كتاب الإيمان (36)

عنوان الدرس: 
كتاب الإيمان (36)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ رمضان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طالب: ..........

كهيئتك؟

طالب:...

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يقول الكرماني -رحمه الله تعالى- في شرح الحديث: قوله: إذا أمرهم أي إذا أمر الناس بعملٍ أمرهم بما يطيقون، ظاهره أنه كان يُكلِّفهم بما يُطاق فعله، ظاهره أنه كان يُكلِّفهم بما يُطاق فعله، لكن السياق دلّ على أن المراد أنه يكلِّفهم بما يُطاق الدوام على فعله، ما الفرق بينهم؟

طالب:...

يقول: ظاهره أنه كان يُكلِّفهم بما يُطاق فعله، لكن السياق دلّ على أن المراد أنه يكلِّفهم بما يُطاق الدوام على فعله. أيهما أخف الأول أم الثاني؟

طالب:...

الثاني أخف، يُطاق الدوام، كونك تطيق الدوام على فعل الشيء أسهل من كونك تطيق تطيق فعل الشيء أحيانًا من غير مداومة، أمرهم بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك، الهيئة الحالة والصورة، وليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته -صلى الله عليه وسلم-، الهيئة الحالة والصورة، وليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته -صلى الله عليه وسلم-، فلا بد من تأويل؛ لأنه وُجِد من يشبه النبي -عليه الصلاة والسلام- في الصورة، فلا بد من تأويل في أحد الطرفين، فقيل: المراد من هيئتك كمثلك أي كذاتك، أو كنفسك، وزيد لفظ الهيئة للتأكيد، نحو: مثلك لا يبخل، مثلك لا يبخل، يعني والمراد: أنت لا تبخل، والزيادة في مثلك لا يبخل هل فيها معنىً زائد على الأصل أنت لا تبخل؟ يعني مثل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[سورة الشورى: 11] نعم إذا كان شبيهك الذي يشبهك لا يبخل، فأنت من باب أولى؛ لأن المشبَّه في الغالب دون المشبَّه به، فإذا كان المشبَّه لا يبخل فالمشبَّه به من باب أولى. ولسنا أي ليس حالنا فحُذِف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه واتصل الفعل بالضمير، فقيل: لسنا، وأراد بهذا الكلام طلب الإذن في الزيادة من العبادة.

 وأراد بهذا الكلام يعني الأصل أرادوا الذين قالوا: لسنا، بهذا الكلام طلب الإذن في الزيادة من العبادة والرغبة في الخير، يقولون: أنت مغفور يعني لك، لا تحتاج إلى عمل، ومع هذا أنت مواظبٌ على الأعمال، فكيف بنا وذنوبنا كثيرة؟ فردّ عليهم وقال: أنا أولى بالعمل؛ لأني أعلمكم وأخشاكم. لأنه كما تقدَّم أن من كان بالله أعرف كان منه أخوف، والخوف يحدو إلى العمل، هذا هو الخوف النافع، الذي يسوق صاحبه إلى العمل، قل مثله وقل مثله في الرجاء النافع، ما هو الرجاء الذي يبعث على الكسل أو الخوف الذي يدعو إلى القنوط.

قوله: إن الله قد غفر لك، اقتباس مما قاله تعالى: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}[سورة الفتح: 2]، فإن قلتَ: الأنبياء معصومون عن الكبائر مطلقًا، وعن الصغائر عمدًا على الأصحّ، فإن قلتَ: الأنبياء معصومون عن الكبائر مطلقًا، وعن الصغائر عمدًا على الأصحّ، وأما السهوية فلا مؤاخذة بها على مُكَلَّفٍ أصلاً فما ذنبه الذي غُفِر له؟ قلتُ: الذنب الذي قبل النبوة المتقدِّم بعضه على بعض أو ترك الأولى؛ لأنه يرد عليه المتأخِر، إذا قلنا: إنه قبل النبوة. وما تأخر؟ يعني إذا كان، ليغفر لك ليغفر لك ما تقدَّم من ذنبك يعني قبل النبوة، لكن وما تأخر؟ كله قبل النبوة لكن منه المتقدِّم ومنه المتأخِر على كلامه.

 قلتُ: الذنب الذي قبل النبوة المتقدِّم بعضه على بعض أو ترك الأولى. أو ترك الأولى لا شك أنه يوجد فعل خلاف الأولى، بالنسبة للأنبياء المعصومين -عليهم الصلاة والسلام-، مثل ما مرّ بنا في الموافقات من قتل موسى للقبطي، والنبي -عليه الصلاة والسلام- اجتهد اجتهادات ولم يُقَرّ عليها وعوتب عليها؛ لأنها من باب خلاف الأولى، قد يقول قائل: إن خلاف الأولى من قسم المباح، لكنه مرجوح، يعني لا يصل إلى حد الكراهة، لا يصل إلى حد الكراهة؛ لأن التعبير بخلاف الأولى لا يدلّ على كراهته، فمثل هذا لا يحتاج إلى استغفار.

طالب:...

ولو، من الأصل حتى المكروه لا يترتب عليه ذنب، لكنه من باب ما يُردده أهل العلم أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولا شك أن الإنسان إذا غفل عن فعل مندوب ندم على هذه الغفلة، واستغفر منها، يعني إذا دخل الخلاء وفتر عن الذكر مثلاً خرج يقول: غفرانك، من أي شيء؟ من هذه الغفلة عن الذكر وهو ما ارتكب محظورًا، أو نُسِب إليه ذنب قومه، نُسِب إليه ذنب قومه، هذا له وجه أم ما له وجه؟ ما له وجه، ما له وجه، يعني إذا كان النبي- عليه الصلاة والسلام- مأمور بالاستغفار ومأمور بالتسبيح، يؤمر بالاستغفار وهو لا ذنب له، إذا قيل مثل هذا في مثل هذا أنه تعليم لأمته، تعليم لأمته، إذا أُمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بالاستغفار فأُمَّته من باب أولى، لكن هل يمكن أن يقال: إنه يُنسَب إليه ذنب قومه فيستغفر منه؟ لا.

طالب:...

ما فيه شك هذا بالنسبة لآحاد الناس، فكيف بمعصوم، قوله: فغضب أي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي بعض النسخ: فيغضب، وهو وإن كان بلفظ المضارع، لكن المقصود حكاية الحال الماضية، المقصود حكاية الحال الماضية واستحضار تلك الصورة الواقعة للحاضرين، يعني كأن الذي حكى فيغضب معروف أن المضارع للحال والاستقبال، والحديث الكلام عن أمرٍ سبق، يعني هل قيل هذا في حال غضبه أو أو قبل غضبه؟ لا، بعده إذًا ماضٍ، ولذلك الرواية: فغضب هذه ماشية على الجادّة من حيث المعنى. الثانية: فيغضب ليستمر استحضار هذه الصورة، كأنه مستمر في الماضي وفي الحال وفي الاستقبال، وأن هذه هيئته المستمرة، فيغضب لكن المقصود حكاية الحال الماضية واستحضار تلك الصورة الواقعة للحاضرين، قوله: حتى يُعرَفَ النصب هو الرواية ويجوز فيه الرفع، حتى يُعرَفَ، النصبُ هو الرواية، ويجوز فيه الرفع، حتى ناصبة ولا تدخل على ناصب مضمر؟

طالب:...

على أن مضمرة وإلا فالأصل أن حتى جارّة، ومنهم من يقول: إن حتى هي الناصبة إذا دخلت على المضارع تنصبه، يجوز فيه الرفع، كيف يجوز الرفع؟ مثله: ثم يقول: جاز فيه الرفع والنصب، ولو عُطِف فيغضب تعيّن فيه الرفعُ، فيغضب مرفوعة؛ لأنه ما دخل عليها شيء، ما دخل عليها ناصب. حتى يُعرفَ يقول: النصب هو الرواية ويجوز فيه الرفع. حتى يُعرَفَ يقول: على صيغة المجهول والغضب مرفوع به، وأما يُعرَفَ فإنه منصوب بتقدير أن أي حتى أن يعرفَ الغضب والنصب هو الرواية، ويجوز فيه الرفع بأن يكون عطفًا على فيغضب، بأن يكون عطفًا على فيغضب. هذا العيني. فافهم!

ويجوز فيه الرفع على إيش؟ بأن يكون عطفًا على فيغضبُ، عاطفة أي تكون عاطفة. ثم يقول: أيضًا جاز فيه الرفع والنصب؛ لأنه معطوف على يُعرَف عطفًا على، ولو عُطِف على فيغضب تعيّن فيه الرفع؛ لأن يغضب ما دخل عليه ناصب، إنما هو مرفوع وجهًا واحدًا، والسرُّ في المسألة يعني مسألة هذا التوجيه إلى الأخذ بما يطيقون، أن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فخير العمل ما دام وإن قلّ، فخير العمل ما دام وإن قلّ، فإذا تحملوا ما لا يطيقون الدوام عليه تركوه أو بعضه بعد ذلك، وصاروا في صورة ناقض العهد، وصاروا في صورة ناقض العهد، واللائق بطالب الآخرة الترقي.

الآن طالب العلم أو العالم يجد من نفسه نشاطًا وهمة وعزيمة، فتجده يستغل هذه الهمة، وينهمك في طلب العلم، ويمضي أوقاته في التحصيل، ثم تفتُر هذه الهمة، وبدلاً من أن يقرأ في اليوم عشر ساعات يقرأ نصفها، يُذَم من هذه الناحية أو لا يُذَم؟ قالوا: إذا لم يستمر صار في صورة ناقض العهد، لكن إذا تبيّن له أنه من المصلحة ومصلحة التحصيل أن يُقلِّل، ولو كان تخفيفه على نفسه في هذا الباب لاستغلال بقية الوقت فيما هو أهم هل نقول هذا يُذَم أم لا؟ شخص اعتمد أنه يقرأ القرآن في سبع مثلاً، ويستغرق عليه من الوقت كل يوم ساعة، لو قال: بدل ما أقرأ القرآن في سبع أقرؤه في الضعف خمسة عشر يومًا، يعني أختم مرتين بدل أربع، وأستغل هذا الوقت في قراءة ورقة واحدة من القرآن بالتدبُّر ومراجعة بعض ما يُشكِل من الألفاظ، هل نقول: إن هذا نكص؟ أو عدل إلى ما هو أفضل؟

هذا ما يلام ولا يُذَم، أو بدلاً من أن يقرأ السبعة السُبُع في ساعة، يقول: أنا أريد أن أقرأ العُشر في ساعة، ثلاثة بدل من أن أقرأ خمسة بساعة أقرأ ثلاثة، على وجهٍ يكون أكمل من حيث التدبُّر والترتيل والنظر في المعاني، لا شك أن هذا أفضل، لكن الذي يُخشى منه وهو أمرٌ مُجرَّب أنه يعدل إلى تقليل المقروء من حيث الكم، ولا يُغيِّر من حيث الكيف، يغيِّر أول يوم، ثاني يوم، ثم يرجع إلى طريقته؛ لأن الذي تعوَّد الهذّ يصعُب عليه أن يتركه، مثل الذي تعوَّد السرعة بالسيارة، مثله ما يقدر أن يرفق، فإذا كان يقرأ في اليوم خمسة أو في الساعة خمسة ثم يقول: لا والله سأقرأ ثلاثة بالساعة؛ لأنه أقرب إلى الهدف الشرعي من التلاوة والانتفاع بالقرآن، ثم بعد ذلك ينسى نفسه، ثم يجد نفسه في نهاية الوقت ما قرأ ما يقرؤه بالعادة، وما فقه، ولا فهم، ولا تدبر شيئًا، فالإنسان يدرس وضعه بدقة، ويكون حازمًا في أموره كلها، ويسدِّد ويقارب، وعليه أن يعتني بالأنفع لقلب.

 قال: فإذا تحملوا ما لا يطيقون الدوام عليه تركوه أو بعضه بعد ذلك، وصاروا في صورة ناقض العهد، واللائق بطالب الآخرة الترقي، يعني بدل ما يختم السبع الأولى أن يختم ثلاثًا، الترقي فإن لم يكن فالبقاء على حاله، فإن لم يكن فالبقاء على حاله، ولأنه إذا اعتاد من الطاعة ما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح واستلذاذ ونشاط لا يلحقه ملل ولا سآمة، والأحاديث بمثله كثيرة.  

شخص معتاد أن يقرأ أو يصلي أو يصوم أيامًا معلومة أو ساعات معروفة، أو أوقات معينة، ويصرف بقية الوقت للعبادات الأخرى المتنوعة، ويضرب بسهم من كل نوع من هذه الأنواع، ثم إذا زاد على نفسه شيئًا في نوع من الأنواع أخلّ بالأنواع الأخرى، لا شك أن تنوُّع العبادات من مقاصد الشرع، فيحرص الإنسان على أن ينوِّع، يأخذ من الصيام بسهم، وتأثيره في القلب معروف، ومن التعبّد بالصلاة والتلاوة وغيرهما ومن النفع المتعدي أيضًا، وغير ذلك من أنواع العبادات.

قوله: «أتقاكم» إشارة إلى كمال القوة العملية، أتقاكم إشارة إلى كمال القوة العملية؛ لأن التقوى فعل المأمورات، عملي، وترك المحظورات، والترك عمل.

 لئن قعدنا والنبي يعملُ          فذلك منا العملُ المُضلل

 لأن ترك العمل عمل.

«وأعلمكم» إلى كمال القوة العلمية، إلى كمال القوة العلمية والتقوى على ثلاث مراتب؛ لأنها من الفعل وقى، فالتقوى على ثلاث مراتب: وقاية النفس عن الكفر، وهي للعامة، وعن المعاصي وهي للخاصة، وعما سوى الله وهي لخواص الخواص. التقسيم، تقسيم الناس إلى طبقات إلى عامة وخاصة وخاصة الخاصة، هو من حيث الوقوع والوجود موجود، الناس غير متساوين منهم العامة ومنهم الخاصة من أهل العلم والعمل، ومنهم من أخص، منهم من أهل الزهد والورع والانقطاع لا شك، لكن مثل هذا التقسيم إنما عُرِف عند الصوفية، وشهره الغزالي. والعلم بالله يتناول ما بصفاته، وهو المسمى بأصول الدين، ما بصفاته، وهو المسمى بأصول الدين، لكن على أي طريقة؟

على طريقة سلف الأمة وأئمتها، يعني وهو يقول هذا الكلام يأوِّل الصفات، ويجعل التأويل تأويل الصفات هو العلم بصفات الله.

 نقول: لا، ليس هذا هو العلم، والذي يأوِّل الصفات ولا يقتفي سلف هذه الأمة معتمدًا على ما جاء عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام- في إثباتها على خطر، قد لا يكون الإنسان وهو يزاول هذا التأويل مستحضرًا لهذا الخطر، من أين جاء الخطر؟ لأنه لازم للمذهب، لازم لمذهب التأويل، إذا لم تؤمن بصفات جاءت عن الله وعن رسوله، ثم جاء الله -سبحانه وتعالى- لفصل القضاء بالصفات التي يعرفونها، الذي يأوِّل الصفات ماذا يعرف من الصفات؟ ماذا يعرف من صفات هذا الذي جاء؟ فالمسألة خطيرة، يعني ما بينه وبين الأشاعرة إلا مسألة صفات وما أدري إيش، ما ينفع هذا الكلام، ويحاول بعضهم أن يدرج الأشاعرة في أهل السُّنَّة وما بيننا وبينهم إلا شيء يسير، بيننا وبينهم عظائم، ليست يسيرة، جاء في الحديث الصحيح أنه يأتي من يقول لهم: أنا ربكم، حينما يسجد كل عابد لمعبوده، يأتيهم على صفة على غير الصفة التي يعرفونها، فيقولون: أنت لست ربنا، ثم يأتي على الصفة التي يعرفونها فيسجدون له، هذا الذي يأوِّل الصفات أو ينكر الصفات ما نصيبه من هذا؟

ما له نصيب، ما يعرف صفات أصلاً، ينفي الصفات كيف يعرفها؟ كيف يعرفها؟ قد يقول قائل: إذا عرفنا معنى الصفة إجمالاً، ولا نعرف كيفيتها، كيف نتوصل إلى معرفة من جاءنا بهذه الصفات؟

على كل حال تفاصيل هذه الأمور الدخول فيها ليس بجيد، لكن ينبغي أن نحذر من مثل هذا، من مثل هذا الموقف أنت تنفي صفات.

طالب:...

نعم، الإنسان يُوفَّق لمعرفتها؛ لأنه سلّم، وانتهى إلى ما سمع، والعلم بالله يتناول ما بصفاته والمسمى بأصول الدين، وما بأحكامه وهو فروع الدين، وما بكلامه وهو القرآن، وما يتعلق به وبأفعاله وهو معرفة حقائق أشياء العالم، وما يتعلق به وبأفعاله وهو معرفة حقائق أشياء العالم؛ لأن النظر في آيات الله سواء كانت المتلوة أو المرئية النظر في آيات الله والتفكُّر في آيات الله سواء كانت المتلوة وهي القرآن أو المرئية من مخلوقاته كالسماوات والأرض وما بينهما هذا هو الذي يزيد في الإيمان هو الذي يرسخ الإيمان، ولما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جامعًا لأنواع التقوى، جامعًا لأنواع التقوى حاويًا لأقسام العلوم، ما خصَّص التقوى ولا العلم، ولما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جامعًا لأنواع التقوى حاويًا لأقسام العلوم ما خصَّص التقوى ولا العلم، وأطلق، وهذا قريبٌ مما قال علماء المعاني: قد يُقصَد بالحذف إفادة العموم والاستغراق، أحيانًا يُحذَف المفعول ليسرح الذهن كل مسرح، كل ما يحتمله اللفظ يرِد، ويكون مقصودًا للمتكلم، ويعلَم منه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما أنه أفضل من كل واحد وأكرم وأكرم عند الله وأكمل؛ لأن كمال الإنسان منحصرٌ في الحكمتين: العلمية والعملية. وهو الذي بلغ الدرجة العليا والمرتبة القصوى منهما، يجوز أن يكون أفضل وأكرم وأكمل من الجميع أيضًا، حيث قال: أتقاكم وأعلمكم خطابًا للجميع -صلى الله عليه وسلم-. وكماله -عليه الصلاة والسلام- كمال بشري، بالنسبة للبشر هو أكمل الخلق، وأشرف الخلق، وأتقاهم، وأعلمهم بالله، يبقى أنه كمال بشري.

أما ما يتعلق بالله -جل وعلا- مما لا يجوز صرفه إلى غيره فليس له منه شيء -عليه الصلاة والسلام-، يعني لا يحملنا مثل هذا الكلام الذي مقتضاه الكمال المطلق بالنسبة للبشرية أكمل من كل أحد في كل شيء، بالنسبة للبشر، أن نغلو به وننزله فوق منزلته ونصرف له شيئًا مما لا يجوز صرفه إلا لله -جل وعلا- كما فعل الغلاة، «إياكم والغلو»، «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم».

 يقول الكرماني: فإن قلتَ، يعني على عادته يورد إشكالات، فإن قلتَ: لا تعلّق للحديث بالجزء الثاني من الترجمة، وهو أن المعرفة فعل القلب، لا تعلق للحديث بالجزء الثاني من الترجمة، وهو أن المعرفة فعل القلب، ولا دلالة عليه، لا دلالة وضعية ولا عقلية، الجزء الثاني من الترجمة باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنا أعلمكم بالله» هذا الترجمة الشق الأول، وبينه وبين الحديث مطابقة، وأن المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: {وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}[سورة البقرة: 225].

 فإن قلت: لا تعلق للحديث بالجزء الثاني من الترجمة، وهو أن المعرفة فعل القلب، ولا دلالة عليه، لا دلالة وضعية ولا عقلية. قلتُ: يمكن أن يوجَّه، قلت: يمكن أن يوجّه وإن كان احتمالاً بعيدًا بأنه يدل عليه بحسب السياق؛ ليتجاوب طرفا الكلامين، أي لما أرادوا أن يزيدوا أعمالهم على عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهم: لا يتهيأُ لكم ذلك؛ لأني أعلمكم والعلم من جملة الأفعال، بل من أشرفها، لأنه عمل القلب، وأن يقال بأن غرضه أن يبين الشق الأول من الترجمة، الشق الثاني من الترجمة، وأن المعرفة فعل القلب وفي الآية: {وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}[سورة البقرة: 225] هنا فعل معرفة وفعل قلب وكسب قلب، وفيه أيضًا علم وأنا أعلمكم، وقلنا في التعليق على ابن حجر: إن العلم والمعرفة كما أشار ابن حجر في هذا الباب واحد، العلم والمعرفة، وبيّنا معنى ذلك، وأن العلم والمعرفة بالنسبة للمخلوق لا يختلفان؛ لأن العلم لا يستلزم سبق الجهل، لكنه لا ينفيه، فالعالم من البشر سبق علمَه جهلٌ والعارف كذلك؛ لأن المعرفة تستلزم سبق الجهل؛ لأنه قال: ولا فرق بين العلم والمعرفة في هذا الباب، وهذا صحيح، والمعرفة مذكورة في الشق الثاني من الترجمة، والعلم معروف مذكور في الحديث، إذًا بينهما مناسبة، بينهما مناسبة. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهم: لا يتهيأُ لهم ذلك؛ لأني أعلمكم والعلم من جملة الأفعال، بل من أشرفها؛ لأنه عمل القلب، وأن يقال بأن غرضه أن يُبيّن الشق الأول من الترجمة بالحديث، والثاني بالقرآن. بأن يقال بأن غرضه أن يُبيّن الشق الأول من الترجمة بالحديث، والثاني بالقرآن، على قاعدة كُلية فاعلمها يعني يكون من باب اللف والنشر مرتَّبًا أم مُشوَّشًا؟

غير مرتَّب، لا لا غير مرتَّب. الآن الآية ما هي الأولى في الأدلة؟ تدل على الأول أم على الثاني، على الثاني، والحديث هو الثاني في الاستدلال يدلّ على الشق الأول، ففيه لفُّ ونشر يسمونه مُشوَّشًا وغير مُرتَّب.

طالب:...

أن تذكر شيئًا مُجملاً ثم تُفصِّل، تذكر أكثر من واحد، ثم تفصِّله، إن كان ترتيب التفصيل على الإجمال صار مرتَّبًا، وإن كان ترتيبه يختلف عن ترتيب المُجمل صار مشوَّشًا.

طالب:...

إجمال، والنشر هو التفصيل. {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ}[سورة آل عمران: 106] ثم قال: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ}[سورة آل عمران: 107] نعم، هذا مرتَّب أم غير مرتَّب؟ طيب، التشويش التعبير به هو موجود في كتب أهل العلم، لكن حقيقته العرفية ليست على مستوى أن يُطلَق بإزاء النصوص، لكنهم لا يتحاشون باعتبار أنه وارد في النصوص، ما فيه شيء ومجرد اصطلاح أو شيء فيه، لا، يبقى أن مثال اللَّف والنَّشر المرتَّب: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ}[سورة هود: 105] في آية هود، {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا}[سورة هود: 106]، {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا}[سورة هود: 108].

قال: وهنا ننبهك على قاعدة كُلية فاعلمها، وذلك أن البخاري -رحمه الله- كثيرًا ما يترجم الأبواب ولا يذكر في ذلك الباب حديثًا أصلاً. لا يذكر حديثًا أصلاً، وهذا تقدَّم؛ لأنه يقابل الباب الذي فيه حديث، ولا يذكر فيه ترجمة، ومرّ بنا هذا، يعني ذكر حديثًا وترجم عليه بقوله: باب، ولا يذكر ترجمة، ذكر أهل العلم أن هذا بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، ويقابله الترجمة التي ليست بعد تحتها حديث؛ ليبيّن أن هذه الترجمة ليس فيها حديث على شرطه، ليس فيها حديث على شرطه، ويحتمل أن يكون بيّض له ومات ما وجد حديثًا على شرطه لهذه الترجمة. كثيرًا ما يترجم الأبواب، ولا يذكر في ذلك الباب حديثًا أصلاً، أو لا يذكر ما ترجم الباب عليه.

 قال بعض شيوخنا من حفاظ الشام: سببه أن البخاري بوّب الأبواب، وترجم التراجم أولاً، ثم كان يذكر بعده في كل باب الأحاديث المناسبة له بالتدريج، فلم يتفق له إثبات الحديث لبعض التراجم حتى انتقل إلى دار الآخرة. الآن هل الحكم متقدِّم على الدليل أو الدليل متقدِّم على الحكم؟

الحكم يستنبط من الدليل، مقتضى هذا الكلام أنه يذكر الحكم، ثم يبحث عن دليل له، هذا مناسب في حق البخاري أم غير مناسب؟ المناسب أنه يأتي إلى الدليل ويستنبط منه حكًا يترجم به، ولذلك يُعاب على بعض من يفتي ويتصدر للناس أنه قد يُحرَج في مسائل، ويجيب بدون علم، ثم إذا نُبِّه أن هذا الحكم خطأ، ذهب ليبحث عن دليل يدعم قوله، وحينئذٍ يكون بحثه انتصارًا لنفسه، وليس انتصارًا لما يراه حقًّا، انتصارًا لنفسه حتى أحيانًا يعترف أنه أخطأ، لكن لا يريد أن يظهر للناس أنه أخطأ، فيبحث عن دليل وعن قول ولو مرجوح.

 كلام بعض شيوخه من حفاظ الشام يقول: سببه أن البخاري بوّب الأبواب، وترجم التراجم أولاً، ثم كان يذكر بعده في كل باب الأحاديث المناسبة له بالتدريج، فلم يتفق له إثبات الحديث لبعض التراجم حتى انتقل إلى دار الآخرة، وقال بعض العراقيين: عمل ذلك اختيارًا، وغرضه أنه يبيّن أنه لم يثبت عنده بشرطه حديث في المعنى الذي ترجم عليه، والله أعلم، فيحتمل أن تكون هذه الترجمة منها، وأن المعرفة هي القلب هي فعل القلب ما وجد له حديثًا. يعني هذا الشق الثاني من الترجمة ما وجد له حديثًا، يعني مثل التراجم التي ذكرها وما وجد لها حديثًا هل يدخل هذا من ضمن ما قلناه: إنه يحكم بحكم قبل أن يجد حديثه؟ أو يكون عنده أحاديث ما هو بحديث واحد، وتكون صحيحة، لكنها ليست على شرطه في هذا الكتاب، يستنبط منها أحكامًا، لكن لا يستدل بها في كتابه؛ لأن شرطه في الكتاب أعلى من مجرد ثبوت الخبر؛ لئلا يلتبس الأمر في الكلام الذي قلناه، ويعاب به بعض من يتصدى ويفتي الناس، ثم بعد ذلك إذا وقع في خطأ يذهب ليبرر هذا الخطأ بأي وسيلة، لا.

قال النووي: وفي الحديث فوائد، وهي أن العبارة الأولى فيها القصد، وملازمة ما يمكن الدوام عليه، وأن الرجل الصالح ينبغي ألا يترك الاجتهاد، أن الرجل الصالح ينبغي ألا يترك الاجتهاد في العمل اعتمادًا على صلاحه، وأن له الإخبار بفضله، فيما إذا دعت إلى ذلك حاجة، فيما دعا فيما إذا دعت إلى ذلك حاجة. أيهما أشد؛ أن يثني الإنسان على غيره أو يُثنى عليه بحضرته أم ينكر؟

أشد، كون الإنسان يثني على نفسه أو يُثنى عليه أيهما أخف؟

طالب:...

يثنى عليه أخف من كونه يثني على نفسه، يعني إذا كان المتجه أنه إذا أُثني عليه أنكر، فمن باب أولى ألا يثني على نفسه، هنا يقول: وأن له الإخبار بفضله إذا دعت إلى ذلك حاجة، دعت إلى ذلك حاجة، إذا انتُقِص في مكانٍ المصلحة تستدعي ألا يُنتَقَص فيه، ليُقبَل الحق منه، يعني في مقام مناظرة مع مبتدع، مع مخالف، مع كافر مثلاً، ثم يأتي شخص لينتقص ذلك الرجل الذي يناظر ذاك المخالِف على ما فيه على طريقة ما يشاع ويذاع من مسألة الإسقاط، نعم، يسقطها، ولا وجد أحدًا يدافع عنه خلاص تنتهي المسألة بأن يسقط ويضيع الحق بهذه الطريقة؟ لا بد أن يدافع عن نفسه.

طالب:...

على كل حال المواقف تختلف، الأصل أن الإنسان يكتم عمله، هذا الأصل؛ لأنه أقرب وأدعى إلى الإخلاص، لكن إذا كان في موطن لا بد فيه من الانتصار، شيخ الإسلام إذا مُدِح في وجهه فيما نقل عنه ابن القيم في مدارج السالكين قال: أنا لست بشيء، ولا لي شيء، ولا مني شيء، أنا المُكدِّي وابن المُكدِّي وكذا كان أبي وجدي، المسألة مواقف أحيانًا يحتاج الإنسان، لا سيما إذا كان له قول يتعيّن بيانه ولا يقوم به غيره، حق يتعيّن بيانه عليه، ولا يقبَل إلا إذا بيّن منزلته.

 قال: وأن له الإخبار بفضله فيه إذا دعت إلى ذلك حاجة، وينبغي أن يحرص على كتمانها، وينبغي أن يحرص على كتمانها، فإنه يخاف من إشاعتها زوالها، وجواز الغضب عند ردّ أمر الشارع؛ لأنهم قالوا لسنا كهيئتك، فيغضب -عليه الصلاة والسلام- عند ردّ أمر الشارع، وذكرنا أنه -عليه الصلاة والسلام- قاعدته وجادته الرفق واللين، لكن قد يُحتاج إلى خلاف ذلك، عند الحاجة.

وفيه جواز الغضب عند ردّ أمر الشارع، ونفوذ الحكم في حال الغضب، ونفوذ الحكم في حال الغضب، النبي- عليه الصلاة والسلام- يختلف عن غيره، عبد الله بن عمرو بن العاص لما قال له: إن قريشًا تقول إنك تكتب عن محمد، وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: «اكتب، فوالله ما خرج من هذا إلا حق»، وقال في القاضي: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، فحاله يختلف -عليه الصلاة والسلام- عن حال غيره.

 وجواز الغضب عند رد أمر الشارع ونفوذ الحكم في حال الغضب، والتغيُّر، وأن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا من الرغبة التامة كانوا من الرغبة التامة في طاعة الله تعالى والازدياد من أفعال الخير وغير ذلك؛ لأنه ما الذي دعاهم وحداهم إلى أن لا يقبلوا كلامه لأول مرة؟ يعني كما حصل في قصة الحديبية وفي عمرة القضاء، قصدهم الرد عليه -عليه الصلاة والسلام-؟ لا، إنما قصدهم الخير، حرصًا على الخير، لكن هذا الحرص ينبغي أن يكون فيه اقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، ولو كان القصد حسنًا.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

الدماميني.

طالب:...

قوله: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» أخبر بالواقع لما دعا إليه من عتاب أصحابه لا لقصد الفخر، فإن قلت: السياق يقتضي تفضيله على المخاطبين فيما ذُكِر، وليس هو منهم قطعًا، فقد فُقِد شرط استعمال أفعل التفضيل مضافًا، فإن قلت: السياق يقتضي تفضيله على المخاطبي فيما ذُكِر، وليس هو منهم قطعًا، فقد فُقِد شرط استعمال أفعل التفضيل مضافًا. أتقاكم أعلمكم، وأفعل التفضيل تقتضي أن شيئين اشتركا أو أشياء اشتركت في صفة فاقت هذه الصفة في أحدهم دون غيره، في صفة التقوى يفوقهم -عليه الصلاة والسلام-، وفي صفة العلم فاقهم -عليه الصلاة والسلام-، يقول: وليس هو منهم قطعًا، ليس هو منهم في هذه الصفات في التقوى والعلم أم غيرها؟

طالب:...

يقول: فإن قلت: السياق يقتضي تفضيله على المخاطبين فيما ذكر، ليس للنبوءة ذكر، فقد فُقِد استعمال أفعل التفضيل مضافًا، ليس منهم في القدر الذي يزيده من الفعل عليهم، هو يحثهم على الاقتصاد، ويزيد -عليه الصلاة والسلام-، قام حتى تفطرت قدماه، وواصل في الصيام، هذا الفعل ليس مشتركًا بينه وبينهم، ليس منهم في هذا العمل.

 قلت: إنما قصد التفضيل على كل من سواه مطلقًا لا على المضاف إليه وحده، والإضافة لمجرد التوضيح فيما ذكرته من الشرط هنا لاغٍ؛ إذ يجوز في هذا المعنى أن يضيفه إلى جماعة هو أحدهم، نحو: نبينا -صلى الله عليه وسلم- هو أفضل قريش، يعني هل تستطيع أن تقول: محمد -عليه الصلاة والسلام- أفضل تميم؟ لأنه ليس واحدًا منهم، وإنما تقول: أفضل قريش، أو أن تضيفه إلى جماعة من جنسه ليس داخلاً فيهم، نحو: يوسف أحسن إخوته، المضاف إليه لا يدخل فيهم المضاف المفضَّل، وأن تضيفه إلى غير جماعة نحو: فلان أعلم بغداد، لكن الجماعة لابد من تقديرها، المراد به أهل بغداد، لكن لو كانت حيًّا من أحياء بغداد جاز أن تقول: كذا أفضل بغداد، أي أعلم ممن سواه ومختصٌ ببغداد؛ لأنها مسكنه أو منشؤه.

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طالب:...

أُمِنت الفتنة؟

طالب: أُمِنَت الفتنة.