كتاب بدء الوحي (074)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (074)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
أربعاء 23/ شعبان/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

ففي حديث ابن عباس في قصة هرقل مع أبي سفيان في قوله: (قال –يعني هرقل-: ماذا يأمركم؟ قال: ماذا يأمركم؟) يدل على أن الرسول من شأنه أن يأمر، الرسول من شأنه أن يأمر وينهى، وهذه حقيقة الرسالة الوحي إلى المُرسَل والأمر بالتبليغ على خلاف بين أهل العلم في الفرق بينه وبين النبي، فالجمهور على أن هذا هو الفرق أن الرسول مأمور بالتبليغ والنبي يوحى إليه ولا يؤمر بالتبليغ، مع أنه يرد عليه أن آدم نبي بالاتفاق، ومع ذلك بلّغ أولاده ما أوحي إليه، منهم من يقول: إن الرسول يأتي بشرع مستقل، والنبي يأتي بشرع مُتمم لشريعة سابقة، ويرد على هذا أيضًا عيسى وآدم كذلك وآدم كذلك، فما الفرق الحقيقي بين الرسول والنبي؟

طالب:...

لا يستلزم أن يرسل إلى قوم كفار، يرد عليه شيء ولا ما يرد؟ كفروا بموسى وأرسل إليهم عيسى، ويقول: الرسول من أرسل إلى قوم كفار، فهل بنو إسرائيل كفروا بموسى ثم أرسل إليهم عيسى؟ كلهم.

طالب:...

نعم وهو في زمن موسى، يعني تفريق شيخ الإسلام -رحمه الله- في النبوات هو الذي يرد عليه ما ذكرنا آدم وعيسى، فما الفرق المحرر بين الرسول والنبي؟ لأنه قال: بماذا يأمركم؟ لأنه عرف أنه رسول، والنبي -عليه الصلاة والسلام- نُبئ بإقرأ، وأرسل بالمدثر، يعني أُمر بالتبليغ والنذارة {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِر} [سورة المدثر: 1-2]، فهو أُرسل بالمدثر، كما يقرر أهل العلم، وقبل ذلك نبي أم رسول، قبل التبليغ؟ أو أن هذا القول مبني على الفرق بين على الفرق على قول الجمهور؛ لأنه أحيانًا يتصور القول ثم ترتب عليه أحكام، مقتضى هذا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل الأمر بالنذارة {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِر} [سورة المدثر: 1-2] أنه نبي وليس برسول صح أم لا؟

طالب:...

يعني هذا قُرِّر بعد القول بالتفريق، يعني هذا التقرير قولهم: نُبئ باقرأ وأرسل بالمدثر هذا من باب اعتماد هذا الفرق بين الرسول والنبي، ويترتب عليه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [سورة المدثر: 1] ليس برسول، وإنما هو نبي فقط، أو يقال: إن العبرة بالمآل فهو رسول باعتبار أنه أُمر في المآل بالتبليغ، فيكون من صفته الرسالة من أول الأمر. أليس كذلك؟

طالب:...

لا، هو الكلام هل الرسول -عليه الصلاة والسلام- أيامه الأولى قبل أن ينزل عليه {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِر} [سورة المدثر: 1-2]  نعم هل هو نبي أم رسول؟ على التفريق بينهما وعلى تقرير أهل العلم أنه نُبئ باقرأ وأرسل بالمدثر، لكنه آمن به من آمن من أول يوم، يعني بلّغ ما أنزل إليه من سورة اقرأ، بلغها خديجة، ثم بلغها ورقة، لكنهم يقولون بالنسبة لتصديق ورقة له لا يدل على إسلامه؛ لأنه قبل الدعوة، ولكن أكثر من صنف في الصحابة ما ذكروا ورقة؛ لأنه مات قبل الدعوة، تبقى المسألة فيها إشكال، وتحتاج إلى شيء أو إلى مزيد من البحث؛ ليتحرر القول فيها، إن شاء الله تعالى.

طالب:...

هذا قبل اقرأ. بعدها قبل أن ينزل إليه شرع معروف أنه يتعبد، لا بد أن يتعبد بشرع سابق.

طالب:...

يعني هل نقول: إن ما بين اقرأ والمدثر نبوة فقط بدون رسالة؟ وأنه ما بلّغ أحدًا؟

طالب:...

لكنه بلّغ، نعم.

طالب:...

حتى نتحاشى عيسى، على كل حال المسألة ...

طالب:...

داود الزبور.

طالب:...

هي إطلاق النبوة على الشخص لا تنافي الرسالة، لكن الإشكال في إطلاق الرسالة لا بد من إيجاد الفرق.

طالب:...

يعني هذا ينتفع بنفسه، وينتفع من يقتدي به ولو لم يأمره. على الخلاف فيه.

طالب:...

