كتاب بدء الوحي (081)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (081)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ شعبان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا يقول: ما هي كتب التخريج التي يبني عليها الطالب الملكة العلمية في تخريج الأحاديث؟ كتب التخريج المقصود بها، الذي يسئل عنه التخريج النظري، المتقدمون ليس لهم كتابات في هذا الشأن في التخريج العملي النظري، ومعولهم على التخريج النظري العملي، الكتابة في التخريج النظري طارئة، حتى قال من قال: إن أول كتاب في التخريج النظري هو كتاب التخريج ودراسة الأسانيد للطحان، وهذا أنا قرأته قبل أن يطبعه المؤلف سنة سبع وتسعين، يعني الكتابة في هذا الشأن متأخرة جدًّا، وهذا أمرٌ عادي أن يتأخر الكتابة في مثل هذا؛ لأن المعول على العمل والممارسة عند أهل العلم إلى وقتٍ قريب، فتتولد الملكة من خلال إدامة النظر في كتب الحديث؛ لتعرف المظان، فلا يأتي طالب علم ليخرّج حديثًا وهو ما قرأ كتب الحديث، هذا يجد صعوبة بالغة، نعم الكتب مرتبة على الأبواب، والذي لديه أدنى ممارسة لهذه الكتب قد يصل إلى ما يريد، لكن الذي قرأ الكتاب من أوله إلى آخره، وصار عنده تصور لهذا الكتاب لا شك أنه يسهل عليه التخريج من هذا الكتاب بخلاف من لم يقرأ الكتاب.

 المتقدمون ما عندهم فهارس، نعم صنفوا الكتب بعضها على الأبواب، وبعضها على المسانيد، وعرف طلاب العلم كيف يتعاملون معها، كان التأليف على المسانيد، ثم صُنف على الأبواب، التصنيف على المسانيد أصعب من التصنيف على الأبواب؛ لأن طالب العلم قد لا يعرف الراوي أو يكون الراوي من المكثرين لرواية الحديث، فيصعب العثور على مرويه، لكن الأبواب أمرها أسهل.

ابن حبان أراد أن يقطع الطريق على من يريد التيسير إلى حدٍ يصل فيه الطالب إلى ما يريد من غير قراءة الكتاب، فألف صحيحه على الأنواع والتقاسيم، طريقة لم يألفها طلاب العلم فصعب عليهم جدًّا، وكان مما ينقل عنه أنه قال: إنما صنفته على الأنواع والتقاسيم؛ لئلا تؤخذ الفائدة من قُرب، بل ليقرأ الكتاب كاملاً، وهذا مقصد وهدف، كون الكتاب يُقرأ كاملًا هذا من الأهداف التي يؤجر عليها ابن حبان، إن شاء الله تعالى.

 بعد طول العهد، طول الأمد، وتقاصر الهمم، وجدت المختصرات التي تقرّب العلم إلى طلابه، فقصرت الهمم عن المطولات، ثم بعد ذلك وجدت الفهارس التي تيسر على طالب العلم الوقوف على الحديث في مظانه، ولا شك أنها ليست مما يعين وييسر العلم أبدًا؛ لأن المردود والنتائج عكسية صارت، فرق بين أن لا توجد وسيلة تيسر الحصول على الحديث ليقرأ الكتاب المراد تخريج الحديث منه، وبين أن يوجد فهارس توقفك على الحديث بالصفحة، بحيث لا تعرف ما في الصفحة التي قبلها والتي بعدها، بينما لو خلا الكتاب عن الفهرس أقل الأحوال أن تتصفح الكتاب، فتطلع على ما قبل هذا الحديث أو قبل هذه المسألة وما بعدها، ليكون لديك تصور لمحتويات الكتاب ومحتويات الكتب، هذا يفيد طالب العلم، ويولد له الملكة، ويجعله يشارك في المسائل العلمية إذا طُرحت، الذي يعتمد على الفهارس لا يستطيع أن يشارك، لا يستطيع أن يشارك، بخلاف من تمرس في الكتب والبحث فيها بطريقته، فهذه الفهارس وإن يسرت وقربت لكن العلم ازدادت صعوبته واشتد مناله، وقل مثل هذا في الكتب التي سهّلت طريقة التخريج، مثل ما ذكرنا من كتاب الطحان أو غيره؛ لأن هذه الطريقة أو هذه الطرق نظريًّا تجعلك تعرف كيف تتعامل مع مسند أحمد -رحمه الله- أو صحيح البخاري أو سنن أبي داود أو مصنف ابن أبي شيبة، نظريًّا، لكن ما الفائدة إذا لم تزاول التخريج عمليًّا؟  

افترض أنك قرأت كل ما كُتب عن قيادة السيارة وأنت ما أخذت المفتاح وشغلت ومشيت تستفيد أم ما تستفيد؟ ما تستفيد، ما تستفيد إذا جاء العمل عرفت أن الذي قاد السيارة بنفسه قبل أن يقرأ ما كتب أفضل منك، والذي خرّج الأحاديث من الكتب بتصفحها أفضل ممن قرأ القواعد النظرية التي جعلوها للتخريج، فرق بين هذا وهذا؛ لأن العملي يحتاج إلى وقت، ويحتاج إلى طول مران، ولن يذهب هذا الوقت وهذا العناء وهذا التعب سدى، بل هذا هو الذي يرسخ العلم، ولذا ما تجدون كتبًا في التخريج النظري عند أهل العلم إلا في وقت متأخر جدًّا، لما أراد الناس أن يأخذوا العلم بسهولة، العلم لا يستطاع براحة الجسم لا بد من التعب في تحصيله.

