كتاب الرجعة من سبل السلام (12)

عنوان الدرس: 
كتاب الرجعة من سبل السلام (12)
عنوان السلسلة: 
التعليق على سبل السلام
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 22/ صفر/ 1441 6:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

قال -رحمه الله تعالى- في البلوغ وشرحه، في كتاب الرجعة، باب العدة والإحداد:

"الحديثُ العاشر:

وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: إنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: إنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ".

يعني: في تفسير {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]. قروء وأقراء، جمع قُرء، يختلف أهل العلم في المراد بالقُرء، هل هو الطُّهر أو الحيض، ولكل منهما أدلته، ومنهم من يقول: إنه لفظٌ مُشترك، يُطلق على هذا، ويُطلق على هذا. ولكن المُرجَّح عند الحنابلة والحنفية أنها الحِيَض، وعند غيرهم أنها الأطهار. والشارح يتحدث عن هذه المسألة.

"(وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – قَالَتْ: إنَّمَا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ. أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ)، وَالْقِصَّةُ هِيَ مَا أَفَادَهُ سِيَاقُ الْحَدِيثِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ، وَقَدْ جَادَلَهَا فِي ذَلِكَ نَاسٌ، وَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ: " ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقْتُمْ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْأَقْرَاءُ؟ الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قال: مَا أَدْرَكْت أَحَدًا مِنْ فُقَهَائِنَا إلَّا وَهُوَ يَقُولُ هَذَا، يُرِيدُ الَّذِي قَالَتْ عَائِشَةُ انْتَهَى".

والمؤلف، الذي هو الماتن، مذهبه شافعي. وهو يستدل في الغالب لمذهب الشافعية، وقد يستدل لغيرهم، لكنه في هذا مُستدل لمذهب الشافعية.

"وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا سَلَفُ الْأُمَّةِ وَخَلَفُهَا، مَعَ الِاتِّفَاقِ أَنَّ الْقُرْءَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ فِي قَوْله تَعَالَى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]، أَحَدُهُمَا لَا مَجْمُوعُهُمَا، إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْأَحَدِ الْمُرَادُ مِنْهُمَا فِيهَا. فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ: هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا، أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَقْرَاءِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْأَطْهَارُ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ يَدُلُّ لِذَلِكَ الْكِتَابُ وَاللِّسَانُ، أَيْ: اللُّغَةُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «ثُمَّ تَطْهُرُ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ». وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ، أَوْ يُمْسِكْ»، وَتَلَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ} [الطلاق: 1] «لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ»، أَوْ «فِي قَبْلِ عِدَّتِهِنَّ».

 قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنَا شَكَكْت. فَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْعِدَّةَ الطُّهْرُ دُونَ الْحَيْضِ، وَقَرَأَ: فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبْلِ عِدَّتِهِنَّ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا، وَحِينَئِذٍ يَسْتَقْبِلُ عِدَّتَهَا، فَلَوْ طَلُقَتْ حَائِضًا لَمْ تَكُنْ مُسْتَقْبِلَةَ عِدَّتِهَا إلَّا بَعْدَ الْحَيْضِ.

وَأَمَّا اللِّسَانُ، فَهُوَ أَنَّ الْقُرْءَ اسْمٌ مَعْنَاهُ الْحَبْسُ تَقُولُ الْعَرَبُ: هُوَ يُقْرِئُ الْمَاءَ فِي حَوْضِهِ وَفِي سِقَائِهِ وَتَقُولُ: يُقْرِئُ الطَّعَامَ فِي شَدْقِهِ يَعْنِي يَحْبِسُ الطَّعَامَ فِيهِ وَتَقُولُ: إذَا حَبَسَ الشَّيْءَ أَقْرَأَهُ أَيْ: أَخْبَأَهُ، وَقَالَ الْأَعْشَى:

أَفِي كُلِّ يَوْمٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ


 

تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا


مُورِثَةٍ عِزًّا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةٌ


 

لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا"


ما دام الأمر هكذا، وأن القُرء مُشترك بين الطُّهر والحيض، واستدلوا بما استدلوا به على أن المراد بالقُرء الطُّهر، هذا يشهد له لغة العرب. كما أن لغة العرب تشهد بأن القُرء يُطلق ويُراد به الحيض. لكن الاعتداد من أجل ماذا؟

من أجل براءة الرحم. وبراءة الرحم تُعرَف بالحيض أو بالطهر؟ بالحيض، إذًا الحكم مُعلَّق بما يُعلَم به براءة الرَحِم، وهو الحيض. وإن جاز إطلاق القُرء على الطُّهر، لكنه في هذا، الذي يترجَّح ويغلب على الظن أن المراد بالقروء الحِيَض؛ لأنها هي التي يُعلَمُ بها براة الرَحِم، التي هي الحكمة المحسوسة، الراجحة في تشريع العِدَّة.

"فَالْقُرْءُ فِي الْبَيْتِ بِمَعْنَى الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّعَ أَطْهَارَهُنَّ فِي غُزَاتِهِ وَآثَرَهَا عَلَيْهِنَّ، أَيْ: آثَرَ الْغَزْوَ عَلَى".

نعم، هو يتحسَّر على ما ضاع فيها من قروء النساء، يتحسَّر على أيام الحيض ولا يتحسَّر على أيام الطُّهر؟ على أيام الطُّهر. وهذا لا يُنازع فيه أنه يُطلق القُرء ويُراد به الطُهر، لا نزاع في هذا. كما أن من يقول: إن المراد بالقُرء الطُّهر لا ينازع في أن القُرء يُطلق ويُراد به الحيض، لكن الكلام في الآية ما المرجَّح من الأمرين؟ وإلا ففي الحديث: «دعِي الصلاة أيام أقرائكِ» للمُستحاضة، هل يُراد به الطُّهر؟ تدع الصلاة أيام الطُّهر أم أيام الحيض؟

أيام الحيض، هذا نص في تفسير القُرء، وأن المراد به الحيض. لكن أيضًا هذا لا يكون قاضيًا على القول الآخر، بالنسبة للآية؛ لأنا قلنا: إن القُرء يُطلق ويُراد به الطُّهر، وله أدلته، ويُطلق ويُراد به الحيض، وله أدلته. لكن ما المُرجَّح بالنسبة للآية؟ وذكرنا أن العِدَّة فائدتها الأولى: معرفة براءة الرَحِم، وبراءة الرَحِم إنما تُعرف بالحيض لا بالطُّهر.

"أَيْ: آثَرَ الْغَزْوَ عَلَى الْقُعُودِ فَضَاعَتْ قُرُوءُ نِسَائِهِ بِلَا جِمَاعٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا الْأَطْهَارُ.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَطَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى أَنَّهَا الْحَيْضُ، وَبِهِ قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَحْمَدُ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت أَقُولُ: إنَّهَا الْأَطْهَارُ، وَأَنَا الْيَوْمُ أَذْهَبُ إلَى أَنَّهَا الْحَيْضُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ الْقُرْءُ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ إلَّا فِي الْحَيْضِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، وَهَذَا هُوَ الْحَيْضُ وَالْحَمْلُ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ فِي الرَّحِمِ هُوَ أَحَدُهُمَا، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ.

وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك» وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الطُّهْرُ. وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً». وَسَيَأْتِي".

ولذا يُقرر جمعٌ من أهل العلم أن الحامل لا تحيض، لماذا؟ لأنه لو كانت الحامل تحيض، لما كان الحيض علامةً على براءة الرَحِم.

"وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ الْآيَةَ أَفَادَتْ تَحْرِيمَ كِتْمَانِ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ، وَهُوَ الْحَيْضُ، أَوْ الْحَبَلُ، أَوْ كِلَاهُمَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَيْضَ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّ تَحْرِيمَ كِتْمَانِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْءَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْحَيْضُ، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ الْأَطْهَارُ، فَإِنَّهَا تَنْقَضِي بِالطَّعْنِ فِي الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ، أَوْ الثَّالِثَةِ. فَكِتْمَانُ الْحَيْضِ يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ مَعْرِفَةِ انْقِضَاءِ الطُّهْرِ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الْعِدَّةُ، فَتَكُونُ دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ الْأَطْهَارُ أَظْهَرَ.

وَأجابوا عَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ لَفْظَهُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «لِتَنْتَظِرَ عِدَادَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، ثُمَّ لِتَدَعَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّ»، وَهَذِهِ رِوَايَةُ نَافِعٍ".

اللام لام الأمر في الحديث، ولتنتظر، ثمَّ لتدع، ثمَّ لتغتسل، ثمَّ لتصلِّ، ولام الأمر ساكنة.

"وَهَذِهِ رِوَايَةُ نَافِعٍ، وَنَافِعٌ أَحْفَظُ مِنْ سُلَيْمَانَ عن أيوب الرَّاوِي لِذَلِكَ اللَّفْظِ، هَذَا حَاصِلُ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ رَدِّهِ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ".

من أيوب أم من سليمان بن يسار؟

" وَنَافِعٌ أَحْفَظُ مِنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أيوب الرَّاوِي لِذَلِكَ اللَّفْظِ، هَذَا حَاصِلُ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ رَدِّهِ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّل.

وَعَنْ الْحَدِيثِ الثَّانِي: بِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَرَدَ بِحَيْضَةٍ، وَهُوَ النَّصُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِبْرَاءِ وَالْعِدَّةِ أَنَّ الْعِدَّةَ وَجَبَتْ قَضَاءً لِحَقِّ الزَّوْجِ فَاخْتَصَّتْ بِزَمَانِ حَقِّهِ، وَهُوَ الطُّهْرُ، وَبِأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ فَيُعْلَمُ فِيهَا الْبَرَاءَةُ بِوَاسِطَةِ الْحَيْضِ بِخِلَافِ الِاسْتِبْرَاءِ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَكْثَرَ الِاسْتِدْلَالَ الْمُتَنَازِعُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، كُلٌّ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ".

لكن الاستبراء بالنسبة للمسبية، هل يحصل بطُهر أم بحيض؟ بحيضة، وهو من أجل العلم ببراءة الرَحِم. إذًا براءة الرَحِم لا يُعلم إلا بالحيض.

قد يقول من يقول: إن المراد بالأقراء الأطهار، إنه من لازم وجود ثلاثة أطهار، أن يوجد حيض، فيُعلم به براءة الرَحِم. نقول: إذا كان هذا باللازم، فلماذا لا نستدل به بالنص، لا باللازم؟ فالعدول إلى اللازم، مع إمكان الاستدلال به نصًّا، لا شك أنه مرجوح.

"وَغَايَةُ مَا أَفَادَتْ الْأَدِلَّةُ أَنَّهُ أُطْلِقَ الْقُرْءُ عَلَى الْحَيْضِ وَأُطْلِقَ عَلَى الطُّهْرِ، وَهُوَ فِي الْآيَةِ مُحْتَمَلٌ كَمَا عَرَفْت. فَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةً وَفِي الْآخَرِ مَجَازًا فَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ وَلَكِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَيْضِ مَجَازٌ فِي الطُّهْرِ، أَوْ الْعَكْسُ.

قَالَ الْأَكْثَرُونَ بِالْأَوَّلِ، وَقَالَ الْأَقَلُّونَ بِالثَّانِي. فَالْأَوَّلُونَ يَحْمِلُونَهُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ، وَالْأَقَلُّونَ عَلَى الطُّهْرِ، وَلَا يَنْهَضُ دَلِيلٌ عَلَى تَعَيُّنِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ الْمَوْجُودِ فِي كتبِ اللُّغَةِ الِاسْتِعْمَالُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ. وَلِلْمَجَازِ عَلَامَاتٌ مِنْ التَّبَادُرِ وَصِحَّةِ النَّفْيِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا ظُهُورَ لَهَا هُنَا، وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَنَّهُ الْحَيْضُ وَاسْتَوْفَى الْمَقَالَ.

قَالَ السَّيِّدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَمْ يَقْهَرْنَا دَلِيلُهُ إلَى تَعْيِينِ مَا قَالَهُ".

يعني: كلام ابن القيم ما هو مُلزم، يعني: ما فيه من الوضوح بحيث تميل النفس إلى رجحانه.

طالب: ...

نعم.

طالب: .......

الأصل أنه المؤلف يعني، وهذا من الناسخ.

"وَمِنْ أَدِلَّةِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَقْرَاءَ الْحَيْضُ:

الحديث الحادي عشر".

الأقراء الحِيَض، إذا كانت جمع، الأقراء الحِيَض، والقُرء الحيضة.

يكفي.

 قف على هذا.

"أحسن الله إليك".