لكن يقيم بدعوتهم أم بمجرد الاقتداء به من غير دعوة؟ إن دعاهم صار رسولًا.

طالب:...

على كل حال هذا تفريق الجمهور يقول: ما أُمر بتبليغ، على كل حال مثل ما قلنا: تحتاج مزيد عناية وبحث؛ لأنه ما من قول من الأقوال التي فُرق بها بين النبي والرسول إلا ويرِد عليه ما يرِد.

طالب:...

منزلة ماذا؟

طالب:...

يعني وصف زائد على غيرهم من الرسل.

طالب:...

النبي ماذا؟

طالب:...

نفسه، قال الرسول يرسل إلى قوم كفار، والنبي إلى قوم غير كفار، نفسه، وهل بنو إسرائيل كفروا بموسى حتى أرسل إليهم عيسى؟

طالب:...

حرفوا بدّلوا، لكن.

طالب:...

على كل حال مثل ما قلنا: المسألة تحتاج إلى مزيد تحرير، تحتاج إلى مزيد تحرير، وما من قول من الأقوال التي استعرضت في الفرق بين النبي والرسول إلا ويرد عليه ما يرِد.

طالب:...

كلام شيخ الإسلام طويل في النبوات، لكن مفاده؟ قوله: يقول اعبدوا الله وحده، يقول ابن حجر: فيه أن للأمر صيغة معروفة؛ لأنه أتى بقوله: اعبدوا الله في جواب ما يأمركم، وهو من أحسن الأدلة في هذه المسألة، فيه أن للأمر صيغة معروفة؛ لأنه أتى بقوله: اعبدوا الله في جواب ما يأمركم، وهو من أحسن الأدلة في هذه المسألة؛ لأن أبا سفيان من أهل اللسان، وكذلك الراوي عنه ابن عباس -رضي الله عنهما-، بل هو من أفصحهم، وقد رواه عنه مقرًّا له.

 الآن الصيغة الصريحة في الأمر والنهي افعل ولا تفعل، والتعبير بصيغة الأمر والنهي في حكم الصيغة الصريحة، قال بماذا يأمركم؟ يأمرنا بعبادة الله وحده وبماذا ينهاكم؟ ينهاكم عن الإشراك بالله قلنا: الأمر والنهي التعبير بلفظه يغني عن التعبير بصيغته، ولذلك أهل العلم حينما يأتي الصحابي بقوله: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو نهانا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقولون: هو في قوة افعلوا ولا تفعلوا، هذا قول عامة أهل العلم، وإن كان بعض المتكلمين وداود الظاهري يقولون: لا يعتبر أمرًا ولا نهيًا حتى ينقل اللفظ النبوي، لأن الصحابي قد يسمع كلامًا يظنه أمرًا أو نهيًا، وهو في الحقيقة ليس بأمر ولا نهي، لكن هذا القول مردود مرفوض؛ لأن الصحابة أعرف الناس بمدلولات الألفاظ الشرعية، فإذا قال الصحابي: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أُمرت أن أسجد على سبعة» لا فرق، كأنه قال اسجدوا، والدليل على ذلك أنه أحيانًا يأتي الصحابي بلفظ الأمر افعلوا كذا، وأحيانًا يعبر عنه بقوله: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويأمرنا بالصلاة والصدق ويأمرنا بالصلاة والصدق، وللمصنف في رواية: الصدقة بدل الصدق، الصدقة بدل الصدق.

طالب:...

كيف؟

طالب:...

رقم ستة؟

طالب:...

لا، لا، لا، في رواية ثانية ما هي بنفس الموضع، في باب آخر، وجاء في موضع بالجمع بينهما.

 على كل حال المصنف في رواية: الصدقة بدل الصدق، يقول ابن حجر: ورجحها شيخنا شيخ الإسلام من هو؟ البلقيني نعم، ويقويها رواية المؤلف في التفسير الزكاة، واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع، ويرجحها أيضًا ما تقدم من أنهم كانوا يستقبحون الكذب، فَذِكْر ما لم يألفوه أولى، يقول: ما نحتاج إلى الصدق، ما نحتاج إلى التنصيص إلى الصدق، يأمرنا بالصلاة والصدق؛ لأن الصدق مشهور ومعروف أنهم يأنفونه حتى في حال كفرهم، فلا يحتاجون للتنصيص عليه، هم بحاجة للتنصيص على الصدقة التي هي أخت الصلاة، هذا كلام شيخ ابن حجر يقول: ويقويها رواية المؤلف في التفسير: الزكاة واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع، ويرجحها أيضًا ما تقدم من أنهم كانوا يستقبحون الكذب، فذكر ما لم يألفوه أولى.

طالب:...

أين؟

طالب:...

الصلاة ما فيها إشكال، لا لا. لا لا.

طالب:...

فيها الصلاة ما فيها إشكال، الكلام في الصدق أو الصدقة، جاء بدلها الزكاة.

