التعليق على تفسير القرطبي - سورة يوسف (08)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة يوسف (08)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 02/ ربيع الثاني/ 1440 4:15 م

سماع الدرس

"الفتى في كلام العرب الشاب، والمرأة فتاة. {قَدْ شَغَفَها حُبًّا} [يوسف: 30] قيل: شغفها غلبها.

وقيل: دخل حبه في شغافها، عن مجاهد وغيره.

وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخل تحت شغافها.

وقال الحسن: الشغف باطن القلب. وقال السدي وأبو عبيد: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه.

وقيل: هو وسط القلب، والمعنى في هذه الأقوال متقارب، والمعنى: وصل حبه إلى شغافها فغلب عليه، قال النابغة:

وقد حال همّ دون ذلك داخل

 

دخول الشغاف تبتغيه الأصابع

وقد قيل: إن الشغاف داء، وأنشد الأصمعي للراجز:

يتبعها وهي له شغاف

 

.....................................

وقرأ أبو جعفر بن محمد وابن محيصن والحسن (شعفها) [يوسف: 30] بالعين غير معجمة، قال ابن الأعرابي: معناه أحرق حبه قلبها، قال: وعلى الأول العمل. قال الجوهري: وشعفه الحب أحرق قلبه. وقال أبو زيد: أمرضه. وقد شعف بكذا فهو مشعوف.

وقرأ الحسن: (قد شعفها) [يوسف: 30] قال: بطنها حبًّا. قال النحاس: معناه عند أكثر أهل اللغة قد ذهب بها كل مذهب".

يعني حتى استولى على قلبها وعلى تفكيرها، فلا تفكر إلا فيه، ولا تحب إلا إياه، والله المستعان.

"لأن شعاف الجبال أعاليها، وقد شغف بذلك شغفًا -بإسكان الغين- إذا أولع به، إلا أن أبا عبيدة أنشد بيت امرئ القيس:

لتقتلني وقد شعفت فؤادها

 

كما شعف المهنوءة الرجل الطالي

قال: فشبهت لوعة الحب وجواه بذلك. وروي عن الشعبي أنه قال: الشغف بالغين المعجمة حب، والشعف بالعين غير المعجمة جنون. قال النحاس: وحكي (قد شغفها) [يوسف: 30] بكسر الغين، ولا يعرف في كلام العرب إلا {شَغَفَها} [يوسف: 30] بفتح الغين، وكذا (شعفها) أي تركها مشعوفة.

وقال سعيد بن أبي عروبة عن الحسن: الشغاف حجاب القلب، والشعاف سويداء القلب، فلو وصل الحب إلى الشعاف لماتت، وقال الحسن: ويقال: إن الشغاف الجلدة اللاصقة بالقلب التي لا ترى، وهي الجلدة البيضاء، فلصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالقلب".

الجلدة التي يشير إليها: غشاء رقيق مثل ما يكون على البيضة، على الكلية، وما أشبه ذلك، تلصق بهذه الأعضاء، فكأنه شبه حبها يوسف وما بلغ بهذه الجلدة التي لصقت بالقلب، والشعاف يقولون: أبلغ من الشغاف؛ لأنه لو وصل إلى حد الشعاف لجُنت؛ كما حصل لكثير من المحبين المتيمين، يصل بهم الحب إلى حد الجنون -نسأل الله العافية-، ما أخبار مجنون ليلى عنا ببعيدة!

وهذا كما يحصل من الرجال يحصل من النساء، وإذا كان مثل هذا يحصل من الرجال مع تمتعهم بشيء من العقل الذي يحجزهم بعض الشيء، فلأن يبلغ بالنساء هذا وأشد، وشواهد الحال تدل على ذلك، امرأة ملك، امرأة ملك تحب غلامًا يباع ويشترى، لكن مثل هذا الحب سلطان فوق سلطان الملك، ولولا ما شرعه الله -سبحانه وتعالى- من الحدود التي تردع الناس مما يجعلهم أو يجعل كثيرًا منهم يقطع التفكير في منتصف طريقه، وإلا إذا وصل به الحد إلى ما وصل بهذه المرأة، فإنه لا يردعه إلا الحد.

فلا شك أن الحدود شُرعت رحمةً للعالمين، للخلق، تردعهم من الوقوع في مثل هذه المحرمات، ولا شك أن التساهل في تطبيق هذه الحدود، هذا تفريط فيما أمر الله -سبحانه وتعالى- به، وخيانة للأمة التي شُرعت الحدود من أجل صيانتها من الوقوع في مثل هذه المحرمات، والله المستعان.

"قوله تعالى: {إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [يوسف: 30] أي في هذا الفعل.

وقال قتادة: (فَتاها) [يوسف: 30] وهو فتى زوجها؛ لأن يوسف كان عندهم في حكم المماليك، وكان ينفذ أمرها فيه".

ملك الزوج لا شك أنه ملك لامرأته باعتبار أنها تنتفع به كما تنتفع بملكها، وهي تقول: هذا بيتي، وهذه سيارتنا، تقول: هذا بيتنا، وهذا بيتي، وهذه سيارتي، وهو بيت زوجها، وسيارته، لكن باعتبار أنها تتصرف في ذلك تصرف الملاك يضاف إليها.