 فرق بين من قرأ الكتب وعرف ما في بطونها واستطاع أن يشارك ولو غلب على ظنه أنه لما جرد الكتاب المطول أنه ما استفاد؛ لأن بعض الناس يقول: قرأنا وقرأنا وقرأنا ما استفدنا؛ لأن الحافظة ضعيفة، لكن الذي قرأ يعرف مظان المسائل إذا أثيرت، ما يلزم أن يبادر بها، لكن إذا أثيرت المسألة عرف أنها مرت عليه، في فتح الباري أو في تفسير ابن كثير أو القرطبي أو في أي كتاب قرأه، يعرف أنها مرت عليه ولو لم يتذكرها ابتداءً؛ لأن بعض الناس يشكو من ضعف الحافظة، وأن قراءته للكتب ضياع وقت، نقول: ليس بضياع وقت، لا سيما إذا سلك المنهجية التي رُسمت لقراءة المتون وجرد المطولات، وكيف يتعامل مع الشروح ومع الحواشي، وكيف يعلق على الكتب، وكيف ينقل الفوائد، لا شك أنه يستفيد فائدة عظيمة، وتجدون الفرق الكبير بين من يتصدى لتعليم العلم من هذا النوع ومن هذا النوع، الذي قرأ الكتب تجد عنده تصورًا لفنون عديدة، بينما الذي لم يقرأ ولم يجرد مطولات، ولم يحفظ متونًا تجده بصدد ما أمامه من لفظ حرفيًّا؛ لأنه يعتمد على شرح هذا الكتاب، هذا الكتاب ما فيه استطراد ولا فيه اجتماع علوم متكاثرة، لتتضافر وتجتمع لديه عند شرح الكتاب، والتفنن مطلوب لطالب العلم، والتخصص مذموم، إلا بعد أن يؤخذ من كل علمٍ ما يكفي، لكن طالب من أول المراحل يبدأ بالتخصص؟

هذا لا يمكن أن يمشي أبدًا، يتخصص بالتفسير وما يعرف شيئًا من الحديث ولا من اللغة ولا من علوم الآلة كلها المطلوبة لفهم كلام الله -جل وعلا- هذا لا يمشي، لكن بينما تجد من قرأ في مطولات التفاسير وشروح الأحاديث تجده في المسائل العلمية أفضل من المتخصصين؛ لأنه حينما يقرأ هذه المسألة اللغوية أو الأصولية مربوطة بالأصل الشرعي، والأصل الشرعي هو المثال التطبيقي لهذه القاعدة، بينما يقرأها في كتب في الكتب المتخصصة نظرية قد يفهمها وقد لا يفهمها، ومرّ علينا في شروح الأحاديث من القواعد الأصولية وعلوم العقائد ما لا يوجد في الكتب المقررة لهذين الفنين حتى يتعجب كثير من المتخصصين أن الأشاعرة قالوا كذا أو المعتزلة قالوا كذا، وهو موجود في الشروح، لماذا؟

لأنه تلقى هذا العلم نظريًّا من كتبه المتخصصة فيه، فهم بعضه، وعجز عن فهم بعضه غير مربوط بأمثلة، لكن لما يتكلم على الآية وتجمع فيها وجهات النظر من المذاهب المختلفة يختلف الأمر، وقل مثل هذا في شروح الأحاديث، يعني التعامل مع الأحاديث وتطبيقها على القواعد النظرية سواء كانت نحوية، لغوية، أصولية من عقدية تجد طالب العلم يستوعب كيف تعامل أهل العلم على اختلاف مشاربهم مع هذا الحديث على اختلاف مذاهبهم، حتى في الأصول مثلاً، إذا درس الأصول على مذهب معين، ثم جاء يقرأ شرح هذا الحديث من فتح الباري أو غيره تجده يطبق القواعد الأصولية على جميع المذاهب، كيف يتعامل المالكية مع هذا الحديث؟ كيف يتعامل الحنفية مع هذا الحديث؛ لأن هذه كتب مقارنِة تذكر المذاهب، وتذكر مشاربها، وتذكر كيف تتعامل مع النصوص، فوصيتي لطالب العلم ألا يقتصر على الكتب النظرية في التخريج إلا بقدر ما يستفيد منه في التطبيق، ويكون معوله أولًا وآخرًا على التطبيق، بحيث تتولد لديه الملكة بحيث يعرف فيما بعد أين يوجد هذا الحديث، وكيف يستخرج هذا الحديث من بطون الكتب.

أستاذ في جامعة من الجامعات العريقة، وهو كبير ليس بدرجة... أستاذ يقول: البخاري يعني مع أننا نتحفظ على كثير مما كتبه المستشرقون والمغرضون وكذا إلا أننا لا بد أن نسلم أن فيه بعض الأشياء، ما يستطيع أن يتعامل مع هذه النصوص، ما يعرف كيف يتعامل مع هذه النصوص، يقول: عندي طالب مسكين نقل لي كلامًا ما أدري من جريدة ولا من إيش ونسبه للبخاري، أن قردة في الجاهلية، فاجتمع عليها القردة فرجموها، يقول هذا الكلام، وهو موجود في البخاري، لكن ما عنده خبرة ولا عنده معرفة، ولا يعرف كيف يستخرج هذا الأثر من صحيح البخاري.

 فالمسألة تحتاج إلى مران، ما يكتفي طالب العلم والله عنده أهلية كيف يستخرج يعرف الترتيب يعرف، ما يكفي، فضلاً عن كونه يعتمد على فهارس أو يعتمد على آلات، يضغط زرًّا يخرج له مجموعة من الأحاديث التي يوردها، في النهاية يرجع عاميًّا، حتى قال قائلهم: إن الكتب الآن لا قيمة لها، خلاص في طريقها إلى الانقراض، الكتب الورقية خلاص جاءت الآلات تريحنا، قرص فيه عشرة آلاف كتاب، هذه مكتبة كاملة، معك أينما رحلت وأينما حللت، نقول: يصير معك إذا سافرت ما يضر؛ لأنك لا تستطيع أن تحمل كتبك، لكن في دار الإقامة لا يمكن أن تستغني عن الكتب، واعتمادك وتعويلك على هذه الأقراص تضييع لنفسك ولغيرك، قد يحتاج إلى هذه الأقراص في أوقات ضيق، يعني شخص خطيب مثلاً أو مدرس دنا وقت الخطبة أو الدرس وعنده حديث يريد أن يتأكد منه ما فيه بأس؛ لأنه ما يتمكن، ما عنده وقت يراجع، أو شخص يريد اختبار عمله، خرّج الحديث من جميع الكتب المتيسرة عنده، وجمع له عشرين، ثلاثين طريقًا، ويريد أن يختبر عمله، لعله فاته شيء فلا مانع من أن يرجع إلى الآلات، لماذا؟ لأنه حفظ ما حفظ من الطرق بالتعب والعمل، فإذا وقف على قدرٍ زائد على ما تعب عليه فلا شك أنه يجد عنده النهم لمعرفة هذا القدر الزائد، فيثبت في قلبه، أما ابتداءً يذهب إلى هذه الآلات وهذه البرامج ويقول: تكون طالب علم، فهذا كلام ليس بصحيح.

 حتى الآن الرسائل العلمية ضاعت، وضعف أهلها وهزلوا، لماذا؟ لأنه لا يتعب في تحصيل العلم، كان الكتاب الذي يراد تحقيقه فيه أربعة آلاف نص مثلاً، من أحاديث وآثار وأقوال أهل العلم وما أشبه ذلك، كان يتعب عليها تعبًا تحتاج إلى خمس سنوات هذه الآثار، لكن الآن شهر واحد من خلال هذه الآلة، لكن ما الذي يبقى منها في ذهنه؟ يعني لما يبحث عن كلمة في أثناء سند في صحيح البخاري أو في سنن النسائي، حدثنا فلان وكان ثقةً وثقه النسائي أين وثقه النسائي؟ يعني ترجع للآلة تطلع سهل، لكن قبل الآلات تحتاج إلى أن تقرأ النسائي كله، وكم من فائدة تمر عليها في سنن النسائي، بعض الناس يظن أنني بهذا الكلام كأني مواجه لتيار عظيم، ولسيل جارف، فلا قيمة لهذا الكلام في قرارته أو فيما يتفوه به بعضهم، لكن الواقع الواقع يشهد بماذا؟ من أين حصل العلماء المتقدمون العلم؟

وإلا فبالإمكان أن يتصل على واحد ويسأله عن الرجل الفلاني أين مظنته ويعلمه، كما يستفتي العامي العالم، وإذا استفتى العامي العالم في عشر مسائل، مائة مسألة، ألف مسألة صار عالمًا؟ ما يصير عالمًا هذا، كأنه يستفتي، ما يثبت العلم في ذهنه إلا من أخذه من أبوابه وعلى أهله، والعلم لا يستطاع براحة الجسم. يعني الذي يستريح ويقول: يصير عالمًا هذا ييأس، وهذا يضحك على نفسه، لا بد أن يتعب وينقر وينقب، عرفنا أن ربط القواعد بأدلتها وأمثلتها لا يمكن أن تأتي من الكتب النظرية فقط، وإن ذكروا أمثلة وتتابعوا عليها، كل واحد ينقل هذا المثال عمن قبله.

هناك أربعة أحاديث في البخاري يرويها الإمام البخاري بطريقٍ أنزل من مسلم، يرويها مسلم عن شيخ ويرويها البخاري بواسطة عن ذلك الشيخ، كيف يصل إليها طالب العلم؟ الفهارس تجيء بمثل هذا؟ إذا ما ذكر الرواة فكيف يستطيع الطالب أن يحصل على مثل هذا؟ وكلفت بعض الطلاب باستخراجها من طلاب الدراسات الكثير منهم عجز، لماذا؟ لأنها تحتاج إلى قراءة الصحيح والمقارنة بين الصحيحين، بعضهم تنبه لشيء وأحضرها من عوالي مسلم عوالي مسلم يذكرها؛ لأنه يرويها أعلى من البخاري، فتكون من عواليه، لكن لو مسك طرف الخيط اسم راوٍ أو شيئًا من هذه الآلات تجيء به، لكن إذا لم يعرف شيئًا فكيف يطلع هذه الأربعة الأحاديث إلا إذا قرأ الكتابين وقارن بينهما، ولا يكتفي بالمتون؛ لأن المتون قد تمر عليه ولا يتنبه لها حتى يقرأ في الشروح وينبه إلى أن هذا الحديث مما يرويه البخاري بواسطة عن هذا الشيخ، ومسلم يرويه بدون واسطة، وهذا يحتاج إلى عمر، لكن هذا العمر ما ضاع سدى، هذا العمر لا شك أن له مردوده على طالب العلم.

يعني بإمكانك أن تذكر وصفًا، ويطلع لك ما تحت هذا الوصف من الكتب ومن الشروح ومن كذا، لكن النتيجة إذا أردت ثلاثيات البخاري فرق بين أن تستخرجها بنفسك وبين أن تقرأها مكتوبة وجاهزة في ورقتين أو ثلاث. فرق كبير بين هذا وهذا.

طيب ما في حكم الثلاثيات كيف تستخرجها؟ كيف تستخرج ما في حكم الثلاثي؟ ما تستطيع إلا بواسطة الشروح، طيب حديث يختلف فيه في سنن أبي داود هل هو ثلاثي أم رباعي، فكيف يختلف فيه أنه ثلاثي أم رباعي؟ كيف يتصور طالب العلم مثل هذا الكلام؟ ما هو بالثلاثي الذي يرويه أبو داود إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بواسطة ثلاثة أشخاص، كيف يقال: هذا ثلاثي أم رباعي يختلفون فيه؟ والرواة كلهم موجودون، أصل الحديث، قصة الحديث ثلاثية يرويها أبو داود بواسطة ثلاثة، لكن الحديث المرفوع منها بواسطة رجل لم يُسمى في أثناء المتن، أثناء المتن، في أثناء القصة ذكر، من يستطيع استخراجه ولو قرأ سنن أبي داود.

 العلم يحتاج إلى معاناة، يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى متابعة في القراءة، نحن مع الظروف التي نعيشها، وطالب العلم الحبل على الغارب يمينًا ويسارًا واستراحات ونزهات ما يمكن أن يحصل، وفي النهاية يقول الأخ: خلاص انتهينا -الحمد لله- أراحنا الله، ما نحتاج إلى تعب ولا معاناة ولا الكتب الصفراء التي أذهبت الأبصار انتهت، ومثل ما قلنا هذا الشخص الذي قرأ كل ما كُتب عن قيادة السيارة، لكنه ما أخذ المفتاح وشغل ومشى، ماذا يستفيد؟ ما يستفيد شيئًا، لكن انظر الشباب الذين يسرقون سيارات أهاليهم ويشغلون ويمشون، هذا ما يحتاج إلى وقت ولا شيء أبدًا، يتعلمون بسرعة، والله المستعان.

