شرح العقيدة الواسطية (39)

عنوان الدرس: 
شرح العقيدة الواسطية (39)
عنوان السلسلة: 
شرح العقيدة الواسطية
تاريخ النشر: 
سبت 29/ Muharram/ 1436 4:45 م

سماع الدرس

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فقد قال المصنف -رحمه الله تعالى-: فصل، ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وهم مع ذلك لا يُكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال -سبحاته وتعالى- في آية القصاص: البقرة: ١٧٨  وقال: ﮟﮠ           ﮭﮮ ﯕﯖ      ﯡﯢ الحجرات: ٩ - ١٠. ولا يسلبون الفاسق المِلِّي اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلِّدونه في النار كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: النساء: ٩٢. وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: الأنفال: ٢  وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: فصل، ومن أصول أهل السنة والجماعة الذين سبق الحديث عنهم وتفصيل معتقدهم في الإيمان بالله -جلَّ وعلا- وبقية سائر الأركان أن الدين والإيمان، الدين شامل للإيمان والإسلام والإحسان شامل للمراتب الثلاث؛ ولذا جاء في حديث عمر وأبي هريرة وغيرهما في الصحيحين وغيرهما من أسئلة جبريل عليه السلام للنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فأجابه -عليه الصلاة والسلام-، ثم في نهاية الحديث قال: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»، فدل على أن الدين شامل للمراتب الثلاث؛ ولذا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» المراد به في جميع أبواب الدين ولا يقصر ذلك على الفقه الاصطلاحي معرفة الأحكام العملية، بل العقائد والإيمان وما يدخل في التوحيد أهم المهمات حتى كان يسميها بعض المتقدمين الفقه الأكبر، الفقه الأكبر، ومعرفة الأحكام العملية الفقه الأصغر، لماذا صارت أصول الدين فقهًا أكبر وفروعه فقهًا أصغر؟ لأن أصول الدين متعلقة بمعرفة الله -جلَّ وعلا- والفقه الأصغر الفروع متعلقة بأفعال العباد، ولا شك أن العلم شرفه بشرف مقصوده وغايته التي تدرس فيه، فإذا كان أصول الدين يدرس فيها ما يتعلق بالخالق -جلَّ وعلا- فحقيق وجدير وحري وخليق أن يسمى الفقه الأكبر، فمن حصر الفقه في حديث معاوية: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» بفقه الفروع هذا نزّل الحقيقة الشرعية على الحقيقة العرفية، وكم من خلط وخطأ في مثل هذا العمل حينما يأتي لفظ في نص من النصوص مرادًا به الحقيقة الشرعية، ثم ينزل على الحقيقة العرفية، سواء كانت عرفية خاصة عند أهل العلم أو عرفية عند عامة الناس، يحصل خلطًا كبيرًا في فهم النصوص، فالدين شامل للإسلام والإيمان والإحسان، وكل دائرة أخص من التي قبلها، فالإسلام أوسع الدوائر يليها الإيمان، فكل مسلم مؤمن ولا عكس يلي ذلك المرتبة الأضيق وهي دائرة الإحسان، التي لا تحصل لكثير من المسلمين بل المؤمنين، أن تعبد الله كأنك تراه، عبادة مع المراقبة هذه أخص، والدين يشمل الدوائر الثلاث، والإسلام والإيمان المرتبة الأولى والثانية، من أهل العلم من يرى أنهما بمعنى واحد مترادفان، وهذا القول ينسب أو ظاهر من صنيع الإمام البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما قالوا: الإسلام والإيمان بمعنى واحد، بدليل أن النبي -عليه الصلاة والسلام- فسر الإسلام في سؤال جبريل بالأعمال الظاهرة، بالأركان الخمس: بالشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج، وفسر الإيمان في حديث وفد عبدالقيس بالأعمال الظاهرة، فلما سئل عن الإسلام فسره بالأعمال الظاهرة، سئل عن الإيمان فسره بالأعمال الظاهرة، فهذا يدل على أنهما مترادفان، وجمهور السلف يرون أن هناك فرقًا بين الإسلام والإيمان، هذا إذا اجتمعا، أما إذا افترقا فيطلق الإسلام ويراد به الإيمان، ويطلق الإيمان ويراد به الإسلام، أما إذا اجتمعا فلا بد أن يكون هناك فرق بينهما؛ ولذا فسر النبي -عليه الصلاة والسلام- في أسئلة جبريل الإيمان بغير ما فسر به الإسلام ولو كانت حقيقتهما واحدة لأجاب حينما سأله عن الإسلام، ثم لما سأله عن الإيمان قال: هو كالإسلام أو هو الإسلام أو أحاله على الجواب السابق، لكن لما كانت الحقيقة للإيمان مغايرة لحقيقة الإسلام عند الاجتماع غاير بينهما في الجواب -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: من أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول وعمل، الدين والإيمان يعني عطف الإيمان على الدين من باب عطف الخاص على العام، من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الدين أشمل وأعم من الإيمان؛ يشمل الإسلام ويشمل الإحسان في قوله -جلَّ وعلا-: {إن الدين عند الله الإسلام}، هذا أسلوب حصر، من أين جاء الحصر؟ من تعريف جزئي الجملة، وهذا يدل على الحصر، فالدين هو الإسلام الذي لا يرتضي الرب -جلَّ وعلا- غيره من أحد {من يبتغي غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه} الآن الآية التي فيها حصر الدين في الإسلام، هل هي هل فيها معارضة ومخالفة لحديث جبريل؟ أو أن المراد بالدين هنا الإسلام، والإسلام أفرد فيطلق على الإيمان؟

طالب: ............

لكنه مع ذلك لما أفرد الإسلام دخل فيه الإيمان، لما أفرد هنا في هذه الآية دخل فيه الإيمان، أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، الدين والإيمان قول وعمل لا بد من أن يتظافر القلب مع اللسان مع الجوارح، قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، سئل بعض المرجئة عن الإيمان، فقال: قول وعمل، فقال الإمام أحمد -رحمه الله-: هذا أخبث قول، لماذا؟ يعني الشيخ يقرر أن أصول أهل السنة الإيمان قول وعمل، والمرجئي لما قال، وهو مرجئي ما هو من مرجئة الفقهاء الذين أمرهم يعني ليس مثل مرجئة الجهمية، لا، هذا من مرجئة الجهمية قول وعمل، نعم يريد بذلك لا يريد بذلك عمل الجوارح ولا، يريد بذلك عمل قول اللسان، إنما يريد به قول القلب الذي يشبه في حقيقته حديث النفس وعمل القلب؛ ولذا قال الإمام أحمد: هذا أخبث قول؛ لأنه يعرف القائل، يعرف القائل لا يعترف بما يعترف به أهل السنة مما ذكره عنهم شيخ الإسلام أن الإيمان قول وعمل؛ ولذلك لو استُفصل ما جاء بما ذكر شيخ الإسلام من قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح؛ ولذا قد يتطابق القولان من شخصين وكل قول يتنزل على حسب قائله، وذكرنا مرارًا أن قول بعض الشراح -شراح الحديث- في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «والذي نفسي بيده» قال: روحي في تصرفه، إذا عرفنا من حال هذا القائل أنه يفر بذلك من إثبات الصفة رددناه عليه، نقول: هذا الكلام باطل؛ لأنه يفر من إثبات الصفة، وإذا عرفنا من حاله أنه يثبت صفة اليد لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، نقول: هذا القول مقبول، ما فيه أحد روحه ليست في تصرِّف الله -جلَّ وعلا- تفسير باللازم، لكن قد يقول قائل: إنكم تكيلون الناس بمكيالين، تقبلون هذا الكلام من شيخ الإسلام الإيمان قول وعمل، وتقولون في قول الآخر: أخبث قول، هذا الكلام صحيح والا لا؟ ليس بصحيح، لماذا؟ لأنه هو الذي أنزل نفسه بهذه المنزلة، يعني لما يستفصل يقال له: قول وعمل، هل تريد بالعمل عمل الجوارح وعمل القلب، والقول قول اللسان معروف من مذهبه أنه يرى أن المعرفة هي الإيمان، وعلى هذا إبليس مؤمن عنده، والمشركون الذين عرفوا الله -جلَّ وعلا- في حال الشدة كلهم مؤمنون عنده، إبليس قال: فبعزتك، إذًا هو مؤمن عند جهم ويعتقد هذا القول، ثم يقول من باب المداراة أو المداهنة: قول وعمل، يعني بعض الناس يصير عنده شيء من الذكاء الذي لا يقارنه ذكاء، فيتصرف في بعض العبارات من أجل أن تمشي على من لا يعرف حقيقة الأمر، ذكروا عن الزمخشري أنه افتتح تفسيره بقوله: الحمد لله الذي خلق القرآن، فقيل له: أنت مجنون، يعني كتابك لن يقرأ ثم غير خلق بجعل وقال: هي معناها، فمثل هذه لا تجدي الكلام على ما وقر في القلب من الاعتقاد الصحيح، أما الألفاظ التي لا توافق ما في القلب هذه لا قيمة لها، بل فيها مشابهة لعمل المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.

على كل حال نعود إلى كلام الشيخ -رحمه الله- حينما قال: قول وعمل، يريد بذلك قول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح؛ ولذا قال: قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح، يعني القول قول القلب، وأيضًا قول اللسان، لو قال: الإيمان قول فقط ثم فسَّره بقوله: قول القلب واللسان والجوارح يكفي والا ما يكفي؟ وعمل الجوارح قد يطلق عليه قول «فقال بيديه هكذا» يعني هذا يمكن يكون غاية الاختصار قول ويريد بذلك قول اللسان، وقول القلب وعمل الجوارح؛ لأن عمل الجوارح يطلق عليه قول، «فقال بيديه هكذا» يكفي والا ما يكفي؟ يعني لو أن الإنسان الإنسان معروف بسلامة العقيدة، ثم قيل له: عرّف الإيمان، فقال: قول، ثم قيل له: فسر، قال: قول القلب واللسان والجوارح مريدا بذلك..، يعني الشيخ فسر القول قول القلب واللسان ماشي، لكن قول الجوارح يراد به عمل الجوارح، لكن يكفي في مثل هذا الموطن الشائك الذي تباينت فيه الأقوال وبحاجة ماسة إلى إيضاح وبيان؟ ما يكفي، ما يكفي حمل اللفظ على أضعف الاحتمالات، وإن كان المعنى صحيحًا، لكنه احتمال مرجوح، فالقول إذا أطلق إنما يراد به قول اللسان، هذه حقيقته، ويدخل فيه أيضًا قول القلب، وقول القلب المراد به اعتقاده، اعتقاده، قد يقول: إن إطلاق الاعتقاد وعمل القلب الإطلاق عليه قول إطلاق القول على عمل القلب يرد عليه أمران: الأمر الأول: أن مجرد قول القلب الذي يسمى حديث النفس هذا معفو عنه، فكيف يقال: إنه أحد أجزاء الإيمان إذا كان مجرد قول، الأمر الثاني: أنا إذا أقررنا بأن القلب له قول قد يلتبس الأمر على من لا يعرف حقيقة الأمر أننا نريد الكلام النفسي، ما يمكن أن يتشبث بهذا من يقول: إنكم تقولون قول القلب، إذا كان القلب يقول ففي النفس كلام، لكن هل المراد حقيقة القول لنلزم بهذه اللوازم أو لا؟ بمعنى أن القول لو أن الإنسان القرآن بقلبه أو جاء بالأذكار المطلوبة في الصلاة بقلبه يكفي والا ما يكفي؟ ما يكفي ما يكفي لا بد من تحريك اللسان والشفتين ليسمّى قول، المقصود أن الشيخ يريد زيادة في الإيضاح فيدخل في الإيمان ما يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فقال: قول القلب واللسان، أما بالنسبة لقول القلب فالمراد به الاعتقاد الجازم الذي لا يخالطه ريب ولا شك، وقول اللسان معروف هذا لا يتردد فيه مع فهمه أحد وهو الأصل في إطلاق الكلمة القول أنها باللسان، وعمل القلب من الحب لله -جلَّ وعلا- ولرسوله ولدينه ولأوليائه، والبغض لأعدائه والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والخشية، كل هذه من أعمال القلب، وأعمال القلوب كثيرة، وعمل القلب واللسان عمل اللسان ما لا يؤدى إلا به كتلاوة القرآن –مثلاً- والأذكار، وما أوجبه الله -جلَّ وعلا- مما ينطق به وطلبه في دينه سواء كان على جهة اللزوم كالواجبات، ومن ذلك النطق بالشهادتين التي لا يدخل الإنسان الإسلام إلا بهما «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» فلا بد من هذا، والجوارح عمل الجوارح ظاهر كالصلاة والصيام، وإن كان الغالب فيه الترك إلا أن الترك عمل، الترك عمل.

لئن قعدنا والنبي يعمل           .

 

فذاك منا العمل المُضلِّل

اسمه عمل وهو بالفعل عمل؛ الحج عمل جوارح، الجهاد عمل جوارح، وغير ذلك من شرائع الدين، وهذا واضح، وهذه الأمور كلها سواء منها ما يتعلق بالقلب أو اللسان أو الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، وهي أجزاؤه، وهي أجزاؤه، وهذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، والجهمية يرون أن الإيمان هو المعرفة، الإيمان المعرفة، إذا عرفت الله -جلَّ وعلا- يكفي، ولا شك أن هذا القول قول خبيث منقوض بدلائل الكتاب والسنة على هذا إبليس مؤمن؛ لأنه يعرف اللهَ -جلَّ وعلا- وأقسم بعزته وفرعون مؤمن، وقد ألَّفوا في إيمان فرعون، وألَّفوا في إيمان أبي طالب ممن جاءت نصوص الكتاب الصريحة بكفرهم -نسأل الله السلامة والعافية- فعلى قول الجهمية كل من عرف الله -جلَّ وعلا- فهو مؤمن، ولو كان من أكفر الناس، ولو كان إبليس، يقابلهم الكَرَّامِيَّة الذين قالوا: الإيمان قول اللسان فقط ولو لم يوافقه القلب، فجعلوا المنافقين مؤمنين، مجرد ما يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله هذا مؤمن عندهم، والمنافقون يقولونها، والمرجئة يرون أن الإيمان قول واعتقاد، والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان، مجرد التصديق بالقلب واللسان يكفي، والناس في أصله سواء، الناس في أصله سواء، بنوا على ذلك أنه لا يزيد ولا ينقص.

وأهل السنة لما جعلوا العمل عمل الجوارح من مسمى الإيمان قالوا يزيد وينقص، وعليه دلائل الكتاب والسنة {زادهم إيمانًا} {زادهم هدى}، والبخاري ذكر من الآيات ثمان في صحيحه تدل على الزيادة، تدل على الزيادة؛ ولذا من أهل العلم من يرى أن الإيمان يقبل الزيادة ولا يقبل النقص، وأهل السنة يقولون يزيد وينقص؛ لأن ما قَبِل الزيادة يقبل النقص، الذي يقبل الزيادة يقبل النقص بلا شك، ويستدل بعضهم على النقص بحديث: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين» ففيه نقص في الدين بالنسبة للمرأة «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم منكن»، على كل حال القول المتفق عليه بين أهل السنة أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، عمل قلب، قول لسان، قول قلب وعمل لسان وقلب وجوارح، هذه الأمور مجتمعة هي التي ينتج عنها الإيمان، وأثر العمل في الإيمان زيادةً ونقصًا لا ينكره إلا مكابر، لا ينكره إلا مكابر، تفسير الإيمان بالتصديق الذي جعل المرجئة يقولون: إن المؤمنين في أصله سواء؛ لأنهم كلهم اتفقوا في التصديق -تصديق القلب واللسان- وهذا لا يتفاوت، إنما التفاوت في العمل، والعمل ليس من أصل الإيمان عندهم، تفسير الإيمان بالتصديق {وما أنت بمؤمن لنا} أي بمصدق الحقائق الشرعية كما قرر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان أنها تأتي مقررة للحقائق اللغوية وتزيد عليها، وتزيد عليها، الذي يقول: إن الإيمان هو التصديق فقط، نظير من يقول: إن الصلاة هي الدعاء فقط، فهل يقول المرجئة: إن الصلاة هي الدعاء فقط، ادع وانصرف، هذه حقيقة لغوية وهذه حقيقة لغوية، الحقيقة الشرعية جاءت إلى الحقيقة اللغوية وزادت عليها قيودًا في الإيمان مثلاً، وفي الصلاة أيضًا فهي إذا قلنا: إن الحقيقة اللغوية التصديق، وافقتها الحقيقة الشرعية من غير زيادة عليها، نقول بمثل هذا في الصلاة والزكاة؟ لا يمكن أن يقول أي شخص لا مرجئي ولا غير مرجئي: إن الصلاة يراد بها الدعاء من غير ركوع ولا سجود ولا قراءة ولا... على الصفة الواردة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- ظاهر والا ما هو بظاهر؟ هم لجئوا إلى الحقيقة اللغوية، قالوا: هذا الإيمان وما زاد على ذلك لا يدخل في حقيقة الإيمان، نقول: حقيقة الصلاة اللغوية الدعاء، إذًا ما زاد عليها لا يدخل في حقيقة الصلاة، وشيخ الإسلام -رحمه الله- يقرر أن الشرع لا يلغي الحقائق اللغوية، لا يلغيها، إنما يأتي إلى هذه الحقائق ويزيد عليها قيودًا تكون من الحقيقة لهذه اللفظة شرعًا، فإذا كان الشرع زاد على الحقيقة الأصلية التصديق، هذا إذا وافقنا أن الإيمان مساوٍ من كل وجه للتصديق، هذا إذا وافقناهم على هذا على سبيل الجدل، سلَّمنا جدلاً أن الإيمان مساوٍ للتصديق، مع أن الإيمان يكون تصديقًا يصحبه أمور من الارتياح والطمأنينة والإيقان، قد تصدق لكن أنت غير مرتاح، قد تصدق وأنت غير موقن بما يقال، وأما بالنسبة للإيمان فلا بد من الطمأنينة واليقين معه على أن حقيقته الشرعية هي ما جاءت به النصوص، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يزيد دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، وأما النقص فما قبل الزيادة يقبل النقص «وما رأيت من ناقصات عقل ودين» يدل على النقص، وأيضًا هذا أمر محسوس يدركه كل شخص {إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا} زادتهم إيمانًا يعني: هل يستوي شخص منصرف عن الدين إلى دنياه، يؤدي العبادات البدنية على وجه مجزئ أو غير مجزئ بدون حضور قلب، مسقطًا للواجب فقط، هل يستوي هذا مع من يقبل على صلاته بكليته خاشع متضرع متذلل بين يدي الله -جلَّ وعلا-؟ لا يستوون، وكذلك من يقرأ القرآن من الخوارج الذين وصفهم النبي -عليه الصلاة والسلام- أنهم يقرؤون القرآن لا يجواز تراقِيَهم، هل يستوي هذا مع من يخشع إذا قرأ القرآن وتدبر القرآن، يخر على الأذقان يبكي، وهذاك يقرأ ما كأنه يقرأ إلا جريدة، هل يستوون؟

ولذا شيخ الإسلام -رحمه الله- يقرر أن قراءة القرآن على الوجه المأمور به تزيد في الإيمان، تزيد في اليقين، تزيد في الطمأنينة، تزيد في الهدى، الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ولا ينكر هذا إلا مكابر، يعني الذين يقولون: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ألا تختلف أحوالهم حينما يقبلون على عباداتهم قوةً وضعفًا حينما ينصرفون عن هذه العبادات، لكنه الالتزام باللازم، الالتزام باللازم، كثير من الأمور -من عظائم الأمور- التي يقولها أو تذكر عن هؤلاء المبتدعة، إنما التزموا بها بعد أن ألزموا، يعني يقول الإنسان قولاً، ثم هذا القول يلزم عليه لوازم، كنت تقول كذا فيلزم على قولك كذا، ثم بعد تأخذه العزة بالإثم فيلتزم باللازم لا يستطيع أن ينكر كما جاء عمن جحد الرب {جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم..}.

أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومع ذلك لا يكفرون أهل القِبلة بمطلق المعاصي والكبائر بمطلق -شوف العبارة دقيقة- ومع ذلك لا يكفرون أهل القبلة ممن ينتسب إلى هذه الملة ويتدين بهذا الدين، لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، أهل السنة لما اشترطوا العمل في الإيمان لا يرون أن كل عمل ولو كان واجبًا أو كل ممنوع ولو كان محرمًا يخرج من الإيمان، فلا يرون ولا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، والدقة في هذه العبارة تأتي من قوله: بمطلق المعاصي، يعني بأي معصية ولا بأي كبيرة؛ ولذا لا ينتفي الجنس بهذه العبارة وإن انتفت الآحاد، وإن انتفت الآحاد، فشيخ الإسلام يرى أن جنس العمل شرط في صحة الإيمان لا آحاد العمل، لا آحاد الأعمال الواجبة ولا الكبائر، خلافًا للخوارج الذين يسلبون الإيمان بالكلية ممن ارتكب كبيرة فيجعلونه كافرًا، يكفرونه بالكبائر ويخلدونه في النار، المعتزلة يوافقونهم في النهاية، يكون خالدًا في النار لكنه لا يحكم بكفره يسلب الإيمان بالكلية ولا يكون كافرًا، فهو في المنزلة بين المنزلتين بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، ومادام في دائرة الإسلام لم يحكم بكفره فله من الحقوق ما لغيره من المسلمين وهو أخ لك في الإيمان، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، يعني حقوق المسلم على المسلم تثبت له وإن كان عاصيًا؛ لأن الأخوة ثابتة «المسلم أخو المسلم» {إنما المؤمنون إخوة} يقول: بل أخوة الإيمان ثابتة مع المعاصي كما قال -سبحانه- في آية القصاص {فمن عفي له من أخيه} {فمن} يعني القاتل {عفي له من أخيه} المقتول الذي يقوم أولياؤه مقامه في العفو، {فاتباع بالمعروف} هذا قاتل، والقتل من عظائم الأمور، مقرون بالشرك -نسأل الله السلامة والعافية- {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها} {والذين لا يدعون مع الله إله آخر ولا يقتلون النفس التي حرم إلا بالحلق ولا يزنون} هذه عظائم الأمور الكبائر الموبقات، ومع ذلك قال: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف}، والخوارج معروف أنهم يكفرون بمثل هذا وأهل السنة لا يكفرون، والأخوة الإيمانية ثابتة مع هذه الموبقة من الموبقات، القتل -قتل النفس- «ولا يزال المسلم في فسحة من دينه أو من أمره ما لم يصب دمًا حرامًا» وقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}، {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} {طائفتان} مثنى، {اقتتلوا} جمع، {فأصلحوا} جمع، {بينهما} مثنى، {فإن بغت إحداهما} تثنية {على الأخرى فقاتلوا التي تبغي}.. إلى آخره، يعني أحيانًا يعاد الضمير مثنى وأحيانًا يعاد جمع، وكلها راجعة إلى {وإن طائفتان من المؤمنين} اللفظ مثنى، وحقيقة الأمر جمع؛ لأن طائفة تطلق على الجماعة، طائفتان قد يكون قِوام كل طائفة ألف شخص أو أكثر أو أقل، فبالنظر إلى الأفراد يكون جمعًا، وبالنظر إلى أنهما فريقان أو طائفتان تثنية فيعاد الضمير على إرادة أفراد هاتين الطائفتين وهم جمع، ويعاد الضمير على جنس الطائفتين وهو تثنية، {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} اقتتلوا، القتال من العظائم من المحرمات المجمع عليها {اقتتلوا} ولم يسلب عنهم وصف الإيمان، قال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى} بعد الصلح {بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} حتى ترجع إلى أمر الله {فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل} يعني رجعت مرة ثانية وفاءت إلى أمر الله {فأصلحوا بينهما بالعدل} يعني لا يكن أو لا يكون هذا البغي مرة ثانية حامل على ظلمهم {فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا} اعدلوا بينهم {إن الله يحب المقسطين} يعني: أهل العدل والإنصاف، والمقسطون على منابر من نور يوم القيامة، الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا، أهل العدل والإنصاف على منابر من نور يوم القيامة، بخلاف القاسطين {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا} -نسأل الله العافية- أهل الميل وأهل الجور.

{وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} {إنما المؤمنون إخوة} فسماهم إخوة مع ما حصل منهم من قتل {فأصلحوا بين أخويكم} فأصلحوا بين أخويكم فإذا حصل مثل هذا فلا بد من الصلح، ومع ذلك ولو حصل منهم ما حصل فإنهم إخواننا كما قال علي -رضي الله عنه-: إخواننا بغوا علينا، ولا نقع في مثل ما وقعوا فيه، يعني: نكفرهم فنقع في مثل ما وقعوا فيه من تكفير المسلمين، بل هم إخوتنا وهم مؤمنون، لكنهم على خطر عظيم من إراقة هذه الدماء؛ لأن هذه عظيمة من عظائم الأمور وموبقة من الموبقات -نسأل الله السلامة والعافية- {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم}.

ثم قال -رحمه الله تعالى-: ولا يسلبون الفاسق الملي ما اقتصر على ... قوله: الفاسق؛ لأن الفاسق يطلق على الكافر {أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا لا يستوون} {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} هؤلاء كفار -نسأل الله العافية- كما أنه يطلق الفاسق ويراد به المسلم المرتكب للكبيرة {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}؛ ولذلك قال: الملي، الذي ينتسب أو هو على ملة الإسلام ولم يرتكب من الذنوب ما يوجب الكفر، ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية كما يقول الخوارج، فيطلقون عليه الكفر، أو كما يقول المعتزلة، فيسلبون عنه الإيمان ولا يحكمون بكفره فيجعلونه في المنزلة بين المنزلتين، ولا يخلدونه في النار، الخوارج يحكمون عليه بالكفر ويخلدونه في النار، المعتزلة لا يحكمون عليه بالكفر، يسلبون منه الإيمان، ولا يحكمون عليه بالكفر، ومع ذلك يخلدونه في النار، فيتفقون مع الخوارج في النهاية كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان.

طالب: ............

هذا قول وحركته عمل، وحركته بهذه الشهادة عمل.

طالب: ...............

لا، نقول: ما نكفرهم؛ لأنهم يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله، لكن لكون من يدعو مع الله إلهًا غيره، ويدعو الأئمة ويطلب منهم المدد ويستغيث بهم ويلجأ إليهم في حوائجه ويرجون مغفرتهم، هذا ما هو بالشرك الأكبر؟ يعني كل من قال: لا إله إلا الله، ثم أتى بالناقض يُحكم بكفره؛ من يطوف على القبر معتقدًا التقرب إلى صاحب القبر وهو في أثناء طوافه يقول: لا إله إلا الله، هذا مسلم ذا؟

طالب: ..............

المراد بالخلود هنا بالنسبة للقاتل إذا لم يستحل القتل، إن استحله كفر، صار خلوده حقيقيًّا كخلود الكفار، وإن لم يستحله فهو فاسق ولا يخلد خلود الكفار، وإنما يراد بالخلود هنا طول المكث، طول المكث.

ثم قال -رحمه الله تعالى-: بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق، كذا في بعض النسخ، وفي بعضها: بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان بدون المطلق، وهذه أوضح؛ لأن هذه الجملة على اللفظ الأول تلتبس بالجملة التي تليها، وما يقرره الشيخ في آخر الفصل تشكل على ما يقرره الشيخ في آخر الفصل، وفي بعض النسخ: بل الفاسق يدخل في مطلق الإيمان، بل الفاسق يدخل في مطلق الإيمان، يعني إذا أوقف على المؤمنين هذا وقف على المؤمنين يدخل، {فتحرير رقبة مؤمنة} كما استدل الشيخ -رحمه الله- يدخل فيها الفاسق ويجزئ عتق الفاسق كما في قوله: {فتحرير رقبة مؤمنة} يجزئ فيها المسلم الفاسق؛ لأن مطلق الإيمان يصح أن يطلق عليه، فلا يسلب مطلق الإيمان وإن سلب الإيمان المطلق، إن سلب الإيمان المطلق؛ ولذا قال: وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، (قد) هذه الأصل فيها أنها للتقليل، فسلب الإيمان المطلق على قلة أو على كثرة؟ لأن قوله: قد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، يدل على أنه غالبًا ما يدخل في اسم الإيمان المطلق (وقد) هذه للتقليل؛ لأنها دخلت على مضارع، وقوله في النهاية -في خاتمة الفصل-: فلا يعطى الاسم المطلق، يعني الإيمان المطلق، يدل على أن (قد) هذه حذفها أولى، أو نقول: إنها أحيانًا تأتي للتحقيق.

وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق، يعني يسلب عنه الإيمان المطلق لا مطلق الإيمان، وفرق بينهما أن مطلق الإيمان يطلق على أصله، والإيمان المطلق يطلق على الإيمان الكامل؛ فلذا لا يسلب عنه مطلق الإيمان وإن سلب عنه الإيمان المطلق، كما في قوله –تعالى-: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}، هذا حصر، (إنما) للحصر {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} هم أهل الإيمان المطلق {وجلت قلوبهم} وهل كل الناس إذا تليت عليهم الآيات توجل قلوبهم؟ لا، وهؤلاء الذين لا توجل قلوبهم ولا تخاف ولا تقشعر جلودهم هؤلاء ليسوا بمؤمنين؟ الإيمان المطلق يعني الكامل لا يدخلون فيه، وإن دخلوا في مطلق الإيمان، {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا}، وهذه من الأدلة على زيادة الإيمان.

وقوله -عليه الصلاة والسلام-: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن}، {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن} هل النفي هنا لمطلق الإيمان أو للإيمان المطلق؟ نعم، للإيمان المطلق يعني الكامل، أما مطلق الإيمان، هل نقول: إنه إذا زنى كفر خرج من الدين؟ لا يسلب عنه مطلق الإيمان «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»؛ لأنه لو كان مؤمنا إيمانًا كاملاً لردعه ذلك ولكفه عن هذه الكبائر، «ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهْبة ذات شرف» يعني يأخذ على مرأى يغتصبها من صاحبها، ويأخذها منه على مرأى من الناس، ذات شرف يعني لها قيمة ووزن عند الناس، رأى مبلغًا من المال فانتهبه من صاحبه وشرد، لكن الأمور اليسيرة، يعني دخل على محل غذائيات فأخذ يتذوق وما عنده نية أن يشتري، ويأكل من هذا، وأخذ من هذا إلى أن شبع، هذه لا تدخل في هذا الحديث وإن كانت ممنوعة وإن كانت لا تجوز، إلا إذا كان يريد أن يختبر هذا الطعام بإذن وعلم من صاحبه وعرف بين الناس اتخذوه؛ لأن بعض الناس يدخل محل المكسرات ويأخذ من كل شيء يسير، وإذا خرج وإذا به قد شبع أو محل الفواكه أو غيره ذلك وهو ما عنده نية أن يشتري، هذا لا، لا يدخل في الحديث، لكنه مع ذلك ممنوع ومذموم، هذا هذا حقير -نسأل الله السلامة والعافية- «ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نُهْبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم» يعني اعتاد بعض الشباب الآن وقع حوادث كثيرة أنه يرى شخص يكلم بالتلفون ثم يأخذه ويشرد، موجود هذا، هذا وقع، حوادث كثيرة من هذا النوع فلا شك أن مثل هذه أمور محرمة ولا ينتهب نهبة.. إلى آخره، «وهو مؤمن»، وبهذا يستدل الخوارج في سلب الإيمان، وأيضًا المعتزلة أيضًا يستدل به الخوارج والمعتزلة على سلب الإيمان عن مرتكب الكبيرة، فيكفره الخوراج ويخرجه المعتزلة من دائرة الإيمان ولا يدخلونه في الكفر، ولا شك أن مثل هذه النصوص -الاعتماد على مثل هذه النصوص- يوقع في مثل هذا إذا نظرنا إليها من زاوية واحدة ولا نظرنا إلى النصوص متكاملة، فلا بد من أن ننظر إلى نصوص الكتاب والسنة على مراد الله ومراد رسوله -عليه الصلاة والسلام-، فلا ننظر إلى نصوص الوعيد فقط فنشبه الخوارج والمعتزلة ولا ننظر إلى نصوص الوعد فقط فنكون حينئذٍ مشبهين للمرجئة، بل ننظر إلى النصوص مجتمعة، قد يقول قائل: إذا كان الخوارج لهم ما يدل لهم من الكتاب والسنة ألا يحكم بصحة قولهم؟ وإذا كان للمرجئة من الأدلة ما يدل على قولهم من نصوص الكتاب والسنة ألا يمكن أن يصحح قولهم؟ نقول: لا، نقول: لا، لا نضرب الكتاب بعضه ببعض وإلا لزمنا أن نقول بأن نصوص الكتاب والسنة فيها تناقض، ولا نستطيع دفع هذا التناقض إلا إذا وفَّقنا بين هذه النصوص، فإذا وفقنا بين هذه النصوص وحملنا نصوص الوعد على حال ونصوص الوعيد على حال ارتفع عنا هذا الإشكال، وإلا إن نظرنا إليها بمفردها وإلغاء ما عداها مما ينافيها في الظاهر هذا هو اتباع المتشابه، وهذا إنما يتطلبه أهل الزيغ -نسأل الله السلامة والعافية-، ونقول: هو مؤمن، يعني لا نسلبه الإسلام بالكلية فنقول: كافر أو نقول: في منزلة بين المنزلتين، بل نقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، هو مؤمن عنده أصل الإيمان، لكن الإيمان الكامل لا يوجد عنده إنما يوجد عنده إيمان ناقص، مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه أصل الإيمان عنده فاسق بكبيرته، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق الإيمان الكامل كما تقول المرجئة وغلاتهم يقولون: إن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل ونصوص القرآن تهدم هذا القول من أساسه، {أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا؟} {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟} الاستواء ليس بوارد، يعني لا يمكن أن تجد من عباد الله -جلَّ وعلا- اثنين متطابقين من كل وجه، فضلاً عن أن يقال في الطرف في أقصى الطرف الأيمن مساوٍ لأقصى الطرف الأيسر، أفسق الناس إيمانهم مثل إيمان جبريل، ولا يضر مع الإيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر أي عمل، هذا قول المرجئة، والمرجئة يتفاوتون؛ منهم المرجئة الذين هم الجهمية هؤلاء عاد كلامهم في غاية الخبث وفي غاية السوء، ومفاده تعطيل الشرائع، مفاده وخلاصته تعطيل الشرائع، وأما مرجئة الفقهاء لا شك أن الخلاف بينهم وبين الأئمة جماهير السلف خلاف في المعنى وله آثاره المترتبة عليه، وإن قال شارح الطحاوية: إن الخلاف لفظي، لكن هؤلاء المرجئة -مرجئة الفقهاء- يؤثمون مرتكب الكبيرة ويستحق الوعيد على تركها، ويؤثمون تارك الواجب بخلاف المرجئة الغلاة -غلاة الجهمية- هذا لا يضره أي عمل مادام يعرف عند الغلاة، أما عند مرجئة الفقهاء فهم يؤثِّمون تارك الواجبات ويؤثمون مرتبك المحرمات، إلا أنهم يخرجونه عن دائرة ومسمى الإيمان، والخلاف لا يتسع له مثل هذه الدروس؛ لأنه مسألة عظمى هذه، وشارح الطحاوية ذكر المذاهب في المسألة، ثم قال في النهاية: إن الخلاف بين أبي حنيفة وبين الأئمة الثلاثة خلاف لفظي، ولا شك أنه خلاف في المعنى وله الآثار العملية المترتبة عليه، يقول: فلا يعطى الاسم المطلق، يعني الإيمان الكامل، ولا يسلب مطلق الاسم، يعني مطلق الإيمان، يعني لا نخرجه عن دائرة الإيمان، لا نخرجه عن الإيمان، ولا نعطيه الإيمان الكامل، بل نتوسط في أمره، ونقول: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، والله أعلم.

 

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.