لكن ليس الشأن أن تمنح هذه النعمة، الشأن أن تستغل هذه النعمة، وتشكر الله -جل وعلا- على هذه النعمة؛ لأن النعم إذا شكرت زادت، إذا استعملت فيما خلقت له هذا هو شكرها، وإلا بعض الناس يتفاوتون واحد البصر عنده ستة على ستة، وزميله البصر عنده ستة على ستين، والثاني يستفيد من بصره أكثر مما يستفيده الأول، بل قد يتضرر الأول من بصره أكثر مما عند الأعمى، لا شك أن هذه نعم تحتاج إلى شكر، فالذي أوتي هذه النعم من قوة إدراك، قوة فهم، قوة حفظ، قوة سمع، قوة بصر، قوة بدن، عليه أن يشكر هذه النعم، ويوظفها فيما يرضي الله -جل وعلا-، الثاني بالمقابل عليه أن يبذل السبب لتحصيل ما يستطيع تحصيله، وحينئذٍ يكون في مصف الأول، إذا بذل السبب {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [(286) سورة البقرة] {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [(7) سورة الطلاق] لا تكلف أكثر مما تطيق، فإذا تعبت وعلم الله منك صدق النية أعانك، إذا لم يعنك وقد بذلت السبب أجرك ثابت ومضمون.

والله المستعان.

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

السؤال: 
هذا سائل يقول هل تنصحون بطلب العلم على من كان عليه مخالفات شرعية مع وجود غيره وجزاكم الله خيرا؟
الإجابة: 
العلم دين وليُنظَر عمن يؤخذ هذا الدين فمن لديه شيء من العلم مع تلبسه بمخالفات شرعية سواء كانت في الأمور العملية أو العقدية ينبغي أن يُجتنَب ما إذا وُجِد غيره ممن يقوم بتعليم الناس فالعلم دين فينبغي أن يؤخَذ عن أوثق وأن يطلب على يدي القدوات من أهل العلم العاملين بعلمهم كما جاء عن غير واحد من سلف هذه الأمة من قولهم إن هذا العلم دين فانظر عمن تأخذ دينك والله المستعان.
,
السؤال: 
يقول ما الطريقة المثلى لحفظ أحاديث السنة النبوية من خلال تجربتكم؟
الإجابة: 
الطريقة المثلى لحفظ أحاديث السنة كغيرها من العلوم أن يُبدَأ بالمتون المختصرة الجوادّ المطروقة عند أهل العلم كالأربعين ثم العمدة ثم البلوغ ثم يُبدَأ بالأحاديث المسندة ثم يُبدَأ بالأحاديث المسندة وعلى طالب العلم أن يُعنَى بالصحيحين لاسيما البخاري فإذا أتقن البخاري قراءة ودرسًا وتحليلاً ومراجعة للشروح ينتقل بعده إلى صحيح مسلم ثم السنن الأربعة بادئًا بأبي داود ثم الترمذي ثم النسائي ثم ابن ماجه قد يقول قائل وهذا يكثر السؤال عنه وهي الاعتماد على المختصرات يوجد في الساحة مختصرات كثيرة لصحيح البخاري ويوجد مختصر لصحيح مسلم وكذلك للسنن الأربعة أقول المختصرات هذه لا شك أن المختصرين اجتهدوا في تقريب ما في هذه الكتب الأصول بين يدي طلاب العلم لكنهم حذفوا من هذه الأصول ما قد يكون طالب العلم بأمس الحاجة إليه والذي أقترحه على إخواني المتعلمين أن يبدؤوا بالمتون مثل ما ذكرنا الجوادّ المعروفة الأربعين ثم العمدة ثم البلوغ أو المحرَّر بعد ذلك ينتقلون إلى الكتب المسندة فيبدؤون بالبخاري وإذا أرادوا الاختصار فليتولى طالب العلم الاختصار بنفسه والاختصار من