الأسرة والعلم

تاريخ النشر: 
أربعاء 03/ Safar/ 1436 2:00 م
تصنيف المحاضرة: 
طلب العلم

محاضرة صوتية

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسوف يكون محور هذا اللقاء في قول الله -جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [(6) سورة التحريم] لأن الإنسان لا يستطيع أن يقي نفسه، وأن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية إلا بمعرفة ما يتقي مما يُؤتى ومما يُترك، ولا يستطيع أن يقي أهله هذه النار التي وقودها الناس والحجارة إلا بتعليمهم ما ينفعهم، فمُنطلقنا من هذه الآية، ومعولنا عليها أولاً وآخراً، ومن خلال كلام أهل العلم من كبار المفسرين الموثوقين يتبين ما أردت.

 هذه الآية يقول الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيرها يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله علموا بعضكم بعضاً ما تقون به من تعلمونه النار، وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله، واعملوا بطاعة الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [(6) سورة التحريم] كيف تقي نفسك هذه النار إلا بتعلم ما يتقى، الجاهل لا يستطيع أن يجعل بينه وبين النار وقاية، إلا بقدر ما يتعلمه مما يتقى به هذا العذاب.

يقول ابن جرير: {قُوا أَنفُسَكُمْ} علموا بعضكم بعضاً ما تقون به من تعلمونه النار، وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله، واعملوا بطاعة الله، وقوله: {وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار، بهذا يظهر الارتباط الوثيق بين هذه الآية وبين ما نتحدث عنه من الأسرة الذين هم الأهل والأولاد والأقارب من ترابط.

ثم ذكر ابن جرير بأسانيد جيدة عن علي -رضي الله عنه- في قوله: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [(6) سورة التحريم] قال: علموهم، أدبوهم، وعن ابن عباس يقول: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار، وعن مجاهد قال: اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله، وعن قتادة قال: يقيهم أي يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليهم بأمر الله، يأمرهم به، ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها، وزجرتهم عنها، يعني هذه الوقاية من عذاب الله سواء كانت للنفس أو للأهلين الذين هم بالأسلوب المعاصر الأسرة، هذه الوقاية إنما تكون بالتعليم، بتعليم ما ينفع ليعمل به، بتعليم ما يضر ليجتنب، تعليم المأمورات والمحظورات، المأمورات لتفعل، والمحظورات لتترك، والتقوى عبارة عن فعل المأمورات وترك المحظورات، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره عن الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه، قال: وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سمرة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مروا الصبي إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوهم عليها)) يعني الصلاة، مروا الصبي يعني بالصلاة إذا بلغ يعني أتم سبع سنين، فإذا أتم عشر سنين فاضربوه عليها، هذا لفظ أبي داوود، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وفي مجموعه يصل إلى درجة الصحيح.

وفي تفسير القرطبي لما ذكر الآية وذكر نحو ما تقدم في كلام ابن جرير وابن كثير: فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية، ففي صحيح الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم)) وعن هذا عبر الحسن -رحمه الله- في هذه الآية بقوله: يأمرهم وينهاهم وقال بعض العلماء في قوله: {قُوا أَنفُسَكُمْ} [(6) سورة التحريم] يدخل فيه الأولاد، يدخلون في النفس ولا يدخلون في الأهلين لماذا؟ هذا استنباط من بعض العلماء يقول: الأولاد داخلون في النفس لا في الأهلين؛ لأن الولد بعض من والده، كما دخل في قوله تعالى: {وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ} [(61) سورة النــور] فلم يفردوا بالذكر، يعني الأولاد ما أفردوا بالذكر إفراد سائر القرابات، فعلى هذا يعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام إلى غير ذلك من الأحكام، كون الولد داخل في النفس على هذا الكلام، أو داخل في الأهل المسألة لا تفرق لا فرق؛ لأن العطف هنا: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ} [(6) سورة التحريم] على نية تكرار العامل، بمعنى قوا أنفسكم، وقوا أهليكم، وسواء دخل الولد في النفس فحينئذ يكون تعليمه وتأديبه آكد أو دخل في الأهلين فتعليمه مطلوب على كل حال، وجاء في بعض الأحاديث وإن كانت لا تسلم من مقال ((حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه إذا بلغ)) وروى الترمذي بإسناد فيه انقطاع عنه -عليه الصلاة والسلام- قال: ((ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن)) وهذا الحديث مضعف عند أهل العلم إلى أن قال: القرطبي، وقد روى مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أوتر يقول: ((قومي فأوتري يا عائشة)) وهذا لا شك أنه من وقاية الأهلين من النار، وجاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((رحم الله امرأ قام من الليل فصلى ثم أيقض أهله فإن لم تقم رش على وجهها الماء)) يعني نضح في وجهها الماء، وهذا لا شك أنه من الوقاية، والعون على الطاعة، والطاعة مما يقي العذاب ((ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي فأيقضت زوجها فإذا لم يقم رشت على وجهه من الماء)) بعض الناس يتساهل في مثل هذا فإذا وفق للقيام ما وفق لإيقاض أهله، بل تجده يعطف على أهله، ويعطف على ولده من باب العطف الجبلي لا الشرعي، فلا يوقظهم لقيام الليل، وقد يتراخى عن إيقاضهم للصلاة الواجبة، فلا تجد الواحد منهم يحرص على إيقاض ولده أو بنته إلى الصلاة من أجل الصلاة، كما يحرص على إيقاظ الولد للدراسة مثلاً فتجده في الشتاء يقول: أخشى أن يصيبه البرد، فلعله إذا دفئ الجو قليلاً أيقظته للصلاة وللمدرسة معاً، ومثل هذا لا يوفق في تربية أولاده، وهذا لا شك أنه نابع من عطف جبلي جبل عليه الأب؛ لكنه مع ذلك مخالف لشرع الله والتوجيه النبوي يدل على أن الماء ينضح في وجهه إذا لم يقم لصلاة الليل فضلاً عن صلاة الصبح، وبعضهم يخشى على ولده إذا نضح على وجهه الماء أن يجن مثلاً، وبعضهم يخشى عليه إذا أيقظه في الظلام وخرج إلى صلاة الصبح أن يصيبه ما يصيب، وكل هذا لا ِشك أنه من تثيبيط الشيطان، وأهل العلم يبحثون مسألة ما إذا أوقظ الولد الصبي دون التكليف أيقظه أبوه أو أمه ثم خرج إلى صلاة الصبح فجن، فهل على والده أو والدته إثم أو لا؟ هم فعلوا ما أمروا به، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، نعم إذا كان يغلب على الظن أن عقليته قابلة لمثل هذا الأمر، ولا يستطيع الخروج بنفسه، مثل هذا يبحث له عن من يخرج معه، ولو تأخر الأب عن الحضور إلى الصلاة في أول الوقت مع الأذان إلى قرب الإقامة من أجل أن يصحب ولده معه كان أفضل، كثير من الناس يسأل يقول: أنا مأمور بحي على الصلاة حي على الفلاح انطلق إلى المسجد منذ سماع المؤذن، وجاءت النصوص تدل على فضل المبادرة والمسارعة والمسابقة؛ لكن عندي أولاد يحتاجون إلى وقت للإيقاظ فإن أيقظتهم قبل الأذان شق عليهم كثيراً، ولا يطاوعون أن ينتبهوا قبل الأذان، وإن انتظرت في إيقاظهم إلى ما بعد الأذان ترتب على ذلك أنني أتأخر إلى قرب الإقامة، نقول: ومع ذلك تأخر، تصلي النافلة في البيت وتتعاهدهم بالإيقاظ، وتصحبهم معك، وهذا أفضل لك، وفي هذه الحالة تكون قد وقيت نفسك وأهلك من النار.

في الحديث الصحيح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قام من الليل، وصلى ما شاء الله أن يصلي، وقال: (أيقظوا صواحب الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)) ولا شك أن هذا من وقاية الأهلين من النار، والتعليم كما يكون بالقول يكون بالفعل، وهذا منه، هذا تعليم وما حفظت صلاته -عليه الصلاة والسلام- وما بلغت هذه الأمة من أولها إلى آخرها إلا بسبر أفعاله -عليه الصلاة والسلام- امتثالاً لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وعائشة -رضي الله عنها- حفظت من صلاته ما حفظت، وابن عباس حفظ من صلاته ما حفظ، ورووها وعملوا بها، وعملت بها الأمة من بعدهم، وكل هذا من الوقاية للنفس والأهل من النار، يقول القرطبي: ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [(2) سورة المائدة] يقول: وذكر القشيري أن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ يعني يستطيع الإنسان بتوفيق الله -جل وعلا- أن يقي نفسه فيعمل بالواجبات، ويترك المحرمات، لكن ماذا عن الأهلين؟ الإنسان إذا ملك نفسه لا يستطيع أن يملك غيره فقال: تنهوهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به، تقونهم بالأمر والنهي، وقال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه، ذلك حق يعني الوقاية من النار حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه، يعني جميع من تحت يديه جميع من استرعاه الله عليهم عليه أن يقيهم من عذاب الله -جل وعلا-، الذي جاء في وصفه ما جاء وقودها الناس والحجارة، يعني النار فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، يعني نار الدنيا جزء من سبعين جزء ووقودها الناس، وضمن لها ملؤها، وقال الصحابة: وإن كانت لكافية يا رسول الله؟! قال: ((لكنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً)) فالأمر مهول، والخطر جسيم، فعلى المسلم أن يعد العدة ليقي نفسه، ويقي من تحت يده من النار.

قال إلكيا الطبري الهراسي، وله كتاب في أحكام القرآن مطبوع ومعروف، فعلينا تعليم أولادنا، وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب، وهو قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [(132) سورة طـه] ونحو قوله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [(214) سورة الشعراء] لا شك أن أولى الناس بالبر النفس، ثم الأقرب فالأقرب، قد يقول قائل: إننا نشاهد كثير من أهل العلم لهم عناية شديدة بالتعليم، تعليم الناس العلم، ونذروا أنفسهم لهذا الأمر، وهذا ديدنهم وشأنهم؛ لكن هل يقدمون لأهليهم وأولادهم مثل ما يقدمونه للناس؟ قد يقول قائل هذا الكلام؛ لأننا نشاهد من الكبار من هو مشغول بوظيفته ثلث الوقت مثلاً، وعنده دروس لعموم الناس، وعنده لقاءات تأخذ عليه جل وقته، وعنده أيضاً اجتماعات ولجان فماذا أعد لأهله وولده؟ وقد أمر بأن يقيهم من النار، هل قدم لأهله وولده شيء أو لم يقدم؟ يعني فيما يبدو للناس ويظهر لهم أنه مشغول عن ولده وأهله؛ لكن هل معنى هذا أن أهله لم يستفيدوا منه، وهل معنى هذا أنه لم يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في نفع أهله وولده حتى وصل إلى حد إما أن يستفيدوا منه أو ييأس منهم؟ وقد يحصل هذا أو هذا؛ لكن مع هذا على الإنسان أن لا ييأس هل من لازم التقديم للأهل والولد أن يستجيب الأهل والولد؟ هل إذا رأينا العالم ظهرت عليه علامات الصدق والإخلاص في تعليمه للناس هل من لازم ذلك أن يظهر الأثر على أهله وولده أو يتهم أنه ما بذل لهم شيء؟ هل من لازم ذلك؟ لا ليس بلازم ذلك، بل من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- من لم يستطع أن يهدي زوجته وولده، أعني هداية التوفيق والقبول، والله -جل وعلا- يقول في حق نبيه أشرف الخلق: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء} [(56) سورة القصص] بعض الناس يستدل على إهمال بعض العلماء لأهليهم وأولادهم أن أهليهم وأولادهم ما استفادوا منه، بدليل أن واقعهم يخالف ذلك؛ لكن هذا الكلام ليس بصحيح {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} [(10) سورة التحريم] ونوح ابنه وأمره تعرفونه ما خصه الله في القرآن، يعني يبلغ الضلال ببعض الناس، يعني قد يتساءل بعض الأخيار عن هذا ويقول: فلان عنده عشرة من الولد كلهم طلاب علم، هذا نجح، وهذا بذل، وهذا نصح، وفلان من الناس ما عنده إلا ثلاثة أو أربعة ما أفلح في تربيتهم، هل معنى هذا أنه قصر في تربيتهم؟ كلا والدليل على ذلك حال هؤلاء الأنبياء لكن عليه أن يبذل السبب، فإذا بذل السبب حصل له ما وعد به من الفضل العظيم، والثواب الجزيل على التربية، وحسن التنشئة والنتائج بيد الله -جل وعلا-.

ألا تعلمون أن من العقلانيين في هذا العصر من يزعم أن نوح -عليه السلام- بالحرف يقول: فشل نوح في دعوته؛ لأنه ما استفاد منه أقرب الناس زوجته وولده، هذا من العقلانيين، رافعين راية العقلانية والعصرانية شخص يقال له: جودة سعيد، يقول: فشل نوح بدعوته، ويقول: فشل محمد في دعوته في مكة والطائف، ونجح في المدينة، هذا ضلال زيغ وإلحاد نسأل الله السلامة والعافية، قد يتراءى لبعض الناس من آحاد المتعلمين أن فلان -الشيخ الفلاني- أولاده كلهم ما شاء الله خيار، وطلاب علم، فبذل ونصح واجتهد هذا ابتلاء من الله -جل وعلا-، سواء أجابوا أو لم يجيبوا، والقدوة في ذلك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- نعم أقول: أقرب الناس إلى الأنبياء الزوجة والولد فلا يظن بأهل العلم مع أنهم قدموا للأمة ما قدموا أنهم ما نصحوا وما قدموا وما وقوا أهلهم وأنفسهم من النار، ليس صحيح هذا الكلام، قد يقول قائل: لماذا لم يكون الحسن والحسين أكثر الناس رواية؟ أكثر الناس رواية أبو هريرة دوسي بعيد عن قريش، الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((إنما أنا قاسم والله المعطي)) -عليه الصلاة والسلام- يقسم بين الناس بالسوية يحدث لا يخص أحد بحديثه، فالله -جل وعلا- هو المعطي؛ لأن هذا الموضوع فيه شيء من الغبش؛ لأن كبار أهل العلم يُتهمون أنهم انشغلوا بتعليم العلم وبالوظائف عن أهلهم وذويهم، هذا الكلام ليس بصحيح، يعني حدثني واحد من العلماء من الكبار، وله منصب كبير جداً في الدولة الآن، يقول: كان أبونا يأمرنا ونحن أطفال، ويأطرنا على حضور درس بعد صلاة الصبح، والنوم بعد صلاة الصبح له لذة ومتعة، فكنا نفرح إذا سافر الوالد لننام بعد الصلاة، فهل يقال: في مثل هذا أنه ما قدم لأولاده شيء، أنا أعرف من شيوخنا من له دروس في بيته، منهم من يقرأ في التفسير، ويبين لهم كلام الله -جل وعلا-، ويقرأون في تفسير الجلالين ويوضح لهم، ويبين لهم الأخطاء، لو أردتم أن نسمي سمينا؛ لكن ما له داعي؛ لأن هذه أمثلة، ويقرأ درس في رياض الصالحين، ويسمعه الكبار والصغار، ويوضح لهم ويعطي كل إنسان ما يناسبه، رغم أنه مشغول شغله يعني عمله بالنسبة للأمة أكثر من سبعين في المائة من وقته، فلا يتهم هؤلاء أنهم ضيعوا أولادهم وانشغلوا في أمور الناس، نعم أحرص ما يكون الإنسان على نفسه وولده، منهم من حاول مع ولده، حاول مع الأولاد أن يكونوا طلاب علم، ومع ذلك ما أفلح، حاول حاول ثم أيس، ولا شك أن الإنسان بشر، يعني يصرف جهده فيما يجدي ويلمس ثمرته أفضل مما يكون أقرب إلى العدم، وعلى الإنسان أن يبذل ولا ييأس وعليه أن يتابع فيعلم الأولاد، ويعلم النساء، في تفسير الآلوسي يقول: استدل بها -يعني الآية- على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض، وتعليمه لهؤلاء، يعني الزوجة والولد والعبد والأمة، وكل هذا لأن الله -جل وعلا- أوجب على هؤلاء الفرائض، وحرم عليهم المحرمات، ولا يتم الإتيان بهذه الواجبات إلا بتعلم ما يصححها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب عند أهل العلم، متفقون على هذا، قال بعضهم: الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة، يعني خالية ما نقش فيها شيء، خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه، خام ما زال يقبل أي شيء يوجه إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه، وكل معلم له مؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والولي له، وقد قال الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [(6) سورة التحريم] ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فلأن يصونه عن نار الآخرة من باب أولى، وصيانته في الأدب يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء، ولا يعوده التنعم، يعني إذا عرفنا هذا، وعرفنا الواجب والتكليف الملقى على عاتق الأب والأم أيضاً تجاه الأولاد من بنين وبنات، ولا شك أنها مسئولية وأمانة في عنق الوالدين، فعليهم أن ينشئوا ويربوا أولادهم تربية صالحة على الخير والدين والفضل، وحسن الخلق والعلم فالأبوان مسئولان عن الولد وجاء الوعيد الشديد فيمن ولاه الله -جل وعلا- رعية وغشهم جاء بحرمانه من الجنة نسأل الله العافية والسلامة.

ولا شك أن عدم تعليم الولد وتركه فريسة للأشرار هذا غش، وعدم قيام بالأمانة التي حمل إياها، ولا شك أن الأب لديه من القدرة على تحمل المسئولية وأطر الولد على الحق ما لا يوجد عند الأم، وعند الأم أيضاً من الوسائل ما تستطيع بها أن تؤثر على الولد لطول بقائه معها في أول سني عمره، فالأب قد يكون مشغولاً في تحصيل المعيشة، والأم متفرغة في البيت هذا الأصل؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [(33) سورة الأحزاب] وأعظم وظيفة للمرأة تربية الولد تربية النشء على مراد الله -جل وعلا-، فلها من التأثير في بعض الجوانب أكثر من تأثير الأب، والأب أيضاً له تأثير من جهات أو من جوانب أخرى أكثر من تأثير الأم وهما بالجملة متكاملان، هما متكاملان إذا قاما بالأمانة وأدياها على الوجه المطلوب، وعلى كل حال إذا بذل الوالد الجهد، وكذلك الأم واستفرغا الوسع في تربية الولد وتنشئته، ثم بعد ذلك حصلت النتائج على غير ما يتوقعان فقد أديا ما عليهما، ولا يلامان على ذلك على ما تقدم، التربية بالنسبة للشباب قد يحسنها ويتقنها بعض الناس ولا يتقنها آخرون، فقد يكون الأب من كبار أهل العلم، وله أثر في الأمة له أثر بالغ في الأمة فالأمة تنتظر ما يقول، وتنتظر ما يفتي به؛ لكنه في بيته لا يستطيع أن يربي أولاده، وإذا حضر عنده من طلاب العلم من المبتدئين ما عرف أن يتعامل معهم، فنقول: مثل هذا يكفي أن يربي الكبار، وللصغار من يربيهم؛ لكن عليه أن يوجه هؤلاء الصغار إلى من يحسن تربيتهم، ما يهملهم ويقول: أنا والله لا أحسن التعامل معهم، إذاً أتركهم؟ لا إذا كان يستطيع أن يؤثر فيهم فبها ونعمت، ما يستطيع يبعثهم إلى من يستطيع التأثير فيهم، فإذا بذل الجهد واستفرغ الوسع في إبراء ذمته فله من الله -جل وعلا- الأجر العظيم، والثواب الجزيل؛ لأن له من الأجر مثل أجورهم؛ لأنه هو الذي دلهم على الخير، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله، وهو الذي هيأهم للصلاح، ويسر لهم أسبابهم ليستفيد من دعائهم بعد موته، كما جاء في الحديث حديث صحيح ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) ولا شك أنه إذا كان هو السبب في صلاحه كانت دعوته له مقبولة؛ لأن الوصل الذي علق عليه القبول والدعاء هو الصلاح فإذا لم يكن الأب سبباً في هذا الصلاح، فقبول الدعوة فيه ما فيه، والله - جل وعلا - يقول: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [(24) سورة الإسراء] يعني هذه الدعوة في مقابل التربية هذه الدعوة (رب ارحمهما) في مقابل (كما ربياني صغيراً) فالذي يهمل أولاده ولا يربيهم يعني دخوله في مثل هذه النصوص، فضل الله واسع لا يحد، وقد يكون الولد مستجاب الدعوة، فيجاب إذا دعا لأحد من أولى ذلك والديه لكن على الإنسان أن يبذل السبب ليدخل في هذه النصوص، قد يقول قائل: هناك أناس بذلوا أسباب ما نجحوا وأناس أهملوا وانتفعوا بأولادهم ما شاء الله، وصاروا علماء أولادهم نعم نعرف من أنفسنا ومن غيرنا من بذل الجهد في تربية الأولاد وما طلعوا على ما يريد حرص على تحفيظهم القرآن ما أفلح، وأعرف شخصاً عنده ولدان يقول: والله ما علمت أنهما حفاظ من حفاظ القرآن حتى دعيت لحفل التكريم، يقول: والله ما علمت أنهما يحفظان القرآن حتى دعيت إلى حفل التكريم، ولا شك أن ما بذل له أجر، والله -جل وعلا- لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وهذا أيضاً لن يحرم -إن شاء الله- دعوة صالحة من هذين الولدين، الذين نشئا على الصلاح والخير؛ لكن أجره ليس مثل أجر من اهتم بولده، وبذل الأسباب، إذا عرفنا أن بذل السبب في وقاية الولد من النار جاء الأمر به في الآية التي نحن بصدد الحديث عنها، فهل يدخل فيها من أهمل ولده ولو نشأ الولد صالحاً؟ يعني ما بذل ما أُمر به {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [(6) سورة التحريم] ما وقى أهله النار مفهوم الآية؛ لكن فضل الله واسع، لا يحجر فضل الله؛ لكن يبقى هذا فيمن أهمل، فكيف بمن يسر لولده أسباب الفساد؟ نسأل الله السلامة والعافية، ثم بعد ذلك عاش الولد طيلة حياة والده على هذا الفساد، فلما توفي والده نسأل الله السلامة والعافية تولى هذا الولد غيره، غير هذا الوالد، ثم أصلحه الله بسبب من دعاه إلى الخير، لا شك أن هذا غاش لرعيته، ومتوعد بحرمانه من الجنة، نسأل الله السلامة والعافية.

فعلى الإنسان أن يتمثل هذه الآية، ويربي ولده وأهله من أول يوم، بل قبل ذلك في الاختيار في اختيار الزوجة أن يختار المرأة الصالحة التي تعينه على نفسه أولاً، وعلى نفسها وعلى أولاده تعينه على الخير، ولذا جاء في الحديث ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) والأم مدرسة الأم مدرسة، أول من يستفيد منها الزوج إذا كانت صالحة، وأول من يستفيد من الزوج إذا كان صالحاً الزوجة، وبصلاحهما يتم لهما التعاون على البر والتقوى، ويتعاونان أيضاً على تنشئة جيل صالح يبدأ من هذه الأسرة، ويتنشر إلى الأقارب والجيران، ثم إلى المجتمع، على الأب إن كان من أهل العلم أن يعقد الدروس العلمية في بيته لأسرته بادئاً بصغار العلم، فيعلمهم القرآن، ويبدأ بقصار السور، ويعلمهم السنة بادئاً بالأربعين مثلاً، يجعلهم يحفظونها، ويشرح لهم معاني هذه الأحاديث، ويبين لهم غريب القرآن، أثناء حفظهم إياه، ويعلمهم العقيدة الصحيحة، يبدأ من الأصول الثلاثة والقواعد الأربع وكشف الشبهات والتوحيد والواسطية إلى آخر السلسلة المعروفة عند أهل العلم، يحرص على تنشئتهم تنشئة صالحة على العقيدة السليمة، ويعلمهم بعض الأحكام الشرعية التي تناسب مستواهم، هذا إن كان من أهل العلم، وأدركنا الجيل الذين قبلنا وقد يوجد أفراد لكنه ما يلاحظ بكثرة، يعني تجد الولد، وهو في الأشهر في الشهر السابع الثامن تجده يشير بأصبعه من كثرة ما يقال: له لا إله إلا الله، وتجده في سنة في سنة ونصف تسأله من ربك؟ يقول: ربي الله، أين الله؟ يقول: في السماء، على العرش استوى، أقول: مثل هذا الكلام وأدركناه يحفظونهم أصول الدين، يلقنونهم من الصغر، وجرت عادة العلماء من المتقدمين إحضار أولادهم إلى مجالس التحديث قبل سن التمييز، الولد ما ميز كيف تأتي به؟ يحضر مجالس العلم لينشأ عليها محباً لها، ولا يستنكرها ولا يستغرب، وأهل العلم عندما يحضر لديهم أمثال هؤلاء وهذا ذكروه في كتب المصطلح إذا أحضر عندهم أبو ثلاث سنوات أو أربع سنوات، وهو ما يحفظ ولا يفهم يختلفون هل تكتب أسماؤهم في الطباق أو لا تكتب؟ يعني هل يكتبون ضمن أسماء الحاضرين فيروون فيما بعد هذه المرويات بحضورهم عند الشيخ وسماعهم له، وإن لم يكونوا من أهل التمييز، فصار بعض المحدثين يكتب للمميز سمع فلان وفلان وفلان من كبار وصغار، من مكلفين وغير مكلفين؛ لكن كلهم في دائرة التمييز ولمن لم يميز حضر أو أحضر، نعم المميز يكتب له سمع مثل الكبار، وغير المميز يقال: حضر أو أحضر كل ذلك ليألف الصبي سماع العلم من الصغر، وينشأ على حبه.

أما بالنسبة لحق الزوجة على زوجها فعليه أن يعلمها ما تحتاج إليه من أمور الدين من أول ليلة، من ليلة الدخول، وليكن ذلك بدأً بأذكار النوم من أول ليلة ما المانع؟ وتجد الزوجة تجلس عند بعض طلاب العلم العقود، وهي لا تعرف أذكار النوم ولا أذكار الأكل ولا أذكار الدخول ولا الخروج، ولا شيء، والأذكار لها شأن عظيم في حفظ النفس والأهل والمال والولد، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يعوذ الحسن والحسين فتنشئتهم على هذه الأذكار، والآن كل شيء متيسر، الأذكار يمكن تطبع في كرت ورقة واحدة، ومع ذلك توزع على الأهل والأولاد، ويضرب لهم مدة لحفظها، وأعرف شخص ولده من هؤلاء الشباب الذين في مرحلة المراهقة، ويطلب سيارة قال: ما عندي مانع أن أشتري لك سيارة؛ لكن بشرط أن تحفظ أذكار الصباح والمساء، وجميع الأذكار، وهي مدونة في كتيب أعطاه الكتاب، وبعد مدة سمع له، واشترى له السيارة، هذه الأذكار تحفظ، الآن يعاني كثير من الناس، واحد من الأخوان اشترى لولده سيارة في الثانوية، يشكو يقول: كل يوم يأتي لنا بمصيبة، كل يوم حادث، هل عود الولد على الأذكار؟ ما عود والأذكار، لا شك أنها حصن هذه فائدتها في الدنيا فكيف بفائدتها في الآخرة؟ وهي من أعظم الأسباب في الوقاية من النار، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((سبق المفردون)) الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وجاء الحث على الذكر في كثير من النصوص، الذكر لا يكلف شيء، فتنشئة الولد والأهل على هذا الأمر لا شك أنه من الوقاية من عذاب الله -جل وعلا-، لا يكلف شيء، يعني هل الولد إذا قيل له: قل سبحان الله وبحمده مائة مرة، يعني في دقيقة ونصف أو في أول الأمر يكون في دقيقتين، يأخذ عليه وقت أو جهد، تقول له: والله يا ولدي اليوم مصروف المدرسة ثلاثة ريال، قل لي: سبحان الله وبحمده مائة مرة واعطيك ثلاثة في دقيقتين، لن يتردد تقول له: صلى على النبي -عليه الصلاة والسلام- عشر مرات، تقول: وقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد إلى آخره عشر مرات، أو مائة مرة في المقابل، وينشأ نشأة صالحة، فلا شك أن هذه من الأساليب التي ينبغي أن يسلكها كل مسلم؛ لأنها لا تكلف شيء، ولا تحتاج إلى علم، أما بالنسبة لمن لديه شيء من العلم لا شك أن المسئولية عليه أعظم، فعليه أن يعلم من ولاه الله -جل وعلا- أمانته، والذي ليس لديه شيء من العلم عليه أن يبذل السبب في إلحاقهم بحلق العلم، بدأ من حلقات التحفيظ، وأيضاً المعاهد العلمية التي تؤسس طالب علم متين، ولله الحمد ما زالت قائمة إلى الآن في قوتها، ويلحقهم بمن يحسن تعليم الشباب من أهل العلم؛ لأنه أيضاً ما يحسن أن يلحق الطالب الشاب المراهق في حلق الكبار، وحضر بعضهم من هذا النوع بعض الدروس، ثم ترك، يقول: ما استفدنا، صحيح أنه ما يستفيد؛ لأن الدروس فوق استطاعته فليبحث له عن شيخ يحسن التعامل معه، وهذا سبقت الإشارة إليه قريباً، فيلحق بحلقات التحفيظ، ويلحق أيضاً بالدروس العلمية المناسبة لمستواه، وذكرنا في مناسبات كثيرة أن طلاب العلم على طبقات، منهم المبتدئ ومنهم المتوسط، ومنهم المنتهي، والشيخ الفلاني يستطيع أن يتعامل مع المبتدئين، وفلان يستطيع أن يتعامل مع المتوسطين، وفلان يستطيع أن يتعامل مع الكبار، كل له ما يخصه، وكل له طلابه.

بالنسبة للزوجة عرفنا أن حقها على الزوج إذا كان من أهل العلم أن يعلمها العلم، ومع ذلك يفتح لها المجال أن تلتحق بحلقات التحفيظ، والدور النسائية وهي -ولله الحمد- متوافرة وكثيرة، هذا إذا لم يتيسر له تعليمها ويحفظها ما حفظ من القرآن، ويعلمها ما تعلم، وبعد ذلك يترك لها المجال أن تطلب العلم في هذه الدور، وهي منتشرة في الأحياء -ولله الحمد-، والوضع يبشر بخير نحمد الله ونشكره، النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لخاطب الواهبة: ((زوجتك بما معك من القرآن)) وفي بعض الروايات ((على أن تعلمها شيئاً من القرآن)) وحدد بعض السور، فمثل هذا لا شك أنه من أعظم المهور، هذا بالنسبة لحق الأهل والأولاد على الزوج.

أما حق الوالدين على الولد فأمر لا يحتاج إلى ذكره، يعني النصوص قرنت حق الوالدين بحق الله -جل وعلا- ومن أعظم البر المقدم للوالدين والإحسان إليهما ما يكون سبباً في وقايتهم من النار، وذلك بالعلم النافع فيعلمهم الولد إذا كان عنده شيئاً من العلم، وهم في حكم العوام يعلمهم ما يجهلون لا سيما القرآن بعض عوام المسلمين عندهم من الحرص على الخير ما عندهم، فتجدهم مع الأذان في المسجد، مع الأذان يحضرون المسجد؛ لكن النتيجة؟ نعم هم على خير لأنهم ينتظرون الصلاة، والمطلوب المزيد من الخير، تجد أن هذا العامي المسكين الذي لا يقرأ ولا يكتب يلتفت يميناً وشمالاً، وينظر في الساعة أمامه وفي يده أو في جيبه ينتظر الإقامة لماذا؟ لأنه لا يقرأ المصاحف أمامه حتى في المواسم الأوقات الفاضلة يأتي مع الأذان في رمضان والناس يقرؤون من يمينه ومن شماله وهو لا يستطيع، فمثل هذا أمانة في عنق ولده، أن يعلمه شيء يستفيد منه في مثل هذه الأوقات، والأمور متيسرة ولله الحمد، ويندر أن يوجد بيت من بيوت المسلمين الآن ليس فيه من يقرأ القرآن، فيبدأ بهم من الفاتحة، ثم قصار السور، يبدأ يحفظهم الفاتحة، والفاتحة معروف أنها ركن من أركان الصلاة، تجد بعض العوام لا يحسن الفاتحة، وولده متعلم عنده شهادات، وقد يكون يعلم الناس ووالده محروم من هذا العلم، بإمكانك أن تعلم والدك يا أخي ما هو المانع أن تجلس ساعة ساعتين ثلاث يوم يومين أسبوع تعلمه الفاتحة والمعوذتين.

في المنطقة الشرقية قبل شهر في صباح الجمعة، بعد صلاة الصبح ولمدة ساعة ونصف أسمع شاباً يلقن شيخاً كبيراً سورة الكهف كلمة كلمة في ساعة ونصف، ساعة ونصف يمكن أن يقرأ فيها سبعة أجزاء؛ لكن تلقين الكهف نصف جزء أخذت عليه ساعة ونصف، يعني شيء شهدته أنا وحضرته، وسمعته وأجزم أن هذا لا تربطه به صلة، ليس من أهله ولا من أقاربه، فكيف بالأب يحرم مثل هذه الأجور والولد يستطيع؟! بإمكان الولد أن يمسك الأب ويقول له: يا والدي الفاتحة ركن من أركان الصلاة، والصلاة ركن من أركان الإسلام وأنت لا تحسن الفاتحة، ولا غضاضة ولا عيب لا على الولد ولا على الوالد هذا شرف في الدنيا والآخرة للمعلم وللمتعلم، لماذا لا يقول: يا أبت أنت لا تحسن الفاتحة نعم قد يكون الأب قد تعلم على طريقة قديمة وسمعنا من يقرأ القرآن بقراءة فيها تصحيف وتحريف وتقديم وتأخير، وإبدال كلمات، وترك بعض الآيات سمعنا هذا، وعنده أنه من المهرة في القرآن، ويرجو أن يكون مع السفرة الكرام البررة، لولا أن الحديث عن القرآن لذكرت بعض الأمثلة مما سمعته من كبار السن؛ لكن أخشى أن يكون مسخرة، ومثل هذا لا يجوز في القرآن، مثل هذا ما هو المانع أن يقول الولد لوالده: أنت لا تعرف تقرأ، أو بأسلوب مؤدب أنت لا تعرف تجود دعنا نعلمك القرآن بالتجويد، أنت على طريقة شيوخنا الكبار الذين لا يجودون، يعني يعطيه شيء من الثقة ليقبل، أما لو قال له: أنت ما تعرف تقرأ يمكن يقول له: ما أدراك كل عمرنا مع شيوخنا، وهذه جملة يرددونها(هذه قراءة شيوخنا) وهذا ليس بصحيح؛ لكن هذا ما تعلمه، فيمسكه الابن ويعلمه الفاتحة على الطريقة الصحيحة، ويقرأها على الوجه الصحيح، يعني أنا سمعت إمام مسجد يقرأ (ثم لا تسألن يومئذ عن النعيم) قلب للمعنى، يعني لو كان هذا في الفاتحة بطلت الصلاة، ولو تعمد مثل هذا التحريف بطلت صلاته قلب حيد عن الصواب، فمثل هذا نقول: الولد يلزمه أن يعلم أباه؛ لأنه كما طُولب الأب أن يقي الولد من النار والابن يستطيع هذا أوجب عليه، يعني من باب أولى إذا كان الولد يستطيع أن يقي الوالد من النار، وهو السبب في وجوده والحق عليه أعظم من حق الولد على الوالد، فعليه أن يبذل وسعه لتعليمه ليخرجه من الظلمات إلى النور، فيعلمه قصار السور بلا يأس، عجوز عمرها أكثر من سبعين سنة لا تقرأ ولا تكتب حضرت حفل التحفيظ حفظت القرآن كامل فوق السبعين، ومشكلتنا أن اليأس من أقرب شيء إلى قلوبنا، إذا بلغ الولد الثلاثين قلنا: هذا ميئوس منه، ليس صحيح، صالح بن كيسان قالوا: أنه تعلم وعمره قيل: تسعين سنة، وقيل: خمسين، وقيل: أكثر.

المقصود أنه لا يأس تعلّم في التسعين في الستين في السبعين، القفال من أئمة الشافعية تعلم كثير، كثير من أهل العلم، كثير في تراجمهم تجد أنهم بدأوا التعلم في الكِبر، نعم التعلم في الصغر أثبت؛ لكن إذا ما تعلم في الصغر ييأس ويترك، لا، لا ييأس ولو لم يكن له من النصوص إلا ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)) يكفيه هذا، ولو لم يحصل من العلم شيئاً مثل ما قلنا: صالح بن كيسان تعلم في الكبر، حتى صار من كبار الآخذين عن الزهري، فلا يأس، فإذا قال الولد لأبيه: يا أبت أعلمك الفاتحة، ثم كررها عليه يوم، يومين، أسبوع، عشرة، أعظم سورة في كتاب الله ليس كثيراً أن ينفق عليها الولد مع أبيه مع أوجب الناس حقاً عليه بعد الله -جل وعلا-، وكذلك الأم إذا كانت لا تحسن القراءة يعلمها الولد، ولو طال الوقت، هذا باب من أبواب الجهاد، فإذا كان مأمور أن يقيهم نار الدنيا فلأن يقيهم نار الآخرة من باب أولى، أيضاً هناك الآلات مثل المسجل، يهيئ الولد لوالده مسجل، ويأتي بأشرطة لقاريء مؤثر مثلاً، وواضح يخرج الحروف من مخارجها، ويقال له: يا أبت اضغط هذا الزر، حتى تسمع القراءة، ثم أعد ثانية وثالثة، هذا إذا دب الملل إلى الولد أو صار له عمل يعوقه عن متابعة تعليم والده، وإلا أتصور أن من أفضل ما يقدم في هذه الحياة ما يقي الوالدين هذه النار، مما يعين أيضاً على التعليم والتعلم في الأسر، ولمس أثره هذه الآلات التي قلنا: مسجل سواء كانت هي أشرطة القرآن أو أشرطة الدروس العلمية أو المواعظ، وإذاعة القرآن الكريم في هذه البلاد نفع الله بها نفعاً عظيماً في البيوت، كثير من عوام الناس يشارك في مسائل علمية؛ لأنه يسمع نور على الدرب، فاستفاد الناس فائدة عظيمة، فالذي يحرص عليها الناس كلهم سواء كان متعلماً أو عامياً.

لا شك أن الأم مع بناتها عليها مسئولية عظيمة في تربية البنات على العفة والستر والأب من ورائها يحوطهم بذلك، ويحضر لهم ما يحتاجون إليه مما يعينهم على ذلك، كذلك البنات مع الأمهات عليهن من المسئولية مثل ما على الأولاد مع الآباء، وكم من بنت صارت سبب إنقاذ لأسرة بما في ذلك الأب والأولاد، فضلاً عن الأم، هناك كلام لأهل العلم، وله نصيب من الواقع، قالوا: أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه، وهذا مشاهد تجد العالم الكبير أولاده إن كان فيهم خير وفيهم حرص وفيهم طلب علم يحضرون دروس مشايخ آخرين، وهذا لا شك أنه خير؛ لكن تجدهم زاهدين في آبائهم، فأزهد الناس في العالم أهله وجيرانه، ولعل السبب في ذلك أن الهيبة والتعظيم والقدر في النفوس إنما يكون مع تمام الحشمة، فالعالم من بعيد تجده محتشم، يعني في الغالب عليه السمت وعليه اللباس الكامل، وقد يكون عليه البشت، والأب تراه على هيئات فيها شيء من ترك الحشمة، أحياناً ما يكون عليه ثوب، وهو بين أولاده وزوجته، فمثل هذه الحالة فلا شك أنه هيبته تقل في نفوسهم، أيضاً كثرة الإمساس، وجوده بينهم في كل وقت وفي كل حين، ويشاهدون تصرفاته، وأن تصرفاته تصفات بشرية، لا شك أن التصرفات البشرية يعتريها ما يعتريها من النقص، فإذا اطلع عليها الأهل والأولاد يعني نزلت قيمته ثم بحثوا عن غيره، بينما غيره من أهل العلم باستمرار على الحشمة ما يرونهم على خلافها فتجدهم يتعلقون به أكثر من تعلقهم بأبيهم أو أخيهم من أهل العلم، بعض الناس عنده حساسية زائدة، ولها نصيب من النضر، يخاف على ولده إذا خرجوا إلى الصلاة من قرناء السوء، أو إذا خرجوا إلى الحلقة في طريقهم ذاهبين وآيبين يمرون البقالة، ويطلع معهم فلان، ويتكلم معهم فلان، يقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فأنا لا أتركهم يذهبون الجماعة بالنسبة لهم هم غير مكلفين يصلون في البيت، خشية من قرناء السوء، لا سيما إذا كانت بعيد عن البيت، وكذلك ذهابهم إلى الحلقات، أقول: يا أخي هذا ليس بعلاج، الترك ليس بعلاج، بل لا بد أن يصلوا مع الناس في المسجد، وأن يذهبوا إلى مواطن العلم ويتعلموا، ومع ذلك عليك أن تحوطهم برعايتك وعنايتك، وتكون من ورائهم ومن أمامهم ومن خلفهم، وتسأل عنهم وتتحسس وتربطهم بالرفقة الصالحة، وإن تيسر أنك أنت الذي تذهب بهم وترجع بهم فنور على نور، وإن أبيت إلا أن يتركوا هذا فأتِ لهم ببديل، تحضر لهم البديل، ما تقول: أتركهم لا يتعلمون، ثم تتركهم عوام، لا، والأمور متيسرة ولله الحمد، بإمكانك أن تحضر لهم البديل؛ لكن ليس بحل الترك، ليس بحل، بل لا بد أن يواصلوا التعلم والحفظ على أي حال؛ لكن يبقى أنك لا بد أن تربطهم بالرفقة الصالحة؛ لئلا ينزجّوا مع الرفقة السيئة ثم بدل أن يتعلموا الخير يتعلمون الشر؛ لأن بعض الناس يتعذر بهذا يقول: أنا والله ما أرى أن يذهب الأولاد التحفيظ خشية من قرناء السوء، يعني إذا ذهبوا يمرون البقالة، البقالة فيها جمع من الشباب، وعندهم مخالفات وأحياناً يدخنون، وأحياناً كذا، أيضاً إذا رجعوا ذهبوا إلى المسجد، ذهبوا إلى المدرسة، كيف سينشأ الولد بهذه الطريقة، يعني إذا كنت خائفاً عليهم فاصحبهم أو أصحبهم من يعتني بهم، ولا شك أن الحديث في هذا الباب لا ينتهي، والأولاد والأهل مسئولية عظيمة، وحمل ثقيل، حتى أن بعض الناس يتمنى في ظل الظروف التي نعيشها مع فساد الأوضاع وكثرة المغريات، يتمنى أنه كان عقيماً؛ لأنه يرى أن أولاد فلان كيف صاروا؟ وقد يكون لديه أولاد أتعبوه ما نجح في تربيتهم، ما أفلح، فيقول: ليته عقيم، عليك يا أخي أن تبذل السبب، عليك أن تمتثل ما أمرت به من التكاثر، تناسلوا تكاثروا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، أنت أمرت بهذا، وأمرت ببذل السبب في التربية، كونك تنجح أو ما تنجح هذا ليس بيدك، النتائج بيد الله -جل وعلا-، وقل مثل هذا في الدعوة، دعوة الناس، تقول: أنا والله أستطيع الدعوة؛ لكن دعوت ودعوت ما استفاد الناس مني، وما أشوف أثر واضح نقول: ليس عليك إلا أن تدعو {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [(33) سورة فصلت] {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [(108) سورة يوسف] ولنا قدوة وأسوة في الأنبياء، فمن الأنبياء من يأتي وليس معه أحد، فأنت إذا بذلت السبب فالأجر مرتب على بذل السبب، وحينئذ لا تيأس وأجرك ثابت، سواء استفاد الأهل، استفاد الأولاد، لكن لا بد أن تبذل السبب، لا تقول: ما جهدي وأنا الضعيف المسكين مع هذه الآلات، ومع هذه القنوات، ومع هذه الوسائل المفسدة، أحياناً ينتفع الإنسان بكلمة واحدة، وتنقلب حياته رأساً على عقب، إذا خرجت من القلب، انتفع بها الإنسان، وكم رأينا من ناس في غاية من الشهر والفساد، وأبواه على خطر عظيم منه، ثم بعد ذلك تجده في روضة المسجد، ومن السابقين إلى الدروس العلمية، بل من العاملين على إنجاح الدروس العلمية، والمتابعين للدروس، والخادمين للدروس، فلا يأس فكيف يتمنى الإنسان أن يكون عقيماً، لا شك أن العقم أفضل من الأولاد مع عدم بذل السبب؛ لأنه مسئول عنهم، مع الإهمال بحيث يخرجوا مفسدين، وما بذل أي سبب، هذا لا شك أن عدم الولد أفضل منه، لمثل هذا النوع من الناس، أما من بذل السبب ولو لم يفلح في تربيته، ولو لم تترتب الآثار، ولو لم يفلح في تربيته، ولو لم تترتب الآثار على هذا السبب، لا شك أنه خير؛ لأنه مع النصوص يدور أمر بالتكاثر فكاثر، أمر بالزواج تزوج، أمر بالتعدد فعدد، أمر بتكثير النسل فأكثر، وبذل السبب في التربية؛ لكن ما أفلح، النتائج بيد الله -جل وعلا-، ولا شك أنه كلما كثر التعب كثر الأجر، وهذه الظروف التي نعيشها مع كثرة المغريات، وكثرة المفسدات لا شك أنها أعظم أجور من قبل عشرين وثلاثين وأربعين وخمسين سنة، ولذا جاء في الحديث في المسند والسنن بإسناد حسن ((للعامل فيهن -في وقت الفتن- أجر خمسين)) قالوا: منهم يا رسول الله؟ قال: ((بل منكم)) يعني من الصحابة أجر خمسين على ماذا؟ على مثل هذا الصراع الذي نعيشه، فنحتاج إلى مزيد من البذل في التربية والتوجيه والرعاية والعناية، ليحصل لنا هذا الأجر العظيم، الذي وعد به على لسان النبي -عليه الصلاة والسلام-، ونكتفي بهذا، والله أعلم.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.