إحالات (فتح الباري) وقصة تأليفه

عنوان الدرة: 
إحالات (فتح الباري) وقصة تأليفه
مصدر الدرة: 
مقارنة بين شروح كتب السنة
التصنيف: 
طلب العلم

محتوى الدرة


ودّ الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- وتمنّى أن لو تتبع الإحالات التي تقع له في (فتح الباري)، لكن لم يفعل ذلك –رحمه الله-، فتجده يقول: وسنتكلم على هذا الحديث، أو تأتي الإشارة إلى كذا في موضع كذا، ثم تأتي ويحيل مرةً أخرى، وقد تأتي الإحالة ولا يتكلم عنها.

وكتاب (فتح الباري) كتاب طويل، وكان تأليفه فيما يقارب ربع قرن لطوله وتحريره وتنقيحه، وما زال الحافظ –رحمه الله- يُحرر ويُنقح ويُضيف فيه إلى وفاته. وقد يقع للحافظ ترجيح أحد الأوجه في الإعراب، أو الأقوال، أو الاحتمالات، أو غير ذلك، ثم يُرجِّح في موضعٍ آخر غيره، وهذا أمر لا ينفك عنه كثير من الأئمة المعتبرين، ومثل هذا الصنيع يدل على أن الحافظ –رحمه الله- مستمر في البحث، ولم يقف اجتهاده عند حدّ، وتغيُّر الاجتهاد عند أهل العلم معروف، وكذلك فالكتاب بحر محيط، وكبير جدًا، فلا يبعد أن يقع فيه مثل هذه الأشياء، وهذه مما لا طعن عليه بسببه.

ابتدأ الحافظ –رحمه الله- تأليف الكتاب في أوائل سنة سبعة عشرة وثمانمائة على طريق الإملاء، يمليه إملاءً، يقول –رحمه الله- في الجزء الثامن صفحة 463: (وقد كنت أمليت في أوائل كتاب الوضوء أن قصة الإفك وقعت قبل نزول الحجاب) فعبارة (قد كنت أمليت)، تدل على أن الكتاب أُلف بطريق الإملاء، ثم قال: (وهو سهو والصواب أنه بعد نزول الحجاب فليُصلح هناك)، وبعد أن كَمُلت مقدمته في مجلدٍ ضخم في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة وقد سبق منه الوعد للشرح؛ صار يكتب الشرح بخطه شيئًا فشيئًا، فيكتب الكراسة، ثم يكتبها جماعة من الأئمة المعتبرين إملاءً منه عليهم لتراجَع وتُنقّح وتعارَض بالأصل، مع المباحثة والمناقشة في يومٍ من الأسبوع بقراءة البرهان بن خضر –رحمه الله-، فصار السِفر -المجلد- لا يكمل منه إلا وقد قوبل وحرِّر، إلى أن انتهى الكتاب بهذه الطريقة، وهذا هو السر في تحرير الكتاب وتنقيحه وضبطه وإتقانه، يقول الحافظ ابن حجر: (إلى أن انتهى في أول يوم من رجب سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة)،  سوى ما ألحقه بعد ذلك فلم ينته إلا قبيل وفاته، ولما تَمّ الكتاب عمل الحافظ ابن حجر –رحمه الله- وليمةً عظيمة لم يتخلف فيها من وجوه المسلمين إلا النادر، وكان ذلك في يوم السبت ثاني شعبان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وقُرئ في المجلس الأخير، وحضره جمعٌ من الأئمة كالقاياتي والونائي والسعد الديري وغيرهم، وكان المصروف في الوليمة المذكورة نحو خمسمائة دينار، فطلبه ملوك الأطراف بالاستكتاب واشتري بنحو ثلاثمائة دينار، وانتشر بالآفاق، فالكتاب طويل لكن مملوء بالفوائد، واختصاره يخل به، وإن كان قد اختصره بعض العلماء.