 الإشكال أنه يرد على ألسنة بعض من تمكن في العلم التهوين من شأن الكتب والاعتماد على الفهارس مشكلة، يعني الإنسان صح هو تعلم، لكن أنت دل الناس على طريقة تعلمك، على الطريقة التي تعلمت بها، ما تعلمت وتمكنت وصرت من أهل العلم تقول: والله الآلات يسرت وسهلت، متى يسرت يسرت لما وصلت إلى هذا الحد، أما الذي يعتمد عليها من أول المشوار فهذا لن يحصل على شيء. ما يحفظ شيئًا.

طالب:...

أنا شبهتها من أول يوم ظهرت فيه الآلات أنت تمشي في شارع البطحاء إذا كنت على رجليك وترى المحلات واللوحات ماذا يصير تصورك لما تنتهي من الشارع؟ بنسبة كم؟ خل حافظتك ضعيفة بنسبة ثلاثين بالمئة، لكن لو على السيارة تمشي بسرعة مائة وعشرين، كم تمسك؟ ولا واحدًا بالمئة، فبالسرعة ما يثبت شيء، ما يثبت علم مع السرعة.

يقول: وهل للمتقدمين من الأئمة كتب خاصة دونت آراءهم في الرجال والكلام على الأحاديث أم أنها منتثرة في الكتب؟ وكيف الوصول لها؛ لأنها أقعد كما ذكر لنا بعض المشايخ؟

من المتقدمين من دوّن وكتب، البخاري -رحمه الله- له تواريخ مدونة، والإمام أحمد العلل ومعرفة الرجال لهم أقوال كثيرة في الرجال وفي العلل، موجودة إلى الآن، ولله الحمد. لكن منهم من لم يدون وآراؤه مدونة عند غيره، فما ضاع شيء مما تحتاجه الأمة، ولله الحمد. ولا يجوز على الأمة مجتمعة أن تفرط بشيء من دينها، مما لا يقوم الدين إلا به.

 يقول: هل كتب ابن القيم مسائل أصول الفقه في غير كتاب إعلام الموقعين؟ نعم له في تهذيب السنن إشارات نافعة جدًّا، وفي غيره من كتبه.

طالب:...

بدائع الفوائد وغيرها، يعني كل كتبه فيها كلام منثور.

يقول: قال لي بعض طلبة العلم: إن الشيخ ابن باز كتاب إعلام الموقعين هو كتاب الإسلام، ووجدت للشيخ بكر أبا زيد -رحم الله الجميع- في كتابه المدخل المفصل مفاده أن كتاب الزاد لابن القيم.

 ما يقال: الزاد كذا، إما يقال: زاد المعاد أو يقال: الهدي إذا يريد الاختصار، فجادة أهل العلم أنهم يقولون: ذكر ابن القيم في الهدي، وأما إذا قالوا: الزاد فلا بد أن يقولوا: زاد المعاد.

 أن كتاب الزاد لابن القيم هو كتاب الإسلام، فما صحة القول عن الشيخين -رحمة الله عليهما-؟

على كل حال القول المدون لا يحتاج إلى تشكيك، وأما القول الذي يتلقى ويتناقل فلا شك أن هذا الكلام إن صح عنهما فهو من باب الحث على هذين الكتابين وإلا فمعلوم أن كتاب الإسلام هو القرآن، هو القرآن كلام الله، وهو كتاب الإسلام، وما يبينه ويوضحه ويشرحه من سنة خير الأنام -عليه الصلاة والسلام-.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فما زلنا في حديث ابن عباس في قصة أبي سفيان مع هرقل، وبدأنا بالكتاب، كتاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل، قال: (فقرأه) يعني هرقل بنفسه أو أمر الترجمان؛ لأن الآمر تصح نسبة القول أو الفعل إليه، فإذا قيل: فعل الأمير لا يلزم أن يباشر ذلك بنفسه، بحيث لو أمر به صحّ أنه من فعله، (فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم) قلنا: إن إذا فجائية، بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، عرفنا أن البسملة سُنَّة في كل أمر ذي بال، وإن لم يثبت الخبر، وقلنا: إنه ثبت من فعله -عليه الصلاة والسلام-، في كتبه ومراسلاته، والحمدلة وإن لم يصح ما فيها، على أن النووي وابن الصلاح وجمعًا من أهل العلم صححوا ما جاء فيها أنها سنة، كما هو الشأن في الخطب، ويجمع الأمرين ما جاء في كتاب الله -جل وعلا-، حيث اتفق الصحابة على كتابة البسملة، وإن اختلف العلماء فيها هل هي من الفاتحة أو من القرآن أو من كل سورة أو ليست آية مطلقًا إلا من النمل، الخلاف معروف، لكن الصحابة أجمعوا على كتابتها في بداية كل سورة، وافتتح القرآن أيضًا بالحمد كما في سورة الفاتحة، وفي غيرها من السور أيضًا في الأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر، وغيرهم شيء؟

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

سبأ وفاطر، في غيرهن؟

طالب:...

نتذكر ما شُرح في بداية الكتاب من البداءة بالبسملة؛ لأن البخاري -رحمه الله- صدّر كتابه بالبسملة، يقول هنا الحافظ -رحمه الله-: قال: وقد اعترض على المصنف -رحمه الله-؛ لكونه لم يفتتح الكتاب بخطبة تنبئ عن مقصوده مفتتحة بالحمد والشهادة؛ امتثالاً لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع»، وقوله: «كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء» أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة، والجواب عن الأول أن الخطبة لا يتحتم فيها سياق واحد يمتنع العدول عنه، بل الغرض منها الافتتاح بما يدل على المقصود، وقد صدّر الكتاب بترجمة بدء الوحي، وبالحديث الدال على مقصوده المشتمل على أن العمل دائر مع النية، فكأنه يقول: قصدتُ جمع وحي السُّنَّة المتلقى عن خير البرية على وجهٍ سيظهر حسن عملي فيه من قصدي، أو سيظهرُ حسن عملي فيه من قصدي، وإنما لكل امرئ ما نوى، فاكتفى بالتلويح عن التصريح، وقد سلك هذه الطريقة في معظم تراجم هذا الكتاب على ما سيظهر بالاستقراء.

