شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 12

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 12
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 3:00 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلا بكم.

إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب الصوم ضمن كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع مطلع الحلقة يسرنا أن نُرحِّب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا بك فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: عن أبي هريرة– رضي الله عنه – قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسَلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أولًا المختصر –رحمه الله– ترك حديثين:

أولهما: حديث أبي هريرة –رضي الله تعالى عنه– عن النّبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ومعه «ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».

هنا في هذا الموضع جمعهما، فرقهما في كتاب ((الإيمان))، تقدم شرح الجملتين سواء كانتا حديثًا واحدًا أو حديثين، تقدم الشرح في كتاب ((الإيمان))، والمختصر لا يكرر مع أنّ الحاجة ماسة لذكر هذين الحديثين؛ للترغيب في قيام ليلة القدر، وللترغيب أيضًا في صيام رمضان، والتنصيص والتأكيد على أن يكون الصيام والقيام إيمانًا بالله –جلَّ وعلا– وتصديقًا به واحتسابًا للأجر منه وإخلاصًا للعمل.

والحديث الثاني مما تركه المختصر، وذكره الإمام البخاري –رحمه الله تعالى– حديث ابن عباس –رضي الله تعالى عنهما– قال: كان النّبي –صلى الله عليه وسلم– أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه كل ليلةٍ في رمضان حتى ينسلخ، يعرض النّبي –صلى الله عليه وسلم– القرآن، فإذا لقيه جبريل كان –عليه الصلاة والسلام– أجود بالخير من الريح المرسلة.

وهذا الحديث تقدم شرحه في بدء الوحي، وأيضًا ذكر مثل هذا الحديث أمر لا بد منه في هذا الباب؛ لتذكير الناس بالجود والبذل والفضل والإحسان على الآخرين، فهذه حقيقةً مما يؤخذ على المختصرات في الجملة، يعني المختصرات التي تحذف المكرر، وتحذف الأسانيد، يعني الهدف منها بالدرجة الأولى حفظ الكتاب، والحافظ يستحضر ما تقدم، والمفترض أنه يستحضر، لكن ماذا إذا غفل عما تقدم؟ أو راجع المختصر ولا يحفظ ما تقدم؟ يفوته خير كثير، وهذا يزداد تباعًا من بابٍ إلى آخر، فتجد الأبواب المتأخرة ليس فيها شيء يذكر في المختصرات، والصيد كله في جوف الكتب الأصلية التي تجمع كل ما يحتاج إليه في الباب، ولا يعتمدون على ذكر ما تقدم، وهذا يؤكد لنا أهمية العناية بالأصول، أهمية الكتب الأصلية والعناية بها.

وراوي الحديث الصحابي الجليل أبو هريرة تقدم ذكره مرارًا، والحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ»، وفي الصوم هذه زيادة من نسخة الصاغاني يقول القسطلاني: وهي موجودة في فرع اليونينية.

المقدم: في الصوم أم في رمضان؟

«والعمل» به في الصوم هي موجودة في فرع اليونينية على أساس أنها في نسخةٍ من نسخ الصحيح، وهي نسخة الصاغاني.

يقول الزين بن المنير: حذف الجواب باب «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ» جوابه في الحديث هو حذف من الترجمة، نعم، لماذا حذف؟ لأنه لو نص على ما في الخبر لطالت الترجمة، صارت مجرد تكرار، يعني لو أنّ الإمام البخاري –رحمه الله تعالى – قال: باب «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حاجة» إلى آخر الحديث طالت وصارت مجرد تكرار، ولو عُبر عنه بحكمٍ معينٍ، نعم لو قال: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ» لأفطر مثلًا أو فقد ارتكب محرمًا.......

المقدم: لأصبح حكمًا.

نعم، أو عُبر عنه بحكمٍ معينٍ لوقع في عهدته، يعني هل قول الزور يفطر، أو جزء من البخاري قد يكون في عهدته لو أخبر بهذا.

المقدم: ولهذا بعض التراجم نحن نأخذ كما سبق ومر معنا كثيرًا أنّ رأي البخاري بناءً على هذه الترجمة يُفهم من ترجمته أنه يميل إلى كذا.