قِبَل طالب العلم صحيح أنه يحتاج إلى وقت لكن ليس بكثير أن ينفق على صحيح البخاري سنة مثلاً في ضبطه ومعاناته ومراجعة الشروح عليه ثم بعد ذلك اختصاره والاختصار سهل ميسَّر بأن يعمد الطالب إلى الحديث الأول فينظر في إسناده ومتنه وما ترجم به الإمام البخاري عليه وما أردف الترجمة من آثار فيأتي إلى الحديث المسنَد الأصل في الباب وينظر في إسناده وينظر في أطرافه ويراجع هذه الأطراف وينظر إلى أكمل هذه الأطراف سواء كان الموضع الأول أو الثاني أو الثالث أو السابع أو العاشر لأن البخاري يكرر الأحاديث فيثبت هذا اللفظ الكامل وبعده ينظر في اختلاف الأسانيد وصيغ الأداء ويثبت ما هو بحاجته من هذه الأمور وبعد ذلك إذا انتهى من هذا الكتاب على هذه الطريقة وصار علمه بما حذف كعلمه بما أثبت لا ينتهي من صحيح البخاري إلا ولديه رصيد كبير من معرفة الأحاديث الثابتة بل من أصح الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ورصيد كبير من أوثق الرجال الرواة الذين هم رواة أصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا صحيح البخاري فإذا انتهى من هذه الطريقة وصار على علم بما حذف كعلمه بما أثبت لأن المختصِر إذا تولّاه غيره يحذف أشياء وبالتجربة وجدنا المختصِرين حذفوا أشياء طلاب العلم بأمس الحاجة إليها هناك أخبار وهناك آثار لا يعتني بها المختصرون لأن المختصرون على الأحاديث المرفوعة فإذا انتهى طالب العلم من هذه الطريقة وعرف الآثار وعرف الأخبار وعرف التوجيهات وعرف تفسير البخاري وشرحه لألفاظ الأحاديث الغريبة وألفاظ ما له نظير في القرآن وفهم تراجم البخاري وربط بينها وبين ما ترجم عليه وعرف كيف استنبط البخاري هذا الحكم من هذا الحديث لا ينتهي من هذا الكتاب إلا ولديه أهلية لمعرفة ما دونه من الكتب لأن هذا الكتاب أصح الكتب وفي الوقت نفسه أدق الكتب فإذا انتهى من صحيح البخاري لا يصعب عليه أن يختصر مسلم فمسلم يجمع الأحاديث بطرقه وألفاظه في موضع واحد ولا يكلِّف الطالب أن ينظر بين هذه الطرق وهذه الألفاظ في وقت قصير جدًّا ويقتصر على أوفاها وأتمها وحينئذٍ إذا انتهى من الصحيحين مثلاً لا يقول له قائل إنك تركت شيء من صحيح البخاري ما اطلعت عليه أو من صحيح مسلم وإذا أردنا أن نقارن بين الأصول والمختصرات بمثال واحد فمثلاً صحيح البخاري في كتاب الرقاق أورد فيه مائة وثلاثة وتسعين حديث فيه ما يزيد على مائة وخمسين ترجمة في كتاب الرقاق هذه التراجم استنباطات وتوجيهات أردف هذه الاستنباطات منه رحمه الله بأخبار نادرة عالية عن سلف هذه الأمة من الموقوفات والمقطوعات ثم بعد ذلك دعمها بالحديث الأصل المسنَد الذي هو أس الباب وأساسه وعليه العمدة الذي يراجع المختصرات محروم من هذه الأمور كلها وإذا رجعنا إلى مختصر الزَّبيدي وجدناه اختصر من مائة وثلاث وتسعين حديث على سبعة أحاديث إذا أراد طالب العلم أن ينظر في كتاب الرقاق من صحيح البخاري واعتنى بالمختصر ماذا فاته من الخير؟ من تراجم وأخبار وآثار عن الصحابة والتابعين إضافة إلى هذه الأحاديث التي استنبط منها البخاري هذه الأحكام وحذفها المختصِر لأنها مرت في أبواب سابقة وهذا مثال واحد وليس بكثير أن يتعب طالب العلم على صحيح البخاري سنة أو سنتين لأنه ما ينتهي من صحيح البخاري إلا وبقية كتب السنة من أيسر الأمور عليه ويكون لديه رصيد كبير مما صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- ورصيد أيضًا من الآثار من أقوال الصحابة والتابعين ومن فقه البخاري الشيء الذي لا يخطر على البال في الدقة والغزارة والعمق وأيضًا من الرواة الذين هم أعلى الرواة اللي هم رجال أصح الكتب بعد كتاب الله جل وعلا هذه نصيحتي لطلاب العلم فيبدؤوا بالبخاري ثم مسلم ثم بسنن أبي داود سنن أبي داود عليه المعوَّل عند الفقهاء حتى قال جمع من أهل العلم أنه يكفي المجتهد فإذا عني بالصحيحين وعرف بعد ذلك ما في سنن أبي داود من الأحاديث بأسانيدها على الطريقة السابقة ويختصر هذه الأحاديث وينظر في صحيحها وضعيفها إن كانت لديه أهلية التصحيح والتضعيف بنفسه أو يقلد من يثق به من أهل العلم ممن تولى ذلك فهذه طريقة أحسبها ناجحة ثم بعد ذلك يأتي إلى سنن الترمذي وفيه من العلوم الشيء الذي لا يخطر على البال فيه النقول وفيه فقه الصحابة وفيه فقه التابعين وفيه الأخبار بأسانيدها وفيه فقه الإمام الترمذي بالتراجم وفيه أيضًا إشارة إلى بعض العلل وفيه سؤالات عن بعض الأحاديث وسؤالات عن بعض الرواة ثم بعد ذلك ينتقل إلى المرحلة.. المرتبة الخامسة لسنن النسائي وسنن النسائي في غاية الصعوبة إذا تجاوز المراحل الأربع لا يتجاوزها بالطريقة التي شرحتها إلا وقد تأهل للنظر في سنن النسائي بتراجمه التي هي علل واختلافات على الرواة واستنباطات مما أودعه الإمام النسائي في كتابه ثم بعد ذلك يختم بسنن ابن ماجه وفيه أحاديث ضعيفة وفيه رواة ضعفاء لكن هو بالطريقة السابقة صار لديه أهلية للنظر ولديه رصيد من الأحاديث الصحيحة يستطيع أن يحكم بواسطتها على الأحاديث الضعيفة لوجود المخالفة والتعارض بينما صح وما لم يصح وأيضًا يكون لديه أيضًا رصيد من الرواة المتكلَّم فيه ويراجع على هؤلاء الرواة كتب الرجال عن رواة الكتب كلها فبهذه الطريقة يثبت العلم إن شاء الله تعالى وإذا صرف على الكتب الستة خمس سنوات ست سنوات هذا ليس بكثير العمر يمضي من غير أن يشعر الإنسان ويمضي بالقيل والقال ويمضي مع التعب في تحصيل العلم على غير جادَّة وتكون عنايته بكتاب الله جل وعلا فوق ذلك كله وليفرض لكتاب وما يعينه على فهم كتاب الله جل وعلا من سَنام وقته لا يجعل القرآن فضلة ويجعل الوقت وقت النشاط والذروة للعلوم الأخر يعتني بكتاب الله جل وعلا ثم بسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- ويستنبط من الكتاب والسنة ويراجع أقوال أهل العلم من فقهاء الأمصار في مواضع الاتفاق والخلاف ولا ينسى العقائد مما كتبه العلماء الموثوقون مما كتبه العلماء الموثوقون من المتقدمين والمتأخرين.
