كتاب الإيمان (60)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيستأنف هذا الدرس المبارك في هذه الليلة المباركة بعد أن طرأ ما طرأ من التعديل على الجدول مما اغتبط به فئة ولم يرضه آخرون، فكأن البخاري في نظر بعض الإخوان حصل له شيء من النقص. وعلى كل حال هي تجربة، وكان التفسير على مدى أكثر من عشرين عامًا بالتوزيع الذي كنا نفعله بين عصر الاثنين وينقطع فيه الطلاب؛ لأنهم يأتون من الدوام أو الموظفون، وعصر الجمعة لما يعتريه من الأسفار، فجعلنا النقص مشاعًا، ما جعلناه مركزًا في درس واحد، كما سنعرف الجدول.

التفسير حصل له من نقص في عصر الاثنين الذي كان الطلاب يتذمرون منه، وحصل نقص في البخاري في عصر الجمعة الذي هو الآخر كانوا يتذمرون منه. فبدلاً من أن يكون النقص على درس واحد صار مشاعًا، يعني مثل الدين إذا كثر أصحابه وقل المال، يكون النقص على الجميع أحسن من أن يكون على واحد. التفسير مثل ما ترون من حضره من قديم، ووقته متعب جدًّا يعني الدرسين كلاهما متعب، لكن الآن جعلنا له وقتًا مريحًا، والثاني عليه شيء من النقص. وكذلك البخاري، البخاري تربع على مدة طويلة في درسين من سنام الأوقات، فليكن عليه نقص ولو مدة يسيرة حتى ننظر في هذه التجربة.  

وقال بعضهم: إن الدرس إذا كان يُحضر بعضه، ولا يُحضر البعض الآخر ما يشجع على الالتزام بالحضور. هذا الكلام صحيح؛ لأنه إذا كان واحد يحضر يوم الثلاثاء ولا تيسر له يوم الجمعة ما يتشجع لحضور الثلاثاء؛ لأن الدروس مرتبط بعضها ببعض. فاقتضى النظر أن يكون الثلاثاء ثابتًا تكملة للدروس السابقة، والجمعة يُبدأ من أبواب متأخرة، وليكن مثلاً من كتاب البيوع درس مستقل كأنه كتاب جديد؛ لئلا يتضرر متابعو الدرس الأول. كما أننا فعلنا في التفسير قريبًا من هذا جدًّا؛ لأنه اقتراح في التفسير أن يبدأ يومًا من الفاتحة، ويومًا من الكهف في تفسير واحد، هذا ما ملت إليه.

يقول: بدلاً من أن يُبدأ بنفس الكتاب من موضع آخر فليكن كتابًا آخر. والحمد لله الدرسان حصل لهما قبول وحضور، لكن البدايات ما تدل على... ما تعطي النتيجة التي تضمن الاستمرار لهذه الدروس، وهذا جربناه. البخاري أول ما بدأ في الجامع وامتلأ الجامع، ثم إن أكثر الطلاب يبغون النتائج العاجلة، هؤلاء الذين حضروا، تفسير ابن كثير وامتلأ بهم المسجد يوم السبت ما أدري يمكن يتصورون أن التفسير ينتهي بأشهر أو بسنة أو بشيء من هذا؟ لا لا، ليس عندنا هذا، التفسير يحتاج إلى وقت طويل، ولذلك يوم أن انتهى الدرس الأول في المقدمة ضاقت صدور بعض الإخوان. بينما أضواء البيان أخذنا منه درسًا طيبًا سبع صفحات في عصر الأمس، وتشجع الإخوان، والإخوان ودهم فقط أن ننجز ونقرأ على أي حال كان، وهذا ليس عندي أنا، ما يصلح أبدًا.

 يعني لو نقرأ الفاتحة والبقرة على الطريقة التي أنا مخطط لها يكفي، يكفينا هذا، لكن حتى أنا أظن أني لا أستطيع الاستمرار عليها، وما لا يدرك كله لا يترك ما يستطاع منه. وعلى كل حال نجعل درس الجمعة نفلًا ما هو بأصل وإلا كان مشيناه مع درسنا اليوم، لكنه نفل، فإن رأيتم أن يقرأ في المتن من كتاب البيوع أو من كتاب التفسير أو من أي كتاب ترونه، أو من نصفه الثاني من كتاب المناقب فالأمر إليكم؟

وإن رأيتم أن يُقرأ في المتن أو يُقرأ في شرح غير الفتح مثل الكرماني مثلاً شرح خفيف تعليقات ولطائف ويعلق عليها كما كنا نصنع في الكرماني سابقًا. فرأيكم البخاري يُقرأ المتن أم يقرأ الكرماني أم يقرأ...؟

طالب: .......

لا فيها مشاكلها، ما فيه شيء تقول ....... كتاب الرقاق ....... طلع فيه ما طلع.

طالب: .......

لا هو الكرماني فيه إنجاز؛ لأنه مختصر لا سيما نصفه الثاني يمشي، تعليقات يسيرة ويمر بلطائف.

طالب: .......

ما سمعت رأي الإخوان.

طالب: .......

البيوع ما هي موجودة بفتح الباري ....... الجنائز.

طالب: .......

ما عندنا مشكلة، وأظن بعض الإخوان ما هم بصابرين على فتح الباري، كنا نقرأ أربعة شروح، كنا نسهب ونفصل ونطول حتى مل الناس وانصرفوا، ثم عدلنا إلى قراءة الشروح، كان يقرأ أربع شروح أو خمسة، واقتصرنا على واحد وما ندري ما الذي يصير. مثل واحد من العامة يقول: أول ما بدأت بالتجارة بالإبل، يقول: أخذت مدة في بيع الإبل، ثم اقتضى النظر أنني أنتقل إلى بيع البقر، ثم استمر على ذلك مدة، ثم انتقل إلى الغنم، وأخيرًا بدأ يبيع الدجاج! وأدركته يبيع الفصفص!

فيا إخوان كل شيء له ضريبة، يعني إن أدركتم الشرح في بدايته فيه طول، لكن ما يخلو من فائدة، لكن الإخوان عودهم بعض المشايخ على الإنجاز ويبغون هذا الإنجاز، ويفرح الطالب إذا قطع مرحلة، وينقطع عنقه إذا أخذ له عشرين درسًا في ترجمة كتاب الإيمان، كتاب الإيمان أخذنا عشرين درسًا، هذا ما يصبر عليه أحد. ما رأي الإخوان؟

طالب: الكرماني زين.

طالب: الكرماني طيب.

الكرماني مختصر جدًّا يعني كأنك تقرأ في المتن إلا أنه فيه فتح بعض المغلقات، ويكون سببًا في إثارة بعض الإشكالات، وهذه هي التي تنفع في الدروس، الإشكالات هي التي تنفع، حل الإشكالات أهم من مجرد القراءة. إذًا من كتاب البيوع في شرح الكرماني، إن شاء الله تعالى.

طالب: .......

نعم، يوم الثلاثاء ننبه أن فيه درس الجمعة، مثل درس الجمعة.

طالب: .......

كله واحد؛ لأن الطبعة الأولى نفيسة، وحرفها جميل، لكن أظنهم يقولون نظر الفريابي طبع الكتاب؟

طالب: .......

ما هي مشكلة إن شاء الله، الأمر سهل، لكن إذا وجدت الطبعة الأولى مصورة فيه فزين.

نعم.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا وارفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، واغفر لنا ولشيخنا، واجزه عنا خيرًا.

قال الإمام أبو عبد الله البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابٌ: أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ.

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ -أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟-»".

نعم. ابن عباس طلب من أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي، طلب منه أن يجلس عنده يترجم بين يديه، يترجم، والأصل في الترجمة أن تكون من لغة إلى لغة أخرى، لكن الترجمة هنا بمعنى الاستملاء، يسمع كلام ابن عباس ويبلغه لمن لا يسمعه. والاستملاء لا شك أنها سنة من سنن أهل الحديث، وقد تكثر الجموع فيتخذ المحدث أكثر من مستملٍ. وللمستملي شروط ذكرها أهل العلم في كتب علوم الحديث، وأهم هذه الشروط أن يكون نبيهًا، جيد السمع، جيد الصوت، والنباهة أمر مهم جدًّا.

وُجد طرائف عن بعض المستملين الذين اتصفوا بشيء من الغفلة، فالمملي يقول: حدثنا عِدة، ثم يسكت، فيقول المستملي -وهذه حُفظت عن بعضهم-: عدة ابن مَن؟! نسبه، وقصد الشيخ: عدة من شيوخه. حدثنا عدة، قال: عدة ابن من؟ قال: ابن فَقَدْتُكَ. فنصر ابن عمران الضبعي يكني بأبي جمرة، اتخذه ابن عباس، أمره أن يقيم عنده؛ ليبلغ كلامه الناس باللغة نفسها، وإن سُميت ترجمة.

طالب: قال: "حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟- أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟-». قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِر بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُل بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟»، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ»، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ، وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ»، وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ»".

هنا فسَّر الإيمان بما فسَّر به الإسلام في حديث جبريل -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، هذا مما يدل على الارتباط الوثيق بين الإسلام والإيمان، وتقدم أن الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ- يرى أنه لا فرق بين الإسلام والإيمان، معناهما واحد، هذا رأي الإمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي وجمع من أهل العلم، لكن الأكثر على التغاير بينهما إذا اجتمعا، وأما إذا افترقا تداخلا.

ننظر ما قال الشارح -رَحِمَهُ اللهُ-، يقول الحافظ ابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: (قوله: "بابٌ: أداء الخمس من الإيمان" هو بضم الخاء المعجمة وهو المراد بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] الآية)، والخمس إنما يكون مما يؤخذ من الأعداء، ما يؤخذ من الكفار إما من الغنيمة أو من الفيء في الجهاد في سبيل الله. أما أن يؤخذ من المسلمين والأتباع، فهذا أشبه ما يكون بالمكوس، مثل ما هو موجود عند الرافضة، يسمونه خمسًا، خمس بسبب أيش؟! هل هذا خمس شرعي؟

لا ليس بشرعي، والله المستعان.

قال -رَحِمَهُ اللهُ-: (وهو المراد بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] الآية، وقيل: إنه روي هنا بفتح الخاء)، "بابٌ: أداء الخَمس" يعني الصلوات "من الإيمان"، أو المراد القواعد الخَمس والأركان الخمسة، أداؤها، أداء كل واحدة منها بحسبه.

قال: (وقيل: إنه روي هنا بفتح الخاء، والمراد قواعد الإسلام الخمس المذكورة في حديث «بني الإسلام على خمس»)، في حديث عبد الله بن عمر، ولكن لا شك أن الضبط والحد الأول الخُمس، والمراد به ما كان من المغانم، هو الصحيح، وفي الحديث ما يدل على أن الترجمة مطابقة، حيث يقول الإمام: "بابٌ: أداء الخُمس" وفي الحديث: «وأن تعطوا من المغنم الخُمس»، والأداء والإعطاء بمعنى واحد.

 قال: (وفيه بُعد) يقول ابن حجر (لأن الحج لم يذكر هنا، ولأن غيره من القواعد قد تقدم)، لأنه ترجم بشرائع الإيمان وشعبه، تقدم كثير منها: الصلاة من الإيمان، الجهاد من الإيمان، صوم رمضان من الإيمان، قيام رمضان من الإيمان، إلى غير ذلك. (ولأن غيره من القواعد قد تقدم، ولم يَرد هنا إلا ذِكر خُمس الغنيمة، فتعين أن يكون المراد إفراده بالذكر، وسنذكر وجه كونه من الإيمان قريبًا).

(قوله: "عن أبي جمرة" هو بالجيم والراء كما تقدم)، وهذا قليل بالنسبة لهذا الرسم، وأكثر منه أبو حمزة، لكن هنا بالجيم والراء، (واسمه نصر بن عمران بن نوح بن مَخلد الضُّبَعي بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة، من بني ضُبَيْعة بضم أوله مصغرًا، وهم بطن من عبد القيس كما جزم به الرُّشَاطي، وفي بكر بن وائل بطن يقال لهم: بنو ضُبَيْعة أيضًا، وقد وَهِم من نسب أبا جمرة إليهم من شراح البخاري، فقد روى الطبراني وابن منده في ترجمة نوح بن مخلد جدِّ أبي جمرة أنه قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: «ممن أنت؟»، فقال: من ضبيعة ربيعة، فقال: «خير ربيعة عبد القيس ثم الحي الذي أنت منهم».

قوله: "كنت أقعد مع ابن عباس" بيَّن المصنف في العلم من رواية غندر عن شعبة السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس. قال ابن الصلاح: أصل الترجمة التعبير عن لغة بلغة)، يعني بلغة أخرى، وهذا هو المعروف في الترجمة، لكن كل ما يحصل به البيان فهو ترجمة، ولذا الاستنباط من الحديث بما يُعرف بعنوان الباب يسمونه ترجمة؛ لأنه يبين المراد من الحديث.

قال: (وهو عندي هنا أعم من ذلك، وأنه كان يبلغ كلام ابن عباس إلى من خفي عليه، ويبلغه كلامهم إما لزحام أو لقصور فهمٍ. قلت: الثاني أظهر)، (الثاني أظهر) لماذا؟ لأنه لو كان لزحام ما جلس بجنبه، كان أبعد عنه، كان يبعد عنه حتى يبلغ من وراءه، أما إذا جلس جنبه فما فيه فائدة، الذي يبلغه أبو جمرة يبلغه ابن عباس، إلا إذا كان أرفع صوتًا وأندى فهنا يحصل به المقصود.

(قلت: الثاني أظهر؛ لأنه كان جالسًا معه على سريره فلا فرق في الزحام بينهما، إلا أن يُحمل على أن ابن عباس كان في صدر السرير، وكان أبو جمرة في طرَفه الذي يلي من يترجم عنهم)، حتى هذا الاحتمال يمشي لو كان السرير من الكِبر والعظم بحيث يبلغ من في طرفه أكثر من تبليغ من في طرفه الآخر.

(وقيل: إن أبا جمرة كان يعرف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها. قال القرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد)، والمسألة خلافية: هل هي من باب الإخبار أو من باب الشهادة على المترجم عنه أنه قال كذا؟ فإن كانت إخبارًا يكفي فيها واحد؛ لأن الواحد الثقة يُقبل خبره، وإن كانت شهادة على أنه قال كذا فلا بد من اثنين.

قال -رَحِمَهُ اللهُ-: (قال القرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد. قلت: وقد بوب عليه البخاري في أواخر كتاب الأحكام كما سيأتي، واستنبط منه ابن التين جواز أخذ الأجرة على التعليم؛ لقوله: "حتى أجعل لك سهمًا من مالي"، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج كما سيأتي عند المصنف صريحًا في الحج، وقال غيره: هو أصل في اتخاذ المحدث المستملي)، يعني كون أبي جمرة يأخذ أجرة من ابن عباس هل هو على التعليم أو في مقابل تعبه ورفع صوته؟ هو ما يُعلم، يعني هل هذا من باب القرب التي يختلف أهل العلم على أخذ الأجرة عليها؟ الأذان وهو صوت لا شك أنه قربة، لكن مثل هذا؟ وهو يبلغ، لا يُعلم، إنما يبلغ العلم.

طالب: .......

احتمال قائم بلا شك، لكن كونه مما يُتقرب به، فكل ما ينفع مع نية التقرب يكون عبادة، لكن يبقى أن الأصل في مثل هذا العمل المنفك من التعليم، المعلم ابن عباس، وذاك يبلغ كلامه.

طالب: .......

لا لا، إذا أجزنا له ذلك أجزنا له هذا. لكن هل هو في حكم المعلم يُعلم أمرًا شرعيًّا، ويبلغ أمرًا شرعيًّا مما يُتقرب به إلى الله ويتدين به، أو أنه ليس بغاية في الباب، وإنما هو وسيلة؟ يعني فرق بين من يأخذ الأجرة على الصلاة وبين من يأخذ الأجرة على توضئة المصلي وبين من يأخذ الأجرة على إحضار الماء للمصلي، فكل ما قرب من الغاية قرب من حكمها، وكل ما بعد من الغاية بعد عن حكمها، كما هو معروف. فالمستملي ما هو معلم، يعني فرق بين من يؤلف الكتاب وبين من يطبع الكتاب، وفرق بين من يطبع الكتاب ويزاول العلم بطباعته، وبين من يُجلد الكتاب، وفرق بين من يجلد الكتاب وبين من ينقل الكتاب من مكان إلى آخر، كلما بعدت الوسيلة عن الغاية بعد حكمها عن حكمها.

طالب: .......

الذين يبلغون كلام الإمام، المستملي. لكن هل تدعو إليه الحاجة أو لا تدعو؟ هذا محل إشكال.

(قال القرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد، وقد بوب عليه البخاري في أواخر كتاب الأحكام كما سيأتي، واستنبط منه ابن التين جواز أخذ الأجرة على التعليم؛ لقوله: "حتى أجعل لك سهمًا من مالي"، وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون إعطاؤه ذلك كان بسبب الرؤيا التي رآها في العمرة قبل الحج كما سيأتي عند المصنف صريحًا في الحج، وقال غيره: هو أصل في اتخاذ المحدث المستملي.

قوله: "ثم قال: إن وفد عبد القيس" بيَّن مسلم من طريق غندر)، (غُندر) اسمه محمد بن جعفر، (عن شعبة السبب في تحديث ابن عباس لأبي جمرة بهذا الحديث)، لكن هل هذا الحديث حديث الباب ساقه ابن عباس يقصد به أبا جمرة، أو يقصد به تبليغه لمن حضر وأبو جمرة يبلغه الناس؟ يعني هل هذا الحديث مما كان فيه أبو جمرة مستمليًا أو أن ابن عباس خصه بهذا الخبر وما فيه أحد غيره؟

طالب: خصه.

طالب: .......

لا، أنا أقول، انظر المتن: "ثم قال: إن وفد عبد القيس"، يعني شرع في التحديث ابن عباس، وذاك يبلغ عنه هذا الحديث. أو أنه لما أمره أن يجلس عنده ووعده بأن يعطيه شيئًا من ماله أخبره بهذا الخبر، خصه بهذا الخبر؟

طالب: .......

على كلام الشارح نعم. يقول: (بين السبب في تحديث ابن عباس لأبي جمرة بهذا الحديث، فقال بعد قوله: "وبين الناس" فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر فنهى عنه، فقلت: يا ابن عباس، إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حلوًا فأشرب منه فتُقرقر بطني؟ قال: لا تشرب منه وإن كان أحلى من العسل. وللمصنف في أواخر المغازي من طريق قُرة عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: إن لي جرةً أنتبذ فيها فأشربه حلوًا إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيتُ أن أفتضح؟)، يعني فيها نبيذ، (فقال: قدم وفد عبد القيس، فلما كان أبو جمرة من عبد القيس، وكان حديثهم يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجرار ناسب أن يذكره له).

 ومعلوم أن النهي عن الانتباذ في الأوعية الصلبة التي لا تتأثر بتغير ما فيها منسوخ، النهي عن الانتباذ في الأوعية الصلبة والأمر بالانتباذ في الأوعية التي يَبين فيها تغير ما في وسطها من الأدم وغيرها؛ لأنه إذا تغير ما فيها انتفخت وعرف أنها تغير فلم يشربه، بينما الأوعية الصلبة ما تتأثر، ثم بعد ذلك أُذن فيه في الانتباذ في جميع الأوعية.

قال: (وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم يبلغه نسخ تحريم الانتباذ في الجرار، وهو ثابت من حديث بريدة بن الحصيب عند مسلم وغيره. قال القرطبي: فيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل مستغنيًا به عن التنصيص على جواب الفتيا إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة)، يعني إذا كان الدليل فيه صراحة على المراد، والسائل يفهم دلالة الحديث على مراده، فما يحتاج أن يقول: هذا حرام؛ لأن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- نهى وفد عبد القيس عن كذا. وكلما كان الجواب أقرب إلى النص، واكتفى به السائل، وفهم السائل المقصود منه كان أولى، يعني كون الإنسان يفتي بنص أبعد عن الخطأ من أن يفتي بعبارته وأسلوبه.

(قوله: لما أتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من القوم؟ -أو من الوفد؟-» الشك من أحد الرواة إما أبو جمرة أو من دونه وأظنه شعبة، فإنه في رواية قُرة وغيره بغير شك، وأغرب الكرماني فقال: الشك من ابن عباس! قال النووي: الوفد الجماعة المختارة للتقدم في لقي العظماء، واحدهم وافد، قال: ووفد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبًا كبيرهم الأشج)، (الأشج) المعروف بالحلم والأناة، (ذكره صاحب التحرير في شرح مسلم)، (صاحب التحرير في شرح مسلم) يكثر الشراح النقل عنه، واسمه مطابق لاسم البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأصبهاني.

(وسمى منهم المنذر بن عائذ، وهو الأشج المذكور، ومنقذ بن حبان ومزيدة بن مالك وعمرو بن مرحوم والحارث بن شعيب وعبيدة بن همام والحارث بن جندب وصُحَار بن العباس، وهو بصاد مضمومة وحاء مهملتين، قال: ولم نعثر بعد طول التتبع على أسماء الباقين)، هذا الذي يقوله صاحب التحرير.

(قلت: قد ذكر ابن سعد منهم عقبة بن جروة)، يقول في هامش بولاق: عطية بن جروة، (وفي سنن أبي داود: قيس بن النعمان العبدي، وذكره الخطيب أيضًا في المبهمات)، الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة، هذا أقدم كتاب في المبهمات للخطيب البغدادي، وهو مطبوع متداول. وألف في المبهمات كتب كثيرة، من أجمعها كتاب المستفاد من مبهمات المتن والإسناد للحافظ أبي زرعة ابن الحافظ العراقي، رحم الله الجميع.

(وفي مسند البزار وتاريخ ابن أبي خيثمة: الجهم بن قُثَم، ووقع ذكره في صحيح مسلم أيضًا لكن لم يُسمه، وفي مسندي أحمد وابن أبي شيبة: الرستم العبدي، وفي المعرفة لأبي نعيم: جويرية العبدي، وفي الأدب للبخاري: الزارع بن عامر العبدي، فهؤلاء الستة الباقون من العدد)، انظر سعة الاطلاع من الحافظ ابن حجر، وتتبع لكتب الحديث بأنواعها من الجوامع والسنن والمسانيد والمعاجم والمشيخات، ابن حجر صاحب اطلاع، ولذلك يتفرد بذكر أشياء لا يستطيع غيره الوصول إليها.

قال -رَحِمَهُ اللهُ-: (وما ذُكر من أن الوفد كانوا أربعة عشر راكبًا لم يُذكر دليله، وفي المعرفة لابن منده من طريق هُودٍ العَصَري، وهو بعين وصاد مهملتين مفتوحتين نسبةً إلى عَصَر بطن من عبد القيس، عن جده لأمه مَزْيَدة)، هذا مر بنا، ابن مالك. (قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُحدِّث أصحابه، إذ قال لهم: «سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق»)، يعني يأتون من المشرق يعني من البحرين.

 (فقام عمر فلقي ثلاثة عشر راكبًا فرحَّب وقرَّب وقال: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القيس. فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب أو مرتدِفًا)، (ثلاثة عشر راكبًا) يعني على سبيل الاستقلال، والرابع عشر إما ماشيًا فلا يرد على عدد الركبان أو يكون مردفًا لغيره، رديفًا لغيره.

طالب: .......

لا، القُطر الأعم يشمل الحالي والأحساء وكل ما جاورها.

(وأما ما رواه الدُّولابي وغيره من طريق أبي خَيْرة بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتانية وبعد الراء هاء، الصُّبَاحي وهو بضم الصاد المهملة بعدها موحدة خفيفة وبعد الألف حاء مهملة نسبةً إلى صُباح بطن من عبد القيس، قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من وفد عبد القيس، وكنا أربعين رجلاً، فنهانا عن الدباء والنقير، الحديث.

فيمكن أن يُجمع بينه وبين الرواية الأخرى بأن الثلاثة عشر كانوا رؤوس الوفد، ولهذا كانوا ركبانًا، وكان الباقون أتباعًا. وقد وقع في جملة من الأخبار ذِكر جماعة من عبد القيس زيادةً على من سميته هنا، منهم أخو الزارع واسمه مطر، وابن أخته ولم يُسمَّ، وروى ذلك البغوي في معجمه، ومنهم مُشَمْرِج السعدي روى حديثه ابن السكن، وأنه قدم مع وفد عبد القيس، ومنهم جابر بن الحارث وخزيمة بن عبد بن عمرو وهمام بن ربيعة وجارية أوله جيم)، يعني ليس بحارثة، جارية اسمه (أوله جيم ابن جابر ذكرهم بن شاهين في معجمه، ومنهم نوح بن مخلد جد أبي جمرة، وكذا أبو خيرة الصباحي كما تقدم، وإنما أطلت في هذا الفصل لقول صاحب التحرير: إنه لم يظفر بعد طول التتبع إلا بما ذكرهم).

 نعم العثور على مثل هؤلاء يحتاج إلى اطلاع واسع، ومن الصعب جدًّا أن تقف على رقم فتبحث عن أسمائهم في وقته، في وقته صعب، الذي في خضم كتب السنة الكثيرة الطويلة والمختصرة الصحيحة والضعيفة وغيرها، صعب. في صحيح البخاري أربعة أحاديث يرويها بأسانيد خماسية، ويرويها مسلم بسند أعلى، نفس الأحاديث من نفس الطريق إلا أنه يروي بسند أعلى من صحيح البخاري بأسانيد رباعية، لو قيل لأحد من الطلبة ما هي هذه الأربعة أحاديث؟ فتذهب أول مرة تفتش البخاري، ثم تبحث وتفتش في مسلم، بهذا يمكن أن تقف عليها. لكن إذا كنت ممن له عناية واطلاع سابق وواسع، ووقفت على هذه الأحاديث التي نص عليها أهل العلم، ما هي مجموعة، هي مفرقة، لو كانت مجموعة فأمرها سهل، وكنت علَّمت على نسخك من البخاري ومسلم، وجمعت الفوائد وكذا ترجع إليها بسهولة. فكيف نستطيع الوقوف على هذه الأربعة أحاديث؟

المطلع الذي علَّم على نسخته من صحيح البخاري ومسلم على هذه الأحاديث يقف عليها، سهل، لكن الخام الغُفل لأول مرة يسمع بهذا الكلام شبه مستحيل إلا من طريقين: إما من طريق الآلات أو من طريق عوالي مسلم؛ لأنها رباعية، فهي عوالٍ عنده، فإذا خرجها عرف أن البخاري في هذه الأحاديث أطول أسانيد. فالبحث عن مثل هذه الأمور في غاية المشقة، ولذلك قال صاحب التحرير: لم يقف على البقية بعد طول البحث والتتبع. ابن حجر عنده اطلاع وجرد كتب السنة ووضَّح وبيَّن ما يُحتاج إليه، فسهل عليه جمعها.

يقول: (وإنما أطلت في هذا الفصل لقول صاحب التحرير إنه لم يظفر بعد طول التتبع إلا بما ذكره. قال ابن أبي جمرة)، هذا ابن أبي جمرة المذكور عندنا، نصر بن عمران؟ ذاك أبو جمرة، وهذا ابن أبي جمرة، هذا ابنه؟

طالب: .......

نعم. هذا مختصر البخاري، له مختصر للصحيح اسمه: بدء الغاية، هذا مختصر، وشرحه في مجلدين كبار، وهو ما يزيد على ثلاثمائة حديث، شرحه بمجلدين كبار اسمه: بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها. الشرح فيه فوائد، وفيه خرافات، هو رجل صوفي ويعتقد به الشراح، قال الإمام العارف قُدس سره.

على كل حال الكتاب فيه فوائد، ويقرأ فيه على حذر، وشانه بما ختمه به من الرؤى والمنامات التي جميعها أضغاث؛ لأنه يذكر أشياء لا داعٍ لذكرها، رأى النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فقال له في محاورة طويلة، ورأى عيسى، ورأى كذا، ومرة رأى شيطانًا، ومرة رأى كذا، كلام ما يليق بطالب علم، مع أنه له شأن عند الشراح، ينقلون عنه بكثرة، والكتاب فيه فوائد.

(قال ابن أبي جمرة: في قوله «من القوم؟» دليلٌ على استحباب سؤال القاصد عن نفسه ليُعرف فيُنزَّل منزلته).

 نعم لما جاء قوم إلى جابر بن عبد الله يسألونه عن حجة النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وفيهم علي بن الحسين، سألهم واحدًا واحدًا، وفي الحديث: «أُمرنا أنا ننزل الناس منازلهم»، ولا تستطيع أن تنزلهم منازلهم حتى تعرف أسماءهم، إذا عرفت أسماءهم عرفت كيف تنزلهم منازلهم. وكم من إحراج وقع بسبب عدم معرفة الضيوف، بعض الناس يجامل ولا يسأل، ثم يقع في حرج عظيم، هناك مواقف بسبب مخالفة هذه السنة.

طالب: .......

على كل حال إذا ترتب على ذلك مصلحة على عدم السؤال؛ ليكون أستر له أو لأمر من الأمور، أو غفل الإنسان، ما يلام إذا غفل، لكن هذا هو الأصل، الأولى أن يسأل.

(قوله: «قالوا: ربيعة» فيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة، فإن عند المصنف في الصلاة من طريق عباد عن أبي جمرة: قالوا: إن هذا الحي من ربيعة)، (هذا الحي من ربيعة) ومن للتبعيض، إن هذا الحي من ربيعة، يعني الحي بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة.

(قال ابن الصلاح: الحي منصوب على الاختصاص)، يعني إن هذا أخص الحي، كما تقول: نحن المسلمين، تقول: نحن الموقعين، ينصبونها على الاختصاص. (والمعنى: إنا هذا الحي)، يعني أقصد وأخص هذا الحي (حي من ربيعة، قال: والحي هو اسم لمنزل القبيلة ثم سُميت القبيلة به؛ لأن بعضهم يحيا ببعض)، يعني لو كان واحدًا لحاله ما فيه حياة، الحياة باجتماع الناس وبتعاون بعضهم مع بعض على ما يصلح شأنهم.

(قوله: «مرحبًا» هو منصوب بفعل مضمر أي صادفت رُحبًا بضم الراء أي سعةً، والرَّحب بالفتح الشيء الواسع، وقد يزيدون معها أهلاً أي وجدت أهلاً فاستأنِس، وأفاد العسكري أن أول من قال: مرحبًا سيف بن ذي يزن.

 وفيه دليل على استحباب تأنيس القادم، وقد تكرر ذلك من النبي -صلى الله عليه وسلم- ففي حديث أم هانئ: «مرحبًا بأم هانئ»)، النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كان يغتسل للنسك فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: «من؟»، قال: أم هانئ، قال: «مرحبًا بأم هانئ». وما نُقل في رواية من الروايات أنه قال: وعليكِ السلام، فاختلف أهل العلم، هل يكتفى بمرحبًا عن رد السلام، وتجزئ عن قول: وعليكم السلام، أو أنه رد السلام بما يجب، فلم يُنقل للعلم به؟ معروف {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86]؟ ما نُقل. في قصة إبراهيم مع الملائكة: {قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ} [هود: 69]، في بعض المواضع ما فيه رد، فيه رد في بعضها، وفي بعضها ما فيه رد، ولا يلزم النقل لكل شيء إذا ثبت نقله بما يُبرأ به من عهدته، إذا تم النقل والبيان يحصل بالنقل في موضع واحد، ثم بعد ذلك يحال على هذا الموضع.

(«مرحبًا بأم هانئ»، وفي قصة عكرمة بن أبي جهل: «مرحبًا بالراكب المهاجر»، وفي قصة فاطمة: «مرحبًا بابنتي»، وكلها صحيحة، وأخرج النسائي من حديث عاصم بن بشير الحارثي عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له لما دخل فسلَّم عليه: «مرحبًا وعليك السلام».

قوله: «غير خزايا» بنصب غير على الحال، وروي بالكسر على الصفة والمعروف الأول، قاله النووي، ويؤيده رواية المصنف في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جمرة: «مرحبًا بالوفد الذين جاءوا غير خزايا ولا ندامى»، و«خزايا» جمع خزيان، وهو الذي أصابه خزي، والمعنى أنهم أسلموا طوعًا من غير حرب أو سبي يُخزيهم ويفضحهم)، لا شك أن الذي يأتي بطوعه واختياره أعز وأكرم من الذي يؤتى به قهرًا.

(قوله: «ولا ندامى» قال الخطابي: كان أصله نادمين جمع نادم؛ لأن «ندامى» إنما هو جمع ندمان أي المنادم في اللهو، وقال الشاعر:

فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني

 لكنه هنا خرج على الإتباع، كما قالوا: العشايا، والغدايا، وغداة جمعها الغدوات ، لكنه أُتبِع).

 وفي الإتباع كتاب جيد جامع لأبي الطيب الحلبي اللغوي، من مطبوعات المجمع، مجمع اللغة العربية بدمشق، من أفضل ما كُتب في الإتباع، يعني لفظ يُتبع، وذلك كثير. مما ذكره واستفدنا منه في ألفاظ الجرح، وأنه وارد عن العرب، قالوا: ضَعيف نَعيف، قالوا: ثِقة نِقة، من باب الإتباع، وهذا يأخذ مأخذ التكرار، يعني لو قال: ثقة وسكت يأتي بلفظ متبَع أفضل مما يأتي بمفرد، كما أنه إذا قال: ثقة ثقة أقوى مما لو قال: ثقة فقط. (انتهى.

وقد حكى القزاز والجوهري)، القزاز من أئمة اللغة، وله كتاب اسمه الجامع في اللغة ما طُبع، والجوهري صاحب الصحاح مطبوع متداول. (وغيرهما من أهل اللغة أنه يقال: نادم وندمان في الندامة بمعنًى)، يعني بمعنى واحد.

(فعلى هذا فهو على الأصل، ولا إتباع فيه، والله أعلم، ووقع في رواية النسائي من طريق قُرة فقال: «مرحبًا بالوفد ليس الخزايا ولا النادمى»، وهي للطبراني من طريق شعبة أيضًا، قال ابن أبي جمرة: بشَّرهم بالخير عاجلاً وآجلاً؛ لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت، ثبت ضدُّها، وفيه دليل على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أُمِن عليه الفتنة).

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طالب: ....... وعليك السلام.

سهل، المهم أنه حصل رد السلام. هو الإشكال...

طالب: .......

ما يلزم، لا، المطالب بتقديم السلام هو المسلِّم.

طالب: ....... الأصل في المسلِّم.

إي.

طالب: هو الذي ما يقدم .......

هو الذي ما يقدم .......

طالب: المسلَّم عليه لو تكلم بعدها .......

رد السلام ما عليه وسقط الواجب.