طالب:...

أين؟

طالب:...

فذكر ما لم يألفوه أولى، أولى.

طالب:...

لا، أولى من ذكر ما ألفوه، الذي هو الصدق.

طالب:...

لا، أولى أولى من غيره، يقول ابن حجر: قلت: وفي الجملة ليس الأمر بذلك ممتنعًا، وفي الجملة ليس الأمر بذلك ممتنعًا، كما في أمرهم بوفاء العهد وأداء الأمانة، وقد كانا من مألوف عقلائهم، وقد ثبت عند المؤلف في الجهاد من رواية أبي ذر عن شيخه الكُشميهني والسرخسي: بالصلاة والصدق والصدقة، بالصلاة والصدق والصدقة، وفي قوله: يأمرنا بعد قوله: اعبدوا الله إشارة إلى أن المغايرة بين الأمرين يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، وبالمغايرة وفي قوله: يأمرنا بعد قوله: اعبدوا الله إشارة إلى أن المغايرة بين الأمرين ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ما قال وبالصلاة والصدق والعفاف، إنما كرر قوله: ويأمرنا، لماذا؟

إشارة إلى أن المغايرة بين الأمرين لما يترتب على مخالفهما؛ إذ مخالف الأول كافر، مخالف الأول كافر، الذي لا يوحد الله -جل وعلا- ويشرك به هذا كافر، والثاني ممن قبِل الأول، وهو التوحيد ونفي الشرك عاصٍ، هذا كلام ابن حجر وتعقبه العيني. قوله: وقال بعضهم ورجحها شيخنا أي رجح رواية الصدقة على الصدق، ويقويها رواية المؤلف في التفسير: الزكاة، واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع، هذا كلام ابن حجر.

 قلتُ –العيني-: بل الراجح لفظة الصدق بل الراجح لفظة الصدق؛ لأن الزكاة والصدقة داخلتان في عموم قوله: والصلة، يعني ما نحتاج إلى تنصيص على الزكاة ولا الصدقة؛ لأنه قال فيما بعد: والصدق والعفاف والصلة، فالصدقة داخلة في الصلة، والزكاة داخلة في الصلة. هذا متجه أم غير متجه؟ لا، بعيد.

 لأن الزكاة والصدقة داخلتان في عموم قوله: والصلة؛ لأن الصلة اسم لكل ما أمر الله تعالى به أن يوصل، وذلك يكون بالزكاة والصدقة وغير ذلك من أنواع البر والإكرام، وتكون لفظة الصدق فيها زيادة فائدة، فيها زيادة فائدة، وقوله: اقتران الصلاة والزكاة معتاد في الشرع لا يصلح دليلاً للترجيح على أن أبا سفيان لم يكن يعرف حينئذٍ اقتران الزكاة بالصلاة، ولا فرضيتها.

طالب:...

نعم، يعني المسلمون يعرفون اقتران الزكاة بالصلاة، وأنها قرينتها في كتاب الله، لكن أبا سفيان ما أسلم، قال: وقوله: اقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع لا يصلح دليلاً للترجيح على أن أبا سفيان لم يكن يعرف حينئذٍ اقتران الزكاة بالصلاة ولا فرضيتها. الآن استدراك العيني على ابن حجر وجيه أم غير وجيه؟

طالب:...

يعني فيه وفيه، فيه وفيه، بعضه مقبول وبعضه فيه ما فيه.

العفاف والصلة معروفة الصلاة التي هي أم العبادات، وآكد أركان الإسلام بعد الشهادتين والقول بكفر تاركها وإن اعترف بوجودها قول قوي، وله أدلته، ومعتمد عند أهل العلم، وبالنسبة للصدق الذي هو مطابقة الواقع مطابقة الخبر للواقع، والعفاف والصلة يقول النووي- رحمه الله-: أما العفاف فهو الكف عن المحارم، وأما العفاف فهو الكف عن المحارم وخوارم المروءة، قال صاحب المحكم: العفة الكف عما لا يحلّ ولا يجمُل، يقال: عفّ يعف عفة وعفافًا وعفافةً وتعفف واستعف ورجلٌ عفّ وعفيف والأنثى عفيفة وجمع العفيف أعفةٌ وأعفاء، وأما الصلة فصلة الأرحام وكل ما أمر الله به أن يوصل، وذلك بالبر والإكرام، كذا عند النووي، وعند الكرماني وهو ناقل من النووي يقول: بالبشر والإكرام وحسن المراعاة، زاد الكرماني عليه: وحسن المراعاة ولو بالسلام وصلة الرحم هو تشريك ذوي القرابات في الخير، واختلفوا في الرحم فقيل هو كل رحمٍ محرم، أو مُحرم كما يضبطها بعضهم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما، فلا يدخل أولاد الأعمام فيه.

 يعني هذا دليله تحريم العمة والخالة الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، ولو كان أولاد الأعمام وأولاد الأخوال من المحارم أو من ذوي الأرحام التي تجب صلتها ما جاز الجمع بينها وبين ابنة عمها أو ابنه خالها، ولما جاز ومنع الجمع بين المرأة وعمتها عُرف أن هناك فرقًا.

 نعم هناك فرق، ما أحد يقول: إن العمة مثل بنت العم أو الخالة مثل بنت الخالة، ولا يقول أحد: إن بنت الخال وبنت العم مثل الأجانب الذين لم يجتمعوا في رحم واحد معه، يعني المسألة درجات، هي درجات، فأولى الناس ببرك والداك، ثم الأقرب فالأقرب، ومعلومٌ أن البر والصلة تتأكد في حق الأقرب، وتخف في حق الأبعد، ولذلك الضابط الذي يتفق عليه الناس كلهم فيجب عليهم قدر معين هو بالنسبة للآباء والأعمام والأخوال، وهذه أيضًا أمور نسبية، فيلزم من له عم واحد من الصلة أكثر مما يلزم من له عشرة أعمام، ومن له خال واحد يلزمه من صلته أكثر مما يلزم من له سبعة أخوال، وقل مثل هذا في العمات والخالات، فهذه أمور متفاوتة، فكل من قرب هو أولى بالصلة.

 لكن إذا كثروا فالمقرر أن المشقة تجلب التيسير، تجلب التيسير، ما يقال: والله هذا الشخص أسرته تزيد على المئة، يلزمه من الصلة بنفس المستوى الذي يصل به من له من الأقارب العشرة فما دون، يختلف هذا عن هذا، لا شك أن أولاد الأعمام وأولاد الأخوال ليسوا مثل الأعمام والأخوال ولا مثل العمات والخالات؛ بدليل أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، ولا يحرم الجمع بينها وبين ابنة عمها وابنة خالها، ولا يعني هذا أن ابنة العم وابنة الخال وابن العم وابن الخال أنهم مثل الأجانب؛ لأنه يجوز التزاوج بينهم مثل الأجانب لا؛ لأنه لو منع الزواج من ابنة العم وابن الخال قد يضيق بالإنسان الأمر، ولا يجد من يناسبه غير هذه، وقد يكون له عدد من الأعمام وعدد من الأخوال، وقد يكون قد تكون القرية كلهم أبناء رجل واحد، وأولادهم أبناء أعمام وأبناء أخوال، فيشتد عليهم الأمر، بخلاف العمات والخالات، فالمسألة نسبية القرب والبعد نسبي، لا شك أن الأعمام والأخوال أقرب من أولادهم لكن أولادهم أقرب من الأجانب.

 قالوا في الضابط: واختلفوا في الرحم فقيل: هو كل ذي رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت منكاحتهما، فلا يدخل في ذلك أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال، وقيل: هو عام في كل ذي رحم في الميراث محرمًا أو غير محرم، أو مُحرّمًا أو غير مُحرّم، يعني يجوز التزاوج منه ولا يجوز، هذا لا شك أنه أقرب، فهؤلاء صلتهم مطلوبة، وإن لم تكن متعينة مثل تعين صلة آبائهم وأمهاتهم الذين هم أقرب إلى الواصل، عند المشاحة أو عند المزاحمة عندك عمك الذي هو صنو أبيك، هل هو مثل عم أبيك؟ عند ضيق الوقت مثلاً زرت البلد وما عندك وقت إلا ما يكفي أحدهما من تُقدِّم؟ لا شك الأقرب، لكن إذا كان هناك فضل وقت فعم أبيك مما تجب صلته.

طالب:...

أن يوصل عمه أكثر من صلة أخيه، يعني أعراف الناس جرت بمثل هذا، أعراف الناس جرت بمثل هذا، الإنسان كل ما كبُرت سنه وزاد فضله على أبيك مثلاً مثل عمه أولى من بالنسبة للأب عمه أولى من أخيه، هذا من حيث التقدير والاحترام، وأما من حيث القرب بالنسبة للميراث فالأخ أقرب، فهل صلة الأخ، فهل الأخ أولى بالصلة من العم أو لا؟ لا سيما وأن العم يجمعك بأبيك، وهو أخوه وهو صنو أبيك من حيث التقدير والاحترام لا شك أن مثل هذا لكبر سنه مثلاً.

 يعني هناك بعض المجتمعات واضح تقدير الأعمام وكبار السن، وهم مقدَّمون على من دونهم في السن ولو كانوا أقرب، وبعض المجتمعات تعتمد العكس، تعتمد العكس، الأقرب فالأقرب أولى وإن كان الأكبر سنًّا موجودًا إلا أنه في الجملة هناك جهات هناك جهات شرعية يقدم بها جهات معتبرة شرعًا صالحة للتقديم، وقد تتعارض، وقد تتعارض هذه الجهات، فكون الشخص أكبر سنًّا مأمورون بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «كبٍّر كبِّر»، وكون هذا أقرب في النسب هذا أولى بالرعاية، ولذلك جاء الميراث بتقديم الإخوة على الأعمام، لكن لو دخلت مجلسًا وفيه إخوة وأعمام تقدم من؟ لا شك أنك تقدم الأعمام، فلكلٍ جهته في التقدير، والتقديم، لكن إذا جاءت مقاطع الحدود جاء الشرع، يفصل في هذه المسائل.

 ولذلك التقديم في النفقات التقديم في النفقات هل تقدم في النفقة الابن أم الأب؟ الابن، تقدم الابن في النفقة، هذا من حيث التقديم عند مقاطع الحدود، لكن عند السعة والفضل لا بد من تقديم الأب، ولذلك سيقت قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار مساق مدح في شرعنا، وإن كانت في شرع من قبلنا، سيقت مساق مدح لماذا؟ من أجل الأب يمسك باللبن حتى يصحو، الولد يمسك باللبن إلى أن يصبح فيصحو الأب والصبية يتضاغون من الجوع، طيب ما المانع أن يقسم هذا اللبن ويعطى الصبية وينتظر الأب؟

يعني هذا الأصل، لكن زيادة التكريم، يعني الإنسان إذا فعل فعلاً يخالف فيه ما تهواه نفسه، وقهر نفسه على هذه المخالفة لا شك أنها ترتفع منزلته عند الله -جل وعلا-، وإن كان الأصل في الحكم الشرعي خلاف ذلك، يعني لو كان اللبن ما يكفي إلا الأولاد أو الأب، يعني نفقة الولد مقدم على الأب في النفقة، لكن مع ذلك لو خالف ما تهواه نفسه، لماذا؟ لأن الحكم يوافق ما في النفس، فإذا خالف ما تهواه نفسه صار هواه تبعًا لما جاء عن الله وعن رسوله فاستحق المدح من هذه الحيثية.

 ولذا لما حصل الحريق سنة سبعة عشر، ذكر من الأسئلة أن جاء من يسأل ويقول: إنه احترق المكان في منى، ومعي أطفال يحتاجون إلى من يحملهم، ومعه أبوه المقعد، فحمل الطفلين وهرب، واحترق الأب، هل نقول: إن هذا عمل بمقتضى الشرع، وأن أولاده أقرب إليه من أبيه، والله -جل وعلا- يقول: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} [سورة النساء: 11]؟ أو أن هواه هو الذي أملى عليه هذا في هذا الظرف الذي لا يستطيع أن يتصرف فيه بمقتضى الشرع؟ يعني الظروف تحكم، لكن ماذا لو حمل أباه وترك الولدين؟ أعظم للأجر كما مدح النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الذي ينتظر أباه مع أن المسألة ممكنة من غير مشاحة، أن يعطي الأبناء وينامون، وهم أولى بالنفقة من أبيه، لكن لما تصرف على خلاف ما يقتضيه هواه جاء مدحه، فهذه المسائل فيها مضايق أنظار، تضيق فيها الأنظار.

 وعلى كل حال كل من تصرف على خلاف هواه يستحق المدح. ووطّن هواه تبعًا لما يأتي عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام- يستحق بهذا المدح، لكن في أوقات السعة/ وحينما يكون الأمر يستوعب الجميع نأتي إلى مسألة الترتيب الشرعي.

طالب:...

مثل ما قلنا: المشقة تجلب التيسير، فهل نقول: إنه يجب على من له عشرة أعمام وكل عم له مجموعة من الأولاد ومثلهم أخوال وخالات، بحيث يتكون من مئات من فروع هؤلاء، هل يجب عليه من الصلة مثل ما يجب على من له عم واحد أو اثنين؟ يتفاوت هذا، يتفاوت هذا من شخص إلى آخر، وأيضًا ظروف الناس تحكم، والحاجات تحكم، قد يكون عم أكثر حاجة إلى رعاية، قد تكون نفسيته لا تتحمل القطيعة أسبوعًا، وآخر يتحمل شهرًا، هذا أوجب من ذاك، فالمسائل يعني تحتاج إلى النظر إليها بدقة، وكل إنسان أعرف بأهله وذويه، لكن الذي يجب الذي يجمع الجميع وجوب الصلة، وجوب الصلة هذا الأصل، وجوب صلة الرحم، وأما بالنسبة للأبوين فبرهما بعد حق الله -جل وعلا-، وهذا ما ينازع فيه أحد، بعض الناس يعرف من أقاربه أن عدم مجيئه إليهم ولا في الأعياد أرغب إليهم من.. صحيح موجود هذا في الناس، فإذا ابتلي الإنسان بمثل هذا أو جاء يزورهم وكأنه ما حضر، يعني هو وغيره سواء هذا لا شك أن هذا يخفف، هذا يخفف، لكن عليه أن يؤدي ما عليه، عليه أن يؤدي ما عليه، لكن لا يلزمه مثل من إذا تأخر عنه ابن أخيه أو ابنه أو ابن أخته أيامًا سأل عنه: أين أنت يا فلان؟ وتأثر وتكدرت حياته هذا يختلف.

طالب:...

المرأة حقها من حق الأب، وحق الزوج من حق الأم، فإذا كان مما يسرّ الأب أن تصل زوجته فهذا من حقه، وإذا كان مما يسرّ الأم أن تصل زوجها فهذا من حقها، وإلا فليس بواجب الأصل.

رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا.

طالب:...

لو كان يستطيع حمل الجميع وتركهم هذا ما يشك في أنه آثم إثمًا عظيمًا، لكن هو لما قدّم هواه، هذا تقديم للهوى لكن قد يستحضر أنه ما دام الله -جل وعلا- يقول: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} [سورة النساء: 11] أنه مخير في هذا، وإذا استحضر أن الابن أولى بالنفقة من أبيه فقد يستحضر شيئًا آخر، لكن المقصود أن المسألة كلها مدارها على هوى النفس، مدارها على هوى النفس، فالمظنون به أنه قدّم هواه، المظنون به أنه قدّم هواه، ولو فعل العكس لاستحق المدح، مثل الذي أصبح والإناء في يده والصبية يتضاغون جوعًا، فهل يأثم بترك ما لا يستطيعه ولا يستطيع الجمع بينهما، فهل يأثم بترك أباه؟ وحمله ولديه؟ المسألة على كل حال الشيخ المستفتى يقال: إنه بكى من بشاعة الموقف وقال له: لو تركتهم لكان حمل الأب يمكن أن تدخل به الجنة، وترتفع فيها، وهذا صحيح، هذا الصحيح. قد يقول قائل مثلاً: إن الأب مقعد، وأخذ نصيبه من الدنيا، يمكن عمره ثمانون تسعون، وهؤلاء مقبلون على الدنيا، هل هذه جهة ترجيح؟ هذه ليست جهة ترجيح، هذه ليست جهة ترجيح.

طالب:...

ما فيه شك أن الأولى بهذا الرجل أن يحمل الوالد قبل الولدين، هذا ما فيه إشكال هذا، لكن أما وقد حصلت فهل يأثم بذلك أو لا يأثم؟ يعني الإنسان يلزمه حمل ما يمكن حمله، طيب الباقي؟ نعم؟

طالب:...

يعني إذا تصورنا الذهول الذي يحصل {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [سورة الحج: 1-2] لكن هل هذا ذاهل عما أرضع؟

طالب:...

لا، هو قد لا يكون فيه متسع للموازنة، لا يكون فيه متسع للموازنة، فيمكن أن يحمل الشيء الذي لا قيمة له ويترك ما له قيمة، هذا مع زيادة الذهول، لكن لما حمل الولدين هل معناه ذهوله عن والده كيف ما ذهل عن الولدين؟

طالب:...

هذه جبلة، هذه فطرة، هذه فطرة، يعني أي شخص في الدنيا يقول لك: إن حسرتي على والدي لما توفي مثل حسرتي على ولدي هذا ما يُقبل، هذا شيء، هذه جبلة، هذه فطرة، لكن أنت إذا تبعت هذه الفطرة وافقت ما في نفسك وهواك، قد لا تستحضر وعد الله -جل وعلا- في حمل الوالد، لكن إذا حملت الوالد وتركت الولد عرفت أن هواك تبعًا لما جاء به الشرع، والله المستعان.

هذه ابتلاء وامتحان، على كل حال، والإنسان يسأل الله السلامة.

طالب:...

ما يأمره بتركهما، لكن إذا ما أمكن، إذا ضاقت الأمور نقول: الشرع عمومًا جاء بمدح من خالف هواه، مثل الذي ترك الصبية المساكين مع أنه بالإمكان لو قسم لهم ماذا يصير؟ أو سقاهم قبله ماذا يصير لا سيما ما هو موجود في حكم المعدوم هو في حكم الغائب، وإلا لو كان جالسًا ما يمكن يقدمون عليه، ولا أحد يقول بهذا.

افترض مثلاً أن عندك صبية ما يقدرون الأمور قدرها، ولا يحتملون التأخير، ويبكون بكاءً شديدًا، والأب موجود، ويقدر الأمور قدرها، ألا يمكن للأب أن يقول: اسقهم قبلي؟ يقدر الأمور قدرها، الطفل إذا رأى شيئًا ولو لم يكن من ملكه أو ملك أبيه يريده، لكن الكبير العاقل يقدر الأمور قدرها، ومع ذلك يبقى أن الإنسان إذا دار هواه تبعًا لما جاء به الشرع وخالف هوى نفسه وما تقتضيه رغبته وشهوته هو محل المدح مناط المدح.

جاء أمور مُدح عليها وهي في شرعنا يمكن أن تكون مذمومة، لكن مُدح عليها لإيغاله في تحقيق ما أمر الله به، هذا الذي اقترض ألف دينار، ذهب فاقترض ألف دينار ذهب ووعد في يوم محدد خرج إلى الساحل ما وجد من يوصل الألف، نقر خشبة وبعثها في الماء، حكمه في شرعنا؟ لكن لما علم الله -جل وعلا- من صدقه بالوفاء بالوعد والسداد في وقته عوضه الله- جل وعلا- وأوصل هذه النقود إلى صاحبها، لكن هل يسوغ مثل هذا لو أن إنسانًا فعل مثل ذلك؟ مهما كانت درجة التوكل عنده يسوغ له في شرعنا؟ يبعثها في خشبة! لكن مدحه في شرعنا؛ لقوة توكله واهتمامه بإنجاز وعده، ولا نقول: إنه إذا ضاقت به ضاقت به الأرض ذرعًا أنه يجعل ولده في صندوق أو في شيء ويرميه في البحر ويصل، هذه مهما بلغ الإنسان من درجة التوكل لا يصل إلى هذا الحد؛ لأن هذه متى اكتسبت الشرعية؟ متى اكتسب الشرعية صنيع صاحب الخشبة هذا؟ بإقرار الشرع، لكن أنت من يقر صنيعك؟

طالب:...

لا، قدوة أنت في شرعك منهي عن إضاعة المال، ما الذي يغلب على ظنك أنه يصل أم ما يصل؟ أنت منهي عن إضاعة المال في شرعنا، لكن عمله اكتسب الشرعية من إقرار شرعنا له.

طالب:...

مسألة الإيثار، الإيثار معروف أمره في الشرع، وجاء مدح الأنصار به: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [سورة الحشر: 9] هذا ممدوح شرعًا من باب الإيثار، قصة الصحابة الذين هم في غزو ثم أصيبوا واحتاجوا إلى من يسقيهم، فداروا بالماء عليهم حتى كل واحد يقول: اسق فلانًا، اسق فلانًا، اسق فلانًا، لما رجع ليسقي فلانًا كلهم ماتوا، عملهم هل هذا فيه تهلكة وهم الذين سعوا في موتهم، أو نقول: إن هذا إيثار في مثل هذا الموطن ما يحققه إلا كامل الإيمان؟ فمدحه من هذه الحيثية لا لأنه تسبب في قتل نفسه.

طالب:...

والله يغلب على الظن أن الماء مؤثر.

طالب:...

على كل حال هو إيثار، وإيثار في مثل هذا الموطن شأنه عظيم جدًّا.

طالب:...

نعم.

طالب:...

لا، ما هو بالمنظور إليه من هذه الحيثية، العدد ما هو منظور إليه، ولكن المسألة إنما هي في مخالفة هوى النفس في مقابل الأوامر الشرعية، وقد جمع وصفه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الأمور الأربعة بتمام مكارم الأخلاق؛ لأن الفضيلة إما قولية وهي الصدق، وإما فعلية والفعلية إما بالنسبة إلى الله تعالى وهي الصلاة؛ لأن الصلاة لتعظيم المعبود، وإما بالنسبة إلى نفسه وهي العفة، وإما بالنسبة إلى غيره وهي الصلة، وأشار بقوله: ولا تشركوا واتركوا ولا تشركوا واتركوا إلى التخلي عن الرذائل، التخلي عن الرذائل، وبقوله: يأمرنا بالصلاة إلى التحلي بالفضائل، يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، الآن قدّم العباد،ة وأخر الصلاة والصدق والصلة والعفاف، وقدّم عليها لا تشركوا واتركوا، التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل، والتخلية قبل التحلية، لكن قوله: اعبدوا الله هل هي من التخلية أم من التحلية؟

طالب:...

لا تشركوا واتركوا تخلية، الصلاة والصدق والعفاف والصلة هذه تحلية، والتخلية قبل التحلية، أشار بقوله: لا تشركوا واتركوا إلى التخلي عن الرذائل، وبقوله: يأمرنا بالصلاة إلى التحلي بالفضائل، وأهل العلم يقررون أن التخلية قبل التحلية، فقوله: اعبدوا الله قُدمت بين يدي الأمرين التخلية والتحلية؛ لأن التوحيد هو الأصل، وبدونه لا يصلح تخلية ولا تحلية، فهو مقدم على غيره، ومحصله أنه ينهانا عن النقائص ويأمرنا بالكمالات، وهو معنى التكميل المقصود من الرسالة، هذه الأسئلة التي سألها هرقل أبا سفيان انتهت الآن الأسئلة، لكن ماذا بقي؟ بقي تعليق هرقل على الأجوبة، بقي التعليق.

طالب:...

لا، دخول الصدقة في الصلة بعيد، يعني من بعد يحتاج إلى جر ثقيل، هذا يُحتاج إليه لنفس الانتقاد لنفس الانتقاد لا لتقرير الحقيقة، يقول الخطابي في أعلام الحديث، الذي هو أول شروح البخاري، وكل الشراح نقلوا عنه هذا الكلام.

 يقول: إذا تأملت معاني هذا الكلام، يعني كلام هرقل، إذا تأملت معاني هذا الكلام الذي وقع في الفصل الأول الأسئلة والأجوبة، هرقل يسأل وأبو سفيان يجيب، الذي وقع في الفصل الأول من مسألته عن أحوال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأطواره وما استقرأه من أوصافه تبينت حسن ما استوصف من أمره واستبرأه من جوامع شأنه، فلله درّه من رجلٍ ما كان أعقله لو ساعد معقوله مقدوره.

 يقول: إذا تأملت معاني الكلام الأسئلة والأجوبة التي ذكرت في الفصل الأول يعني قبل تعليق الآن يرد الآن بعد ذلك تعليق هرقل على هذه الأسئلة، هذه الأسئلة تدل على عقلٍ وافر حصيف، لكن هل العقل وحده يكفي للنجاة؟ ما يكفي.

 إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى       فأول ما يقضي عليه اجتهاده

 حتى عقله وحذقه ما ينفعه، وإذا تأملت رؤوس الكفر ورؤوس البدع وجدتهم من أذكى الناس، وقد أوتي منهم كثير من الذكاء، ولكن لم يعطوا شيئًا من الزكاء فالعبرة بتوفيق الله -جل وعلا- للإنسان، لا ما يحمله من عقل وزيادة العقل أحيانًا يكون فيها زيادة الذكاء يكون فيها نقص، وأما في أمور الدنيا فمشاهد، وأيضًا في أمور الآخرة، لا سيما ما يتعلق بالعقائد والشكوك والأوهام، والاستطراد وراء ما يجرّ إليه العقل من وساوس تجد الذكي ما يقف عند حد، ما يقف عند حد، ما يقول: والله سلمنا؛ لأنه يعجب بذكائه ويسترسل معه، ويسول له الشيطان ويملي له أنه يصل إلى حقيقة، مع أن الحقيقة تكمن في اتباع الشرع. والعقل لا يدرك ما وراء القدر الذي سُمح له به، يعني هناك أمور لا بد من التسليم فيها، لا بد من التسليم، ولو استرسل فيها الإنسان لضل وتاه كما هو شأن رؤوس البدع، يعني هم من الأذكياء من أذكياء العالم لو تأملت في سيرهم وجدتهم من الأذكياء، ثم لما استرسلوا وما استناروا بشرع بنصوص الوحيين، ولا سلموا لنصوص الوحيين في النهاية جاؤوا بأقوال يضحك منه الصبيان، في النهاية جاؤوا بأقوال يضحك منها الصبيان. ويسخر منها أغبى العوام، هل يمكن أن يقول عاقل إن هذه مسألة كررناها مرارًا، لكنها حقيقة تدل على النعمة التي يعيشها مقتفي الوحيين، هل يمكن أن يقول عاقل: إن أعمى الصين يجوز أن يرى بقة الأندلس؟ أقصى المشرق أعمى لا يبصر ما يبصر الشمس لا يرى الشمس يمكن أن يرى صغار البعوض بالأندلس في أقصى المغرب؟ قالوه، هذا ما هو بالإلزام، هذا سطروه بأيديهم، قادتهم عقولهم إلى هذا، لماذا؟

لأنهم استرسلوا وراء هذه العقول، ولم يجعلوا إمامهم وقدوتهم ما جاء عن الله وعن رسوله، يعني فيما جاء عن الله وعن رسوله في بعض النصوص لا بد أنك في النهاية تسلم، لا بد أن تقول: آمنا بالله، آمنا به كل من عند ربنا؛ لأن هناك متشابهًا لن تصل إليه بحال من الأحوال، هنا يقول: إذا تأملت معاني هذا الكلام الذي وقع في الفصل الأول من مسألته عن أحوال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأطواره وما استقرؤوه من أوصافه تبينت حسن ما استوصف من أمره، واستبرأه من جوامع شأنه، فلله دره من رجل ما كان أعقله لو ساعد معقوله مقدوره، يعني عنده عقل كبير عقل راجح، لكن القدر سبق سبق بأن يموت الخبيث على نصرانيته، كما جاء كما جاء في الخبر. فقال للترجمان: (قلت له سألتك) هذه تعليقات على هذه الأجوبة.

 في الدرس القادم إن شاء الله نكملها.

 والله أعلم.

 وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.