 والجواب عن الثاني أن الحديثين ليسا على شرطه، بل في كل منهما مقال، سلمنا صلاحيتهما للحجة، لكن ليس فيهما أن ذلك يتعين بالنطق والكتابة معًا، يعني كأنه كتب البسملة ونطق بالحمدلة ولم يكتبها، فلعله حمد وتشهد نطقًا عند وضع الكتاب، ولم يكتب ذلك اقتصارًا على البسملة؛ لأن القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة ذكر الله وقد حصل بها، ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [سورة العلق: 1]، فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة، والاقتصار عليها، لا سيما وحكاية ذلك من جُملة ما تضمنه هذا الباب الأول، بل هو المقصود بالذات من أحاديثه، ويؤيده أيضًا وقوع كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الملوك وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون حمدلة، وغيره كما سيأتي في حديث أبي سفيان في قصة هرقل في هذا الباب، وكما سيأتي في حديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في صلح الحديبية وغير ذلك من الأحاديث.

 وهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليه في الخطب دون الرسائل والوثائق، فكأن المصنف لم يفتتح كتابه بخطبةٍ فكأن المصنف لما لم يفتتح كتابه بخطبة أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم لينتفعوا بما فيه تعلمًا وتعليمًا، وقد أجاب من شرح هذا الكتاب بأجوبة أخر فيها نظر، منها أنه تعارض عنه الابتداء بالتسمية والحمدلة، فلو ابتدأ بالحمدلة لخالف العادة أو بالتسمية لم يعد مبتدئًا بالحمدلة، فاكتفى بالتسمية، وتُعُقب بأنه لو جمع بينهما لكان مبتدئًا بالحمدلة بالنسبة إلى ما بعد التسمية، وهذا النكتة في حذف العاطف، فكان أولى لموافقته الكتاب العزيز، فإن الصحابة افتتحوا الإمام الكبير بالتسمية والحمدلة وتلوها، وتبعهم جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، من يقول بأن البسملة آية من أول الفاتحة ومن لا يقل ذلك.

 ومنها أنه راعى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}[سورة الحجرات: 1]  فلم يقدم على كلام الله ورسوله شيئًا، واكتفى بها عن كلام نفسه، وتُعُقب بأنه كان يمكنه أن يأتي بلفظ الحمد من كلام الله تعالى، وأيضًا فقد قدم الترجمة وهي من كلامه على الآية، وكذا ساق السند قبل لفظ الحديث، والجواب عن ذلك بأن الترجمة والسند وإن كانا متقدمين لفظًا، لكنهما متأخران تقديرًا، وفيه نظر، وأبعد من ذلك كله قول من ادعى أنه ابتدأ بخطبة فيها حمد وشهادة، فحذفها بعض من حمل الكتاب عنه، وكأن قائل هذا ما رأى تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري وشيوخ شيوخه وأهل عصره كمالك في الموطأ وعبد الرزاق وأحمد في المسند وأبي داود في السنن إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة، ولم يزد على التسمية وهم الأكثر، والقليل منهم افتتح كتابه بخطبة أفيقال في كلٍّ من هؤلاء أن الرواة عنهم حذفوا ذلك؟

كلا، بل يحمل ذلك من صنيعهم على أنهم حمدوا لفظًا، ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، إذا كتب الحديث ولا يكتبها، والحامل على ذلك إسراع أو غيره أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصًّا بالخطبة دون الكتب كما تقدم، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة حمد وتشهد كما صنع مسلم، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة بخطبةِ حمد وتشهُد أو بخطبةٍ حمدَ وتشهدَ كما صنع مسلم، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

 وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وكذا معظم كتب الرسائل، واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعرًا، فجاء عن الشعبي منع ذلك، وعن الزهري قال: مضت السُّنَّة ألا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم، وعن سعيد بن جبير جواز ذلك، وتبعه على ذلك الجمهور، وقال الخطيب: وهو المختار، يعني كما قررناه سابقًا، وأن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، فحسنه ينبغي أن يفتتح بما ذُكر.

قوله: (من محمد، من محمد عبد الله ورسوله)، فيه دليل على أن السُّنَّة أن يبدأ الكاتب بنفسه، من محمد -عليه الصلاة والسلام- أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول: من زيد إلى عمرو كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- في الكتاب: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. يقول النووي: وهذه المسألة مختلفٌ فيها، يعني هل يبدأ بنفسه أو يبدأ بالمكتوب إليه؟ لكن الحديث دليلٌ على أنه يبدأ بنفسه، النووي يقول: هذه مسألة مختلفٌ فيها، ذكر الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه صناعة الكتاب، صناعة الكتاب أو صناعة الكُتَّاب؟ نعم صناعة الكتاب أو صناعة الكُتَّاب؟ لأنه الآن يكثر الكلام في صناعة الفقيه، صناعة المحدث، صناعة اللغوي وهكذا، هل الإضافة من إضافة المصدر إلى فاعله؟ أو إلى مفعوله؟ الكتاب صانع، أو مصنوع؟

طالب:...

صناعة، صناعة الحديث، أيضًا الصناعة الحديثية معروفة، أسلوب مألوف عند أهل العلم.

طالب:...

لما تقول في عنوان كتاب أو محاضرة: صناعة الفقيه ماذا تفهم منه؟ هل المراد الفقه أو أن الفقيه كيف يُصنَع؟

طالب:...

نعم؟

طالب:...

آداب الكاتب.

طالب:...

ولكن فيه أدب الكُتَّاب. نفسه لأنه مجموع، من نفس الكاتب إلا أنه مجموع، هنا أقول: هل العنوان الكتاب، صناعة الكتاب، أو صناعة الكُتَّاب؟ وإذا قلنا: صناعة الكُتَّاب، هل المراد أن الكُتَّاب صانعون أو مصنوعون؟ يعني في محاضرة اشتهرت وانتشرت وأعلن عنها على أوسع نطاق: صناعة الفقيه، ماذا تفهم من هذه المحاضرة لما تفهم أنه كيف يُصنَع الفقيه فالفقيه مصنوع وكيف يُصنَع طالب العلم ليكون فقيهًا أو صناعته التي هي مهنته التي هي الفقه؟

طالب:...

الاحتمال قائم، لكن أيهما أولى؟ بلا شك، الأولى أن يعتنى بطالب العلم ليصنَع فقيهًا، أو يصنَع محدثًا، أو يصنَع لغويًّا، أو أديبًا أو ما أشبه ذلك.

 يقول: هذه مسألة مختلف فيها، ذكر الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه صناعة الكتاب أو الكُتَّاب أن أكثر العلماء على أن السُّنَّة أن يبدأ بنفسه كما ذكرنا، ثم روى فيه أحاديث وآثارًا كثيرة، منها أن العلاء بن الحضرمي -رضي الله عنه- كتب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبدأ بنفسه، العلاء بن الحضرمي كتب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبدأ بنفسه، وأن ابن عمر كان يقول لغلمانه وأولاده: إذا كتبتم إليّ فلا تبدؤوا بي، إذا كتبتم إليّ فلا تبدؤوا بي. وكان إذا كتب إلى الأمراء بدأ بنفسه، وعن الربيع بن أنس قال: ما كان أحدٌ أعظم حرمة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما كان أحدٌ أعظم حرمة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان أصحابه –رضي الله عنهم- يكتبون إليه -صلى الله عليه وسلم- فيبدؤون بأنفسهم، قال النحاس: وهذا عند أكثر الناس المذهب الصحيح؛ لأنه إجماع الصحابة– رضي الله عنهم-، وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان، تصدير الكتاب والعنوان، ما معنى تصدير الكتاب والعنوان؟  

سواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان، تصدير الكتاب معروف، أن هذه الصفحة مكتوب فيها خطاب لفلان يكتب فيه من فلان إلى فلان، لكن إذا ختم الكتاب وغُلِّف فما يُكتَب عليه يُسمَى عنوانًا، ما يُكتَب عليه يُسمى عنوانًا، الآن الناس درجوا على عدم ذكر الكاتب، إلا في نهاية الكتاب، يعني هذا العرف المتعارف عليه الآن إلا من نفر يسير ممن له عناية بالعلم وتطبيق السُّنَّة، فتجده يقول: من فلان بن فلان إلى فلان، قال: ورخّص جماعة من العلماء في أن يُبدأ بالمكتوب إليه، فيقول في التصدير والعنوان: إلى فلان، إلى فلان فقط، أو إلى فلان من فلان، ثم روى بإسناده أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية، فبدأ باسم معاوية، لا شك أن البداءة، بداءة الكاتب بنفسه هي السُّنَّة، لكنها قد تثير حفيظة المكتوب إليه، إذا كان لا يعرف السُّنَّة، وعنده شيء من رؤية النفس، كيف يبدأ بنفسه قبلي، ولذا سيأتي في كلام لابن أخي قيصر يدل على هذا.

ثم روى بإسناده أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية، وعن محمد بن الحنفية أنه قال: لا بأس بذلك، وعن بكر بن عبد الله وأيوب السختياني مثله، قال: وأما العنوان، وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه إلى فلان، ولا يكتب لفلان؛ لأنه إليه لا له إلا على مجاز، الصواب أن يكتب عليه: إلى فلان، ولا يكتب: لفلان؛ لأنه إليه لا له إلا على مجاز، يعني لما ترسل خطابًا إلى شخص فقد أرسلته إليه وبعثته إليه، لكنه له بمعنى أنه يملكه، يتصرف فيه كيفما شاء، فكأنك ملّكته إياه فيصحّ تعدية الفعل باللام على هذا الاعتبار.

طالب:...

لا لا، قد وُجد في كتابات المتقدمين، الأصل أن الفعل المناسب مرسلٌ إلى أو مبعوث إلى، ويتعدى بإلى، لكن وُجد في بعض الكتابات مرسل لفلان أو مبعوث لفلان، كأن فيه شبه تمليك، وهذا هو المجاز الذي أشار إليه.

طالب:...

يتصرف فيه يمزقه أو يحرقه أو يبيعه ويصير، لو يجيء واحد، لو أرسل لك واحد من أهل العلم المعروفين بخطه خطابًا، فرآه من يهتم بخطوط أهل العلم قال: بعنيه، تقول: لا والله هذا فلان؟ هذا لك؛ لأنه لا يرجو رجوعه، لا يأمل في رجوعه، فما أرسله إلا لك، والأصل في الفعل أن يتعدى بإلي، لكن ما دام وُجد تعديته باللام ففي هذا ارتكاب نوع مجاز، على ما قاله أهل العلم.

طالب:...

لا، ملك أو شبه ملك سمها ما شئت، المهم أنه تصح تعديته باللام؛ لأنها تأتي للملك وشبه الملك، لكن للملك أقرب، تملكه وتصنع به كيفما شئت، يعني بعض الخطوط، خطوط الأئمة تُشترى، وخطوط أهل العلم تُشترى بأقيام مرتفعة.

 قال: هذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، ثم روى بإسناده عن ابن عمر قال: يكتب الرجل من فلان إلى فلان، ولا يكتب لفلان، وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم لفلان بن فلان، وكانوا يكرهونه في العنوان أيضًا قال النحاس: ولا أعلمُ قال النحاس: ولا أعلم أحدًا من المتقدمين رخص أن يكتب لأبي فلان عنوان ولا غيره، قلت –النووي- يقول: فهذه الأحرف التي نقلتها عن النحاس مما يحتاج إليه، وإنما ذكرتها؛ لأنها مما يكثر استعماله، فينبغي أن تعرف ويقتدى بالسلف –رضي الله عنهم- فيها وبالله التوفيق. في تفسير القرطبي يقول: كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم، كان رسم المتقدمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار، ثم ذكر أثر الربيع بن أنس الذي مرّ في كلام النحاس، وقال ابن سيرين: قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: «إن أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه» هذا الخبر يحتاج إلى تخريج.

قال أبو الليث في كتاب البستان له، قال أبو الليث في كتاب البستان له: ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز؛ لأن الأمة قد أجمعت عليه، وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نُسخ ما كان من قبل، فالأحسن في زماننا هذا أن يُبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه؛ لأن البداية بنفسه تعد منه استخفافًا بالمكتوب إليه، وتكبرًا عليه، إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده أو غلام من غلمانه. يعني أو ولد من أولاده، هذا الكلام ماشٍ أم  ليس ماشيًا؟ هذا خلاف السُّنَّة، يقول أبو الليث في كتاب البستان له: ولو بدأ بالمكتوب إليه لجاز؛ لأن الأمة اجتمعت عليه، وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك، أو نُسخ ما كان من قبل، فالأحسن في زماننا هذا أن يُبدأ بالمكتوب إليه، ثم بنفسه أو أن يَبدأ بالمكتوب إليه ثم بنفسه؛ لأن البداية بنفسه تعد منه استخفافًا بالمكتوب إليه، وتكبرًا عليه، إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده أو غلام من غلمانه.

في فتح المغيث للسخاوي يقول: ويبدأ في الكتاب بنفسه؛ اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول بعد البسملة، فيقول بعد البسملة، من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، بعد البسملة أم قبل؟ الذي عندنا في الكتاب في كتاب النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد البسملة، وهذا هو المعروف، لكن في سورة النمل: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}[سورة النمل: 30].

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

لكن في الخطاب الذي وجهه سليمان إلى بلقيس {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}[سورة النمل: 30]، هل يقتضي هذا تقديم من سليمان على البسملة؟

طالب:...

ما فيه ما يمنع أنه جاءنا كتاب من فلان مفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما فيه أدنى اقتضاء لتقديم الاسم على البسملة، طبيعي جدًّا تقول: جاءنا والله خطاب من الجهة الفلانية ومفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم، هل يعني هذا أن الاسم مقدم على التسمية؟ لا.

طالب:...

قبل ماذا؟

طالب:...

ما فيه ما يدل على هذا ولا ذاك، ما فيه ما يدل، الآن عندنا النصوص الكثيرة منه -عليه الصلاة والسلام- في مخاطباته كلها يبدأ بنفسه، ويبدأ في الكتاب بنفسه اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول بعد البسملة من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، فإن بدأ باسم المكتوب إليه فقد كرهه غير واحد من السلف، وكان أحمد بن حنبل -رحمه الله- يستحب إذا كتب الصغير إلى الكبير أن يُقدَّم اسم المكتوب إليه، يعني امتثالاً لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «كبِّر كبِّر»، وكان أحمد بن حنبل -رحمه الله- يستحب إذا كتب الصغير إلى الكبير أن يُقدَّم اسم المكتوب إليه، وأما هو يعني في طريقته هو وفي كتاباته ومخاطباته الإمام أحمد -رحمه الله-، وأما هو فكان يبدأ باسم من يكاتبه كبيرًا كان أو صغيرًا تواضعًا.

 الآن لو كان لك حاجة إلى أمير أو وجيه أو شيء وأنت إنسان عادي، لك حاجة عند هذا الرجل، تقدم اسمك أم اسمه؟ أنت تخشى ألا تحقق الحاجة إذا بدأت باسمك، فهل مثل هذا مسوغ لأن تترك السُّنَّة من أجله؟ هم أطلقوا الكراهة، والكراهة عندهم تزول قالوا: بأدنى حاجة مثل صنيع الإمام أحمد، الكراهة تزول بأدنى حاجة؛ لأن مشكلتنا أن في بعض الشباب، بعض الشباب في تصرفاتهم شيء قد يستدل به على ما في نفوسهم، يعني يدخل شاب إلى مسجدٍ مزدحم في موسم في داخل مكة في أيام الحج، في داخل مكة، ويدخل شاب مع باب الإمام باب الخطيب وقد تأبط نعليه ووضعهما على درج المنبر، وتقدَّم وصلى بالناس استووا اعتدلوا والله أكبر، وثلاثة أرباع الذين خلفه مقيمون، وسلّم من ركعتين وقال: أتموا فإنا قوم سَفرٌ، هذه حاصلة، يعني بعض التصرفات تنبئ عما في بعض النفوس، هذا لا يليق، يعني لو عالم كبير ما يخالف، لكن يجعل الناس في حكم المسبوقين في نصف الصلاة وراءه، وهو ما له صفة، ليست له صفة تميزه؟ مع أن كثيرًا من أهل العلم يتحاشون أن يصلوا بالمقيمين وإن كانت هي السُّنَّة إذا كان من أهل العلم المعروفين والصلاة خلفه تفضل عن الصلاة خلف غيره، يكتب صغير لا ذكر له ولا شأن من فلان بن فلان إلى أمير أو كبير أو ملك أو شيء، وفي النهاية يطلب منه شيئًا؟

هذا فيه شيء، يعني تجعل الطلب ابتداءً مرفوضًا؛ لأن النفوس لا تقبل مثل هذا وإن كان هو السُّنَّة، لا نجادل وننازع في كون هذا هو السُّنَّة، لكن يبقى أن الأمور تنزل منازلها لا سيما إذا كان هذا الشاب الذي كتب لهذا الأمير أو لهذا الوزير أو لهذا الملك أو لغيره يطلب منه تغيير منكر مثلاً، ثم ما ترك هذا الأمر هذه السُّنَّة إلا لله -جل وعلا-؛ للمصلحة الأرجح منها، فمثل هذه الأمور مراعاتها مثل ما لاحظ الإمام أحمد -رحمه الله-.

طالب:...

ما يخالف مثل هذه الحالة لا إشكال، ما فيه أدنى إشكال في مثل هذه الحالة إذا رضوا وقدموه واستعدوا أن يقضوا ركعتين بعد ما يسلم.

طالب:...

لا، الأولى أن يقصر، الأولى أن يقصر؛ لأن القصر أرجح من الإتمام في السفر.

طالب:...

والله لو لاحظ أن أكثر الجماعة مقيمون ،وأتم بهم ملاحظًا هذه المصلحة، وتكميل صلاة من خلفه مقصد شرعي، ما فيه إشكال إن شاء الله.

 يقول القرطبي في مسائل في تفسيره -رحمه الله-: الرابعة إذا ورد على إنسان كتابٌ بالتحية في خطاب: سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته بالتحية، أو نحوها مما ينبغي أن يُرد أو نحوها ينبغي أن يَرد الجواب، يعني ما هو مجاوب للخطاب وفيه سلام إن رد الخطاب بكتابة يكفي أن يرد السلام بالخطاب، لكن إذا كان ما عنده، خلاص بلغه الأمر ومجرد بلوغه يكفي أن يرد ويقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته؛ لأنه جاء الأمر بذلك، ينبغي أن يرد الجواب؛ لأن الكتابة من الغائب كالسلام من الحاضر، وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه كان يرى رد الكتاب واجبًا، كما يرى رد السلام، والله أعلم.

يعني عموم {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [سورة النساء: 86] هذا أقل شيء، الأمر يتناول هذا وهذا، يقول: الخامسة من المسائل: اتفقوا على كتابة بسم الله الرحمن الرحيم في أول الكتب والرسائل وعلى ختمها، اتفقوا على كتابة البسملة وعلى الختم ختم الكتاب؛ لأنه أبعد من الريبة، يعني أبعد من احتمال التزوير، اتفقوا على كتب بسم الله الرحمن الرحيم في أول الكتب والرسائل وعلى ختمها؛ لأنه أبعد من الريبة، وعلى هذا جرى الرسم، وبه جاء الأثر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: أيما كتابٍ لم يكن مختومًا فهو أغلف، وفي الحديث، وهذا يحتاج إلى تخريج: «كرم الكتاب ختمه»، وقال بعض الأدباء، وهو ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابًا ولم يختمه فقد استخف به؛ لأن الختم حتمٌ.

 طيب، ألا يقوم مقام الختم التوقيع؟ ما كانوا يعرفون التوقيع، التوقيع عندهم الذي يتداولونه في كتبهم غير التوقيع المعروف الآن، التوقيع إذا قرئ الخطاب أو الطلب على من وُجه إليه يأمر بشيء أو هذا توقيعه، والتوقيعات والتفنن فيها أسلوب من الأساليب الأدبية تُدرس، التوقيع إذا كان متميزًا ولا يمكن تقليده ولا تزويره يكفي عن الختم، وقال أنس: لما أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكتب إلى العجم فقيل له: إنهم لا يقبلون إلا كتابًا عليه ختم، فاصطنع خاتمًا ونقش على فصه: لا إله إلا الله، وكأني أنظر إلى وبيصه وبياضه في كفه -عليه الصلاة والسلام-، لكن المعروف أن المنقوش عليه محمد رسول الله، الله فوق ورسول ثم محمد آخر شيء.

طالب:...

نعم، لكن بعد ذلك لما قيل له: اتخذ الخاتم اتخذه.

طالب:...

على كل حال إذا أُمِن التزوير فلا حاجة، إذا أمن التزوير فلا حاجة، لكن خطاب مكتوب بالآلة من شخص، كيف يجزم أن هذا خطاب منه؟ لأن الآلة تكتب لفلان وعلان بصورة واحدة، وقد يكتب فلان ثم يعطي الآلة أمر طبع، ويصحب نسخًا فلا فرق بين أن يكتبه فلان أو علان، لكن إذا كان بخطه المعروف الذي يعتمده أهل العلم في الوجادة فهذا ما يحتاج إلى شيء.

طالب:...

منهم من يرى أنه سنة مطلقًا للمحتاج وغير المحتاج، ومنهم من يقول: إنه إنما يستحب لمن يحتاجه، لمن يحتاجه، لديه مسؤولية أو لديه أمور يخشى من تزويرها، كما فعل النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يتخذه حتى قيل له: إنهم لا يقرؤون إلا كتاب مختومًا، ويبقى أن الاستدلال أيضًا بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما اتخذ الخاتم اتخذه الصحابة عموم ذلك يدل على أنه اتخذه من يحتاجه ومن لا يحتاجه.

طالب:...

بينكم. نعم.

طالب:...

لكن إذا حييتم؟ عموم إذا حييتم؟ عموم إذا حييتم يتناوله.

طالب:...

نعم. إذا قال في كلامٍ مسجل، في كلام مسجل قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما هو الآن يسلم، لا يسلم الآن، يسلم قبل شهر مسجل الكلام قبل شهر أو أكثر أحيانًا.

طالب:...

ورد عليه السلام في وقته، وكلما كُرر ترد السلام؟ أنا أقول هذا نظير إجابة المؤذن المسجَل؛ لأننا نسمع الأذان أحيانًا يكون حيًّا على الهواء كما يقولون، وأحيانًا يكون مسجَلًا، المسجَل هذا ما يجاب، لذلك أنت ما تجيب مؤذنًا، أنت تجيب مُسجِلًا، أما إذا كان حيًّا على الهواء فأنت تجيب هذا المؤذن الذي يؤذن وتسمعه في وقته كما لو سمعته من بعد بمكبر، ولا فرق.

طالب:...

الكل ما ذكر، البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ علي. كلما جاء له ذكر أو طرأ مرّ على البال أو على الخاطر يصلي عليه -عليه الصلاة والسلام-.

طالب:...

ما يجاب هذا، لا ما يجاب.

طالب:...

تجيب مسجلًا، يقول: إذا سمعتم المؤذن، ما سمعتم مؤذنًا.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك.