شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1428 هـ) - 03

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1428 هـ) - 03
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 2:15 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم في برنامجكم شرح كتاب الصيام في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، والذي نسعد فيه باستضافة فضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا بكم فضيلة الشيخ.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: في الحلقة الماضية أنهينا الحديث عن المسائل في حديث أنس -رضي الله عنه-، وتبقى عندنا الأطراف، لعلنا نبتدئ هذه الحلقة بالحديث عن أطراف هذا الحديث.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد، فهذا الحديث خرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في خمسة مواضع.

الموضع الأول: هنا في كتاب الصوم، باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم.

قال -رحمه الله-: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثني خالد -وهو ابن الحارث-، قال: حدثنا حميد عن أنس- رضي الله تعالى عنه قال-: دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، الحديث.

وذكر، وسبق ذكر المناسبة.

ثم قال البخاري -رحمه الله تعالى- بعده، بعد سياق متن الحديث: قال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب قال حدثني حميد سمع أنسًا -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

يقول ابن حجر: فائدة ذكر هذه الطريق، فائدة ذكر هذه الطريق بيان سماع حميد لهذا الحديث من أنس -لأنه في الحديث الأصل: حدثنا حميد عن أنس، وفي الطريق التي ساقها بعد ذكر الحديث قال: حدثني حميد سمع أنسًا، تنصيص على سماعه منه-، ولذا يقول ابن حجر: فائدة ذكر هذه الطريق بيان سماع حميد لهذا الحديث من أنس لما اشتهر من أن حميدًا كان ربما دلس عن أنس، فإذا صرح بالسماع انتفت تهمة التدليس، ووقع في رواية كريمة والأصيلي في هذا الموضع: حدثنا ابن أبي مريم -لأن البخاري قال بعد رواية الحديث في رواية الأكثر: قال ابن أبي مريم-، قال: ووقع في رواية كريمة والأصيلي في هذا الموضع: حدثنا ابن أبي مريم، فيكون موصولًا -المصرح هنا البخاري، وهناك قال: قال ابن أبي مريم-، فيكون موصولًا.

هذا يشير إلى أن الإمام، الحافظ ابن حجر -رحمه الله- دقيق من جهة، لكن له رأي فيما يقول فيه البخاري: قال، إذا عزا لشيخه بقال، هل هو معلق أو موصول؟

المقدم: ما دام ساق قوله حدثنا أكيد له رأي.

لما قال: ووقع في رواية كريمة والأصيلي في هذا الموضع: حدثنا ابن أبي مريم، فيكون موصولًا، مفهومه أنه إذا قال: قال ابن أبي مريم، ليس بموصول، فيكون معلقًا.

وهذه المسألة يبحثها أهل العلم في كتب المصطلح في حديث المعازف، حديث أبي مالك أو أبي عامر الأشعري، قال: «يكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير»؛ لأن البخاري قال: قال هشام بن عمار.

المقدم: فحكموا بالتعليق؟

خلاف، لكن كلام الحافظ يدل على أنه ينحى إلى أنه من باب التعليق.

قال الإمام البخاري: قال هشام بن عمار، قالوا: لو كان موصولًا لقال: حدثنا هشام بن عمار؛ لأنه شيخه ولقيه؛ لأن هشامًا شيخ للإمام البخاري، وروى عنه خمسة أحاديث كلها بصيغة التحديث، لماذا عدل عن حدثنا إلى قال؟ إنما هو لوجود نكتة، ما هذه النكتة؟ ما هذه النكتة، منهم من يقول: إنه لم يسمعه منه، فقال: قال، فيكون حينئذ معلقًا، ومنهم من يقول: إنه يعدل عن التصريح بالتحديث لأدنى نكتة، ولا يلزم من ذلك أنه لم يسمعه منه، وإنما لوجود الشك في الصحابي، حدثني أبو مالك أو أبو عامرٍ الأشعري، وهذا قول من يرى أنه موصول وليس بمعلق، وقول ابن الصلاح والحافظ العراقي وجمع غفير من أهل العلم، ولذا يقول الحافظ العراقي في ألفيته:

......................... أما الذي
 

 

لشيخه عزا بـ قال فكذي

عنعنة كخبر المعازف

 

لا تصغ لابن حزم المخالف

فهو موصول، ابن حزم أراد أن يطعن في الحديث؛ لأنه يحرم المعازف.

المقدم: يبيح.

لا، أقصد الحديث، يدل على تحريم المعازف والتشديد في أمرها، وابن حزم لما كان يبيحها أراد أن يطعن في الحديث، هؤلاء الذين قالوا: معلق، ليس قصدهم الطعن في الحديث، إنما هي مسألة اصطلاحية، حتى عند من قال: إنه معلق، صحيح؛ لأنه جزم به، قال: هشام بن عمار، معلق مجزوم به، وما فيه سقط، ما دام معلق مجزوم به، فهو صحيح عند الإمام البخاري حتى عند هؤلاء الأئمة صحيح، لكن ابن حزم يرى أن جميع ما ورد في الباب كله موضوع حتى هذا الحديث، ولذا قال الحافظ العراقي:

..................................

 

لا تصغ لابن حزم المخالف

الموضع الثاني: في كتاب الدعوات، في باب قوله الله -تبارك وتعالى-: { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } [التوبة: 103]، ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه، ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه.

قال: حدثنا سعيد بن الربيع قال: حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أنسًا قال: قالت أم سليم للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أنس خادمك، قال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته»، «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته».

المناسبة للدعاء ظاهرة، كتاب الدعوات، «اللهم» دعاء، وفيه دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنس امتثالًا لقوله تعالى: { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } [التوبة: 103]، { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } [التوبة: 103]، امتثالًا لهذا الأمر دعا له.

الموضع الثالث: في كتاب الدعوات.

المقدم: لكن الخصوصية هنا المقصود خصوصية أم، أم سليم أم خصوصية النبي -صلى الله عليه وسلم-؟

أين؟

المقدم: في الترجمة؟

الترجمة يقول: باب قول الله -تبارك وتعالى-: { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } [التوبة: 103]، امتثل ودعا له، ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه.

المقدم: هذه أم سليم أم النبي؟

يعني أم سليم.

المقدم: خصت ابنها؟

خصت ابنها، وقدمته على نفسها، والابن يشمل الأخ ويشمل، لو أن إنسانًا طلب لمن يدعو لأخيه أو لأمه أو لأبيه، فلا شك أن مثل هذا مطلوب، ومأخذه من الحديث ظاهر.

الموضع الثالث: في كتاب الدعوات أيضًا، باب دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله، بطول العمر وبكثرة ماله.

المقدم: طول العمر؟

نعم، وسيأتي لنا تعقيب أو كلام حول الدعاء بطول العمر؛ لأنه شاع على ألسنة الناس: أطال الله عمره، وأطال الله بقاءه، العامة يقولون: طول الله بعمرك، وهكذا، مع أنه يتعدى بدون باء.

قال: باب دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله.

الدعوة بطول العمر ما وردت في الصحيح، لكنها وردت فيما مضى عند الإمام البخاري في الأدب المفرد، وعند ابن سعد، وأشرنا إليها.

المقدم: ومع ذلك ترجم لها البخاري.

نعم؛ لأن البخاري -رحمه الله تعالى- لا يلزم أن تكون المطابقة بين الحديث الذي يسوقه بحروفه مع الترجمة إنما يشير إلى أن هناك روايات يستثير فيها همة القارئ أن يبحث عن هذه الرواية، يقول القارئ: أين الدعوة بطول العمر؟ لا بد أن يجمع جميع روايات الخبر، فيقف على هذه اللفظة، وهذه طريقة كثيرًا ما يسلكها الإمام البخاري -رحمه الله-، وأحيانًا تكون اللفظة موجودة في الصحيح ويترجم بها ولا يورد اللفظ الذي يدل عليها في نفس الموضع، إنما موجود في موضع آخر، لهذه النكتة.

قال -رحمه الله-: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود قال: حدثني حرمي قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس- رضي الله عنه- قال: قالت أمي: يا رسول الله! خادمك أنس، ادع الله له، قال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته».

قد يقول قائل: إن البخاري لما ترجم بطول العمر لحظ الدعوة بطول العمر من الدعوة بكثرة ولده؛ لأن كثرة الولد ما فيه شك أنها..

المقدم: من طول العمر.

من طول العمر؛ لأن الفاصل بين كل ولد وآخر يعني يحتاج إلى أقل شيء سنة، مع فترة النفاس وما يتبعه يحتاج إلى سنة، فإذا كان هذه الدعوة أكثر ماله وولده، وفي الحديث.

المقدم: كثر ماله، ولده.

كثر ولده، كم دفن إلى مقدم الحجاج؟ مائة وبضع وعشرين، فيحتاج إلى مدد متطاولة، وإن كان هذا قد يورد عليه أن الإنسان قد لا يطول عمره، فيعدد من النساء من تحمل بالولد الكثير، لكن البخاري قد يلحظ مثل هذا الملحظ الدقيق ومضى له نظائر، ومن أوضح ما أوردناه في مناسبات، باب النظر إلى السماء، وقال: { أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ } [الغاشية: 17]، كيف يقول: ما قال: { وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ } [الغاشية: 18]، وأوردنا هذا مرارًا في مناسبات متعددة، وله نظائر كثيرة في الكتاب.

على كل حال المناسبة ظاهرة، دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام- لخادمه دعا له بطول العمر وبكثرة ماله، وهذا كله حصل.

الموضع الرابع: في كتاب الدعوات أيضًا، باب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة.

لأنه قال: «وبارك له فيما أعطيته»، الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة.

قال: حدثني محمد بن بشار قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله! أنس خادمك، ادع الله له، قال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته».

طيب الحديث من مسند من؟ الحديث عندك؟

المقدم: من مسند أنس.

من مسند أنس، قال: دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- على أم سليم، وفي هذا الموضع قال: سمعت قتادة عن أنس عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله.

المقدم: من مسند أم سليم.

فيكون من مسند أم سليم، وعلى هذا؛ فيكون الحديث..، أهل العلم يعددون الأحاديث تبعًا لرواتها، يعني لو كان اللفظ واحدًا لكنه الراوي، الصحابي اختلف، هما حديثان، لكن باعتبار أن القصة واحدة، ويمكن حمل (عن) هذه في قوله: عن أم سليم، على أنها ليست (عن) التي هي في الأصل للرواية بدليل الروايات الأخرى أنها كلها عن أنس؛ لأنه قد ترد (عن) ولا يقصد بها الرواية، وإنما يقصد بها عن قصة فلانة أو عن قصة فلان.

المقدم: بس ما تكون إلا من الصحابي؟

أين؟

المقدم: (عن) الأخيرة هذه؟

القصة؟

المقدم: نعم.

لا، هي على حسب الخبر المسوق.

المقدم: يتصور أن تكون (عن) لغير الصحابي، ويصح الحديث، ما يكون فيه؟

ما نقول، لا، ما له علاقة بالرواية هذه، نقول: عن أم سليم، يعني عن قصة أم سليم أنها قالت، عن أبي الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه، هذه الرواية (عن) هذه.

المقدم: قُتل، كيف يحدث؟

نعم، يعني عن قصة أبي الأحوص، وهنا عن قصة أم سليم، فيكون الحديث كله في جميع الأبواب من حديث أنس؛ لئلا يورد علينا أو على البخاري، أو على من كتب الأطراف يقول: هذا ما يمكن يصير طرف وهو حديث صحابيين غير حديث الصحابي.

قال: حدثني محمد بن بشار قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس عن أم سليم أنها قالت: يا رسول الله! أنس خادمك، ادع الله له، قال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته».

يقول: باب الدعاء بكثرة المال والولد، هذا ظاهر، مع البركة، «وبارك له فيه»، «وبارك له فيما أعطيته».

وعن هشام بن زيد سمعت أنس بن مالك، مثله.

لماذا قال: وعن هشام بن زيد سمعت أنس بن مالك؛ لأن هشام بن زيد صرح بالسماع من أنس، وحديث الباب.

المقدم: عن حميد.

لا، الباب الرابع، الموضع الرابع: سمعت قتادة عن أنس، وقتادة معروف بالتدليس، فاحتاج للتصريح بالسماع من أنس، وإن لم يكن نفس الراوي، يعني الأصل أن يأتي بالراوي نفسه -قتادة- لتنتفي تهمة تدليسه، على كل حال؛ البخاري أردفه بهذه الطريق ليبين أنه متصل على أي حال.

والمناسبة ظاهرة، وقال ابن حجر: سقط هذا الباب من رواية السرخسي، والصواب إثباته.

لأن هذا الباب في كتاب الدعوات، باب كثرة الدعاء، ما له علاقة بالباب الذي قبله، فإسقاط هذه الترجمة لا وجه له، قال: سقط هذا الباب من رواية السرخسي، والصواب: إثباته، لكن الترجمة التي تليها هي التي لو سقطت لم يتأثر الأمر، ما فيه تأثير على الواقع.

الترجمة التي تليها، الموضع الخامس: في كتاب الدعوات أيضًا، يلي الرابع، قال: باب الدعاء بكثرة المال، الولد مع البركة، يعني الموضع الرابع: كتاب الدعوات، باب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة، الخامس: كتاب الدعوات أيضًا، باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة، هذه لو سقطت هذه الترجمة..

المقدم: ما ضرت.

ما ضرت، بينما لو سقطت الترجمة التي قبلها، لا علاقة، لا علاقة لحديث أنس بالترجمة التي قبلها، لا وجه لإسقاطها، لكن لو سقطت هنا ما تأثر الأمر.

المقدم: لمَ كررها؟

هو البخاري -رحمه الله- يكرر الأحاديث، يكرر التراجم مع اختلاف يسير؛ لأنه في الأولى قال: بكثرة المال والولد، وهنا قال: بكثرة الولد، يعني لو ترجم بكثرة المال والولد، ثم ترجم بكثرة المال، ثم ترجم بكثرة الولد، هذا منهج له، يعني التكرار عنده قد يتخيله بعض الناس أن الترجمة الجامعة للأمرين تغني عن الترجمة التفصيلية، لكن الإمام البخاري له مغازٍ يريد أن يكرر الحديث، فيكرر حديث الترجمة، ولا يخلي هذه الترجمة من فائدة، ولو كانت هذه الفائدة ضعيفة من وجهة نظر بعض الناس، الأمر الثاني: يكرر الحديث لكن لا بد أن يوجد فائدة إما متنية أو إسنادية، وسبق أن ذكرنا أن الإمام البخاري لم يكرر حديثًا في موضعين بإسناده ومتنه من غير فرق إلا في نحو عشرين موضعًا، إلا في نحو عشرين موضعًا، هذه أشار إليها الحافظ ابن حجر في مقدمة، في أوائل الجزء الأول (صفحة 16) -إن كان الحفظ ما خان-، وذكرها بالتفصيل القسطلاني في مقدمة إرشاد الساري، ذكر هذه الأحاديث العشرين، بل جعلها واحدًا وعشرين في مقدمة إرشاد الساري.

الموضع الخامس: في كتاب الدعوات أيضًا، باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة.

قال: حدثنا أبو زيد، أبو زيد سعيد بن الربيع قال: حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أنسًا -الآن الفائدة الإسنادية هنا: سمعت أنسًا، عن قتادة قال: سمعت أنسًا، في الباب الذي قبله قال: سمعت قتادة عن أنس، هنا صرح بالتحديث، فالتكرار لم يخل من فائدة، سمعت أنسًا -رضي الله عنه- قال: قالت أم سليم: أنس خادمك، ادع الله له، قال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته».

والمناسبة واضحة وظاهرة.

والحديث مخرج في صحيح مسلم، فهو متفق عليه.

هذه الفائدة التي سبقنا لها عند الترجمة، عند الموضع الثالث، الدعاء بطول العمر، يعني وقلنا: إننا نعرج عليها في نهاية الكلام، جعلتها خاتمة لشرح الحديث، وهي مسألة يحتاجها كثير من الناس؛ لأن الدعاء بطول العمر على ألسنة الناس كلهم، على ألسنة جل الناس، وبعض الناس يتحرج منها، أجل محدد محتوم لا يستقدم ولا يستأخر، كيف يقال: اللهم أطل عمره؟

خاتمة

تقدم في رواية البخاري في الأدب المفرد، وابن سعد في طبقاته زيادة: «وأطل عمره»، وترجم بها البخاري في الموضع الثالث، وفي صحيح مسلم أن أم حبيبة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قالت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قد سألتِ اللهَ، لقد سألتِ اللهَ لآجالٍ مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة»، أمتعني بزوجي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، يعني أمتعني بطول عمرهم.

المقدم: الأثر أين يا شيخ؟ في الطبقات؟

في صحيح مسلم.

المقدم: الصحيح.

هذا حديث أم المؤمنين، الحديث في صحيح مسلم.

«قد سألتِ اللهَ لآجالٍ مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة لن يعجل شيئًا قبل حله أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنتِ سألتِ الله أن يعيذك من عذاب، من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل، كان خيرًا وأفضل».

يعني عندنا في متن الحديث مقتضى قوله: «سألتِ اللهَ لآجالٍ مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة» أنه لا فائدة بمثل هذا الدعاء، لا فائدة في مثل هذا الدعاء، ما دام، لن، ثم قال: «لن يعجل شيئًا قبل حله، أو يؤخر شيئًا عن حله، ولو كنتِ سألتِ الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرًا وأفضل»، يعني مقتضى أفعل التفضيل كان خيرًا وأفضل أن الدعاء الوارد في كلام أم المؤمنين خير، خير، لكن هذا خير منه، أن تدعو، وأن تستعيذ بالله من عذاب في النار أو عذاب في القبر خير منه، وإن كان خيرًا هو أيضًا، لكن قوله: «سألت الله لآجال مضروبة» لن يعجل ولن يقدم، يدل على أنه لا قيمة له، الدعاء وجوده مثل عدمه، وهذا إشكال مع قوله: «وأطل عمره».

يقول النووي في شرح مسلم: هذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأزل، فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك، وأما ما ورد في حديث صلة الرحم وأنها تزيد في العمر، ونظائره فقد سبق تأويله في باب صلة الأرحام واضحًا.

والخلاف معروف بين أهل العلم، هل الزيادة حقيقية أو الزيادة معنوية، هل يمكن أن يكون العمر ستين، فإذا وصل رحمه يصير سبعين أو ثمانين أو يقال: هي ستين ستين، ما تزيد، آجال محدودة، لكن هذه الستين ينجز فيها، ينجز فيها ما ينجزه غيره في مائة أو أكثر؛ كما هو ملاحظ في أعمار بعض العلماء، بعض العلماء تجده يموت عن ثلاثين، عن أربعين، عن خمسين، وتجده له من الذكر ومن البركة، من بركة التأليف ما لا يدركه من هو أكثر منه بكثير من العمر.

قال المازري..

أقول: وأما ما ورد في حديث صلة الأرحام -هذا كلام النووي- تزيد في العمر ونظائره، فقد سبق تأويله في باب صلة الأرحام واضحًا، ومنهم من يرى أنها زيادة حقيقية، ويكون العمر الذي حُدد في، حُدد لهذا الشخص، لزيد من الناس بستين، بسبعين، هذا فيما يظهر للملك، وما في علم الله -جل وعلا- لا يتغير، وما في علم الله موقوف على الصلة، يعني إن وصل يزيد عمره، وإن لم يصل لا يزيد عمره، وما في علم الله -جل وعلا- لا يزيد ولا ينقص، على ما سيأتي في كلام المازري وغيره، منهم من يقول: هذه بركة وأن العمر مؤجل، محدد، وأجل لا يزيد ولا ينقص، وأما الزيادة فهي زيادة معنوية، والأصل أنها زيادة حقيقية، هذا الأصل، «من سره أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه، فليصل رحمه»، هذا الأصل، أن يزيد في الرزق، وفي العمر، وهذا مقتضى ما يكتب للإنسان وهو في بطن أمه، «فيرسل إليه الملك، فيؤمر بكتب أربع.... » إلى آخره.

قال المازري: هنا قد تقرر بالدلائل القطعية أن الله تعالى أعلم بالآجال والأرزاق وغيرها، وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه -يعني على ما أخبر الملك-، وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه -يعني بما يطابق الواقع حيث لا يزيد ولا ينقص-، فإذا قدّر أن زيدًا يموت سنة خمس مائة مثلًا، استحالة أن يموت قبلها أو بعدها؛ لئلا ينقلب العلم جهلًا، فاستحال أن الآجال التي علمها الله -تعالى- تزيد وتنقص، فيتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلى ملك الموت أو غيره ممن وكله الله بقبض الأرواح وأمره فيها بآجال ممدودة، فإنه بعد أن يأمره بذلك أو يثبته في اللوح المحفوظ ينقص منه ويزيد على ما سبق به علمه في الأزل، وهو معنى قوله تعالى: { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } [الرعد: 39]، وعلى ما ذكرناه يحمل قوله تعالى: { ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ } [الأنعام: 2].

{ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } [الأعراف: 34]، قال بعض أهل العلم: إن هذه ما فيها منافاة للحديث؛ لأن الزيادة والنقص قبل أن يحضر الأجل، أما إذا جاء الأجل لا يزيد ولا ينقص، فالجواب عن هذه الآية سهل.

قال: واعلم أن مذهب أهل الحق أن المقتول مات بأجله -ما يقال: مات قبل أجله-، مات بأجله، وقالت المعتزلة: قُطع أجله، والله أعلم.

إذًا كيف إذا أخطأ مثلًا طبيب في علاج مريض وتسبب هذا الخطأ في موت هذا المريض، وثارت ثائرة أهله، لو فعل، لو ترك، لو ما فعل، هل هذا معناه أنه مات قبل أجله؟ وأنه لو لم يوجد مثل هذا أنه ممكن أن يعيش؟ هو إذا جاء أجله لا يستقدم ولا يتأخر، لكن مع ذلك لا بد من محاسبة المخطئ؛ لأن هذا فيما يخص.. التعامل، لابد أن يتعامل على الظاهر، وإلا؛ قلنا:  هذا بأجله ...؛ لأنه مفروغ منه، .... إلى الدعاء بالاستعاذة ... مع أنه مفروغ منه أيضًا كالأجل...

المقدم: البسط.

يعني شيء من التوضيح.

المقدم: يعني نرجئ هذه المسألة -إن شاء الله تعالى- إلى اللقاء القادم -بإذن الله-، أيها الإخوة والأخوات، بهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة في شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، نستكمل هذه المسألة في حلقة قادمة وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.