,
السؤال: 
يقول: ما قولكم فيمن يذم الآخرين بحجة أنهم لا يطلبون العلم؟ ما قولكم فيمن يذم الآخرين بحجة أنهم لا يطلبون العلم؟
الإجابة: 
طالب العلم ينبغي أن ينظر إلى نفسه بعين الازدراء وأنه لا يزال طالب علم مبتدئ وليجزم أنه كلما تقدمت به السن وازداد تحصيله من العلم زادت معرفته لنفسه وحينئذٍ ينظر إلى الناس بما يليق بهم من متعلمين ومن عوام وقد أُمرنا أن ننزل الناس منازلهم لكن لا يعني هذا أننا نزدري الآخرين فلان لا يطلب العلم ونشاهد بعض الناس يجلس في بيوت الله جل وعلا في بيت الله جل وعلا في المسجد يجلس في المسجد ثم بعد ذلك عينه إلى الآخرين فلان لماذا لا يقرأ فلان لماذا جالس يتكلم فيما لا يعنيه وفلان يتبعه نظره حتى يخرج من المسجد وش معنى هذا يا أخي؟! لو الإنسان انشغل بعيوبه وترك عيوب الناس نعم لا يمنع هذا من أن يسدي النصح لإخوانه ويمحضهم النصيحة والذي لا يقرأ يقول له يا أخي استغل وقتك فيما ينفعك احرص على ما ينفعك لكن هو ينزل الناس منازلهم ويعرف قدر نفسه وأنه مهما أوتي من العلم والعمل فإنه لايزال في بداية وأنه طالب علم في حكم المبتدي وأن الإنسان ضعيف وأنه ظلوم جهول ومهما بلغ من العلم والإحاطة به والاطلاع والفهم والحفظ لن يخرج عن قوله جل وعلا {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } [سورة الإسراء: 85].
,
السؤال: 
يقول: في استقبال الصيف هناك دورات تقام وتعنى بحفظ الكتب الصحاح مثل الصحيحين وذلك لمدة قصيرة مدة شهرين ونحوه فهل توصون طالب العلم بذلك؟
الإجابة: 
أقول طريقة طلب الحديث على الطريقة التي شرحتها من أنفع ما يكون وليس المسألة مسألة وقت المقصود أن الإنسان تأتيه منيته وهو يعبد الله جل وعلا ومن خير ما يعبد به الله جل وعلا العلم الشرعي من أفضل العبادات العلم الشرعي نعم هذه لا يعني أن الإنسان يتراخى في الطلب وتفوته الأوقات وتفوته الفرص من غير أن يحفظ ويسوِّف لا، هذه الطريقة التي سلكها بعض الإخوة نسأل الله جل وعلا ألا يحرمها ثوابها وأجرها وأن يكتب لهم أجر من عمل بها إلى يوم القيامة هذه طريقة نافعة وتُعنى بحفظ كتب السنة وبعثت آمال بعد أن تحطم الناس ورأوا أن هذه الكتب لا يمكن أن يتطاول أحد على حفظها وجد من الأمثلة الشيء الكثير ممن يعنى بحفظ هذه الكتب لكن المقرَّر أن ما يحفظ بسرعة يُفقَد بسرعة وطريقة تعلُّم السنة على الطريقة التي شرحتها سابقًا من أنفع الطرق لكن إذا كان الإنسان لا يصبر على مثل الطريقة التي شرحتها وأراد حفظ مختصرات الكتب الستة في أقصر مدة هذا لا شك أنه خير وهذ طريقة ووسيلة من طرق التحصيل فالذي لا يصبر على الطريقة التي شرحتها ويريد أن يلتحق بهذه الدورات هو على خير إن شاء الله تعالى.
,
السؤال: 
يقول: هذا لماذا لم يخرج البخاري عن أحمد في الصحيح إلا حديثًا واحدًا وكذلك أحمد عن الشافعي وكذلك مسلم عن البخاري ونحو ذلك؟
الإجابة: 
هؤلاء الأئمة الكبار الذين صنفوا وجمعوا وحُفِظ علمهم بمؤلفاتهم وبواسطة طلابهم وتلاميذهم ولم يُخشَ من ضياع ما عندهم من علم التفت العلماء المؤلفون إلى غيرهم ممن يخشى ضياع علمه وإلا فهم ثقات أثبات لم تُترَك الرواية عنهم لغمز فيهم أو لطعن فيهم هم الأئمة لكن علمهم محفوظ في كتبهم وعند أتباعهم وكثرت الرواية عن العلماء والأئمة الذين يقل تلاميذهم الآخذون عنهم.
,
السؤال: 
يقول: ما هي طريقة حفظ بلوغ المرام؟ وما هي أفضل تحقيق له؟ يقول: إذا حفظ الطالب النخبة هل يبدأ بحفظ ألفية العراقي أم متن آخر؟ أيهما أفضل لطالب العلم تفريغ الأشرطة أم قراءة الكتب المشروحة؟
الإجابة: 
طريقة حفظ بلوغ المرام ذكرنا أنه ينبغي أن يبدأ الطالب بحفظ الأربعين ثم العمدة ثم البلوغ وفي البلوغ من الأحاديث ما ليس في العمدة لكن العمدة أصح أحاديث أيضًا المحرر لو قارنا بينه وبين البلوغ من حيث عدد الأحاديث متقارب لكن يبقى أن ابن عبد الهادي أشار إلى بعض العلل في أحاديث المحرر مما لا يوجد نظيره في البلوغ فالمسألة تحتاج إلى نظر دقيق بين الكتابين فمن فضَّل هذا له وجه ومن فضَّل هذا له وجه طريقة حفظ البلوغ أحاديث البلوغ مختصرة جلها في سطر أو سطرين يكتفي فيها الحافظ على ذكر الصحابي وذكر من خرج الحديث من الأئمة وذكر درجته في الغالب باختصار فتُجرَد هذه الأحاديث يقرر الطالب على حسب قدرته في الحفظ قوة وضعف فإن كان ممن تسعفه الحافظة وأراد أن يحفظ كل يوم خمسة أحاديث عشرة أحاديث فيراجع عليها الشروح ويسمع الأشرطة ويفرغ هذه الأشرطة جيد إذا كانت الحافظة لا تسعفه لحفظ عشرة أحاديث ينظر في أمره فإن كان يستطيع الخمسة بها ونعمت إذا كان لا يستطيع إلا حديث أو حديثين لا يكلف نفسه أكثر مما تطيق ثم تحمله هذه المشقة على الترك والملل عليكم من الدين ما تطيقون.
,
السؤال: 
يقول: إذا حفظ الطالب النخبة هل يبدأ في حفظ ألفية العراقي أم متن آخر؟
الإجابة: 
إذا حفظ الطالب النخبة وقرأ عليها الشرح وحضر شرحها عند فيمن يثق في علمه وفرغ سمع عليها بعض الأشرطة وفرغها إن انتقل بعد ذلك إلى اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير ليكون واسطة بين النخبة وبين الألفية فهو أفضل عندي فالترتيب عندي أن يبدأ الطالب المبتدئ المبتدئ يبدأ بالبيقونية ثم النخبة ثم بعد ذلك ينتقل إلى علوم الحديث اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير ثم بعد ذلك ألفية العراقي وإذا كان عنده من الحفظ ما يؤهله لحفظ الألفية فلا يقدم عليها غيرها في الحفظ بعد أن يتدرج في الطلب يقرأ البيقونية ثم النخبة ثم اختصار علوم الحديث ثم الألفية ويترك الحفظ للألفية لأن النظم هو الذي يثبت بالنسبة للمتون الأخرى السابقة البيقونية ثم النخبة ثم اختصار علوم الحديث يقرأ الشروح عليها ويحضر الدروس التي تقام حولها ويفرغ الأشرطة يسمع الأشرطة ويفرغها.
,
السؤال: 
يقول: أيهما أفضل لطالب العلم تفريغ الأشرطة أم قراءة الكتب المشروحة؟
الإجابة: 
كلاهما فاضل إذا حضَّر الدرس قبل حضورها إلى الشيخ بقراءة الشرح المدوَّن وسماع الشريط المسجَّل ثم حضر عند الشيخ وأخذ ما عنده يكون حينئذٍ تأهَّل للفهم والتحصيل إن شاء الله تعالى.
,
السؤال: 
يقول: بعض طلاب العلم هداهم الله يحرص على جمع الإجازات في شتى الفنون ممن عنده تلك الإجازات وإن كانوا فساق فما توجيهكم في ذلك حفظكم الله؟
الإجابة: 
الإجازات العلمية لا شك أن بقاء سلسلة الإسناد من خصائص هذه الأمة وكان العلماء في السابق يحرصون عليها ويرحلون من أجلها من أجل إبقاء هذه الخصيصة لهذه الأمة لكنهم يأخذون من علماء يفيدون من علمهم ومن عملهم ويستفيدون من مرآهم ومخبرهم فإذا وجد عالم يجيز طلاب العلم وممن يُتشرَّف بالانتساب إليه فليحرص طالب العلم على أن يحصل على إجازة منه حفاظًا على هذه الخصيصة على ألا يكون هذا على حساب التحصيل لأن بعض الإخوان وبعض طلاب العلم ينتقل من بلد إلى بلد وينفق في ذلك الأوقات والشهور بحيث يكون هذا هذه الوسيلة تغلب على كثير من الغايات عنده يصرف في هذا الوقت الطويل والمفترض أن يصرفه في تحصيل العلم وتأصيله وتطبيقه.
,
السؤال: 
يقول: كيف أثبت العلم في ذهني ولا أنساه؟
الإجابة: 
العلم إنما يثبت بالتحضير قبل حضور الدرس ثم الإنصات للشيخ ثم السؤال عما يشكل ثم المذاكرة مع الزملاء والأقران بهذا يحصل ثبات العلم إن شاء الله تعالى وليحرص على مداومة النظر في الكتب التي تعينه على ما هو بصدده.
,
السؤال: 
يقول: هل يأثم من نسي العلم أو لم يعمل به؟
الإجابة: 
لا شك أن من بلغه من العلم ما يحمل حكمًا واجبًا ولم يعمل به أنه يأثم لكن إذا كان هذا العلم يحمل حكمًا مصروفا من الوجوب إلى الاستحباب لا شك أن زكاة العلم العمل به ومن أعظم وسائل تثبيت العلم العمل، إذا نسي العلم بعد لاسيما القرآن من تعلم منه أو حفظ منه ثم نسيه بتفريط منه لا شك أنه يأثم أما إذا نسي من العلم سواء كان من القرآن أو من غيره من غير قصد ولا تعمُّد لهذا النسيان بأن كانت طرأ عليه ما يوجِب هذا النسيان مما هو خارج عن إرادته فإنه لا يأثم به.
,
السؤال: 
يقول: أدرس في كلية الطب فكيف أجمع بين الدراسة وطلب العلم أدرس في كلية الطب فكيف أجمع بين الدراسة وطلب العلم؟
الإجابة: 
على كل حال إذا أردت أن تجمع فالوقت يُسعِف نعم أنت بصدد علم يحتاج إلى جهد ويحتاج إلى وقت طويل فيكفيك أن تحضر بعض الدروس درس واحد في اليوم تسمع بعض الأشرطة المسجلة وتقرأ في أوقات فراغك مخلصًا لله جل وعلا في ذلك حريصا على التحصيل ثم يعينك الله جل وعلا على تحصيل ما يعينك على دينك ودنياك إن شاء الله تعالى.