"وقال مقاتل: وعن أبى عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: إن امرأة العزيز استوهبت زوجها يوسف فوهبه لها، وقال: ما تصنعين به؟ قالت: أتخذه ولدًا، قال: هو لك، فربته حتى أيفع وفى نفسها منه ما في نفسها، فكانت تنكشف له وتتزين وتدعوه من وجه اللطف، فعصمه الله.

قوله تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} [يوسف: 31] أي بغيبتهن إياها، واحتيالهن في ذمها".

وقعن في عرضها، وتحدثن فيما بينهن فيما صنعته، لكن تريد أن تبرر موقفها، تبرأ نفسها، وتظهر أنها محقة فيما صنعت، والله المستعان.

"وقيل: إنها أطلعتهن واستأمنتهن فأفشين سرها، فسمي ذلك مكرًا. وقوله: {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} [يوسف: 31] في الكلام حذف، أي أرسلت إليهن تدعوهن إلى وليمة لتوقعهن فيما وقعت فيه، فقال مجاهد عن ابن عباس: إن امرأة العزيز قالت لزوجها: إني أريد أن أتخذ طعامًا فأدعو هؤلاء النسوة، فقال لها: افعلي، فاتخذت طعامًا، ثم نجدت لهن البيوت، نجدت أي زينت، والنجد ما ينجد به البيت من المتاع أي يزين، والجمع نجود عن أبي عبيد، والتنجيد التزيين، وأرسلت إليهن أن يحضرن طعامها، ولا تتخلف منكن امرأة ممن سميت. قال وهب بن منبه: إنهن كن أربعين امرأة، فجئن على كره منهن، وقد قال فيهن أمية بن أبي الصلت:

حتى إذا جئنها قسرًا

 

ومهدت لهن أنضادًا وكبابًا

ويروى: أنماطًا. قال وهب بن منبه: فجئن وأخذن مجالسهن. {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف: 31] أي هيأت لهن مجالس يتكئن عليها. قال ابن جبير: في كل مجلس جام فيه عسل وأترج وسكين حاد. وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير (متكا) [يوسف: 31] مخففًا غير مهموز، والمُتْك هو الأترج بلغة القبط، وكذلك فسره مجاهد. وروى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: المتكأ مثقلًا هو الطعام، والمتك مخففًا هو الأترج، وقال الشاعر:

نشرب الإثم بالصواع جهارًا

 

وترى المتك بيننا مستعارًا

وقد تقول أزد شنوءة: الأترجة المتكة، قال الجوهري: المتك ما تبقيه الخاتنة. وأصل المتك الزماورد. والمتكاء من النساء التي لم تخفض. قال الفراء: حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أن المتك مخففًا الزماورد.

وقال بعضهم: إنه الأترج، حكاه الأخفش. ابن زيد: أترجًا وعسلًا يؤكل به، قال الشاعر:

فظلنا بنعمة واتكأنا

 

وشربنا الحلال من قلله

أي أكلنا. قال النحاس: قوله تعالى: {وَأَعْتَدَتْ} [يوسف: 31] من العتاد، وهو كل ما جعلته عدة لشيء. {مُتَّكَأً} [يوسف: 31] أصح ما قيل فيه ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: مجلسًا، وأما قول جماعة من أهل التفسير إنه الطعام فيجوز على تقدير: طعام متكأ، مثل: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82]".

الأصل أن المتكأ ما يتكئ عليه ويجلس عليه، هذا الأصل فيه، وقد يطلق المحل ويراد ما حل فيه من الطعام، لكن أصله ما يتكئ عليه، هذا الأصل فيه، ولذا قال: أصح ما قيل فيه ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، معروف أن رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فيها انقطاع، أقول: فيها انقطاع.

"ودل على هذا الحذف {وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً} [يوسف: 31]؛ لأن حضور النساء معهن سكاكين إنما هو لطعام يقطع بالسكاكين، كذا قال في كتاب إعراب القرآن له.

وقال في كتاب معاني القرآن له: وروى معمر عن قتادة قال: المتكأ الطعام.

وقيل: المتكأ كل ما أتكئ عليه عند طعام أو شراب أو حديث، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، إلا أن الروايات قد صحت بذلك. وحكى القتبي أنه يقال: اتكأنا عند فلان أي أكلنا، والأصل في مُتَّكًَا مُوتكأ، ومثله متزن ومتعد".

أصلها: مؤتزن، ومؤتعد، هذا الأصل، وهي لغة الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-، إذا أراد أن يقول: هذا حديث متصل، قال: مؤتصل، ونصَّ ابن الحاجب في شافيته أن مؤتعد ومؤتسر لغة الإمام الشافعي -رحمه الله-، وهو حجة في هذا الباب.

طالب: ..........

مؤتعد، ومؤتسر.

طالب: ..........

لأنه يقول: مؤتصل، هذا سند مؤتصل، والمراد متصل.

طالب: ..........

كيف؟

طالب: ..........

في أي شيء؟

طالب: ..........

لغتهم متعد، متزن، متكئ، لا يدغمون في هذا وهذا، يدغمون، هذا الأصل، هذه لغتهم.

