التعليق على الموافقات (1431) - 06

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا يقول: أنا أعمل في مركز بحثي، براتب بداوم كامل ثماني ساعات يوميًا، ومهمتي الأساسية في هذا المركز البحثي كتابة البحوث العلمية الشرعية حيث أتولى كتابة بحوث ويُرشَّح لي فقط عناوينها، والمحاور العامة التي يراد أن تدور حولها الكتابة، ثم يكون لي كل شيء في البحث، بعد ذلك من حيث جمع المادة، والجهد الفكري في التقرير والاستنتاج والتحقيق، ثم الصياغة الأدبية والعلمية للبحث من غير أن يكون هناك أي تدخل من المشرف العام على المركز في هذه الأمور، وإنما يقتصر دوره على دور المشرف العلمي الذي لا يتعدى دور المشرف في الرسائل العلمية في الماجستير والدكتوراة، سؤالي الآن: هل يحق لهذا المشرف، أو يحق لهذا المشرف أن يطلب أن تكون هذه البحوث باسمه والحال هذه لمجرد أنه يوفر لي الراتب الشهري من جهات محسنة أخرى، علمًا أن كافة الحقوق المالية من تلك البحوث راجعة إليه بتنازل تام من طرفي وطيب نفس؟ وهل يلحقني الإثم إذا أنا استمررت في العمل على شرطه هذا، وتنازلت عن حقوقي الفكرية، وظهر هو بما لم يعمله، علمًا بأن هناك كثيرًا من المؤسسات العلمية والدعاة في السعودية ينهجون هذا النهج؟ أفيدونا، بارك الله فيكم، وأرجو أن تكون الفتوى مختومة؟

هذا ما يصير علنًا هكذا، إذا كانت محررة، لكن من حيث الجواب إجمالاً، يوجد من هذا النوع كثير، وهناك ما يسمى بورش بحثية تشتغل، تحقق، تؤلف، ثم يكون الاسم لغيرها، هذا صاحب الاسم إذا اشترط مثل هذا الشرط أن يكون البحث باسمه، ويشتهر بين الناس بأنه من تأليف فلان، هذا لا شك أن هذا من التشبع بما لم يعطَ، كلابس ثوبي زور، لا يجوز له أن ينسب لنفسه ما لم يعمله، فالعمل عمل من بحث، نعم يقال: هيأ له الظروف، هيأ له الكتب، وفر له الوقت والجهد، ما يخالف، ويكون أجره بقدر ذلك، أما البحث فلصاحبه، وفي مثل هذه الحالة لو يقال: اقترح الاسم فلان، ووضع الخطة فلان، وتولى بحث جميع متطلبات الخطة فلان، هذا البيان والوضوح؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يتبنى عملًا لغيره، لا سيما إذا كان هذا العمل يتقاضى عليه شيئًا من أمر الدنيا، أو ذكرًا بين الناس، وشرفًا وترفعًا على الناس بهذا بسبب هذه الأمور التي لا يد له فيها، هذا مع الأسف الشديد انتشر، في مكاتب، وهذه المكاتب تشتمل على مجموعة وثلة من طلاب العلم، يحققون كتابًا كبيرًا، وفي النهاية يخرج باسم واحد، هذا لا يجوز بحال.

نعم، لو قال: حققه جمعٌ من طلاب العلم وفُصِّلت أسماؤهم في داخل الكتاب، ولو بُيِّن عمل كل واحد منهم بدقة؛ ليتولى ما له وما عليه، هذا هو الأصل، أما أن يقال: إنتاج أو تحقيق المكتب العلمي لفلان، وبإشرافه والعمل لغير هذا لا يجوز بحال، هذا هو التشبع، وإن أخذ في مقابله مالاً فقد أخذه بغير حقه، أخذ هذا المال بغير حقه.

طالب: ولو أشرف علميًّا على جميع تفاصيل...

لو أشرف علميًّا على جميع تفاصيله يكتب أنه أشرف وصحح وعدَّل، وإن وضع المُصحَّح في الأسفل ووضع له رمز، وكتب اسمه هذا هو الأصل، مع الأسف أنه يوجد جهات تتعامل مع الباحثين سواء كانوا في المرحلة الجامعية في البحوث الصفية، أو في الشهادات العليا، يأتي الطالب بالخطة، ويسلمها لمركز بحث، ثم في النهاية يكتب اسمه عليه، ويناقش وهو لا يعرف عن البحث شيئًا، هذا زور هذا، هذا كلابس ثوبي زور، ما هو بثوب واحد، هذا تشبع بما لم يعط، وعلى الجهات الرسمية مسؤولية أمام هذه التصرفات، وعلى المشرف أن يكشف أمثال هؤلاء، وعلى المناقشين أن يبدؤوا بمناقشة الباحث فيما يظهر به جهده، وتفاصيل عمله، من أجل أن ينكشف هؤلاء المزورون، هذه الشهادة يأخذ عليها مقابلًا فيما بعد، ويفتخر بها على الناس، ويتقدم عليهم بسببها، هذا لا يجوز بحال.

 نعم هناك أمور يسيرة يمكن أن يسأل عنها، إذا أشكلت عليه، أو يسأل عن مظانها، هذه أشياء مغمورة، مقابلة النسخ، قد يتسامح في شيء منها؛ لأنه إذا تولاها شخص بمفرده قد يخطئ، لكن إذا استعان بأهل الخبرة وقابل معهم، ووقف على بحثه بنسخه في كل صغيرة وكبيرة ووثَّق النصوص، ورقَّم الآيات، وخرّج الأحاديث، ودرس المسائل هذا هو البحث، ما الفائدة من البحث؟ الفائدة أن يخرج كتاب يضيف إلى الكم الهائل من الكتب التي تحتوي عليها المكتبات الخاصة والعامة، هذا الهدف من البحث؟ الهدف من البحث أن يخرج طالب علم ينفع الأمة، ولن ينفع الأمة بهذه الطريقة، ولن ينفع نفسه مستقبلاً، وإن زاد راتبه، واشتهر ذكره بين الناس، لكن سوف يعاقب بنقيض قصده، سوف ينكشف في يوم من الأيام، قد يكشفه صغار الطلبة، فضلاً عن كبارهم، قد يفتضح أمام زملائه وأقرانه إذا تولى البحث غيره ونسبه لنفسه؛ لأن هذه البحوث هي فائدتها تكوين الشخص العلمي، فإذا لم يتم هذا التكوين بهذه الدعوى، فإن الإنسان سوف يفتضح.

 ثم ماذا إذا قيل: دكتور وهو ما يعرف شيئًا عن رسالته، ما يعرف شيئًا عن الفن الذي تخصص فيه؛ لأنه وكل العمل إلى غيره، هذا هو الزور، نسأل الله العافية، وهذه الشهادة شهادة زور. والمتشبع كما في الحديث الصحيح: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» لأنه يقول: انظروا هذا الكتاب من تصنيفي، ما دام كتب اسمه عليه فكأنه قال: هذا الكتاب من تصنيفي، وليس له فيه شيء، وأي زورٍ أعظم من تزوير العلم! والتشبع بما لم يعط فيه في هذا الباب شأنه عظيم، يعني إذا شهد شهادة زور، بمبلغ من المال، فالمضرة خاصة، لكن التشبع بمثل هذا، والزور بمثل هذا الباب أمره عام يضر الأمة كلها، نسأل الله السلامة والعافية.

طالب:...

لو باعه لا يستحق ثمنه.

طالب:...

أنت وضح كل شيء وبع ما فيه إشكال، يسلمون له على شروطه بها المادة ما هي بهدف، لو قال في الكتاب: إنه حققه ثُلةٌ من طلاب العلم نعم، بإشراف المكتب العلمي لفلان ثم بعد ذلك في الداخل بيّن هؤلاء، وبيّن ما لكل واحد منهم من عمل، ليكون له غنمه وغرمه، ليؤاخذ بما أخطأ فيه، ليقال له: أحسنت فيما أحسن فيه، حتى مجرد العمل المشترك بحيث لا يعرف نصيب هذا من هذا ما يفيد، لا بد من البيان بدقة؛ لأن المسألة مسؤولية العلم مسؤولية، ليس بالأمر السهل أن يلقى العلم هكذا من مجهول، وهذا العلم دين، فانظر عمن تأخذ دينك، والله المستعان.

نعم.

أحسن الله إليك، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- تتمة في المسألة الثانية عشرة: "وأمثلة هذا الضرب كثيرة، وحكمه الذي ينبغي فيه الموافقة للعمل الغالب كائنًا ما كان، وترك القليل أو تقليله حسب ما فعلوه، أما فيما كان تعريفًا بحدٍّ وما أشبهه فقد استمر العمل الأول على ما هو الأولى".

نعم أما ما كان أما فيما كان تعريفًا بحدّ، تحديد شيء في أوله وآخره، فهل يعمل بحدَّيه؟ أو يُعمل بالعادة المستمرة من عمله -عليه الصلاة والسلام- وعمل سلف هذه الأمة؟ ويبقى الحدّ الثاني للحاجة، إذا دعت الحاجة إلى ذلك. كما صلى النبي -عليه الصلاة والسلام- في اليوم الأول في أول الوقت، وفي اليوم الثاني في آخره، وقال: «الوقت ما بين هذين الوقتين»، العادة والجادّة المطردة من فعله -عليه الصلاة والسلام- أنه يصلي الصلاة في أوقاتها في أوائل أوقاتها، نعم قد تدعو الحاجة إلى أن يؤخر بعض الصلوات كصلاة الظهر في شدة الحرّ، ويبقى أنه إلى آخر الوقت وقت للصلاة، لكنه على خلاف عادته -عليه الصلاة والسلام-، إنما يُفعَل عند الحاجة، يعني هل للإنسان أن ينام بعد الدوام إلى قبل غروب الشمس بربع ساعة ثم يقوم لصلاة العصر ويقول: «من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر»؟ ليس له ذلك، هذه صلاة المنافق، وإن جاز ذلك مع الحاجة، ووقعت أداءً لا قضاءً، لكن فرقٌ بين ما يفعله النبي -عليه الصلاة والسلام- مرة لبيان الحدّ، وبين ما يطرد فعله -عليه الصلاة والسلام- ليطالب به الأمة، ولذا من يُطالب من الكُتَّاب بتوسيع أوقات الصلوات من أولها إلى آخرها هذا على خلاف الهدي النبوي، على خلاف هديه -عليه الصلاة والسلام-، ويلزم منه تعطيل المساجد، التي لا يجوز تعطيلها بحال، والصلوات حيث ينادَى بها، يعني في المساجد، يعني في المساجد، نعم إذا نام أو طرأ له ظرف يمنعه من أدائها في أول وقتها فلا مانع أن يؤخرها وتكون أداءً، لكن لا تكون هذه عادته عادته وجادته، والله المستعان.

"فكذلك يكون بالنسبة إلى ما جاء بعد موافقته لهم على ذلك، وأما غيره فكذلك أيضًا، ويظهر لك بالنظر في الأمثلة المذكورة، فقيام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان في المسجد ثم تركه بإطلاق مخافة التشريع يوجد مثله بعد موته، وذلك بالنسبة إلى الأئمة والعلماء والفضلاء".

التشريع والإيجاب انقطع بموته -عليه الصلاة والسلام-، لكن الذي لم ينقطع الاقتداء والائتساء، فكما يفعله النبي يفعل الشيء -عليه الصلاة والسلام- على خلاف الأصل لبيان الجواز، خشية أن يُفرَض، وليعلم الناس أنه ليس بفريضة، فكذلك وُرَّاثه من بعده، وُرَّاثه من بعده الذين يقتدى بهم قد يأتسي بهم الناس ويقتدون بهم، ويظنون الوجوب إذا استمروا على العمل، فإذا أخلوا به أحيانًا، فإن التبع والذين يقتدون به يعرفون أن هذا ليس بلازم، ولو كان لازمًا ما أخلّ به، وإلا فالإيجاب إنما يكون بنصّ، والنصّ انقطع بموته -عليه الصلاة والسلام-، وقلت في درسٍ مضى: إن بعض الناس، بعض المزارعين وُجِدوا على رؤوس النخل والإمام يخطب يوم الجمعة، فمرّ بهم من مرّ، وعاتبهم على ذلك، قائلاً لهم: إن اليوم يوم جمعة، قالوا: لا، أبدًا ليست جمعة، ما السبب؟ الإمام ما قرأ في الفجر الجمعة والمنافقون؛ لأنه اطرد عمله على قرائتها، فظنه الناس واجبًا...

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

كيف؟

طالب:...

نعم السجدة والإنسان في فجر الجمعة، السجدة والإنسان، فظنه الناس واجبًا، فلما لم يقرأها الإمام قالوا: هذا ليس بيوم الجمعة، كل هذا من باب ملازمة الملازمة والمداومة على السُنن، الملازمة والمداومة على السُّنن بحيث لا يُخلّ بها، فيراها الجهال من الواجبات التي لا يُخلّ بها، فينبغي للأئمة أن يلاحظوا مثل هذا.

"وذلك بالنسبة إلى الأئمة والعلماء والفضلاء المقتدى بهم فإن هؤلاء منتصبون لأن يقتدى بهم فيما يفعلون، وفي باب البيان من هذا الكتاب لهذا بيان، فيوشك أن يعتقد الجاهل بالفعل إذا رأى العالِم مداومًا عليه أنه واجب، وسدّ الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصلٌ من الأصول القطعية في الشرع".

سدّ الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصل من الأصول القطعية في الشرع، يعني تضافرت عليه أدلة كثيرة حتى وصلت بمجموعها إلى حدّ القطع، ومنع كثير من الأمور التي ليس فيها نصّ عند أهل العلم؛ لأنها ذريعة إلى محرم، وهذا أمر معتبر مقرر في الشرع، أدلته بمجموعها تصل إلى حدّ القطع كما ذكر المؤلف، ونسمع في الأيام الأخيرة ما يُسمى بفتح الذرائع، بفتح الذرائع، وأن الدين دين نصّ، ما لم يرد فيه نصّ من كتاب ولا سُنَّة فهذا مباح على الأصل، حتى نادى بعضهم بفتح الذرائع وقال: إنا ضيَّقنا على أنفسنا باسم سدّ الذرائع، كيف ضيقنا على أنفسنا؟ يعني يريدك أن تمشي في الأمر إلى أن تصل إلى حدّ المحرم ثم تقف، هل يمكن أن يحصل مثل هذا؟ يمكن؟ يمكن أن تنظر إلى المرأة نظر محرم، وتخلو بها، وتسافر بها على ألا يحصل حرام؟ هذا كله ما فيه شيء؛ لأنها ذريعة إلى المحرم، ما وصلنا إلى المحرم. هذا يقوله عاقل؟ هذا يقوله متدين؟ نسأل الله العافية.

 يقول ضيقنا على أنفسنا، الله -جل وعلا- خلق لنا ما في الأرض جميعًا، لكن ضيقنا على أنفسنا بسدّ الذرائع، وينادى بفتح الذرائع، ويكتب فيه في الصحف وفي وسائل الإعلام، كل هذا من باب، لا شك أنه من باب تسهيل الوصول إلى المحرمات، تسهيل الوصول إلى المحرمات، لتكون المحرمات سائبة لا حمى لها، وقد يكون لشيء من الذرائع أدلة تخصها، ليقاس عليها غيرها، فحُرِّم النظر، وحُرِّمت الخلوة، وحُرِّم السفر بغير محرم كله؛ لأن ذلك ذريعة إلى الفاحشة، ذريعة إلى الفاحشة، فالذرائع يجب سدّها، أي شيء يوصل إلى المحرم فهو حرام، وأدلتها بمجموعها قطعية،  {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}[سورة الأنعام: 108].

 الآن سبّ الآلهة التي يقع فيها الشرك، ولها يُصرَف أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله لا يجوز سبّها؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سبّ الله -جل وعلا-، وأي شيء أعظم من هذا السدّ؟

ثم يأتي من يقول: إننا ضيقنا على أنفسنا، وإذا قيل: هذا محرم، قال: هاتوا الدليل، يلزمك أن تأتي بدليل نصي على هذا الفعل، نعم، والعلماء يعرفون كيف يستدلون، وكيف يستنبطون، ولهم أدلة غير الكتاب والسُّنَّة ترجع في نهايتها إلى الكتاب والسُّنَّة، والله المستعان.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

الأمر عظيم؛ لأنه بهذا الكلام لا ينادي بتحليل شيء واحد، لا ينادي بشيء بتحليل شيء واحد مفسدته مقصورة محصورة، هذا ينادي بفتح الأبواب على مصاريعها، هذا يدعو إلى الضياع وإلى الضلال، نسأل الله السلامة والعافية.

"وسد الذرائع مطلوب مشروع، وهو أصلٌ من الأصول القطعية في الشرع، وفي هذا الكتاب له ذكر، اللهم إلا أن يعمل به الصحابة كما في قيام رمضان، فلا بأس، وسنتهم سنة ماضية، وقد حفظ الله فيها هذا المحظور الذي هو ظن الوجوب، مع أنهم لم يجتمعوا على إعماله والمداومة عليه إلا وهم يرون أن القيام في البيوت أفضل، ويتحرونه أيضًا، فكان على قولهم وعملهم القيام في البيوت أولى، ولذلك جعل بعض الفقهاء القيام في المساجد أولى لمن لم يستظهر القرآن، أو لمن لا يقوى إلا بالتأسي، فكانت أولويته لعذرٍ كالرخصة، ومنهم...".

نعم، إذا كان صلاته مع الناس، إذا كانت صلاته مع الناس أنشط له، وإذا صلى في بيته حصل له شيء من الغفلة في صلاته، والسهو، وتشتت عليه ذهنه بخلاف ما لو صلى خلف إمام ينحصر ذهنه، ويسمع لما يقرأ، وينشط مع الناس، مثل هذا يقال له: القيام مع الناس أفضل، لكن إذا كانت صلاته بمفرده في بيته أنفع لقلبه، وأطول لقرائته، وأطول لقيامه وسجوده، لا شك أن الصلاة في البيت في النوافل هي الأصل، لكن بعض الناس يقول: لو خرجت من المسجد ضعت، يسوف بعد قليل، بعد قليل، آخر الليل، ثم ينتهي الوقت ما فعل شيئًا؛ لأن الشيطان حريص، والنفس تثبط، فمثل هذا يصلي مع الناس، أما إذا كان صاحب همة وعزيمة يقوم من آخر الليل، ويتدبر في قرائته، ويطيل القراءة، ويطيل السجود، ويناجي ربه بمفرده، لا شك أن هذا أدعى إلى الإخلاص وأصلح للقلب، لكن قد يعوق عنه عائق، ولا شك أن على كل إنسان أن يفعل ما هو الأنفع لقلبه، وإن كان كانت في البيوت الأصل صلاة النافلة في البيوت أفضل، وصلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.

 ويبقى أنه إذا كان ممن يقتدى به، فصلى صلاة العشاء، وخرج إلى بيته، وصلى النافلة، ثم صلى ما كتب له كما هو الأصل، ينظر إليه العوام، يقولون: لو كان في هذه الصلاة فضيلة لما تركها فلان، ويخرجون، ولن يفعلوا مثل ما فعل، مثل هذا يصلي مع الناس، ويكون له أجر من اقتدى به، ثم بعد ذلك يضيف ما شاء في بيته ما يضيف.

"ومنهم من يطلق القول بأن البيوت أولى، فعلى كل تقدير ما داوم عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المقدَّم، وما رآه السلف الصالح فسنةٌ أيضًا، ولذلك يقول بعضهم: لا ينبغي تعطيل المساجد، لا ينبغي تعطيل المساجد عنها جملة".

نعم؛ لأنها سُنة من سُنة الخلفاء الراشدين؛ لأن الذي جمع الناس عليها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقد أُمِرنا بالاقتداء به، وتبعه الصحابة ووافقوه على ذلك، ولم يوجد له مخالف ولا معارض، ومع ذلك كما قال عمر -رضي الله عنه-: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل منها، يعني صلاة آخر الليل.

طالب:...

نعم.

طالب:...

كيف؟

طالب:...

صلى بهم؛ ليعرف -عليه الصلاة والسلام- أنه أنشط لبعضهم، وهو القدوة، ويقتدى به، وينتفع بقرائته؛ لأنه قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقًا، يعرض للمفوق ما يجعله فائقًا، وصلى بابن عباس في بيته، وصلى في بيت، صلى نافلة جماعة بابن عباس، وصلى في بيت مُليكة بحضرة أنس، صليت أنا ....

طالب:...

صليت أنا، والغلام خلفي، والعجوز من ورائنا، كما في الحديث الصحيح.

طالب:...

تراويح فعلها النبي -عليه الصلاة والسلام- في أول الأمر في ليلتين أو ثلاث؛ لأنه أنفع لصاحبته أن يصلوا وراءه، ويسمعوا القرآن خلفه، والصلاة وراءه أفضل من غيرها، ومع ذلك تركها؛ خشية أن تُفرض.

طالب:...

أين؟

طالب:...

بعد ذلك؛ لأنه أُمِنت المفسدة وهي فرضها.

طالب:...

قال: والتي ينامون عنها أفضل منها، الصلاة في آخر الليل.

طالب:...

نعم، وأن صلاة النافلة تفضُل خلف الفاضل، يعني هناك أمور مرجِّحة، أحيانًا يكون هذا فاضلًا، وأحيانًا يكون في وقتٍ مفضولًا، فعمر -رضي الله عنه- لما جمع الناس؛ ليكون أنشط لهم؛ لأنه رأى الناس يتفرقون أوزاعًا، هذا يصلي ركعتين، وهذا يصلي أربعًا، وهذا يخرج وما صلى، وهكذا، قال: لو جمعنا الناس على إمام واحد كلهم صلوا، وحسمنا باب الاختلاف هذا، وحصل لهم من الخير ما يحصل بقيام الليل، ويبقى أن أصل المشروعية الصلاة في البيوت، يبقى أن الفعل قد يعرض له ما يجعله فائقًا، وإن كان في الأصل مفوقًا، أمور مقررة عند أهل العلم.

طالب:...

على كل حال إذا كان في العشر الأواخر فعُرف هذا عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه يحيي الليل، وإذا وجد عنده من لا يشق عليه هذا الأمر معلوم أن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة، ولو لم يستوعب كل الليل أو نصف الليل أو ثلث الليل، يكتب له قيام ليلة، فأجره ثابت، لكن إن وجد من عندهم هذا الهم، وهذا التلذذ بالصلاة، وجُعلت الصلاة قرة أعينهم، وكانوا يرتاحون بالصلاة، إذا وجد هذا النوع فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قام حتى تفطرت قدماه.

"ولذلك يقول بعضهم: لا ينبغي تعطيل المساجد عنها جملة؛ لأنها مخالفة لما استمر عليه العمل في الصحابة، وأما صلاة الضحى فشهادة عائشة بأنها لم تر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصليها قط، دليلٌ على قلة عمله بها، ثم الصحابة لم ينقل عنهم عموم العمل بها، وإنما داوم من داوم عليها منهم بمكان لا يتأسى به، لا يتأسى بهم فيه كالبيوت، عملاً بقاعدة الدوام على الأعمال، ولأن عائشة فهمت أنه لولا خوف الإيجاب لداوم عليها، وهذا أيضًا موجود في عمل المقتدى بهم، إلا أن ضميمة إخفائها يصد عن الاقتداء، ومن هنا لم..".

صلاة الضحى مع هذا الكلام المأثور عن عائشة وعن غيرها إلا أنه جاء ما يدل على المداومة عليها، وأصل المشروعية ثبتت بفعله -عليه الصلاة والسلام-، وبوصيته لجمع من أصحابه، أوصاني خليلي بثلاث، وذكر منها ركعتي الضحى، وقال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة» الإنسان يتصدق يوميًّا بثلاثمائة وستين صدقة؛ لأن في جسده من المفاصل هذا العدد، يتصدق عن كل مفصل؛ شكرًا لله -جل وعلا- أن يسر له هذه المفاصل، ولينها له، ليتم انتفاعه بها، ولو تتصور أن أحد أصابعك ما ينثني فضلاً عن إحدى رجليك أو يديك أو ما أشبه ذلك، تصور مثل هذا، كم تعاني من مثل هذا؟ من المشقة، لكن ليّنها، وجعلها مفاصل تستعملها كيفما شئت، لو أن الصلب واقف لا تحنيه ولا تثنيه ولا، ولا تحركه، أو الرجل ضيقت عليك، تضيق الوسيلة الأرض بما رحبت عليك.

 ولذا هذه نِعَم تُشكر بالصدقات، طيب ما كل الناس عنده ما يتصدق به ثلاثمائة وستين، أرشدهم إلى البديل السهل في كل تسبيحى صدقة، في كل تحميدة صدقة، في كل تكبيرة صدقة، إلى آخر ما قال -عليه الصلاة والسلام-، ثم قال في النهاية: «ويكفي من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى»، تخفيف ورحمة من الله -جل وعلا-.

"ومن هنا لم تشرع الجماعة في النوافل بإطلاق، بل في بعض مؤكداتها كالعيدين، والخسوف ونحوها وما سوى ذلك، فقد بين -عليه الصلاة والسلام- أن النوافل في البيوت أفضل، حتى جعلها في ظاهر لفظ الحديث أفضل من صلاتها في مسجده الذي هو أفضل البقاع التي يصلى فيها".

لأن الحديث إنما سيق في مسجده -عليه الصلاة والسلام-، قاله في مسجده، «صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة» حتى من مسجده، حتى من المسجد الحرام، عموم هذا الحديث يتناول جميع البقاع، جميع المساجد.

"فلذلك صلى -عليه الصلاة والسلام-".

في مسجده الذي هو أفضل البقاع التي يصلى فيها، هذا على رأيهم عند مالك أن المدينة أفضل من مكة، ومسجده -عليه الصلاة والسلام- أفضل من المسجد الحرام، والمؤلف مالكي، لكن جمهور أهل العلم على أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل منها في المسجد النبوي، والدليل على ذلك ظاهر.

"فلذلك صلى -عليه الصلاة والسلام- في بيت مُليكة ركعتين في جماعة، وصلى بابن عباس في بيت خالته ميمونة بالليل جماعة، ولم يُظهِر ذلك في الناس، ولا أمرهم به، ولا شهره فيهم، ولا أكثر من ذلك، بل كان عامة عمله في النوافل على حال الانفراد، فدلت هذه القرائن كلها مع ما انضاف إليها من أن ذلك أيضًا لم يشتهر في السلف الصالح، ولا واظبوا على العمل به دائمًا، ولا كثيرًا أنه مرجوح، وأن ما كانوا عليه في الأعم الأغلب هو الأولى والأحرى.

 وإذا نظرنا إلى أصل الذريعة اشتدّ الأمر في هذه القضايا، فكان العمل على ما داوم عليه الأولون أولى، وهو الذي أخذ به مالك فيما روي عنه أنه يجيز الجماعة في النافلة في الرجلين والثلاثة، ونحو ذلك، وحيث لا يكون مظنة اشتهار، وما سوى ذلك فهو يكرهه. وأما مسألة الوصال فإن الأحق".

الوصال في الصيام، يصوم اليومين والثلاثة لا يفطر بينها.

"وأما مسألة الوصال، فإن الأحق والأولى ما كان عليه عامتهم، ولم يواصل خاصتهم حتى كانوا في صيامهم كالعامة في تركهم له، لما رزقهم الله من القوة التي هي أنموذج من قوله- لا عليه الصلاة والسلام-: «إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، مع أن بعض من كان يسرد الصيام قال بعد ما ضعُف: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأيضًا فإن طلب المداومة على الأعمال الصالحة يطلب المكلف بالرفق والقصد خوف الانقطاع، وقد مرّ لهذا المعنى تقرير في كتاب الأحكام، فكان الأحرى الحمل على التوسط، وليس إلا ما كان عليه العامة، وما واظبوا عليه. وعلى هذا فاحمل نظائر هذا الضرب.

 والضراب الثاني: ما كان على خلاف ذلك، ولكنه يأتي على وجوه: منها أن يكون محتملاً في نفسه، فيختلفوا فيه بحسب ما يقوى عند المجتهد فيه، أو يختلف في أصله، والذي هو أبرأ للعهدة وأبلغ في الاحتياط تركه، والعمل على وفق الأعم الأغلب كقيام الرجل للرجل إكرامًا له وتعظيمًا، فإن العمل المتصل تركه، فقد كانوا لا يقومون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أقبل عليهم، وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس، ولم ينقل عن الصحابة عمل مستمر ولو كان لنُقِل، حتى روي عن عمر بن عبد العزيز أنه لما استخلف قاموا له في المجلس فقال: إن تقوموا نقم، وإن تقعدوا نقعد، وإنما يقوم الناس لرب العالمين، فقيامه -عليه الصلاة والسلام- لجعفر ابن عمه، وقوله: «قوموا لسيدكم» إن حملناه على ظاهره فالأولى خلافه لما تقدَّم، وإن نظرنا فيه وجدناه محتملاً أن يكون القيام على وجه الاحترام والتعظيم أو على وجه آخر من المبادرة إلى اللقاء لشوق يجده القائم للمقوم له، أو ليفسح له في المجلس حتى يجد موضعًا للقعود أو للإعانة على معنى من المعاني، أو لغير ذلك مما يحتمل".

مسألة القيام للقادم والداخل، القيام له، والقيام إليه، والقيام عليه. أما القيام على الشخص فهذا الذي جاء النهي عنه؛ لمشابهة فارس والروم، هذا جاء النهي عنه، القيام على الشخص. القيام له والقيام إليه من باب إكرامه وتعظيمه ليس هو الجادة المطردة من فعلهم معه -عليه الصلاة والسلام-، لكنه قال -عليه الصلاة والسلام-: «قوموا إلى سيدكم»، وقام من قام لتبشير من تِيب عليه بادره وقام إليه، وقد يقوم الإنسان من أجل أن يوسع المكان، ومن أجل أن يعتني بهذا القائم من بُعد، أو لأنه أهل للاحترام والتقدير.