,
السؤال: 
يقول: أنا طالب علم مبتدئ ومتحمس لطلب العلم لكنني أخشى من أن يكون ذلك لغير الله وأنه غير خالص لوجهه الكريم فهل أكون من ضمن الأربعة الذين ذكرهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- أنهم من أهل النار وهل أتوقف إذًا عن طلب العلم؟
الإجابة: 
لا يا أخي لا تتوقف لا تتوقف عن طلب العلم والترك ليس بحل إنما عليك أن تتابع وعليك أن تحرص على التحصيل وعليك أن تجاهِد نفسك في تحصيل النية الصالحة عليك أن تطلب العلم مخلصًا لله جل وعلا وعليك أن تعرف أن هذا العلم من أمور الآخرة التي لا تقبل التشريك بل يجب أن لاسيما إذا كان العلم من علوم الآخرة التي يبتغى بها وجه الله جل وعلا فإنه لا يجوز حينئذٍ أن تُطلَب لغرض الدنيا أو لمراءاة الناس ومر في المحاضرة ما يجيب عن هذا السؤال لكن الترك ليس حلاً الترك ليس حلاً وإنما الحل الجهاد مجاهدة النفس على إخلاص النية.
,
السؤال: 
يقول: هناك شبهة ترد على بعض الطلاب وخصوصًا المبتدئين وهي الالتحاق بالدرس وقد انتصف فيه الشارح كأن يلتحق بدرس له فترة قبله فالبعض يقول لا أحضر إلا في بداية الدرس من أول الكتاب فتفوت الشهور والشهور لانتظار هذا الدرس الجديد.
الإجابة: 
أقول هذا من لا شك أنه من تلبيس الشيطان وتثبيطه عليك أن تحرص على الإفادة من أهل العلم الكبار سواء كانوا في أوائل الكتب وهذا أولى إن لم يتيسر ذلك فمن أواسطها وأواخرها وكلما سنحت فرصة في ابتداء درس جديد احرص عليه وبإمكانك استدراك ما فاتك بالأشرطة المسجلة وتفريغها على هذه الكتب وبهذا تجمع بين أوائل الكتب وأواسطها وأواخرها وإذا صدقت في قصدك وأخلصت لله جل وعلا أعانك والله المستعان.
,
السؤال: 
يقول: حدثونا عن الجلد والصبر في الطلب؟
الإجابة: 
من قرأ في سير الأئمة والعلماء وجد من ذلك العجب العجاب وجد من ذلك العجب العجاب فهم ينفقون الأوقات الطويلة ولا يعرفون الدعة والراحة الليل يقسم أثلاث ينام ثلث ويكتب ثلث ويقرأ ويصلي ثلث النهار كذلك بعضهم يحضر في اليوم اثنا عشر درس في اليوم الواحد اثنا عشر درس من يطيق مثل هذا في مثل زماننا؟! نعم يوجد من يقرأ في هذا الزمان في اليوم اثنا عشر ساعة ويحضر دروس ويوجد أيضًا مَن في هذا الزمان من يداوم الدوام الرسمي من ثمان إلى ثنتين ونصف أو من سبع ونصف إلى ثنتين ونصف يعني جل الوقت وهو بحاجة إلى وقت راحة وهو أيضًا مطالب بالعبادات ومطالب بالمستحبات من النوافل كعيادة المرضى وتشييع الموتى وأيضًا له نصيب ورد من كتاب الله لا يخل به سفرًا ولا حضرًا ومع ذلكم هو مكب على قراءة الكتب وحضور الدروس وإذا رضي الله جل وعلا وعلم صدق العبد ورضي عنه أعانه ووفقه إذا رضي الله جل وعلا وبارك فحدِّث ولا حرج والأمر موجود إلى يومنا هذا لا يقال إن البركات انتهت نعم لا شك أن البركة في الوقت عند المتقدمين لعدم وجود الملهيات والمغريات والصوارف أظهر لكنها موجودة الآن يعني من جلس في مثل أيام الصيف من صلاة الصبح إلى الساعة التاسعة أو العاشرة يجد من اللذة وطول الوقت وانشراح الصدر وإنجاز ما لا ينجزه في أيام ولا يعرف هذا إلا من جرَّبه.