لا، هو إذا أطلق مثل هذا ما جزم بالحكم وتردد فيه، المرجح ما يؤيده البخاري –رحمه الله- من الاحتمالات بالآثار؛ لأنه يأتي بترجمةٍ يتردد فيها، لا يحكم فيها بحكمٍ، لكن يستروح مذهبه ويستشف من الآثار التي يذكرها في الترجمة.

يقول: فكان الإيجاز ما صنع، وقال العيني مطابقته للترجمة من حيث إنّ الترجمة نصف حديث الباب، يعني مطابقة نصف حديث الباب.

يقول: «مَنْ لَمْ يَدَعْ» أي يترك.

المقدم: قبل أن ندخل إذا أذنتم في ألفاظ الحديث، في نسختنا في رمضان سألت عنها يا شيخ، باب «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ» في رمضان هذه النسخة التي بين يدينا؟

هذه ما أُشير إليه، ولا في الروايات، إنما الذي في الصحيح «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ» في الصوم، لعله سبق نظر، في الترجمة السابقة التي قبل: أجود ما يكون –عليه الصلاة والسلام – في رمضان.

على كل حالٍ مثل ما أشرنا مرارًا التراجم في المختصر لا وجود لها، وهي مما أضافه المحقق.

«مَنْ لَمْ يَدَعْ» أي يترك، ويدع مضارع الودع وهو الترك، والمصدر مستعملُ كما في الحديث الصحيح «لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات» أي تركهم، والمضارع مستعملُ أيضًا في هذا الحديث «مَنْ لَمْ يَدَعْ»، والأمر مستعملُ أيضًا في قوله: «دع ما يريبك»، وأما الماضي ودع فقد أُميت كما نص على ذلك الجوهري في صحاحه، ومثله اسم الفاعل وادع، قال: وربما جاء في ضرورة الشعر، وفي اللسان: زعمت النحوية أنّ العرب أماتوا مصدر يدع ويذر، واستغنوا عنه بترك، يعني الودع والوذر استغنوا عنهما بالترك، والنّبي– عليه الصلاة والسلام– أفصح العرب، وقد رويت عنه هذه الكلمة التي هي المصدر«لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات».

قال ابن الأثير: وإنما يُحمل قولهم على قلة استعماله، فهو شاذٌ في الاستعمال صحيحٌ في القياس، وقد جاء في غير حديثٍ، حتى قرئ به قوله –جلَّ وعلا–: { مَا وَدعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} [سورة الضحى 3] بالتخفيف.

وأنشد ابن بري في سويد بن أبي كاهل:

سل أميري ما الذي غيره        عن وصال اليوم حتى ودعه

 يعني تركه.

وفي شرح القاموس للمرتضى الزبيدي يقول: قال شيخنا عند قول: وقد أميت ماضيه قلت: هي عبارة أئمة الصرف قاطبة وأكثر أهل اللغة، وينافيه ما يأتي من قوعه في الشعر ووقوع القراءة به، فإذا ثبت وروده ولو قليلًا فكيف يُدعى فيه الإماتة؟! يعني اللفظ الذي يمات ما يذكر ألبتة، لكن الذي يُذكر ولو قليلًا ما فيه شك أنّ مفردات اللغة متفاوتة، في القلة والكثر، ففيها الكثير وفيها الأكثر، وفيها القليل وفيها الأقل، وكل هذا مستعملٌ مادام موجودًا، لكن قد يصل بالقليل إلى حدٍّ بحيث يخفى على بعض أئمة اللغة، يخفى وروده؛ وحينئذٍ يزعم أنه مات.

قلت: وهذا بعينه نص الليث، فإنه قال: وزعمت النحوية بأنّ العرب أماتوا مصدر يدع ويذر، واستغنوا عنهما بترك، والنّبي –صلى الله عليه وسلم– أفصح العرب وقد رويت عنه هذه الكلمة، قال ابن أثير: وإنما يُحمل قولهم على قلة استعماله، فهو شاذٌ في الاستعمال صحيحٌ في القياس، وقد جاء في غير حديثٍ، حتى قرئ به قوله تعالى: { مَا وَدعَكَ}، يقول الزبيدي: وهذا غاية ما فتح السميع العليم فتبصر وكن من الشاكرين. يعني إن كان ما وقف على النقل السابق، يعني إن لم يقف على كلام ابن الأثير في تصديره الكلام السابق فالكلام مطابق، فيه شيءٌ من المطابقة، وكما يقول أهل العلم: قد يقع الحافر على الحافر.

المقدم: فيه تطابق.

نعم، فيه تطابق.

«قول الزور» هو الكذب، والميل عن الحق، والعمل بالباطل والتهمة، قال الراغب: قيل للكذب زور؛ لكونه مائلًا عن جهته.

«والعمل به» أي بمقتضاه، قال الحافظ ابن حجر: زاد المصنف في الأدب: والجهل.

ولابن ماجه: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والجهل وَالْعَمَلَ بِهِ» جعل الضمير في به يعود على الجهل، في الرواية التي معنا «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ» فالعمل به الضمير يعود على؟

المقدم: الزور.

على قول الزور، لكن في رواية ابن ماجه «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والجهل وَالْعَمَلَ بِهِ» يعود على الجهل أقرب مذكور، هذا هو الأصل، لكن إذا أردنا أن نجعل الروايتين متفقتين لا يمنع من أن يعود على الأبعد كما يدل عليه الرواية الأخرى، ولا مانع أن يعود على الاثنين فـ به يعود على الجهل، والأولى جعله يعود على قول الزور، والمعنى متقارب.

وللطبراني في ((الأوسط)) عن حديث أنس بلفظ: «من لم يدع الخنا والكذب ورجاله ثقات».

وفي ((عمدة القاريء)) «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّور»ِ قال شيخنا، من شيخه؟ الحافظ العراقي –رحمه الله تعالى–، هذا يُحتمل أن يُراد من لم يدع ذلك مطلقًا.

«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّور»ِ قال شيخنا يعني الحافظ العراقي في ((شرح الترمذي)): هذا يُحتمل أن يُراد من لم يدع ذلك مطلقًا غير مقيدٍ بصومٍ، يعني الذي يكذب في شعبان أو في شوال أو في صفر هذا «لَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» أو في رمضان من باب أولى، يقول: هذا يُحتمل أن يُراد من لم يدع ذلك مطلقًا غير مقيدٍ بصومٍ، ويكون معناه أنّ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ»  الذي هو من أكبر الكبائر، وهو متلبسٌ به، فماذا يصنع بصومه؟! وذلك كما يقال: أفعال البر يفعلها البر والفاجر، ولا يجتنب النواهي إلا صدِّيقٌ؛ لأن ترك النواهي صعبٌ.

المقدم: يعني حديث الرسول –عليه الصلاة والسلام- لم يرد إلا بهذا اللفظ؟ يعني ما ورد لفظ ذُكر فيه الصيام قبل «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» أو بعده، قولٌ آخر، أليس ثمة رواية: «الصوم جنةٌ فمَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ والجهل»؟

هذا به الجهل، الاحتمال الثاني، ويحتمل أن يكون المراد من لم يدع ذلك في حال تلبسه في الصوم، وهو الظاهر، وقد صرح به في بعض طرق النسائي «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ والجهل في الصوم»، وقد بوب الترمذي على هذا الحديث بقوله: باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم، ثم ذكر الحديث، فهل قول الزور هو الغيبة؟

المقدم: الغيبة جزءٌ من الزور.

يقول: باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم، وأورد الحديث «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» يقول: قال شيخنا:- يقول العيني، والمراد بشيخه الحافظ العراقي في ((شرح الترمذي))، وهو من أنفس الشروح، وهو في الأصل تكملةٌ لشرح ابن سيد الناس- قال شيخنا: فيه إشكالٌ من حيث إنّ الحديث فيه قول الزور والعمل به، والغيبة ليست قول الزور ولا العمل به، حد الغيبة على ما هو مشهور: ذكرك أخاك بما فيه مما يكرهه، وقول الزور هو الكذب والبهتان.

قال العيني: وبوّب عليه ابن ماجه: باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم، وكأنهم -والله أعلم- فهموا من الحديث حفظ المنطق عن المحرمات، يعني ما هو أعم من الزور، من الكذب،  من الغيبة، من النميمة، يصان اللسان عن المحرمات، يقول: وكأنهم -والله أعلم- فهموا من الحديث حفظ المنطق عن المحرمات كأن يقال: باب ما جاء في الغيبة والرفث.

والحديث فيه قول الزور، ومن جملتها الغيبة؛ ولهذا بوب ابن حبان في صحيحه: ذكر الخبر الدال على أنّ الصيام إنما يتم باجتناب المحظورات لا بمجانبة الطعام والشراب والجماع فقط، ولذا تقدم الحديث السابق الصيام جنةٌ.

«الصيام جنةٌ لأحدكم من النار ما لم يخرقها» وفي روايةٍ: «ما لم يخرقها بالغيبة» وهذا تقدمت الإشارة إليه. «فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، يقول ابن العربي في ((العارضة)): كان من قبلنا من الأمم صومهم الإمساك عن الكلام مع الطعام والشراب، فكانوا في حرجٍ، ثم أرخص الله لهذه الأمة بحذف نصف زمانها وهو الليل، وحذف نصف صومها عن الفم.

المقدم: وهو الكلام.

نعم، الكلام، وهو الإمساك عن الكلام، ورخص لها فيه ليرفعها بالكرامة في أعلى الدرجات، فوقعت في ارتكاب الزور واقتراف المحظور؛ فأنبأ الله –سبحانه– على لسان رسوله: أنه إن اقترف أحدٌ زورًا، وأتى من القول منكورًا أنّ الله –سبحانه وتعالى– في غنى عن الإمساك عن طعامه وشرابه إذا لم يمسك من لسانه، وليس لله حاجةٌ في شيءٍ، ولا يناله في السكوت أو الكلام نيلٌ ولكن يناله التقوى، والصيانة عن الزور والخنا؛ ليجزى له عليها الثواب، ويكرم بها في المآب، وهذا يقتضي بتشديده في تهديده أنه لا ثواب له على صيامه. معناه أنّ ثواب الصائم لا يقوم في الموازنة بإثم الزور. كلام.

كأن ابن العربي يريد أن يقرر أنّ الصيام مع صحته مع وقوع ما يخدشه من زورٍ وغيبةٍ ونميمةٍ صحيحٌ، بمعنى أنه مجزيءٌ ومسقطٌ للطلب، لكن هو غير مقبول. بمعنى أنّ الأثر المرتب عليه من الأجر لا يناله هذا الصائم، كما قال: معناه أنّ ثواب الصائم لا يقوم في الموازنة بإثم الزور، فإثم الزور يقضي على ثواب الصائم المرتب على صيامه وإن كان مجزئًا مسقطًا للطلب بحيث لا يؤمر بإعادته، وسيأتي قول من قال: بـأنّ الغيبة والكذب تفطر الصائم.

المقدم: لكن هل يصح قولنا: إنّ من قبلنا كان صيامهم عن الكلام أيضًا؟

هذا يحتاج إلى نقلٍ، وقال ابن المنير: هو كنايةٌ عن عدم القبول، كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئًا فلم يقم به: لا حاجة لي بكذا، يعني قال لولده: افعل كذا، قال: والله أنا الآن مشغول بحاجة، قال: لا حاجة لي، فالمراد رد الصوم المتلبس بالزور، وقبول الصوم السالم منه، وقريبٌ من هذا قول الله تعالى: { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [سورة الحج 37] ، فإنما هو لا يصيب رضاه الذي ينشأ منه القبول.

وفي شرح ابن بطال بعض الناس قد يكون اعتاد الغيبة مثلًا والكذب ولا يستطيع التخلي عنهما في الحال، يقول: مادام في الحديث أنّ الله –جلَّ وعلا– ليس بحاجةٍ إلى صيامي لماذا أصوم؟ يعني الحل في أنه لا يصوم؟! يعني الحل في أنه لا يكذب ولا يغتاب، لكن الحل إذا لم يستطع ترك الغيبة والكذب ألا يصوم؟ لا.

في شرح ابن بطال ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور، وهذا كقوله –عليه السلام-: «من باع الخمر فليشقص الخنازير» يريد أن يذبحها، ولم يأمره بشخصه، ولكن على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر، فكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به؛ ليتم أمر صيامه، يعني المقصود من الخبر ليس المقصود منه ترك الصيام، وإنما المقصود منه التحذير مما يخدش الصيام. في قوله –عليه الصلاة والسلام-: «لِيَلِنِي مِنكُمْ أُولو الأَحْلامِ والنُّهَى» هل هذا فيه طردٌ للصبيان، أم فيه حثٌ للكبار أن يتقدموا؟

 فيه حثٌ للكبار أن يتقدموا، وإن فهم بعض العلماء أنّ الصبي لا يُمكّن من القرب من الإمام، فإن قيل: فما معنى «ليس لله حاجةٌ» والله –جلَّ وعلا– لا يحتاج إلى شيءٍ؟ قيل: معناه فليس لله حاجةٌ بصيامه؛ فوضع الحاجة موضع الإرادة، المقصود أنّ أقرب ما يكون من هذا الحديث قوله –جلَّ وعلا-: { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ}.

المقدم: والذي قال: «ليس لله حاجةٌ» ليس لله إرادةٌ من هو يا شيخ؟

هذا يقول: قيل معناه هذا فيه شرح ابن بطال: فليس لله إرادةٌ في صيامه؛ فوضع الحاجة موضع الإرادة.

المقدم: الإرادة المقصود بها هنا؟ «ليس لله حاجةٌ» ليس لله إرادةٌ ؟

إرادةٌ في الصيام، إرادةٌ في هذا الصيام المخدوش بأنّ الله – جلَّ وعلا – لا يريده؛ لكي يفسر ما ثبت في هذا الحديث، نعم، بالنسبة الحاجة مع أنّ الحاجة هنا جاءت منفيةً، وهل يثبت لله –جلَّ وعلا– ما جاء على صيغة النفي؟!

المقدم: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة فصلت 46] ولا يثبت؟

طيب، فيه الحديث السابق «فإنّ الله –جلَّ وعلا– لا يمل حتى تملوا» هذا نفي، نعم، منهم من أثبت ذلك لماذا؟ لأنه عُلق على أمرٍ لا بد من وجوده إذا فهو موجودٌ، وهذه طريقة من يثبت هذه الصفات على ما يليق بالله– جلَّ وعلا– من غير نظرٍ إلى مشابهة مخلوق.

وقال الحافظ: قوله: «ليس لله» وقع عند البيهقي في ((الشُعب)) فليس به بموحدةٍ وهاء ضميرٍ، فإن لم يكن تحريفًا فالضمير للصائم، فليس به بموحدةٍ وهاء الضمير وصورتها قريبةٌ من لله.

يقول: فإن لم تكن تحريفًا فالضمير للصائم، وفي ((عمدة القاريء)) يعني بالذي يصوم بهذا الوصف، يعني ليس بالشخص الذي يقوم بهذا الوصف، لكن كيف يتم معناه؟

المقدم: هل كان بعيدًا؟

فيه بعدٌ، يعني تصوره بعيدٌ.

واختلف العلماء في الغيبة والنميمة والكذب هذه الأمور تفطر الصائم، فذهب الجمهور من الأئمة إلى أنه لا يفسد الصوم بذلك، وإنما التنزه عن ذلك من تمام الصوم.

روي عن الثوري أنّ الغيبة تفسد الصوم، ذكره الغزالي في ((الإحياء)) وقال: روى البشر بن الحارث عنه قال: وروى ليث عن مجاهد «خصلتان تفسدان الصوم الغيبة والكذب» وهذا إذ ذكره الغزالي بهذا اللفظ.

والمعروف عن مجاهد «خصلتان من حفظهما سلم له صومه الغيبة والكذب» هكذا رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد.

وروى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم قال: كانوا يقولون: إنّ الكذب يفطر الصائم.

وعن عبيدة السلماني قال: اتقوا المفطّرين الكذب والغيبة.

وعلى كل حالٍ هذا إن ثبت عن هؤلاء فالمراد به شدة التنفير من هذه الأشياء.

الإمام أحمد –رحمه الله– روى بإسناد فيه مجهول، ضعيف، من حديث عُبَيْدٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا وَأَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ قَدْ صَامَتَا، وَإِنَّهُمَا قَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا مِنَ الْعَطَشِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَوْ سَكَتَ، ثُمَّ عَادَ، وَأُرَاهُ قَالَ: «بِالْهَاجِرَةِ»، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ قَدْ مَاتَتَا أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا قَالَ: «ادْعُهُمَا» قَالَ: فَجَاءَتَا، قَالَ: فَجِيءَ بِقَدَحٍ أَوْ عُسٍّ فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: قِيئِي فَقَاءَتْ قَيْحًا أَوْ دَمًا وَصَدِيدًا وَلَحْمًا حَتَّى قَاءَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ، ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى : قِيئِي فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ وَلَحْمٍ عَبِيطٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى مَلَأَتِ الْقَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَتَا تأْكُلَانِ لُحُومَ النَّاسِ». لكنه حديثٌ ضعيفٌ؛ لجهالة راويه عن عبيد. والغيبة والنميمة والزور مما حرم الله – عزَّ وجلَّ – في الصيام وغيره.

وأما قول بعضهم: إنها صغائرٌ تُكفر باجتناب الكبائر فأجاب عنه السبكي فيما نقله ابن حجر في ((فتح الباري))، والقسطلاني في ((إرشاد الساري)) بأنّ في حديث الباب والذي مضى في أول الصوم دلالةٌ قويةٌ لذلك؛ لأنّ الرفث والصخب وقول الزور والعمل به مما عُلم النهي عنه مطلقًا، والصوم مأمورٌ به مطلقًا، فلو كانت هذه الأمور حصلت فيه لم يتأثر بها، لم يكن لذكرها فيه مشروطةً به معنى نفهمه، فلما ذُكرت في هذين الحديثين نبهتنا على أمرين:

أحدهما: زيادة قبحها في الصوم على غيره.

والثاني: الحث على سلامة الصوم عنها، وأنّ سلامتها منه صفة كمالٍ فيه، وقوة الكلام تقتضي أن يُقبح ذلك لأجل الصوم. فمقتضى ذلك أنّ الصوم يكمل بالسلامة عنها، فإن لم يسلم عنها نقص.

ثم قال: ولا شك أنّ التكاليف قد ترد بأشياءٍ وينبه بها على أخرى بطريق الإشارة، وليس المقصود من الصوم العدم المحض كما في المنهيات لماذا؟ لأنه يشترط له النية بالإجماع، ولعل القصد به في الأصل الإمساك عن جميع المخالفات، لكن لما كان ذلك يشق خفف الله وأمر الإمساك عن المفطرات، ونبه الغافل بذلك على الإمساك عن المخالفات، وأرشد إلى ذلك ما تضمتنه أحاديث مبينةٌ عن الله مراده؛ فيكون اجتناب المفطرات واجبًا واجتناب ما عداها من المخالفات من المكملات.

مسألة إبطال الصوم بهذه المحرمات أو بغيرها من المحرمات يعني النهي هل يقتضي الفساد أو لا يقتضي، قاعدةٌ كبرى عند أهل العلم، لعلها تكون في أول الدرس القادم.

المقدم: أحسن الله إليكم، خصوصًا أنّ الحديث عن هذه القضية يمس عددًا كبيرًا من الناس الذين فرطوا مع كل أسفٍ في العبادات إما بمشاهدة المحرمات، أو سماع محرم، أو كلام محرم.

ونعد الأخوة والأخوات باستكمال هذا الموضوع مع فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير بإذن الله في الحلقة القادمة وأنتم على خيرٍ.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.