"ومثله متزن ومتعد؛ لأنه من وزنت ووعدت ووكأت، ويقال: اتكأ يتكئ اتكاء. {كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً} [يوسف: 31] مفعولان، وحكى الكسائي والفراء أن السكين يذكر ويؤنث، وأنشد الفراء:

فعيث في السنام غداة قر

 

بسكين موثقة النصاب

وقال الجوهري: والغالب عليه التذكير، وقال:

يرى ناصحًا فيما بدا فإذا خلا

 

فذلك سكين على الحلق حاذق

وقال الأصمعي: لا يعرف في السكين إلا التذكير.

قوله تعالى: {وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} [يوسف: 31] بضم التاء لالتقاء الساكنين؛ لأن الكسرة تثقل إذا كان بعدها ضمة، وكسرت التاء على الأصل. قيل: إنها قالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن، ثم قالت لخادمها: إذا قلت لك ادع لي إيلًا فادع يوسف، وإيل: صنم كانوا يعبدونه، وكان يوسف -عليه السلام- يعمل في الطين، وقد شد مئزره، وحسر عن ذراعيه، فقالت للخادم: ادع لي إيلًا، أي ادع لي الرب، وإيل بالعبرانية الرب، قال: فتعجب النسوة وقلن: كيف يجئ؟! فصعدت الخادم فدعت يوسف، فلما انحدر قالت لهن: اقطعن ما معكن.

 {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] بالمدَى حتى بلغت السكاكين إلى العظم، قاله وهب بن منبه. وقال سعيد بن جبير: لم يخرج عليهن حتى زينته، فخرج عليهن فجأة فدهشن فيه، وتحيرن لحسن وجهه وزينته وما عليه، فجعلن يقطعن أيديهن، ويحسبن أنهن يقطعن الأترج، واختلف في معنى {أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] فروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: أعظمنه وهبنه، وعنه أيضًا أمنين وأمذين من الدهش، وقال الشاعر:

إذا ما رأين الفحل من فوق قارة

 

صهلن وأكبرن المني المدفقا

وقال ابن سمعان عن عدة من أصحابه: إنهم قالوا أمذين عشقًا، وهب بن منبه: عشقنه حتى مات منهن عشرة في ذلك المجلس دهشًا وحيرة ووجدًا بيوسف.

وقيل: معناه حِضْن من الدهش، قاله قتادة ومقاتل والسدي، قال الشاعر:

نأتي النساء على أطهارهن

 

ولا نأتي النساء إذا أكبرن إكبارًا

وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره وقالوا: ليس ذلك في كلام العرب، ولكنه يجوز أن يكن حضن من شدة إعظامهن له، وقد تفزع المرأة فتسقط ولدها أو تحيض. قال الزجاج: يقال: أكبرنه، ولا يقال حضنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض، وأجاب الأزهري فقال: يجوز أكبرت بمعنى حاضت؛ لأن المرأة إذا حاضت في الابتداء خرجت من حيز الصغر إلى الكبر".

دخلت، دخلت، أكبرت يعني دخلت في حيز الكبر؛ كما يقال: أظلم وأنجد وأتهم، دخل فيما ذكر من الظلام ونجد وتهامة وغيرها، وهنا من شدة الذهول قطعن أيديهن، وهناك رجل تزوج امرأة في غاية الجمال، فجاء بها لكي تراها أم أولاده، وكانت أم أولاده في مهنتها، بيدها السكين تقطع لتجهز الغداء، فلما رأت المرأة بدلًا من أن تقطع الخضار وما أشبهها، قطعت الفرشة، فرشة البيت، قطعتها بالسكين من هول ما رأت، هذا لا شك أنه واقع، كل هذا أمر معروف عند النساء، ويوجد عند بعض الرجال إذا بلغ بهم هذا الأمر مبلغه، إذا رأى ما يعجبه يذهل ويفقد عقله وتوازنه، ويتصرف مثل هذه التصرفات، والله المستعان.

"قال: والهاء في {أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية".

يعني ليست بضمير، {أَكْبَرْنَهُ} [يوسف: 31] يعني أكبرنه، لكن الهاء هاء السكت، لا هاء الكناية، وليست أكبرن يوسف، أكبرن يعني حضن، وليس المراد حضنه يعني حضن يوسف، لا، حضن، يعني نزل عليهن الدم من شدة أو من هول ما رأين، هذا معروف، المرأة إذا فزعت أو حصل لها شيء من المصيبة أو الكارثة ينزل عليها شيء من الدم يسمى النزيف أو استحاضة، هذا معروف، وليس المراد بالهاء هنا الكناية التي هي الضمير، وإنما هي هاء السكت.

"وهذا مزيف؛ لأن هاء الوقف تسقط في الوصل، وأمثل منه قول ابن الأنباري: إن الهاء كناية عن مصدر الفعل، أي أكبرن إكبارًا، بمعنى حضن حيضًا. وعلى قول ابن عباس الأول تعود الهاء إلى يوسف، أي أعظمن يوسف وأجللنه.

قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] قال مجاهد: قطعنها حتى ألقينها. وقيل: خدشنها. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حزًّا بالسكين، قال النحاس: يريد مجاهد أنه ليس قطعًا تبين منه اليد، إنما هو خدش وحز، وذلك معروف في اللغة أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه: قطع يده.

وقال عكرمة: {أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] أكمامهن، وفيه بعد.

وقيل: أناملهن، أي ما وجدن ألمًا في القطع والجرح، أي لشغل قلوبهن بيوسف، والتقطيع يشير إلى الكثرة".

إذا انشغل الإنسان بشيء استولى عليه، لا يحس بما يؤلمه، لا يحس بما يؤلمه، ذكر عن بعضهم أنه إذا أراد أن يستأصل منه عضو دخل في الصلاة، شرع في الصلاة، وانشغل بها عما حوله، وحصلوا منه على ما يريدون وهو لا يشعر، مثل البنج، إذا وصل الانشغال -انشغال القلب- إلى هذا الحد، فالإنسان لا يحس بما حوله، والله المستعان.

"والتقطيع يشير إلى الكثرة فيمكن أن ترجع الكثرة إلى واحدة جرحت يدها في مواضع، ويمكن أن يرجع إلى عددهن".

الأصل أن يرجع إلى كل واحدة منهن، كل واحدة قطعت يدها في مواضع من يدها.

"قوله تعالى: {وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ} [يوسف: 31] أي معاذ الله".

اشتهر على ألسنة الناس أن هذه التقطيعات التي في اليد هي من آثار، هذا موجود عند عامة الناس، أقول: هذا موجود، الناس يتوقعون أن هذه التقطيعات التي في اليد هي من آثار تقطيع تلك النسوة، ولا أصل له، يعني لو وُجد في يد ما يوجد في الثانية التي بها السكين، يعني لو وُجد في يد واحدة، ما يمكن أن يوجد في الثانية، إذا قطعت واحدة كيف تقطع الثانية وهي بها السكين؟ والله المستعان، كل هذا مما اشتهر على ألسنة العامة مما لا أصل له.

طالب: ..........

يقولون: واحد وثمانون وثمانية عشر تساوي تسعًا وتسعين، إذا حذفت ثمانية عشر صار عمر الرسول -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: ..........

المجموع تسة وتسعون، وإذا حذفت؟ إيش يصير؟ ثلاثًا وستين عمر الرسول، هذا اتفاقًا حصل، أقول: هذا حصل اتفاقًا، والناس إذا وقع شيء يوافق شيئًا أولوه عليه ونزلوه عليه.

"وروى الأصمعي عن نافع أنه قرأ كما قرأ أبو عمرو بن العلاء. (وَقُلْنَ حاشَا لِلَّهِ) [يوسف: 31] بإثبات الألف، وهو الأصل، ومن حذفها جعل اللام في {لِلَّهِ} [يوسف: 31] عوضًا منها. وفيها أربع لغات، يقال: حاشاك، وحاشا لك، وحاش لك، وحشا لك. ويقال: حاشا زيد، وحاشا زيدًا".

إما بالإضافة، أو ينصب على الاستثناء.

"قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: النصب أولى؛ لأنه قد صح أنها فعل لقولهم: حاش لزيد، والحرف لا يحذف منه، وقد قال النابغة:

ولا أحاشي من الأقوام من أحد

 

.....................................

وقال بعضهم: حاش حرف، وأحاشي فعل. ويدل على كون حاشا فعلًا وقوع حرف الجر بعدها. وحكى أبو زيد عن أعرابي: اللهم اغفر لي ولمن يسمع، حاشا الشيطان وأبا الأصبغ، فنصب بها. وقرأ الحسن: (وقلن حاش لله) [يوسف: 31] بإسكان الشين، وعنه أيضًا: (حاش الإله) [يوسف: 31]. وقرأ ابن مسعود وأبي: (حاش الله) [يوسف: 31] بغير لام، ومنه قول الشاعر:

حاشا أبي ثوبان إن به

 

ضنًا عن الملحاة والشتم

قال الزجاج: وأصل الكلمة من الحاشية، والحشا بمعنى الناحية، تقول: كنت في حشا فلان أي في ناحيته، فقولك: حاشا لزيد أي تنحى زيد من هذا وتباعد عنه، والاستثناء إخراج وتنحية عن جملة المذكورين.

وقال أبو علي: هو فاعل من المحاشاة، أي حاشا يوسف، وصار في حاشية، وناحية مما قرف به".

من المستعمل بين الناس فلان حاش، يعني ذهب مذهبًا بعيدًا في ناحية بعيدة، يعني هرب.

"أو من أن يكون بشرًا، فحاشا وحاش في الاستثناء حرف جر عند سيبويه، وعلى ما قال المبرد وأبو علي فعل".

لذا يقول ابن مالك -رحمه الله- في حروف الجر:

هاك حروف الجرّ وهي من إلى

 

حتى خلا حاشا عدا في عن على

المقصود أنه ذكرها من أحرف الجر، فإذا قال: حاشا زيدٍ، فمجرور بحاشا

"قوله تعالى: {ما هذا بَشَراً} [يوسف: 31] قال الخليل وسيبويه: {ما} [يوسف: 31] بمنزلة ليس، تقول: ليس زيد قائمًا، و{ما هذا بَشَراً} [يوسف: 31]، و{ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ} [المجادلة: 2].

وقال الكوفيون: لما حذفت الباء نصبت، وشرح هذا- فيما قاله أحمد بن يحيى-".

هي مثل ليس إذا اقترن خبرها بالباء جُر، وإلا نُصب، مثل ليس.