 فالمقصود أن هذا هو خلاف الأصل، لكن له أصل، خلاف الأصل العام الذي أكثر العمل عليه، لكن له أصلٌ يدل عليه، تكون الجادة عدم القيام، لكن إذا وُجِد ما يقتضي القيام فلا مانع منه؛ لوجود ما يدل عليه، يعني هذا القيام له أصل، ولكن العادة الغالبة من فعلهم معه -عليه الصلاة والسلام- أنهم لا يقومون، «قوموا إلى سيدكم»، في بعض الروايات: «فأنزلوه». فالقيام هنا يختلف عن القيام الذي يتحدث عنه المؤلف من أجل إنزاله، فلا يدخل فيما منعه بعض أهل العلم، بعض أهل العلم يمنع القيام مطلقًا، ومنهم من يقول: إن الأصل عدم القيام لاطراد فعلهم معه -عليه الصلاة والسلام-، وإذا وجد ما يقتضي ذلك، قد يخاف الإنسان على نفسه إن لم يقم، قد يتضرر بعدم القيام، قد يكون القيام لشخص يحتاج إلى نصرة؛ لأنه قام بحق لم يقم به غيره، يستحق من يقوم له لنصره. على كل حال هذه أمور تُقدَّر بقدرها، وإن كانت خلاف الأصل.

طالب:...

ما هو بنهي، عادتهم المطردة ما يقومون، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه العمل، لكن وُجد ما يقتضي القيام إذا وجد ما يقتضيه فله أصل أيضًا.

طالب:...

لا، إلا إذا قاموا عليه الذي جاء عليه النهي. أما قوموا إلى سيدكم فهذا يستدل به من يجيز القيام مطلقًا، وعلى كل حال ما داموا خلاف العادة المطردة من فعلهم معه -عليه الصلاة والسلام- فيكون فعله خلاف الأولى إلا إذا وجد ما يقتضيه.

طالب:...

العُرف السائد إذا كان ملزمًا، ما معنى ملزم؟ أنه تترتب عليه آثار، فيكون إلزامه من باب الآثار، بسبب الآثار المترتبة عليه، إما أن يوصم الإنسان باستخفاف بالناس، أو بكِبْر في نفسه أو شيء من ذلك، أو يقوم لأحد ولا يقوم لأحد هذا يعامله على الأصل، وهذا يعامله على كذا، يعني مثل هذا لا شك أنه لا يسلم من الناس، فكيف الغيبة عن نفسه، بهذا الأمر أو لا يقوم مطلقًا؛ لأنه يحصل الآن في المجالس أنه يدخل شخص يقوم له زيد، يدخل ثانٍ فما يقوم، يدخل ثالث يقوم وهكذا، تجد في النفس شيئًا، وإن كان الوعيد على من أحب أن يتمثل الناس له قيامًا، لكن يبقى أن كل إنسان له ما يخصه من خطاب الشرع، فالمقوم له له حكم، والقائم له حكم، فكون زيد يقوم لشخص، ثم لا يقوم للذي بعده والذي بعده، ثم يقوم لخامس وسادس وهكذا، لا شك أن النفوس توغر بمثل هذا، وملاحظة ما في النفوس مقصد من مقاصد الشرع، ولذا مُنِع من إقامة جماعتين، في مسجد واحد؛ لأنه لا بد أن يترك أثرًا في نفس الإمام الأول. على كل حال هذه أمور تقدَّر بقدرها، والأصل أنهم لا يقومون له -عليه الصلاة والسلام-، فهذا يبقى القاعدة والجادة المطردة، وإذا وُجد ما يقتضي ذلك من جلب مصلحة أو درء مفسدة فلا شك أن هذا له أصل شرعي.

"وإذا احتمل الموضع طُلبنا بالوقوف مع العمل المستمر؛ لإمكان أن يكون هذا العمل القليل غير معارض له، فنحن في اتباع العمل المستمر على بينة وبراءة ذمة باتفاق، وإن رجعنا إلى هذا المحتمِل لم نجد فيه مع المعارض الأقوى وجهًا للتمسك إلا من باب التمسك بمجرد الظاهر، وذلك لا يقوى قوةً معارضة".

قوةَ معارضه.

"فذلك لا يقوى قوى معارضه، ومثل ذلك قصة مالك مع سفيان في المعانقة، فإن مالكًا قال له: كان ذلك خاصًّا بجعفر، فقال سفيان: ما يخصه يخصنا، وما يعمه يعمنا، إذا كنا صالحين، فيمكن أن يكون مالكٌ عمل في المعانقة بناءً على هذا الأصل، فجعل معانقة النبي -عليه الصلاة والسلام- أمرًا خاصًّا أي ليس عليه العمل، فالذي ينبغي وقفه على ما جرى فيه، وكذلك تقبيل اليد إن فرضنا أو سلمنا صحة ما روي فيه".

مع أنه صحَّ فيه أحاديث ثلاثة أو أكثر.

 على كل حال الأصل عدم ذلك، الجادة والعمل المطرد منهم عدم ذلك، لكن إذا وجد ما يقتضيه يقال بمنعه؟ إذا عمله شخص، وله أصل في الشرع، وإن كان على خلاف العادة والجادة المطردة، ويتمسك بحديث، قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، لا يُنكر عليه، مالك أنكر على سفيان وقال: هذا خاص بجعفر، بدليل أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما فعله مع جميع أصحابه قال: ما يخص جعفر يخصنا، الأصل واحد، نحن وجعفر واحد، ما في فرق بيننا وبين جعفر، ليس في جعفر ما يقتضي تخصيصه بهذا.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

هذه المسألة تحتاج إلى تصوير، أو شرحٍ دقيق، لكن ما يفعله بعض الناس من المعانقة من الاحتضان والضم وغيره، هذا قدر زائد على ذلك، ولا ينبغي، لا ينبغي أن يكون مثل هذا، وإن كانت العادات والأعراف والبيئات تختلف، يعني قد يضم الأخ أخته ضمًّا لا يفعله إلا الزوج، وجرت عادتهم بهذا، وبعض الناس من بعيد هكذا درءًا للمفسدة، وكلٌّ على عرفه إذا إذا أُمنت المفسدة، لكن يبقى أن ما يخص الزوج لا ينبغي أن يقع من غيره؛ لأنه يذكر عن بعض الجهات أنهم يفعلون أشياء من الضم والتقبيل وأشياء ما ينبغي أن يكون إلا للزوج مهما كان القرب ولو كان أبًا أو أخًا؛ لأن للزوج خصوصية ليست لغيره.

"وكذلك تقبيل اليد إن فرضنا أو سلمنا صحة ما روي فيه فإنه لم يقع تقبيل يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا نادرًا، ثم لم يستمر".

في ثلاثة أحايث صحيحة، وأما تقبيل الرجل فضعيف.

"ثم لم يستمر فيه عمل إلا الترك من الصحابة والتابعين، فدلّ على مرجوحيته، ومن ذلك".

لأن فيه مبالغة في التقدير والاحترام، وبعض الناس يكره مثل هذه المبالغة، وإن صحّ فيها الخبر؛ لأن الخبر لا يعدو الإباحة، لا يمنعه على الناس، لكن يكرهه في نفسه، ولا يرغب أن يُفعل معه.

 على كل حال هذه الأمور على حسب ما يقر فيها، وكان جمع من أهل العلم في هذه البلاد وغيرها يشددون في مسألة تقبيل اليد، ويزعمون أنه يسمونه السجدة الصغرى، لكن ما دام فيه نص ثابت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فمنعه غير متجه، لكن ينبغي أن الإنسان يحتاط لنفسه، ولو منعه في نفسه وشخصه فهذا ما يلام على ذلك.

"ومن ذلك: سجود الشكر إن فرضنا ثبوته عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لم يداوم عليه مع كثرة البشائر التي توالت عليه والنعم التي أفرغت عليه إفراغًا، فلم ينقل عنه مواظبة على ذلك، ولا جاء عن عامة الصحابة منه شيء، إلا في الندرة، مثل كعب بن مالك إذ نزلت توبته، فكان العمل على وفقه، تركًا للعمل على وفق العامة منهم، ومن هذا المكان يتطلع إلى قصد مالك -رحمه الله- في جعله العمل مقدمًا على الأحاديث".

مع أن السجدة التي في ص يسميها أهل العلم سجدة شكر، سجدة شكر، فسجود الشكر له أصل في الشرع، لا ينكر أصله، نعم مالك -رحمه الله- يقول: إنه ما عرف عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه سجد، وجاءه ما يقتضي هذا الشكر، ومع ذلك ثبت في أحاديث خفيت على مالك- رحمه الله-، وثبتت عند غيره، فالأصل موجود، لكن ينبغي أن يكون الشكر للنعم، للنعم، النعم التي يتفق عليها جميع الناس أنها نِعم، وأما ما ينفرد به بعضهم، لا سيما من اجتيل عن الفطرة، فقد يعتبر بعض المعاصي نِعَمًا، يحصل له شيء يغضب به الرب، يعتبره نعمة لحصوله عليه، هذا ضلال، نسأل الله العافية، وفساد في الفطرة، والله المستعان.

"ومن هذا المكان يتطلع إلى قصد مالك -رحمه الله- في جعله العمل مقدمًا على الأحاديث، إذ كان إنما يراعي كل المراعاة العمل المستمر والأكثر، ويترك ما سوى ذلك، وإن جاء فيه أحاديث، وكان ممن أدرك التابعين، وراقب أعمالهم، وكان العمل المستمر فيهم مأخوذًا عن العمل المستمر في الصحابة، ولم يثبت".

يعني تلقاه التابعون عن الصحابة، في عهده -عليه الصلاة والسلام- وبعده، ولذا عمل أهل المدينة له شأن عند الإمام مالك، وأصل من أصول المالكية.

"ولم يكن مستمرًّا فيهم إلا وهو مستمر في عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو في قوة المستمر، وقد قيل لمالك: إن قومًا يقولون: إن التشهد فرض، فقال: أما كان أحدٌ يعرف التشهد؟ فأشار إلى الإنكار عليه بأن مذهبهم كالمبتدع الذي جاء بخلاف ما عليه من تقدم، وسأله أبو يوسف عن الأذان فقال مالك: وما حاجتك إلى ذلك؟ فعجبَ من فقيه يسأل عن الأذان، ثم قال له مالك: وكيف الأذان، وكيف الأذان عندكم؟ فذكر مذهبهم فيه، فقال: من أين لكم هذا؟ فذكر له أن بلالاً لما قدم الشام سألوه أن يؤذن لهم فأذن لهم كما ذكر عنهم، فقال له مالك: ما أدري ما أذان يوم، وما صلاة يوم؟ هذا مؤذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وولده من بعد، وولده من بعد يؤذنون في حياته وعند قبره وبحضرة الخلفاء الراشدين بعده".

يعني أذان بلال في يوم واحد في الشام يقضى به على أذانه في حياة النبي -عليه الصلاة والسلام- وأذان غيره من المؤذنين؟ أذان أبي محذورة وسعد القرظ وفلان وفلان ممن توارث أولاده الأذان من بعده في عهد الصحابة والتابعين يقول: أذان يوم واحد ما يكفي، والمخالف فيه العادة المطردة من أذانه في مسجده -عليه الصلاة والسلام- ويسمع ذلك، نعم جاء في الحديث أحاديث الأذان بعض الاختلاف، التربيع والترجيع، وإفراد الإقامة وكذا، أمور، مذكورة في شروح الحديث، في الأحاديث وشروحها، لكن ما فعله بلال بحضرة النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى وفاته هذا الذي ينبغي أن يُعمل به، لا ما فعله في يوم واحد، في الشام كام ادعى..

طالب: أبو يوسف.

أبو يوسف نعم.

طالب:...

نعم.

"فأشار مالك إلى".

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

لا، إذا توافرت فيه الشروط فلا مانع أن يؤذن بعده.

طالب:...

لا، ما فيه، هو كغيره، الولد كغيره من الناس، لكن من باب الوفاء لهذا المؤذن الذي حبس نفسه على هذا المسجد سنين طويلة، ولا يوجد ما يمنع من تولية ابنه، ما المانع؟

"فأشار مالك إلى أن ما جرى عليه العمل وثبت مستمرًّا أثبت في الاتباع، وأولى أن يرجع إليه، وقد بيَّن في العتبية أصلاً لهذا المعنى عظيمًا، يجلّ موقعه عند من نظر إلى مغزاه، وذلك أنه سئل عن الرجل يأتيه الأمر يحبه، فيسجد لله شكرًا، فقال: لا يفعل، ليس مما مضى من أمر الناس، فقيل له: إن أبا بكر الصديق فيما يذكرون سجد يوم اليمامة شكرًا، أفسمعت ذلك؟ قال: ما سمعت ذلك، وأنا أرى أن قد كذبوا على أبي بكر، وهذا من الضلال أن يسمع المرء الشيء فيقول: هذا شيء لم نسمع له خلافًا. ثم قال: قد فُتح على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى المسلمين بعده، أفسمعت أن أحدًا منهم سجد؟ إذا جاءك مثل هذا مما كان في الناس، وجرى على أيديهم، لا يسمع عنهم فيه شيء فعليك بذلك، فإنه لو كان لذُكر؛ لأنه من أمر الناس الذي قد كان فيهم، فهل سمعت أن أحدًا منهم سجد؟ فهذا إجماعٌ، إذا جاءك الأمر لا تعرفه فدعه، هذا ما قال.

وهو واضحٌ في أن العمل العام هو المعتمد على أي وجه كان، وفي أي محل وقع، ولا يُلتَفت إلى قلائل ما نُقل، ولا إلى نوادر الأفعال إذا عارضها الأمر العام والكثير. ومنها: أن يكون هذا القليل خاصًّا بزمانه أو بصاحبه الذي عمل به، أو خاصًّا بحالٍ من الأحوال، فلا يكون فيه حجة على العمل به في غير ما تقيد به، كما قالوا في مسحه -عليه الصلاة والسلام- على ناصيته وعلى العمامة في الوضوء، إنه كان به مرض، وكذلك نهيه -عليه الصلاة والسلام- عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث بناءً على إذنه بعد ذلك لم يكن نسخًا، وهو قوله: «إنما نهيتكم لأجل الدافة»، ومنها...".

النهي عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث إنما كان من أجل الدافة، وفد إلى المدينة قوم أصابتهم مجاعة، فمن أجل أن يُتصدق عليهم من لحوم هذه الأضاحي نهي عن الادخار، ونُصَّ على العلة، فلما ارتفعت هذه العلة ارتفع الحكم، قال: «كلوا وادخروا، إنما نهيتكم من أجل الدافة».

فيكون النهي عن الادخار على خلاف الأصل، والادخار لا مانع منه إذا أدى ما أوجب الله عليه منه، فالباقي له أن يتصرف فيه كيفما شاء.

طالب:...

كيف؟

طالب:...

المسح على العمامة؟

طالب:...

جاء في بعض الطرق، في بعض طرق الأحاديث أنه كان شاكيًا، يعني مثل سعيه على الدابة، سعى على الدابة، في الصحيح ما فيه بيان علة، وفي سنن أبي داود أنه كان شاكيًا، فهل نقول: إن السعي لا يصح إلا من كان حاله كحاله -عليه الصلاة والسلام-؟ الأصل المشي على الأقدام والسعي على الأقدام، فإذا وجد ما يستدعيه من تعب أو ما أشبه ذلك أو نقول: إن الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما ما فيها بيان هذه العلة، فيجوز السعي على الدابة مطلقًا؟ مثل هذا.

"ومنها أن يكون مما فُعل فلتة".

يعني نادرًا.

"فسكت عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع علمه به، ثم بعد ذلك لا يفعله ذلك الصحابي ولا غيره، ولا يشرعه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يأذن فيه ابتداءً لأحد، فلا يجب أن يكون تقريره عليه إذنًا له ولغيره، كما في قصة الرجل الذي بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- في أمرٍ فعمل فيه، ثم رأى أن قد خان الله ورسوله، فربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وحلف ألا يُحلّه".

ألا يَحُلَّه.

"ألا يَحُلَّه إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «أما إنه لو جاءني لاستغفرت له»، وتركه كذلك حتى حكم الله فيه".

يعني ونظيره قصة ثابت بن قيس بن شماس الخطيب وكان يرفع صوته بين النبي بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- في الخطبة، ثم لما جاء النهي عن رفع الصوت عنده -عليه الصلاة والسلام- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}[سورة الحجرات: 2] ذهب إلى بيته وربط نفسه وقال: لا يحله إلا الرسول -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه حبط عمله، على حد زعمه وأنه داخل في الآية، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: أخبروه أنه ليس ممن تتناوله الآية وأنه في الجنة، هذا تصرف من هذا الصحابي لم يسبق له مشروعية، لم يسبق له مشروعية، يعني ما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- من ارتكب كذا فليربط نفسه أو يفعل أو يفعل، مثل هذا لا يؤخذ قاعدة مطردة ولو لم ينتقد بنص، يعني ما قيل له: لماذا ربطت نفسك لماذا؟

المقصود أنه يكون على خلاف الأصل.

"فهذا وأمثاله لا يقتضي أصل المشروعية ابتداءً ولا دوامًا، أما الابتداء فلم يكن فعله ذلك بإذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما دوامًا فإنما تركه حتى يحكم الله فيه، وهذا خاصٌّ بزمانه، إذ لا وصول إلى ذلك إلا بالوحي، وقد انقطع بعده، فلا يصحّ الإبقاء على ذلك لغيره حتى ينتظر الحكم فيه".

لو أن إنسانًا حصلت منه مخالفة فربط نفسه بسارية وقال: لا يحلني أحد حتى يجد نصًّا يدل على حلّي، لن يجد نصًّا يدل على حلّه.

"وأيضًا فإنه لم يؤثر عن ذلك الرجل ولا عن غيره أنه فعل مثل فعله لا في زمان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا فيما بعده، فإذًا العمل بمثله أشدّ غررًا إذ لم يكن قبله تشريعٌ يشهد له، ولو كان قبله تشريع لكان استمرار العمل بخلافه كافيًا في مرجوحيته".

قف على هذا يكفي يكفي.

 اللهم صل على محمد.

طالب:...

المسح؟

طالب:...

نعم.

طالب:...

نعم، لكن مع الناصية، مع الناصية.

يقول: ما حكم سجود الشكر الذي يفعله لاعب الكرة في الملاعب وهم كاشفون لعوراتهم؟ بيّنتُ الشكر الذي ينبغي أن يسجد له ليخرج ما عداه.

"