تعليق على تفسير سورة البقرة (88)

عنوان الدرس: 
تعليق على تفسير سورة البقرة (88)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير ابن كثير
تاريخ النشر: 
جمعة 23/ Dhu al-Qada/ 1440 8:00 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال الإمام ابن كثيرٍ –رحمه الله تعالى-: "قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:236].

أَبَاحَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى طَلَاقَ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْمَسُّ: النِّكَاحُ، بَلْ وَيَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، وَالْفَرْضِ لَهَا إِنْ كَانَتْ مُفَوَّضَةً، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا انْكِسَارٌ لِقَلْبِهَا؛ وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى بِإِمْتَاعِهَا، وَهُوَ تَعْوِيضُهَا عَمَّا فَاتَهَا بِشَيْءٍ تُعْطَاهُ مِنْ زَوْجِهَا".

مفوَّضة أم مفوِّضة؟

طالب: مفوِّضة؟

كأنها فوّضت ولي أمرها، ولم تُحدد مهرًا، ولم تُحدد شيئًا، هذا الذي يظهر.

"بَلْ وَيَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، وَالْفَرْضِ لَهَا إِنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا انْكِسَارٌ لِقَلْبِهَا؛ وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى بِإِمْتَاعِهَا، وَهُوَ تَعْوِيضُهَا عَمَّا فَاتَهَا بِشَيْءٍ تُعْطَاهُ مِنْ زَوْجِهَا بِحَسْبَ حَالِهِ، عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ.

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمِّيَّةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مُتْعَةُ الطَّلَاقِ أَعْلَاهُ الْخَادِمُ، وَدُونَ ذَلِكَ الْوَرِقُ، وَدُونَ ذَلِكَ الْكُسْوَةُ.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ كَانَ مُوسِرًا مَتَّعَهَا بِخَادِمٍ، أَوْ نحو ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا أَمْتَعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَوْسَطُ ذَلِكَ: دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَمِلْحَفَةٌ وَجِلْبَابٌ، قَالَ: وَكَانَ شُرَيْحٌ يُمَتِّعُ بِخَمْسِمِائَةٍ.

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ يُمتع بِالْخَادِمِ، أَوْ بِالنَّفَقَةِ، أَوْ بِالْكِسْوَةِ، قَالَ: وَمَتَّعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بِعَشَرَةِ آلَافٍ وَيُرْوَى أَنَّ الْمَرْأَةَ قَالَتْ: متاعٌ قليلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارق".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

متعة الطلاق التي نُص عليها في هذه الآية مختلفٌ بين أهل العلم؛ لأن الآية وردت بصيغة الأمر، والأمر أصله الوجوب، وعند كثيرٍ من أهل العلم على ذلك يجب عليه أن يُمتعها على حسب قدرته واستطاعته، وبحسب غناه وفقره، قال بعضهم بأن هذا أمر استحباب؛ لأن الواجب المهر وقد دفعه، وإن كان في الآية تفويض التي لم يُدفَع لها مهر فتُمتع، يتجه الوجوب في مثل هذه الحالة، ولا حد لهذه المتعة وأُثِر عن السلف ما ذُكِر هنا، وذُكِر في غيره أنهم متَّعوا المطلقات.

وكثيرٌ من الناس اليوم لا يعرف هذا الحكم، يُطلقها ويطردها مع أنه لا يجوز له أن يُخرجها من بيته ما لم تأتِ بفاحشةٍ مُبينة، فيُخرجها ويُكني عن الطلاق بالحقي بأهلك أو اخرجي وهكذا، وهذا جهل، فإنه لا بُد من المتعة التي أوجب الله، وأمر الله بها.

والمتعة على حسب القدرة والطاقة، وحسب وضع الإنسان الاقتصادي، فالغني يُمتِّع مما أعطاه الله، والفقير على حسب قدرته وطاقته.

الحسن بن علي طلَّق امرأتين، وأرسل المتعة عشرة آلاف، عشرة آلاف مع شخص، قالوا: اسمع ماذا تقول هاتان المرأتان، فسلَّم العشرة لواحدة سكتت، أخذت العشرة وسكتت، وسلَّم العشرة الثانية للمرأة الثانية، وكان ردها ما ذُكِر هنا: "متاعٌ قليلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارق"، العشرة آلاف ليست بقليلة، لكن القِلة والكثرة نسبية؛ لفقدها سبط رسول الله –صلى الله عليه وسلم- صارت ما تساوي شيئًا، "متاعٌ قليلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارق".

نقل هذا الكلام للحسن فأرجعها، هذه المرأة التي ردت بهذا الكلام أرجعها الحسن، وأما تلك فتركها.

لا شك أن النساء والناس عمومًا يختلفون في قبولهم للواقع، وفي تعاملهم معه، وفي ردهم عليه، هذه امرأة قالت: مالٌ قليل، عشرة آلاف أليست بمال! كثير من أوساط الناس ما يملك عشرة آلاف.

"مِنْ حَبِيبٍ مُفَارق" عرف الحسن –رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أنها مازالت المودة موجودة، وعبَّرت عن ذلك، وأظهرته لغيرها، فرأى أنها تستحق أن تُسترجَع.

أما التي أخذت الدراهم وسكتت فهذه كأنها ما خسرت شيئًا، فأبقى طلاقها، وهذا من التعامل بالحسنى، والأدب الذي أدَّبنا الله به نرد بالكلام الحسن، وأن نتقبَّل الأمور بأحسن ما يُمكن تقبلها به.

ومع الأسف أن بعض الناس سواء المطلِّق أو المطلقة يصدر منهم ألفاظ وأشياء وأفعال، ويمكن تكسير أواني، ويمكن شتم وسب، هذا كله خلاف ما أدَّبنا به الشرع.

فانظر الفرق بين المرأتين، المرأة الأولى ما قالت شيئًا، ما ذكرت شيئًا ألبتة، والثانية قالت هذا الكلام، فرأى الحسن –رضي الله عنه- أن يردها؛ لِما اتصفت به من هذا الأدب في الأسلوب، وفي التعامل، وفي بقاء المودة والمحبة، المرأة إذا طُلِّقت نسيت كل شيء لاسيما في الأيام الأولى إذا عاد عليها عقلها، ووازنت بين المصالح والمفاسد، وبين ما قدمه لها، قد يكون شخص أذاها أو شيء من هذا، لكن هذه المرأة في أول الوقت في وقت المصيبة عند النساء، الطلاق عندهن مصيبة، وتقول مثل هذا الكلام، هذه تستحق أن تُرَد، وتُعامَل بالأحسن، وأما التي سكتت يبدو أنه ما بقي في قلبها شيء أو على الأقل ما وُفِّقت، فأمضى طلاقها، والله المستعان.

طالب: ..........

التي سكتت هذه تكون عاقلة، امرأةٌ عاقلة، وبعض النساء يُحمِّلن أنفسهن ما لا يتحملن؛ لأن الإنسان يؤذي نفسه قبل أن يؤذي غيره بالكلام السيئ، ويضر نفسه قبل أن يضر غيره؛ ولذا يُذكر في كُتب التراجم تراجم كتب الحديث النسائي –رحمه الله- جرح محمد بن صالح المصري، وهو إمام معروف ثقة عند أهل العلم، فالعلماء الذين أتوا بعدهم يقولون: إن النسائي آذى نفسه بجرح هذه الإمام الكبير الذي هو محمد بن صالح المصري، علم ما يضره مثل هذا الكلام، وكذلك الإمام النسائي من أعلام الإسلام ومن كذا، لكن اجتهاد، هذا اجتهاده -رحمه الله-.

طالب: ..........

الذي يظهر أنها درهم.

مصعب بن الزبير أصدق عائشة بنت طلحة ألف ألف صداق، يعني كم؟ مليون، أصدقها ألف ألف حتى لو دراهم فضة ما هي بورق، فضة ليست سهلة، افترضنا أنها فضة، والدينار اثنا عشر درهمًا أو عشرة دراهم عبر اختلاف الأوقات، يعني مائة ألف دينار ذهب، اضربها فيما يستحقه الدينار من الذهب في عصرنا هذا، كم الصداق؟ كبير جدًّا.

طالب: ..........

أين؟

طالب: ..........

قبل؟

طالب: ..........

في هذا انكسار.

طالب: ..........

همزة وصل إذا وصِلت، أما إذا بُدئ بها...

طالب: ..........

لكن إذا بُدئ بها.

طالب: ..........

المقصود أنها إذا بُدئت بها نُطِق بالهمزة.

طالب: ..........

لكن إذا وصِلت بالكلام بالانكسار وكذا في وصل.

طالب: ..........

حتى الكتابة؟

طالب: ..........

على كل حال الأمور سهلة.

"وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ مَتَى تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي مِقْدَارِ الْمُتْعَةِ وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا يُجْبَرُ الزَّوْجُ عَلَى قَدْرٍ مَعْلُومٍ، إِلَّا عَلَى أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُتْعَةِ، وَأَحَبُّ ذَلِكَ إليَّ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّهُ مَا يُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا أَعْرِفُ فِي الْمُتْعَةِ وقتًا".

قدرًا.

"لَا أَعْرِفُ فِي الْمُتْعَةِ قَدْرًا إِلَّا أَنِّي أَسْتَحْسِنُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، كمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا: هَلْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، أَوْ إِنَّمَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا؟ عَلَى أَقْوَالٍ".

طالب: ..........

أين؟

طالب: ..........

ما يُعطيها ثوبًا ما تُصلي به، أقلها ثوب.

طالب: ..........

ما يكفي، ما يُجزئ في الصلاة

"أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَجِبُ الْمُتْعَةُ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [الْبَقَرَةِ:241]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا} [الْأَحْزَابِ:28]، وَقَدْ كُن مفروضًا لهن ومدخولًا بهن، وهذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبير، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.

وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ الْجَدِيدَ الصَّحِيحَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. 

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَإِنْ كَانَتْ مَفْرُوضًا لَهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا} [الْأَحْزَابِ:49]، قَالَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْأَحْزَابِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ.

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَبِي أسَيد أَنَّهُمَا قَالَا: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُمَيْمَةَ بِنْتَ شَرَاحِيلَ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّمَا كَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَبَا أَسِيدٍ أَنْ يُجَهِّزَهَا وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رازِقِيَّين.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُتْعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِلْمُطَلَّقَةِ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِذَا كَانَتْ مُفَوِّضَةً، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَضَ لَهَا وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ شَطْرُهُ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا اسْتَقَرَّ الْجَمِيعُ، وَكَانَ ذَلِكَ عِوَضًا لَهَا عَنِ الْمُتْعَةِ، وَإِنَّمَا الْمُصَابَةُ الَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا وَلَمْ يُدْخَلْ بِهَا، فَهَذِهِ الَّتِي دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى وُجُوبِ مُتْعَتِهَا.

هَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ.

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ: مَنِ اسْتَحَبَّهَا لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مِمَّنْ عَدَا الْمُفَوَّضَةَ الْمُفَارِقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ: وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْكُورٍ عَلَيْهِ تُحْمَلُ آيَةُ التَّخْيِيرِ فِي الْأَحْزَابِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [الْبَقَرَةِ:241].

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ مُطْلَقًا.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِهَابٍ الْقَزْوِينِيُّ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَابِقٍ، قال: حَدَّثَنَا عمرو -يَعْنِي ابْنَ أَبِي قَيْسٍ- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: ذَكَرُوا لَهُ الْمُتْعَةَ، أَيُحْبَسُ فِيهَا؟ فَقَرَأَ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة:236]".

"أَيُحْبَسُ فِيهَا؟" يعني: الذي يرفض أن يمتِّع المطلقة، من رأى أنها واجبة كالدين في ذمته رأى أنه يُحبس؛ حتى يدفعها إذا كان قادرًا على الدفع، ومن هذا الباب قالوا: "أَيُحْبَسُ فِيهَا؟" يعني فهي من الأمور الواجبة المتعينة، من الحقوق اللازمة، فيُحبس من أجلها؛ حتى يدفع كالدين إذا كان مستطيعًا، أما إذا كان غير قادر أو غير مستطيع كسائر الديون {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:280].

"قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا حَبَسَ فِيهَا، وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَحَبَسَ فِيهَا الْقُضَاةُ".          

طالب: ..........

استقر المهر كاملًا، إذا طُلِّقت قبل الدخول نصف المهر، وإذا دخل بها استقر المهر، المدخول بها يستقر المهر كاملًا.

طالب: ..........

من باب المعروف، من باب التعامل بالفضل، والله –جلَّ وعلا- يقول: {وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237].

طالب: ..........

الله –جلَّ وعلا- يقول: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128]، فالإصلاح مطلوب في كل شيء، والإصلاح بين الزوجين من أهم الأمور التي تلتئم بها أمور الناس والأُسر، وتمشي الأُسر على خير إن شاء الله.

طالب: ..........

كل هذا من باب المعروف ليس من باب اللزوم، لاسيما إذا أخذت المهر كاملًا، وطلبت الطلاق هي التي تدفع إذا طلبت الطلاق، واختاروا الخُلع فهي التي تدفع له، إن دفعت له المتعة فما لها وجه.

"قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة:237].

وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُتْعَةِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْأُولَى، حَيْثُ إِنَّمَا أَوْجَبَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نِصْفَ الْمَهْرِ الْمَفْرُوضِ، وَإِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ وَاجِبٌ آخَرُ من مُتْعَةٍ لَبَيَّنَهَا لَاسِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهَا بِمَا قَبْلَهَا مِنَ اخْتِصَاصِ الْمُتْعَةِ بِتِلْكَ الْحَالَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَتَشْطِيرُ الصَّدَاقِ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ- أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ قَدْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا، ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَا سَمَّى مِنَ الصَّدَاقِ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ يَجِبُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِذَا خَلَا بِهَا الزَّوْجُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا".

والخلاف في مفهوم الدخول هل من لازمه الجِماع، أم مجرد إسدال الستار والخلوة بها يُسمى دخولًا؟ هذا محل الخلاف، من اشترط الجِماع رأيه معروف، ومن قال: يكفي إسدال الستار، وهو منسوب للخلفاء الأربعة وأكثر أهل العلم يقول: مجرد ما يخلو بها، ويفعل معها ما لا يفعله إلا الزوج مع زوجته ولو شيئًا يسيرًا مع إسدال الستار والخلوة بها، فالمسألة خلافية.

{مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة:237] الذين قالوا: المسيس هو الجماع اشترط الجماع، ومن قال: إنه أعم من ذلك يصدق بالمس باليد أو ما يحل إلا لزوجٍ مع الخلوة التي تُمكنه من ذلك كفى، وهذا منسوب للخلفاء الأربعة، ما أدري المؤلف يأتي بالمسألة هنا أم لا؟

"إِلَّا أَنَّ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ يَجِبُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِذَا خَلَا بِهَا الزَّوْجُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا".

 

"وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا" لم يُجامعها هذا تفسير لمعنى الدخول، هل هو من لازمه الجماع أو مجرد الخلوة وإسدال الستار؟

"وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَبِهِ حَكَمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ".

الزنجي.

"قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيَخْلُو بِهَا وَلَا يَمَسُّهَا، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، قال: لَيْسَ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237] قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا أَقْوَى، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ.

قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَجٍّ بِهِ، فَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهُوَ مُقوِّل له".

طالب: ...........

فَهُوَ مُقوِّل له؟

طالب: ...........

لا، يعني متابعًا، يُسموه متابعة، والمتابعة فائدتها التقوية.

طالب: ...........

الضعيف الذي ضعفه ليس بشديد، من النوع المُنجبر إذا تابعه مثله فهو يتقوى ويرتقي إلى الحسن لغيره، ضعيف مع ضعيف يُقوي بعضهما بعضًا إذا لم يكن الضعف شديدًا لا ينجبر.

"وَقَوْلُهُ: {إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة:237] أَيِ: النِّسَاءُ عَمَّا وَجَبَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا مِنَ النِّصْفِ، فَلَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ.

قَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة:237] قَالَ: إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ الثَّيِّبُ فَتَدَعُ حَقَّهَا.

قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ  -رَحِمَهُ اللَّهُ-: رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعِكْرِمَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَنَافِعٍ، وَقَتَادَةَ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَالضَّحَّاكِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيِّ، نَحْوُ ذَلِكَ.

قَالَ: وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فَقَالَ: {إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة:237] يَعْنِي: الرِّجَالُ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ".

قد يقول قائل: النون هذه أيش {إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة:237]؟

طالب: ...........

نون النسوة؟

طالب: ...........

لا لا، اصبر شوي.

هي نون النسوة، ويقول: يعني: الرجال، الرجال جمع تكسير، يجوز التأنيث والتذكير لهم، قام الرجال، وقامت الرجال، هو من هذا الباب، وإلا فما يخفى عليه أن النون نون النسوة.

على كل حال قوله شاذ ومردود، والعفو لمن يملك العفو، وقوله: {إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة:237] يعني الرجال، يعني أولياء النساء، ما يقصد الأزواج، لا يقصد الأزواج، وإنما يقصد أولياء النساء الذين ملكوا الأمر في أوله، وزوَّجوا، إذا عفوا يملكون ذلك عنده، وإلا فالصواب أن الضمير يرجع إلى النساء.

"وَقَوْلُهُ: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: ذُكِرَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «وَلِيُّ عقْدِ النِّكَاحِ الزَّوْجُ».

وَهَكَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ، بِهِ".

وحينئذٍ يكون العفو من قِبل الزوج عن النصف الثاني، فيعفو ويتنازل عن نصيبه، فتستحق كامل المهر.

"وَقَدْ أَسْنَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قال: حَدَّثَنَا جابر -يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ- عَنْ عِيسَى، يَعْنِي ابْنَ عَاصِمٍ".

عندنا جرير، في نسخة جابر، والمثبت عندنا "جرير يعني ابن أبي حازم" ماذا عندك يا إبراهيم؟

طالب: جابر.

جرير في ...؟

طالب: ..........

  

"عَنْ عِيسَى -يَعْنِي ابْنَ عَاصِمٍ- قَالَ: سَمِعْتُ شُرَيْحًا يَقُولُ: سَأَلَنِي عَلِيُّ بْنُ طالب عَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، فَقُلْتُ لَهُ: هُوَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا بَلْ هُوَ الزَّوْجُ.

ثُمَّ قَالَ: وَفِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَشُرَيْحٍ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ- وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعِكْرِمَةَ، وَنَافِعٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي مِجْلز، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَمَكْحُولٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ: أَنَّهُ الزَّوْجُ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الْجَدِيدُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

وَمَأْخَذُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ حَقِيقَةً الزَّوْجُ، فَإِنَّ بِيَدِهِ عَقْدَهَا وَإِبْرَامَهَا وَنَقْضَهَا وَانْهِدَامَهَا، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُولِيَةِ لِلْغَيْرِ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّدَاقِ.

قَالَ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ".

يعني أركان الزواج: الزوج والزوجة، قد نُص على الزوجة {إِلا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة:237]، ومن بقي؟ الزوج، {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة:237] كون الولي هو الذي يتولى العقد على المرأة؛ رعايةً لمصلحتها، لا يعني أن أمرها كله بيده، فالمال من حقها أن تتصرف فيه، مالها، المال من حقها أن تتصرف فيه، فتتنازل، والمقابل لها، الركن الثاني الزوج له أن يتنازل، يتنازل عن أيش؟ عن النصف الثاني الذي عُوفي له من أجل عدم دخوله به.

طالب: ..........

الزوج ماذا يعفو عنه؟ ما بيده إلا النصف الثاني.

طالب: ..........

ماذا؟

طالب: .......... 

إذا قلنا: الزوج، وهو الركن الثاني أو الركن الأول من أركان النكاح قلنا: ليس بيده إلا النصف الثاني الذي استحقه بعدم الدخول، فيُعطيها المهر كاملًا، إذ لها أن تتنازل عن النصف الذي استحقته بالعقد، وله أن يتنازل عن النصف الثاني الذي استحقه بعدم الدخول، أما النصف الذي استحقته فليس بيده منه شيء، فيكون الولي أقرب من الزوج في النصف الذي استحقته المرأة.

طالب: ..........

الآن هذه مدخول بها أو غير مدخول بها؟

طالب: ..........

نعم، هذا الكلام الذي أقوله، حتى لو لم يُسلَّم، وقال: أنا فرضت لك خمسين ألفًا، وتستحقين خمسة وعشرين، فأنا أعطيكِ الخمسين كاملة، ما الذي يمنع؟ فيه أحد يمنعه؟ ما فيه أحد يمنعه.

طالب: ..........

عفو وفضل كله. 

"وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -فِي الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ- قَالَ: ذَلِكَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا، أَوْ مَنْ لَا تُنْكَحُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعِكْرِمَةَ -فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ- وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ- فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: أَنَّهُ الْوَلِيُّ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ وَمَأْخَذُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ هُوَ الَّذِي أَكْسَبَهَا إِيَّاهُ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِخِلَافِ سَائِرِ مَالِهَا.

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أَذِنَ اللَّهُ فِي الْعَفْوِ وَأَمَرَ بِهِ، فَأَيُّ امْرَأَةٍ عَفَتْ جَازَ عَفْوُهَا، فَإِنْ شَحَّتْ وَضَنَّتْ عَفَا وَلِيُّهَا َجَازَ عَفْوُهُ.

وَهَذَا يَقْتَضِي صِحَّةَ عَفْوِ الْوَلِيِّ، وَإِنْ كَانَتْ رَشِيدَةً، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ شُرَيْحٍ، لَكِنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الشَّعْبِيُّ، فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَصَارَ إِلَى أَنَّهُ الزَّوْجُ، وَكَانَ يُبَاهِلُ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: خُوطب بِهِ الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ.

حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ".

يقولون: إن هذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مرويٌّ عن شُريح، ولكنه أنكر عليه الشعبي فرجع عن ذلك.

"وَصَارَ إِلَى أَنَّهُ الزَّوْجُ وَكَانَ يُبَاهِلُ عَلَيْهِ"، يعني رجع من قول إلى قول، كان مقتنعًا بالقول الأول، ثم لما نُوقِش رجع وما يكفيه أنه رجع وصار يُفتي به، بل كان يُباهل عليه، يعني اقتنع قناعة تامة لا تحتمل النقيض، صار يُباهل عليه.

وهذا قد ينتقضه بعض طُلاب العلم، وأنه سهل التأثير عليه، ومن أقصى اليمين إلى أقصى الشمال ويقع فيه، لكنه الحق إذا اقتنع به رجع إليه، هذه عادة أهل العلم أنهم يرجعون إلى الحق، والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي بالباطل، وإن كان القول الذي يراه أولًا مرده إلى الاجتهاد، وهو ليس بباطل من كل وجه، لكن هذه عادة أهل العلم، لا يُصرون على ما يتبين لهم أنه خطأ.

طالب: ..........

والله في المسألة كونه الولي أقرب.

"عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237] قَالَ: أَقْرَبُهُمَا لِلتَّقْوَى الَّذِي يَعْفُو.

وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ".

والنخعي، مجاهد والنخعي.

طالب: ..........

ما فيه النخعي عندكم؟

طالب: مجاهد والضحاك.

موجود بالنسخة؟

طالب: ..........

كله موجود إلا هو؟

طالب: ..........

أول المقطع كله ليس موجودًا؟

طالب: ..........

"وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ" حتى ما أُشير إلى أنه في بعض النُّسخ، ما أُشير عندنا.

"وَقَالَ مُجَاهِدٌ، والنخعي، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالثَّوْرِيُّ: الْفَضْلُ هَاهُنَا أَنْ تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ عَنْ شَطْرِهَا، أَوْ إِتْمَامُ الرَّجُلِ الصَّدَاقَ لَهَا؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ} [البقرة:237] أَيِ: الْإِحْسَانَ، قَالَهُ سَعِيدٌ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَأَبُو وَائِلٍ: الْمَعْرُوفُ، يَعْنِي: لَا تُهْمِلُوهُ بَلِ اسْتَعْمَلُوهُ بَيْنَكُمْ.

وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسحاق، قال: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، قال: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قال: حَدَّثَنَا عُبَدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ".

الرَّصافي، ماذا عندك؟

طالب: الوصافي.

"حَدَّثَنَا عُبيَدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ".

طالب: الوصافي.

الرصافي.

طالب: الرصافي؟

عندنا الرصافي، عُبيد الله بن الوليد الرصافي، الرصافة بلد، والوصابي منسوب إلى اليمن، اليمن فيه وصابي نسبةً إلى أيش بلد أم ماذا؟ ما فيه أحد؟

طالب: ...........

بالفاء أم بالباء؟

طالب: ...........

بالباء اليمن.

طالب: ...........

وصابي؟

طالب: ...........

على كل حال الأمر سهل، تُراجع كُتب الرجال.

طلعوها من الجوال.

"عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «ليأتينَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوض، يَعَضّ الْمُؤْمِنُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ وَيَنْسَى الْفَضْلَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237] شِرَارٌ يُبَايِعُونَ كُلَّ مُضْطَرٍّ»، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرَر، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ فعُدْ بِهِ عَلَى أَخِيكَ، وَلَا تَزِدْهُ هَلَاكًا إِلَى هَلَاكِهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَحْزُنه وَلَا يَحْرِمُهُ".

كثير من الناس يفرح إذا وجد مضطرًّا يحتاج إلى المال، وبيده سلعة يُساومه عليها بأبخس الأثمان؛ لأنه مضطر يُريد أن يبيع بأي قيمة، ولكن هذا ليس من الفضل، وليس من النُّصح للمسلمين، بخلاف قصة جرير بن عبد الله في شراء الفرس، مازال يزيده من ثلاثمائة إلى ثمانمائة، وهو يقول: فرسك يستحق أكثر من هذا.

طالب: ...........

يشتري، يتربَّح بالمعقول، ليس بالغبن، يشتري يتربَّح بخمسمائة يشتريه بأربعمائة وما أشبه ذلك، لكن الذي بخمسمائة من أجل أنه مضطر يقول له: بخمسين؟!

ولكن الآن بعض الصور من البيع والشراء عند بعض الناس تجعل الإنسان يحتاط لنفسه، ويصنع مثل هذا؛ لأن بعض الناس السلعة عند غيره بخمسين يقول: بخمسمائة، ويتذرَّع بأنه لو قال: بخمسين ما شريت؛ لأن الناس ينظرون إلى السلع مقرونةً بأثمانها، البضائع السائدة عند النساء وأشباه النساء لو تقول له: المتر بخمسين قال: ما يلبس هذا.

طالب: ...........

وعند محل بمائتين وثلاثمائة وعند غيره بعشرة، وهذا يبيع أكثر من هذا، ما يصلح الرخيص، لا، ما يلبسون.

طالب: ...........

الوصافي؟

طالب: ...........

بالواو والفاء.

طالب: ...........

الوصَّافي.

طالب: ...........

نعم.

"وَقَالَ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هَارُونَ قَالَ: رَأَيْتُ عَوْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَجْلِسِ الْقُرَظِيِّ، فَكَانَ عَوْنٌ يُحَدِّثُنَا وَلِحْيَتُهُ تُرَش مِنَ الْبُكَاءِ، وَيَقُولُ: صَحِبْتُ الْأَغْنِيَاءَ فَكُنْتُ مِنْ أَكْثَرِهِمْ هَمًّا، حِينَ رَأَيْتُهُمْ أَحْسَنَ ثِيَابًا، وَأَطْيَبَ رِيحًا، وَأَحْسَنَ مَرْكَبًا مِنِّي، وَجَالَسْتُ الْفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ بِهِمْ، وَقَالَ: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237] إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَدْعُ لَهُ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.

{إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة:237] أَيْ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عاملٍ بعمله".

يعني إن نظر الإنسان إلى غيره في أمور الدنيا ينبغي أن ينظر إلى من دونه؛ لأنه إذا نظر إلى الأغنياء لا شك أنه يزدري نعمة الله عليه، وينظر إلى هؤلاء يتنعمون وهو لا يستطيع ذلك، وأما إذا نظر إلى من دونه فإنه يشكر الله على ما عنده ولا يزدري نعمة الله عليه كما وُجِد في هذا الأثر "وَجَالَسْتُ الْفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْتُ بِهِمْ" وجالس الأغنياء وما زاده ذلك إلا الهم والغم.

طالب: ...........

نعم صحيح، في البخاري «فإنه أحرى ألا تزدري نعمة الله عليك».

 لكن في أمور الدين تنظر إلى من دونك كل يوم تقضي واجبًا عليك، وترتكب مُحرَّمًا، تقول: أنا أفضل من فلان، أو أن هذا البلد الفلاني كلهم في الجنة، انظروا الصين والهند الكفار كثرتهم، ما هو بصحيح؛ لأن أهل الجنة واحد من ألف، والله المستعان.

طالب: .........

خلاص انتهت الآية؟

طالب: .........

خلاص ما يُمكن الآية طويلة.

اللهم صلِّ على نبينا محمد.