,
السؤال: 
يقول قد يقرأ طالب العلم في كتب أهل العلم لكن لا يضبط المادة المقروءة فبعد قراءته لكتاب لا يحسب بالقدر المطلوب من الاستفادة من هذا الكتاب ما الحل لهذه المشكلة؟
الإجابة: 
طالب العلم إذا قرأ والمراد بذلك قراءة الجرد للمطوّلات قد يحس إذا انتهى من الكتاب يراجع نفسه يحاول يستذكر فلا يذكر لكنه عنده من المخزون ما تسعفه به حافظته والدليل على ذلك أنه لو بُحِث مسألة في وقت من الأوقات وقد مرَّت عليه في هذا الكتاب تذكر هذه المسألة قد لا تثور هذه المسألة بنفسها وإنما تثور بالإثارة فإذا بحثت هذه المسألة فوجد أن عنده ما يجعله يتصوَّرها ولو لم يكن على وجه كامل إنما يعرف أن هذه المسألة بحثت في الكتاب الفلاني وأن خلاصة البحث كذا ولا يعني هذا أن طالب العلم ييأس ويترك القراءة بل عليه أن يستمر بالقراءة ولو أحس بهذا الإحساس لكنه أنا واثق بأن عنده من التحصيل الشيء الكثير وإن لم يحس به بنفسه.
,
السؤال: 
يقول هل لا بد لطالب العلم أن يتخصص في علم من العلوم كأن يتخصص في علم الحديث أو العقيدة أو غيرها أو يطلب العلوم كلها؟
الإجابة: 
لا شك أن الإلمام بجميع العلوم أمنية لكن هل تتحقق هذه الأمنية طالب العلم المبتدئ عليه أن يأخذ من كل علم بطرف يحفظ في المتون كلها ما يجعله أرضية وأساس وقاعدة ينطلق منها ثم إذا تجاوز ما يُطلَب للطبقة الأولى إذا تجاوز ما يطلب للطبقة الأولى من طبقات المتعلمين المبتدئين إلى الطبقة الثانية وهو على هذه الطريقة طريقة العموم والشمول إذا أراد أن يتخصص بعد مجاوزة ما صُنِّف وخُصِّص لطلاب الطبقة الثانية أراد أن يتخصص في علم من العلوم يرى أن ذلك أنفع له أو الحاجة داعية أو الحاجة داعية إلى مثل هذا التخصص فلا بأس وإن كان الاستيعاب لجميع العلوم الشرعية لأن العلوم الشرعية مترابطة والمفترض في العالم الذي يؤهِّل نفسه لخدمة الأمة أن يكون متفننًا جامعًا بين الفنون كلها ولذا لا يمكن أن يتصدَّى لكتاب الله جل وعلا من تخصص في علم من العلوم فقط لا بد أن يكون ملمًّا بجميع العلوم لكن إذا كان ممن إذا قرأ في العلوم كلها تشتت ولا يدرك لا هذا ولا هذا وأراد أن يتخصص بعد أن صارت له أرضية بحفظ المتون الصغيرة في كل علم من العلوم له ذلك لاسيما إذا كانت الحاجة داعية إلى ذلك حاجة الأمة أو المجتمع على كل حال على طالب العلم أن يخلص النية لله جل وعلا في طلبه وأن يصدق اللجأ إليه جل وعلا لإعانته وتوفيقه لسلوك الطريق القويم وإعانته.. وأن يكثر من الدعاء لأن يهديه الله جل وعلا إلى ما اختلف فيه من الحق لأن الأقوال كثيرة والنصوص فيها شيء من ظاهره التعارض وأهل العلم تبعًا لمثل هذا التعارض في الظاهر وإلا في الباطن لا يوجد تعارض بين النصوص لا شك أن الفهوم تختلف فعلى الإنسان أن يسأل الله جل وعلا أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه كما جاء في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل.