كتاب الإيمان (43)

عنوان الدرس: 
كتاب الإيمان (43)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ Ramadan/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

طالب: أحسن الله إليك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا وارفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، واغفر لنا ولشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء يا ذا الجلال والإكرام.

قال الإمام أبو عبد الله البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابٌ: إِفْشَاءُ السَّلاَمِ مِنَ الإِسْلاَمِ. وقَالَ عَمَّارٌ: ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فيقول الشارح -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: ("بابٌ: إفشاء السلام من الإسلام"، "قوله: بابٌ" هو منون)؛ لأن الجملة التي بعده مستقلة تامة، مبتدأ وخبر. ("السلام من الإسلام" زاد في رواية كَريمة: إفشاء السلام)؛ لأن أكثر الروايات: بابٌ السلام من الإسلام، ما فيها إفشاء. وعليها العلامات، علامات عدم وجودها، يقول: لا توجد عند أبي ذر ولا الأصيلي ولا المستملي، إنما توجد عند كريمة لفظة إفشاء.

(والمراد بإفشائه نشره سرًّا أو جهرًا)، كيف يُفشى وينشر سرًّا؟ أما نشره جهرًا فكل من رأيت تسلم عليه بحيث يسمعك، هذا جهر واضح. لكن كيف يُفشى السلام سرًّا وينشر سرًّا؟ إن كان فيه كتابة فنعم، أما بالقول فلا بد أن يكون جهرًا، ولذا هل يجزئ رد السلام سرًّا؟ سلم عليه، قال: السلام عليكم، ما رددت عليه، وهو يسمع، قلت، يعني: وعليكم السلام سرًّا، يجزئ أم ما يجزئ؟

طالب: .......

لأنه لا يتحقق منه الهدف الذي من أجله شُرع السلام ورده. وإذا تصورنا أنه يمكن نشره سرًّا، يعني في الكتابة بدون نطق واضح وصوت مسموع، مع أنه يؤول إلى الجهر، إذا قرئ على المسلَّم عليه، إذا قرئ السلام على المسلَّم عليه آل إلى الجهر، وإن كان في أصله سرًّا.

قال -رَحِمَهُ اللهُ-: (وهو مطابق للمرفوع في قوله: «على من عرفت ومن لم تعرف»)، إفشاء السلام يعني نشره مطابق على «من عرفت ومن لم تعرف»؛ لأنه من الانتشار، والانتشار يقتضي السعة في وجوده، ولا يتحقق ذلك إلا إذا بُذل لكل أحد: «من عرفت ومن لم تعرف». وجاء في بعض الأخبار: أن السلام في آخر الزمان يكون للمعرفة، ما تسلم إلا على من عرفت. وهذا موجود مع الأسف الشديد.

(وهو مطابق للمرفوع في قوله: «على من عرفت ومن لم تعرف»، وبيان كونه من الإسلام تقدم في "باب إطعام الطعام")؛ لأن الحديث مركب من جمل، منها «إطعام الطعام»، وتقدم في ترجمة خاصة، ومنها: «وتقرأ السلام» أو «تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». (وبيان كونه من الإسلام تقدم في "باب إطعام الطعام" مع بقية فوائده)، "أي الإسلام خير؟" الجواب: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام»، تقرأ السلام في الجواب، والسؤال معاد في الجواب حكمًا، فكأنه قيل: الإسلام، أو: خير الإسلام تطعم الطعام وتقرأ السلام. والعطف عند أهل العلم على نية تكرار العامل، فإذا قلت: خير الإسلام، أو من خير الإسلام تقرأ السلام، فصار منه، فظهرت علاقة الحديث بالترجمة.

(وغاير المصنف بين شيخيه اللذين حدثاه عن الليث)، هنا "قتيبة"، وهناك؟

طالب: "عمرو بن خالد" يا شيخ.

في حديث؟

طالب: حديث "باب إطعام الطعام".

نعم، "باب إطعام الطعام من الإسلام. حدثنا عمرو بن خالد"، وهنا: "قتيبة بن سعيد". لماذا غاير بينهما؟ وإلا فالمتن واحد. والصيغ واحد، صيغ الأداء، صيغ الأداء واحدة والمتن واحد. فالمغايرة في شيخ المؤلف، وعرفنا أن المؤلف -رَحمةُ اللهِ عَليهِ- لا يمكن أن يكرر حديثًا بإسناده ومتنه بلفظه إسنادًا ومتنًا في موضعين إلا نادرًا، وعرفنا فيما سبق أنها بلغت العدة عنده من هذا النوع الذي كرر فيه الإسناد والمتن على الصورة المتفقة: عشرين موضعًا.

(وغاير المصنف بين شيخيه اللذين حدثاه عن الليث مراعاةً للإتيان بالفائدة الإسنادية وهي تكثير الطرق، حيث يحتاج إلى إعادة المتن، فإنه لا يعيد الحديث الواحد في موضعين على صورة واحدة)، تقدم أنه إلا في نحو عشرين موضعًا، وأظنه في صفحة 16.

 نعم: (وما ليس له إلا سند واحد يتصرف في متنه بالاقتصار على بعضه بحسب ما يتفق، ولا يوجد فيه حديث واحد مذكور بتمامه سندًا ومتنًا في موضعين أو أكثر إلا نادرًا، فقد عُني بعض من لقيته بتتبع ذلك فحصل منه نحو عشرين موضعًا)، (فحصل منه نحو عشرين موضعًا) أثبتها الحافظ ابن حجر في كراسة، ونقلها عنه القسطلاني في مقدمة شرحه، هذه الأحاديث في مواضعها.

(فإن قيل: كان يمكنه أن يجمع الحكمين في ترجمة واحدة، ويُخرِّج الحديث عن شيخيه معًا؟).

 بإمكانه أن يقول: باب إطعام الطعام وإفشاء السلام من الإسلام، ثم يقول: حدثنا عمرو بن خالد وقتبية بن سعيد قالا: حدثنا الليث عن يزيد، وما له داعٍ أن يجعله في ترجمتين ويذكر الحديث مرتين. لماذا لم يصنع هذا؟

(فإن قيل: كان يمكنه أن يجمع الحكمين في ترجمة واحدة ويُخرِّج الحديث عن شيخيه معًا؟ أجاب الكرماني باحتمال أن يكون كل من شيخيه أورده في معرض غير المعرض الآخر، وهذا ليس بطائل)، يعني ما يغني هذا الجواب؛ (لأنه متوقف على ثبوت وجود تصنيف مبوب لكل من شيخيه، والأصل عدمه)، لكن ما يلزم أن يكون في تصنيف، أورده عمرو بن خالد في مناسبة، وأورده قتيبة بن سعيد في مناسبة، هذا في مجلس وذاك في مجلس، ولم يجمع بينهما البخاري اتباعًا لشيخيه. أما كونه في تصنيف، هذا له تصنيف، وذاك في تصنيف، ما يلزم. قال: (وهذا ليس بطائل؛ لأنه متوقف على ثبوت وجود تصنيف مبوب لكل من شيخيه، والأصل عدمه، ولأن من اعتنى بترجمة كل من قتيبة وعمرو بن خالد لم يذكر أن لواحد منهما تصنيفًا على الأبواب، ولأنه لزم منه أن البخاري يقلِّد في التراجم، والمعروف الشائع عنه أنه هو الذي يستنبط الأحكام في الأحاديث ويترجم لها ويتفنن في ذلك بما لا يدركه فيه غيره، ولأنه يبقى السؤال بحاله؛ إذ لا يمتنع معه أن يجمعهما المصنف ولو كان سمعهما مفترقين).

 وعرفنا حكم الجمع وحكم التفريق بين الروايات، فالبخاري يفرق الحديث المجتمع، حديث واحد أو صحيفة واحدة تشتمل على جمل كثيرة، قد يورد كل جملة في باب. صحيفة همام أوردها الإمام أحمد في موضع واحد، وفرقها البخاري في مواضع كثيرة جدًّا. قصة جمل جابر أوردها البخاري في أكثر من عشرين موضعًا يتصرف وينقص من بعض الروايات، ولا يلزم إتمام المروي إذا كان الراوي عالمًا بما يحذف وبما يُثبت، وأن المثبت ليس له تعلق من حيث المعنى بالمحذوف، فلا يحذف وصفًا له مفهوم، أو يحذف استثناءً أو شرطًا أو ما أشبه ذلك، إنما حذف جملة مستقلة.

وقلنا مرارًا: إن الدليل على ذلك أنه في القرآن يجوز، كيف يجوز؟ إذا كنت تبحث في الأمانة، جاز لك أن تقول: قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58]، وتقتصر على هذا. وإذا كان في الحكم والعدل والجور: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، يقتصر على هذا فقط. وإذا جاز هذا في القرآن جاز في السنة، فالمجموع يفرق كما أن المتفرق يُجمع، إذا كان السند واحدًا، والقصة واحدة، وروي في مواضع متفرقة لكانت أجمع، والدليل على ذلك أن البخاري فرَّق بعض الأحاديث في مواضع، وجمعها في موضع أو مواضع.

(ولأنه يبقى السؤال بحاله؛ إذ لا يمتنع معه أن يجمعهما المصنف ولو كان سمعهما متفرقين. والظاهر من صنيع البخاري أنه يقصد تعديد شعب الإيمان)، وعلى هذا يورد كل شعبة في باب مستقل.

(والظاهر من صنيع البخاري أنه يقصد تعديد شعب الإيمان كما قدمناه، فخص كل شعبة بباب تنويهًا بذكرها، وقصدُ التنويه يحتاج إلى التأكيد، فلذلك غاير بين الترجمتين)، (فخص كل شعبة بباب تنويهًا بذكرها)، كل شعبة من الشعب التي جاءت في أحاديث الصحيح: «الإيمان بضع وستون» وهذه روايته، أو: «بضع وسبعون» هذه رواية مسلم. هل ترجم بـ«بضع وستين» ترجمة لشعب الإيمان؟ هو ثبت عنده الحديث المجمل، لكن التفاصيل التي ذكرها العلماء كثير منها لم يثبت منها على شرطه.

(قوله: "وقال عمار")، في الترجمة: "وقال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار".

(قوله: "وقال عمار" هو ابن ياسر أحد السابقين الأولين، وأثره هذا أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان من طريق سفيان الثوري، ورواه يعقوب بن شيبة في مسنده من طريق شعبة، وزهير بن معاوية وغيرهما، كلهم عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر عن عمار. ولفظ شعبة: «ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان»، وهو بالمعنى، وهكذا رُويناه في جامع معمر عن أبي إسحاق، وكذا حدث به عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، وحدث به عبد الرزاق بأخرة فرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-)، وهو موقوف على عمار. (فرفعه إلى النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، كذا أخرجه البزار في مسنده، وابن أبي حاتم في العلل، كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي، وكذا رواه البغوي في شرح السنة من طريق أحمد بن كعب الواسطي، وكذا أخرجه بن الأعرابي في معجمه عن محمد بن الصباح الصنعاني، ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعًا، واستغربه البزار، وقال أبو زرعة: هو خطأ. قلت: وهو معلول من حيث صناعة الإسناد؛ لأن عبد الرزاق تغير بأخرة).

 لأنه ما رفعه إلا في آخر عمره، وقد تغير.

(لأن عبد الرزاق تغير بأخرى، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع)، يعني التصريح برفعه هو الوهم، أما كونه له حكم المرفوع فهذا شيء آخر؛ لأن مثل هذه ما تقال بالاجتهاد، وفرق بين المرفوع صراحة وبين ما له حكم الرفع.

(وقد رُويناه مرفوعًا من وجه آخر عن عمار أخرجه الطبراني في الكبير، وفي إسناده ضعف، وله شواهد أخرى بينتها في تغليق التعليق.

قوله: «ثلاث» أي ثلاث خصال، وإعرابه نظير ما مر في قوله: «ثلاث من كن»)، مبتدأ، لكن هو نكرة، فكيف يبتدأ بنكرة؟

طالب: مضاف.

لا، ما هو مضاف، أين الإضافة؟ «ثلاث من كن»، جملة «من كن».

طالب: .......

لا، «مَن» موصولة، صفة، والنكرة الموصوفة يجوز الابتداء بها؛ لأنها تفيد.

 ولا يجوز الابتداء بنكرة ما لم تفد    كعند زيد نمرة.

(و"العالَم" بفتح اللام، والمراد به هنا جميع الناس)، العالَم كما هو معلوم ما سوى الله -جَلَّ وعَلا- من مخلوقاته، وجمعها عالمين، جمع عالَم، تبع للأجناس، كل جنس عالم، فالطير عالم والبهائم عالم والإنس عالم والجن عالم وهكذا. (والمراد به هنا جميع الناس، و"الإقتار" القلة، وقيل: الافتقار)، "والإنفاق من الإقتار". (و"الإقتار" القلة، وقيل: الافتقار، وعلى الثاني فمَن في قوله "من الإقتار" بمعنى مع، أو بمعنى عند. قال أبو الزناد بن سراج وغيرُه)، أبو الزناد بن سراج هذا يكثر النقل عنه ابن بطال في شرحه.

(إنما كان من جمع الثلاث مستكملاً للإيمان؛ لأن مداره عليها؛ لأن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقًّا واجبًا عليه إلا أداه)، إذا أنصف من نفسه عرف حقوق الله -جَلَّ وعَلا- وسعى في أدائها؛ لينصف من نفسه، أما إذا قصر في حقوق الخالق هذا ما أنصف، هذا ظالم. (ولم يترك شيئًا مما نهاه عنه إلا اجتنبه)، فإذا فعل منكرًا أو محرمًا لا شك أنه لم ينصف من نفسه. (وهذا يجمع أركان الإيمان. وبذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق والتواضع وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف والتحابب. والإنفاق من الإقتار يتضمن غاية الكرم)؛ لأن الإنفاق مع الغنى أمره يعني أخف على النفس بكثير، لكن إذا كان من الإقتار مع قلة ذات اليد، هذا لا شك أنه يتضمن غاية الكرم، بحيث يقدم الإنسان كل ما يجد، إذا كان مقترًا ما عنده شيء إلا الشيء اليسير ولو طعام نفسه وأولاده، فإن هذا غاية في الكرم ولو كان يسيرًا.

(لأنه إذا أنفق مع الاحتياج كان مع التوسع أكثر إنفاقًا، والنفقة أعم من أن تكون على العيال واجبةً ومندوبةً أو على الضيف والزائر، وكونه من الإقتار يستلزم الوثوق بالله)، ثقة بما عند الله -جَلَّ وعَلا-، الإنسان ما عنده إلا طعامه، طعام أهل بيته، ثم يطرق السائل بابه يعطيه إياه، هذا من حسن ظنه بالله -جَلَّ وعَلا-.

عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنها- كانت صائمة، وعندها رغيف، ما عندها غيره، فطرق الباب سائل، هذا في الموطأ، طرق الباب سائل في آخر النهار، فقالت للخادم: أعطه الرغيف، قال: طيب صائمة، وما لنا شيء؟ قال: يجيء الله برزقنا. ما إن انصرف هذا السائل حتى طرق الباب واحد شخص لم يكن من عادته أن يُهدي إلينا، فجاء ببكبش مُكفن. أنا رأيت الكبش المكفن بمكة.

طالب: .......

ماذا؟ أن يُهدي، ليس من عادته أن يُهدي، جاء بكبش مشوي ومكفن. ما معنى مكفن؟ ملفوف بالخبز. هذه هي الثقة بما عند الله -جَلَّ وعَلا-، يعني ما فيه إلا هذا الرغيف وصائمة وتعطيه؟! وعندنا من عندهم الملايين، عشرة، عشرون، مائة مليون، فإذا قيل له: هذا مشروع خير ووقف، بدار تحفيظ أو مكتب دعوة، قال: ينزل المليون إذا أعطاهم شيئًا، ينقص. هذا صحيح، هذا موجود! نسأل الله السلامة والعافية. هل هذا واثق بما عند الله -جَلَّ وعَلا-؟ إن وثق أعطى.

(وكونه من الإقتار يستلزم الوثوق بالله والزهد في الدنيا وقصر الأمل وغير ذلك من مهمات الآخرة)، الزهد في الدنيا الذي جاء الحث عليه في النصوص، وطبَّقه سلف الأمة وأئمتها بدءًا من قدوته -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- الأسوة زهد في الدنيا وضرب أروع الأمثلة في هذا الباب، ومن قرأ في عيشه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- في كتب السنة والشمائل على وجه الخصوص رأى قيمة هذه الدنيا، ويمدح الأئمة بالزهد في الدنيا والإعراض عنها، ثم يأتي من يكتب في الصحف، ويتكلم في وسائل الإعلام ويقول: إنه يعجب من مدح الثوري بالزهد أو عمر بن عبد العزيز، ومقتضاه تعطيل الدنيا التي أُمرنا بعمارتها! تعطيل الدنيا: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ} [هود: 61] يعني طلب عمارتها منكم، ونحن نمدح تعطيل الدنيا!

لكن هل الهدف هو عمارة الدنيا، أو أن الهدف تحقيق العبودبة وما يكون من عمارة هذه الدنيا إنما هو للوصول إلى تحقيق الهدف؟ أما أن تستولي الدنيا على القلب بحيث لا يكون لغيرها فيه مجال، هذه عبادة: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار». ولو عرف هذا القائل حقيقة الزهد في الدنيا، وأدرك لذة هذه المنقبة العظيمة التي قَلَّت في أحوال المسلمين، الآن لا سيما بعد أن فُتحت عليهم الدنيا، تجدهم يجمعون الأموال الطائلة من حلال ومن حرام، وهذا إذا أُديت زكاته، وكان من الحلال فهذا ما أحد يلومه، لكن يبقى أنه لا بد أن يشغل عن الآخرة؛ لأن الدنيا ضارة، وقبل أن تفتح الدنيا قبل ثلاثين أو خمس وثلاثين سنة كانت حال الناس تختلف جذريًّا عن حالهم اليوم، بما في ذلك أهل العلم، اختلافًا كبيرًا جدًّا.

أنا أعرف واحدًا من شيوخنا -رَحمةُ اللهِ عَليهِ- عاش في عز ما رأيت مثله، هو غير ابن باز، له مزرعة جاء المزارع بحصيلتها طيلة العام، جاء له بعشرين ألفًا مربوطة، وهو جالس في المسجد يقرأ، أخذهم منه ما يدري، ولا عدهم، ولا شيء، جعلهم تحت الفراش، وجاء واحد وهذا عنده، قال: يا شيخ أريد أن أتزوج ما عندك لي عون؟ قال خذ العشرين، واستعن بهم. المزارع يقول: أنا مديون، لو أنا أدري أنه يفعل كذا سبقته! ما فيه إلا راتبه ولا يكفيه ولا نصف الشهر، كان قاضيًا -رَحمةُ اللهِ عَليهِ-، ما يحسبون للدنيا حسابًا. لكن الآن لا، الآمال الطويلة العريضة، كيف يترك مستقبل أولاده وما أدري أيش؟ يريد أن يؤمن كل شيء مستقبلاً، إلى قيام الساعة. الله المستعان.

قال: (وهذا التقرير يُقوي أن يكون الحديث مرفوعًا؛ لأنه يشبه أن يكون كلام من أوتي جوامع الكلم، والله أعلم).

نعم.

طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ. يُذكر على لسان الشرع في أحاديث النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عدة مرات عن فضيلة الاشتغال بالضيف، هل هو من جاء من غير استزارة، أو يدخل فيه من استزير ودعي وطلبت زيارته؟

كل من دخل البيت ضيف.

طالب: ما يفرق بينهم؟

تختلف أحوالهم باختلاف حوائجهم.

طالب: يعني على حسب الحاجة يا شيخ؟

على حسب الحاجة نعم.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ.

طالب: .......

ما يمكن إفشاؤه بهذه الطريقة، على كل حال المسألة ظاهرة.

طالب: .......

على المسلم.

طالب: .......

على المسلم، لا. الكافر لا يُبدأ بالسلام.

طالب: أحسن الله إليك.

نعم.

طالب: .......

وأنت في بلاد الإسلام، ما الذي يغلب على ظنك؟

طالب: .......

إذا كان الغالب على الظن أنهم كفار لا تسلّم.

طالب: .......

سلّم ونيتك المسلم.

طالب: .......

ولا بنية دعوة ولا غيرها، الدعوة لا يرتكب فيها محرم، نهينا عن السلام على الكافر.

طالب: .......

مثل هذه مثلاً إن كانت تقتضيها مصلحة الدعوة؛ لأن الأصل المعاداة.

نعم.

طالب: أحسن الله إليك.

قال -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ".

"دون" أم بعد؟

طالب: لا، "دون" يا شيخ.

طالب: .......  

موجود في بعض الروايات: دون.

طالب: في حديث ابن عباس "دون كفر".

موجود، نحن نتكلم في الحديث الترجمة. على كل حال: في رواية أبي ذر "دون".

طالب: يقول: هكذا جاء عنوان هذا الباب في روايات الأصيلي والهروي وابن عساكر...

ستأتي في الشرح هذه.

طالب: ولغيرهم "كفر بعد كفر"، قال العيني: وهو بمعنى الأول.

ما الذي معك؟

طالب: .......

نعم، سيأتي هذا، لكن الذي عندنا في السلطانية: "وكفر بعد كفر".

طالب: أقرأها "دون" أم "بعد".

الذي تراه.

طالب: الذي تراه أنت يا شيخ؟

على أنك اعتمدت النسخة التي معك، ماذا؟

طالب: "كفر دون كفر".

على كل حال السلطانية: "بعد كفر"، ورواية أبي ذر التي اعتمدها ابن حجر: "دون".

نعم.

طالب: أحسن الله إليك.

"بَابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ. فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ» قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ»".

هنا يقول: وُجد في الفرع روايات قد تآكلت من طرف الهامش، ولعل إحداها ما أشار إليه القسطلاني والكرماني والبرماوي بقولهم: وفي رواية: «أُريت النار، فرأيت أكثر أهلها»، بزيادة: «فرأيت». القسطلاني قال: «رأيت النار»، وفي أخرى وهي التي صدر بها الكرماني: «أُريت النار التي أكثر أهلها النساء»؛ لأن التي عندنا: «أُريت النار فإذا أكثر أهلها».

قال الشارح -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: ("بَابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ. فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-")، قال -رَحِمَهُ اللهُ-: ("حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ")، وهو القعنبي كما تقدم في حديث "باب من الدين الفرار من الفتن". قال: "حدثنا عبد الله بن مسلمة"، وهذا يُذكرنا بما ذكرناه بذلك الدرس مما قيل في ترجمته أنه لم يكن يُحدث ثم حدَّث، فقيل له؟ قال: رأيت في النوم من يقول: ليقم أهل العلم، فقاموا فقمت معهم، قيل: اجلس، كيف أجلس وأنا من أهل العلم؟ قال: هم نشروا وأنت ما نشرت، ثم حدث بعد ذلك. وهذا مناسب لباب: "من الدين الفرار من الفتن"؛ لأن الذي يسمع مثل هذا الكلام ولا يوازن بين المصالح والمفاسد وقد نفع الله به، يفر بدينه ويلجأ إلى الري أو الاستراحة يقول: ما لي وللناس، ويترك النشر، نشر العلم وتعليم العلم وتعليم الجهال وبيان الحق لهم. مناسب أن يكون من رواة هذا الحديث، وتذكر قصته في هذا الحديث، وهذه ذكرناها في شرح الحديث، هم نشروا وأنت ما نشرت، فنشر بعد ذلك.

 وهذا يجعل الأحاديث التي جاءت في العزلة وفيها مصنفات ومن أنفسها وأمتعها ما كتبه أبو سليمان الخطابي في كتاب العزلة -رَحِمَهُ اللهُ-، هذا يكون محمولًا على ماذا؟ على ما إذا كان الشخص لا نفع له متعدٍّ، فيخشى أن يتضرر ويتأثر بما عند الناس، ولا يستطيع أن يؤثر فيهم، مثل هذا يُجعل له العزلة، والسلامة ما يعدلها شيء، وأنت يُخشى عليك توكل على الله. لكن العكس: إذا كان يؤثر في الناس الخير، ولا يتأثر بما عندهم من المنكرات، فإن مثل هذا الخلطة أفضل له اتفاقًا.

يقول الشارح -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: (قوله: "باب كفران العشير وكفر دون كفر"، قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه: مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيمانًا، كذلك المعاصي تسمى كفرًا)، الطاعات تسمى إيمانًا، يعني الأعمال الصالحة داخلة في الإيمان وتسمى إيمانًا، ومفرداتها من الإيمان كما تقدم في أبواب عديدة، قال: (كذلك المعاصي تسمى كفرًا)؛ لأن الذي يقابل الإيمان الكفر، كما أن الذي يقابل التوحيد الشرك، والذي يقابل الطاعات المعاصي... وهكذا.

(لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد الكفر المخرج من الملة)، وينبغي أن يقتصر في ذلك على ما ورد، ليس كل معصية يمكن أن يطلق عليها كفر، في مقابل أن كل طاعة يطلق عليها إيمان، يعني ما جاء فيه النص لا إشكال فيه، لكن ما لم يرد فيه نص من المعاصي، قال: أنت تصور ذوات الأرواح كافر، هذا كفر. ما يمكن، وإن كان في الحرمة أشد مما جاء فيه إطلاق الكفر عليه من بعض المعاصي، لكن يُقتصر في هذا على الوارد.

(لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد الكفر المخرج من الملة. قال: وخص كفران العشير من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة، وهي قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية، كان ذلك دليلاً على تهاونها بحق الله؛ فلذلك يطلق عليها الكفر)، تهاون المرأة في حق زوجها قد لا يكون سببه الاستهانة بحق الله، فهي تعظِّم ما نهى الله عنه مما هو دون حق الزوج تعظيمًا لله -جَلَّ وعَلا-، وتتهاون بحق الزوج لما في نفسها عليها ومن أدنى مشكلة تتهاون بحق.

(كان ذلك دليلاً على تهاونها بحق الله؛ فلذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر لا يُخرج عن الملة. ويؤخذ من كلامه مناسبة هذه الترجمة لأمور الإيمان من جهة كون الكفر ضد الإيمان، وأما قول المصنف: "وكفر دون كفر" فأشار إلى أثر رواه أحمد في كتاب الإيمان من طريق عطاء بن أبي رباح وغيره.

 وقوله: "فيه أبو سعيد" أي يدخل في الباب)، "فيه" يعني في هذا الباب يدخل حديث أبي سعيد (يدخل في الباب حديث رواه أبو سعيد. وفي رواية كريمة: فيه عن أبي سعيد)، قوله: "فيه أبو سعيد"، (وفي رواية كريمة: فيه عن أبي سعيد أي مروي عن أبي سعيد، وفائدة هذا الإشارة إلى أن للحديث طريقًا غير الطريق المساقة، وحديث أبي سعيد أخرجه المؤلف في الحيض وغيره من طريق عياض بن عبد الله عنه، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم- للنساء: «تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار»، فقلن: ولم يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن وتكفرن العشير» الحديث.

 ويحتمل أن يريد بذلك حديث أبي سعيد أيضًا: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» قاله القاضي أبو بكر المذكور)، يعني ابن العربي، (والأول أظهر وأجرى على مألوف المصنف)، أنه يأتي بروايات الباب الحديث نفسه، لكن الاحتمال يرد في كل ما يؤيد الحديث من حيث المعنى، فهو يدخل في هذه الترجمة. (ويعضده إيراده لحديث ابن عباس بلفظ: «وتكفرن العشير» والعشير الزوج. قيل له: عشير بمعنى معاشر، مثل أكيل بمعنى مؤاكل. وحديث ابن عباس المذكور طرف من حديث طويل أورده المصنف في باب صلاة الكسوف بهذا الإسناد تامًّا، وسيأتي الكلام عليه ثَم)، يعني هناك، ثَم يعني هناك.

(وننبه هنا على فائدتين؛ إحداهما: أن البخاري يذهب إلى جواز تقطيع الحديث)، وهذا ما أشرنا إليه في أول الدرس (إذا كان ما يفصله منه)، يعني بهذا الشرط: (إذا كان ما يفصله منه لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقًا يُفضي إلى فساد المعنى)، يعني الموجود لا يترتب فهمه على المحذوف، فإذا كان محذوف استثناء مثلاً أو وصف مؤثر في الحكم، لا بد من ذكره.

(إذا كان ما يفصله منه لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقًا يُفضي إلى فساد المعنى، فصنيعه كذلك يوهم من لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام، لا سيما إذا كان ابتداء المختصر من أثناء التام كما وقع في هذا الحديث، فإن أوله هنا قوله -صلى الله عليه وسلم- «أُريت النار» إلى آخر ما ذُكر منه، وأول التام عن ابن عباس قال: خسفت الشمس على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكر قصة صلاة الخسوف، ثم خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيها القدر المذكور هنا، فمن أراد عدَّ الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب يظن أن هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف الابتداء)، يعني إذا كان الفهرس مرتبًا على أوائل الحروف، لا شك أن ذاك حديث، وهذا حديث. مهمة هذه جدًّا في عدد الأحاديث.

(فمن أراد عدَّ الأحاديث التي اشتمل عليها الكتاب يظن أن هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف الابتداء، وقد وقع في ذلك من حكى أن عدته بغير تكرار أربعة آلاف أو نحوها كابن الصلاح والشيخ محيي الدين ومن بعدهما)، يعني كالحافظ العراقي، عدوا ما في الصحيح: أربعة آلاف غير مكررة، ثلاثة آلاف مكررة.

وعله أراد بالتكرار له منه وفي البخاري أربعة الآلاف والمكرر فوق ثلاثة الألوفًا ذكروا فلعلهم عدوه على هذه الطريقة، والحافظ ابن حجر يعد أحاديث كل كتاب من كتب الصحيح، إذا انتهى الكتاب قال: فيه من الأحاديث المرفوعة، وفيه من المعلقات، وفيه من الآثار، وفيه من المكررات، وفيه كذا، وبغير تكرار كذا... له عناية شديدة في هذا. ألفان وخمسمائة وحديثان عدة أحاديث الصحيح على التحرير من غير تكرار، من غير تكرار ألفان وخمسمائة وحديثان، وهؤلاء قالوا: أربعة آلاف، وفي المختصرات ألفا حديث. وعرفنا أن من قال: أربعة آلاف ينظر إلى كل قطعة فيعدها حديثًا؛ لأنها تبدأ بغير بداية القطعة الثانية، وابن حجر يقول: على التحرير ألفان وخمسمائة وحديثان، والمختصرات كالزبيدي وغيره قالوا: ألفين، لماذا؟

طالب: .......

لا، كيف المعنى؟

طالب: .......

لا، ابن حجر يعد الأحاديث باعتبار مخارجها على عدد الصحابة، ولو اتحد اللفظ، رواه ابن عمر ورواه ابن عباس ولو بلفظ واحد هما حديثان عنده، لكنه عند المختصِر واحد ما له حاجة في الصحابي.

طالب: .......

يعني بدقة، ما هو بجزاف أربعة آلاف، أو خمسة آلاف، يعني يقرأ له في صحيح مسلم فيه ثمانية أحاديث وقال ابن سلمة: فيه اثنا عشر ألف حديث، هذا تحريف أم جزاف؟

طالب: ..........

فرق؟ أربعة آلاف فرق. أحمد أربعون ألفًا المسند، ويجدون عدتها سبعة وعشرين ألفًا وكسورًا، محررها أربعون ألفًا. الأئمة وأهل العلم من المتقدمين ما يهتمون بالأعداد، ما تهمهم الأعداد؛ لأنه لن ينفق الوقت على عد أحاديث، بدلاً ما يعد ثلاثين ألفًا، أربعين ألفًا يحفظ له مائة حديث، مائتي حديث، ونحن صار همنا العدد.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

نعم، لكنه في غير هذا الموضع بالتفصيل قالوا: وحدثيان.

(وليس الأمر كذلك، بل عدته على التحرير ألفا حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثًا كما بينت ذلك مفصلاً في المقدمة).

 ذكر عن المعلقات من غير تكرار ومن غير ورودها في الأحاديث الموصولة مائة وستين، وفي مواضع قال: مائة وتسعة وخمسين.

(كما بينت ذلك مفصلاً في المقدمة.

الفائدة الثانية: تقرر أن البخاري لا يعيد الحديث إلا لفائدة، لكن تارةً تكون في المتن، وتارةً تكون في الإسناد، وتارةً فيهما، وحيث تكون في المتن خاصةً لا يُعيده بصورته، بل يتصرف فيه، فإن كثرت طرقه أورد لكل باب طريقًا، وإن قلَّت اختصر المتن أو الإسناد، وقد صنع ذلك في هذا الحديث، فإنه أورده هنا عن عبد الله بن مسلمة، وهو القعنبي مختصرًا مقتصرًا على مقصود الترجمة، كما تقدمت الإشارة إليه من أن الكفر يطلق على بعض المعاصي، ثم أورده في الصلاة في باب من صلى وقدَّامه نار بهذا الإسناد بعينه).

 لأنه في صلاة الكسوف عُرضت له النار، وتكعكع النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، صلى قدامه نار؛ ليضعف بذلك، ما يُروى من المنع من الصلاة استقبال النار؛ لئلا يتشبه بمن يعبدها.

(بهذا الإسناد بعينه، لكنه لما لم يغاير، اقتصر على مقصود الترجمة منه فقط، ثم أورده في صلاة الكسوف بهذا الإسناد فساقه تامًّا، ثم أورده في بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر عن شيخ غير القعنبي مقتصرًا على موضع الحاجة، ثم أورده في عِشرة النساء عن شيخ غيرهما عن مالك أيضًا. وعلى هذه الطريقة يُحمل جميع تصرفه، فلا يوجد في كتابه حديث على صورة واحدة في موضعين فصاعدًا إلا نادرًا، والله الموفق، وسيأتي الكلام على ما تضمنه حديث الباب من الفوائد حيث ذكره تامًّا إن شاء الله تعالى).

طالب: .......

....... لكن ما ذكر له في تحقيقات الكتاب بطرق أخرى .......

طالب: .......

انظر تحقيق أبي غدة.

طالب: .......

أبو غدة علَّق عليه، وذكر طرق الأحاديث.

يقول: متى يبدأ الإنسان بنشر العلم الذي يحمله، وهل يكون كاتمًا للعلم إذا أنهى المتون المختصة أو المخصصة للمبتدئين والمتوسطين، ومتى يكون مستعجلاً متذبذبًا؟

لا شك أن الإنسان إذا عرف حكمًا أو علمًا ولو قل، فعليه أن يبلغه من يفيده، لا سيما إذا تعين عليه ذلك. والنبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قال: «بلغوا عني ولو آية»، لكن لا يجوز للإنسان أن يتصدى لنشر أو تعليم ما لم يعلمه؛ لأنها إما إفراط أو تفريط، إما كفؤ ولا يبذل وهو الذي يفتح المجال لأمثال هؤلاء المتعالمين أن يرفعوا رؤوسهم، فعلى الأكفاء ألا يتأخروا، وعلى غيرهم أن يكفوا إلا عما يعرفونه.

هذا يقول: انتشر القول بأن صلاة الجماعة ليست واجبة، ويذكر عن بعض العلماء هذا القول؟

العبرة بما ثبت عن الله وعن رسوله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، ولا عبرة بقول أحد كائنًا من كان بمعارضة النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

يقول: وهل هناك رسالة أو كتاب في وجوب صلاة الجماعة والأدلة الواردة في ذلك تنصح بالرجوع إليها؟

على كل حال هذا الكلام صدر فيه بيان في حكم صلاة الجماعة مبين بالأدلة من اللجنة ردًّا على هذا الرجل الذي يقول هذا الكلام.

متى يحق لطالب العلم الاستنباط من الأدلة؟

إذا تأهل لذلك وعرف كيف يتعامل معها على طريقة أهل العلم.

والله أعلم.

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.