"أنك إذا قلت: ما زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض، فلما حذفت الباء نصبت لتدل على محلها، قال: وهذا قول الفراء، قال: ولم تعمل {ما} شيئًا، فألزمهم البصريون أن يقولوا: زيد القمر؛ لأن المعنى كالقمر! فرد أحمد بن يحيى بأن قال: الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف؛ لأن الكاف تكون اسمًا. قال النحاس: لا يصح إلا قول البصريين، وهذا القول يتناقض؛ لأن الفراء أجاز نصًّا ما بمنطلق زيد، وأنشد:

أما والله أن لو كنت حرًّا

 

وما بالحر أنت ولا العتيق

ومنع نصًّا النصب، ولا نعلم بين النحويين اختلافًا أنه جائز: ما فيك براغب زيد، وما إليك بقاصد عمرو، ثم يحذفون الباء ويرفعون. وحكى البصريون والكوفيون ما زيد منطلق بالرفع، وحكى البصريون أنها لغة تميم، وأنشدوا:

أتيمًا تجعلون إلي ندًا

 

وما تيم لذي حسب نديد

الند والنديد والنديدة المثل والنظير".

أحيانًا يقولون: هذه (ما) التميمية، (ما) حجازية، و(ما) تميمية، معناهما واحد، (ما) الحجازية تعمل عمل ليس، و(ما) التميمية يُرفع بعدها الجزءان، ما زيد منطلق، ما زيد منطلق، وعلى أنها حجازية، ما زيد منطلقًا، وإن أتيت بالباء كما تأتي به بعد ليس غالبًا تقول: ما زيد بمنطلقٍ، ومعناهما واحد، لكن أثرها فيما بعدها يختلف عند أهل الحجاز بمنزلة ليس عاملة، وعند بني تميم لا تعمل، ملغاة.

"وحكى الكسائي أنها لغة تهامة ونجد. وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين: قال أبو إسحاق: وهذا غلط، كتاب الله -عزَّ وجلَّ- ولغة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقوى وأولى".

{ما هذا بَشَراً} [يوسف: 31]، {ما هذا بَشَراً} [يوسف: 31]، {ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ} [المجادلة: 2]، الحجازية، لغة أهل الحجاز أقوى، لغة قريش، لغة النبي -عليه الصلاة والسلام- هي لغة القرآن، فهي أقوى من لغة تميم، على أنه جاء في القرآن ما هو على لغة تميم، على لغة هذيل، جاء لكنه قليل، لغات العرب، أكثره من قريش، أكثره من لغة قريش.

"قلت: وفي مصحف حفصة -رضي الله عنها- (ما هذا ببشر) [يوسف: 31] ذكره الغزنوي. قال القشيري أبو نصر: وذكرت النسوة أن صورة يوسف أحسن من صورة البشر، بل هو في صورة ملك".

{ما هذا بَشَراً} [يوسف: 31]؛ لأنهم قالوا: {ما هذا بَشَراً} [يوسف: 31]، أنكرن أن يكون هذا من البشر، هذا ملك، والسبب أنهن ما رأين مثله في البشر، ما له نظير في البشر حتى يكون هذا بشرًا، فلما ارتفع في هذا الباب عن منزلة البشر الذين رأينهم، أنكرن أن يكون من البشر.

"وقال الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، والجمع بين الآيتين أن قولهن: {حاشَ لِلَّهِ} [يوسف: 31] تبرئة ليوسف عما رمته به امرأة العزيز من المراودة، أي بَعُد يوسف عن هذا، وقولهن: {لِلَّهِ} [يوسف: 31] أي لخوفه، أي براءة لله من هذا، أي قد نجا يوسف من ذلك، فليس هذا من الصورة في شيء، والمعنى: أنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة، فعلى هذا لا تناقض.

وقيل: المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة، لفرط جماله. وقوله: {لِلَّهِ} [يوسف: 31] تأكيد لهذا المعنى، فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظنًّا منهن أن صورة الملك أحسن، وما بلغهن قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] فإنه من كتابنا".

جرت عادة الناس أنهم إذا رأوا شيء حسن وصفوه بأنه ملك أو من فعل الملائكة، وإذا رأوا شيئًا قبيحًا أو تصرفًا قبيحًا قالوا: هذا شيطان أو من فعل الشياطين، وإن لم يروا الملائكة ولم يروا الشياطين، ولذا جاء تشبيه الشجرة أو طلعها {كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: 65]، والأصل المشبه به أن يكون معلومًا، لكن لقبحه ومعرفة السامع بأن كل قبيح يشبه الشيطان، ولذا يقول قائلهم: كأنياب أغوال، هم ما رأوا الأغوال ولا رأوا أنيابها، قد يزول لهم ويخيل لهم بعض الشيء، لكن ما رأوا أنيابها على الحقيقة كي يشبهوا بها.

طالب: ..........

إن كان المراد به كالملك في بعض خصاله، في بعض خصاله يشبه الملائكة، في طاعته لله -عزَّ وجلَّ- والملائكة مطيعون، لا بأس، لكن لا يعتقد فيه العصمة مثلهم أنه لا يعصي؛ كالملائكة، لا، هذا من باب المبالغة يمكن أن يتجاوز عنه، أو في هذا الباب الذي عُرف عنه، الله المستعان.

طالب: ..........

بلا شك، إجماع، إجماع، والإيمان بهم إيمان، ركن من أركان الإيمان.

طالب: ..........

كيف يتأول؟ ماذا يقول؟

طالب: ..........

للجن، حتى إنكار الجن كفر -نسأل الله العافية-، ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، بعض المفتونين يأتي بأقوال لا قيمة لها، يتأول بها ما ورد في النصوص مثل نزول المسيح، يقول: المراد بنزول المسيح نزول مبادئ المسيح من العدل والحرية والمساواة، وهذا ما تدعو إليه الأمم المتحدة، يعني نزول المسيح قيام هذه المنظمة الإجرامية الخبيثة -نسأل الله العافية-، أقول: بعض المفتونين ينحى مثل هذا المنحى، لكن ما هو محسوب ولا على علماء الشرع مثل هذا.

طالب: ..........

العبرة بمن يُعتد بقوله، وإلا فهؤلاء لا قيمة لهم.

طالب: ..........

أين؟

طالب: ..........

على كل حال؛ إذا عرفوا وأصروا يحكم بكفرهم، ما المانع؟

طالب: ..........

شطر الحسن، ثبت في الحديث الصحيح.

طالب: ..........

وأشرنا إليه سابقًا، وهل المراد به الشطر يعني، وباقي الخلائق كلهم الشطر الثاني، أو أنه أعطي نصف ما يتصور من الحسن، وإن فاقه غيره في هذا الباب كمحمد -عليه الصلاة والسلام-؟

طالب: ..........

هذا أسهل، هذا أسهل بكثير من إنكار وجود الجن، إنكار وجود الجن، هذا شيء ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، هذا معلوم من الدين بالضرورة، ما يمكن إنكاره.

طالب: ..........

إنكار مثل هذا لا شك أنه مخالف للواقع ومكابرة، لكن ما يصل إلى حد الكفر.

"وقد ظن بعض الضعفة أن هذا القول لو كان ظنًا باطلًا منهن لوجب على الله أن يرد عليهن، ويبين كذبهن، وهذا باطل؛ إذ لا وجوب على الله تعالى، وليس كل ما يخبر به الله -سبحانه- من كفر الكافرين وكذب الكاذبين يجب عليه أن يقرن به الرد عليه، وأيضًا أهل العرف قد يقولون في القبيح كأنه شيطان، وفي الحسن كأنه ملك، أي لم ير مثله؛ لأن الناس لا يرون الملائكة، فهو بناء على ظن في أن صورة الملك أحسن، أو على الإخبار بطهارة أخلاقه وبعده عن التهم.

{إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ} [يوسف: 31] أي ما هذا إلا ملك، وقال الشاعر:

فلست لإنسي ولكن لملأك

 

تنزل من جو السماء يصوب

وروي عن الحسن: (ما هذا بشرى) [يوسف: 31] بكسر الباء والشين، أي ما هذا عبدًا مشترى، أي ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، كما قال: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} [المائدة: 96] أي مصيده، وشبهه كثير".

وروي عن الحسن، (ما هذا بشرًى) [يوسف: 31]، ما يشرى هذا، هذا لا يباع ولا يشرى مثل هذا، (ما هذا بشرًى) [يوسف: 31].

"ويجوز أن يكون المعنى: ما هذا بثمن، أي مثله لا يثمن ولا يقوم، فيراد بالشراء على هذا الثمن المشترى به؛ كقولك: ما هذا بألف إذا نفيت قول القائل: هذا بألف. فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، كأنه قال: ما هذا مقدرًا بشراء. وقراءة العامة أشبه؛ لأن بعده {إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31] مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيمًا لشأنه، ولأن مثل (بشرى) [يوسف: 31] يكتب في المصحف بالياء.

قوله تعالى: {قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32] لما رأت افتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها بقولها: {لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف: 32] أي بحبه، و(ذلك) بمعنى (هذا)، وهو اختيار الطبري.

وقيل: الهاء للحب، و(ذلك) على بابه، والمعنى: ذلكن الحب الذي لمتنني فيه، أي حب هذا هو ذلك الحب. واللوم الوصف بالقبيح".

اللوم والعذل بمعنًى واحد.

"ثم أقرت وقالت: {وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} [يوسف: 32] أي أمتنع، وسميت العصمة عصمة؛ لأنها تمنع من ارتكاب المعصية.

وقيل: {استعصم} [يوسف: 32] أي استعصى، والمعنى واحد".

الأصل أن السين والتاء للطلب، {استعصم}  [يوسف: 32]، أي: طلب العصمة من الله -سبحانه وتعالى -، فأجابه فعصمه.

"{وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ} [يوسف: 32] عاودته المراودة بمحضر منهن، وهتكت جلباب الحياء".

عرفت الموافقة منهن لها، فأسفرت وأبدت ما في نفسها؛ لأن الإنسان قد يخفي ما في نفسه، ثم إذا تحدث بما في نفسه على غيره على أنه خبر من الأخبار لا ينسبه إلى نفسه، يقول: يُذكر كذا، ويُذكر كذا، فإذا أظهر الموافقة طرف، أبدى له أن هذا هو ما في نفسه، فهي أظهرت ذلك بعد أن رأت الموافقة منهن، وأنها ليست شاذة ولا نشاذًا، ولا نشاذًا أن تفعل ما فعلت؛ لما رأت ذلك منهن، أظهرت أن هذا هو صنيعها.

" وهتكت جلباب الحياء، ووعدت بالسجن إن لم يفعل، وإنما فعلت هذا حين لم تخش لومًا ولا مقالًا خلاف أول أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها. {وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] أي الأذلاء. وخط المصحف {وَلَيَكُوناً} [يوسف: 32] بالألف، وتقرأ بنون مخففة للتأكيد، ونون التأكيد تثقل وتخفف، والوقف على قوله: {لَيُسْجَنَنَّ} [يوسف: 32] بالنون؛ لأنها مثقلة، وعلى {لَيَكُوناً} [يوسف: 32] بالألف؛ لأنها مخففة، وهي تشبه نون الإعراب في قولك: رأيت رجلًا وزيدًا وعمرًا، ومثله قوله: {لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ} [العلق: 15]، ونحوها الوقف عليها بالألف، كقول الأعشى".

يعني تشبه التنوين، تشبه التنوين، وإن أشبهت الألف في الصورة، لكنها مشبهة للتنوين في النطق، ولذا لو كان الوقف على الألف ليكونا، لكن {لَيَكُوناً} [يوسف: 32]، {لَنَسْفَعاً} [العلق: 15]، هي مشبهة للتنوين الذي هو نون ساكنة، وإن كتب ألفًا إلا أنه نون ساكنة تلحق أواخر الأسماء المعربة، فنون التوكيد الخفيفة المرسومة بصورة الألف هي مشبهة للتنوين، وليست مشبهة للألف إلا في الصورة والكتابة.

" ونحوها الوقف عليها بالألف، كقول الأعشى: ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا، أي أراد فاعبدن، فلما وقف عليه كان الوقف بالألف.

قوله تعالى: {قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33] أي دخول السجن، فحذف المضاف، قاله الزجاج والنحاس. {أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33] أي أسهل علي وأهون من الوقوع في المعصية، لا أن دخول السجن مما يحب على التحقيق".

لا يحب ولا يُسعى إليه، ولا يُتمنى السجن، ومثله لقاء العدو مثلًا، وإن ترتب عليه ما ترتب من الخير والنفع العظيم، لقاء العدو يترتب عليه الشهادة، لكن لا يتمنى، وإذا حصل فالثبات، ومثله السجن لا يطلبه المسلم، ولا يرجوه المؤمن، ولا يسعى إليه، ولا يبذل الأسباب في الحصول عليه إلا من خلال ما شرعه الله، إن جاء تبعًا لما شرعه الله فالصبر الصبر، ويترتب عليه، يترتب عليه الخير الكثير -إن شاء الله تعالى-، أنه ما يضر، يوسف سُجن وكانت العاقبة له، وغيره سجن، الإمام أحمد -رحمه الله- سُجن، والحمد لله، حصل من ذلك الخير العظيم، لكن ما يُسعى إليه ويُتمنى، الإنسان يتمنى يقول: أنا والله عجزت أطلب العلم، عجزت أحفظ القرآن، عجزت أحفظ السنة، أسأل الله أن ييسر السجن من أجل كذا، ما هو بصحيح هذا، هذا ليس بصحيح؛ لأن الإنسان قد يفتن، قد يحصل له خلاف ما يريد -نسأل الله العافية-.

 لا، لا يتمنى ذلك، لكن إذا حصل له تبعًا لما شرعه الله له -سبحانه وتعالى- فعليه أن يصبر ويحتسب ويبذل الأسباب، ويحاول أن ينفع نفسه؛ لكي ينفع غيره -إن شاء الله-.

"وحكي أن يوسف -عليه السلام- لما قال: {السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ} [يوسف: 33] أوحى الله إليه يا يوسف! أنت حبست نفسك حيث قلت: السجن أحب إلي، ولو قلت: العافية أحب إلي لعوفيت. وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قرأ: (السجن) [يوسف: 33] بفتح السين".

الذي هو المصدر.

"وحكى أن ذلك قراءة ابن أبي إسحاق وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب، وهو مصدر سجنه سجنًا. {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} [يوسف: 33] أي كيد النسوان.

وقيل: كيد النسوة اللاتي رأينه، فإنهن أمرنه بمطاوعة امرأة العزيز، وقلن له: هي مظلومة وقد ظلمتها".

كيف ظلمها؟ لأنهن خشين عليها من أن تُمرض أو تموت أو تجن، إذا صار سببًا في حصول هذه المصائب لها فكأنه ظلمها، وهذا من كيد النساء كما هو معروف.

"وقيل: طلبت كل واحدة أن تخلو به للنصيحة في امرأة العزيز".

هؤلاء صواحب يوسف، يظهرن خلاف ما يردن، يظهرن خلاف ما يردن.

"والقصد بذلك أن تعذله في حقها، وتأمره بمساعدتها، فلعله يجيب، فصارت كل واحدة تخلو به على حدة فتقول له: يا يوسف! اقض لي حاجتي، فأنا خير لك من سيدتك".

هي تريد الخلوة؛ لكي تطلبه لامرأة العزيز، هذا الظاهر، وهي تريده في الحقيقة لنفسها، فأظهرن خلاف ما يبطن، وهؤلاء هن صواحب يوسف اللاتي ذكرهن في الحديث الصحيح لما قال النبي- عليه الصلاة والسلام-: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، قالت عائشة: إن أبا بكر رجل أسيف، رجل أسيف، فمر عمر، وجعلت توسط بعض النساء ليقلن للرسول -عليه الصلاة والسلام- هذه المقالة، فقال لهن: «لأنتن صواحب يوسف»، عائشة ما كان قصدها أنه رجل أسيف، وإنما تخشى أن يتشاءم به الناس؛ لأن الإنسان إذا جاء بعد رجل محبوب مرغوب عند الناس، وجاء في مكانه، تشاءم منه الناس وكرهوه، فكونه يأتي بعد الرسول -عليه الصلاة والسلام- مباشرة، تخشى من هذا، فأظهرت أنه رجل أسيف ما يتحمل أن يقف في موقف النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأظهرت غير ذلك، فقال لها النبي -عليه الصلاة والسلام- ولمن دخل معها في الموضوع: «لأنتن صواحب يوسف»، صواحب يوسف قالوا: نخلوا بيوسف حتى ننصحه ليستجيب لطلب امرأة العزيز، ما هو هذا قصدهم، كل واحدة قالت له: اقض لي حاجتي، فأنا خير لك من سيدتك، هؤلاء هن صواحب يوسف.

والصحبة تضاف لأدنى مناسبة، الصحبة تضاف لأدنى مناسبة، هؤلاء صواحب يوسف، ما علاقة يوسف؟

طالب: ..........

المراد بالصحبة الصحبة اللغوية أو الشرعية؟

طالب: ..........

لا، وُجد أدنى مناسبة فأضفن إليه؛ كما يقال: ماذا فعل صاحبك؟ وبينك وبينه خصومة، هو ليس بصاحب، لكن لأدنى مناسبة بينك وبينه صار صاحبًا لك.

"تدعوه كل واحدة لنفسها وتراوده، فقال: يا رب كانت واحدة فصرن جماعة.

وقيل: كيد امرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة، وكنى عنها بخطاب الجميع إما لتعظيم شأنها في الخطاب، وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض. والكيد الاحتيال والاجتهاد، ولهذا سميت الحرب كيدًا؛ لاحتيال الناس فيها، قال عمر بن لجأ:

تراءت كي تكيدك أم بشر

 

وكيد بالتبرج ما تكيد

{أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} [يوسف: 33] جواب الشرط، أي أمل إليهن".

المرأة من كيدها قد تظهر محاسنها للرجال، وإذا راودوها رفضت، وهي ما أظهرت محاسنها إلا من أجل ما يريدونه منها، فكونها ترفض من أجل أن ترتفع في أعينهم، وفي النهاية توافق.

 على كل حال، هذا من كيد النساء، سميت الحرب كيدًا؛ لأن الناس يحتالون فيها، وسميت خَدْعَة -فتح الخاء- لغة النبي -عليه الصلاة والسلام-، كما في سنن أبي داود.

"{أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} [يوسف: 33] جواب الشرط، أي أمل إليهن من صبا يصبو إذا مال واشتاق صبوًا وصبوة، قال:

إلى هند صبا قلبي

 

وهند مثلها يُصْبِي

أي إن لم تلطف بي في اجتناب المعصية وقعت فيها.

{وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ} [يوسف: 33] أي ممن يرتكب الإثم ويستحق الذم، أو ممن يعمل عمل الجهال، ودل هذا على أن أحدًا لا يمتنع عن معصية الله إلا بعون الله، ودل أيضًا على قبح الجهل والذم لصاحبه.

قوله تعالى: {فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ} [يوسف: 34] لما قال: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} [يوسف: 33] تعرض للدعاء، وكأنه قال: اللهم اصرف عني كيدهن، فاستجاب له دعاءه، ولطف به وعصمه عن الوقوع في الزنى. {كَيْدَهُنَّ} [يوسف: 34]؛ لأنهن جمع قد راودنه عن نفسه. وقيل: يعني كيد النساء. وقيل: يعني كيد امرأة العزيز، على ما ذكر في الآية قبل، والعموم أولى.

قوله تعالى: {ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} [يوسف: 35]، فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ثُمَّ بَدا لَهُمْ} [يوسف: 35] أي ظهر للعزيز وأهل مشورته {مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ} أي علامات براءة يوسف -من قد القميص من دبر، وشهادة الشاهد، وحز الأيدي، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف- أن يسجنوه؛ كتمانًا للقصة ألا تشيع في العامة، وللحيلولة بينه وبينها.

وقيل: هي البركات التي كانت تنفتح عليهم ما دام يوسف فيهم، والأول أصح. قال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ} [يوسف: 35] قال: القميص من الآيات، وشهادة الشاهد من الآيات".

القميص، القميص الذي جيء به وهو ملطخ بالدم غير ممزق آية وعلامة، كيف يكون هذا القميص وفيه من الدم ما فيه وغير ممزق، هذا الذئب الذي أكله في غاية الرحمة، كيف يأكل ولا يمزق الثياب، وأيضًا القميص الذي أُلقي على وجه أبيه فارتد بصيرًا.

طالب: ..........

كذلك، المقصود أن القميص فيه عدة آيات، القميص فيه عدة آيات.

طالب: ..........

الظلم، الظلم، الظلم إذا اقترن به ما يقتضي الاستجابة من توافر الأسباب وانتفاء الموانع، وعلى قدر الداعي أيضًا، وقدر حاجته، وقربه من الله تكون الاستجابة.

طالب: ..........

عاد لأمر يريده الله -سبحانه وتعالى-، لأمر يريده الله؛ لأنه ما يلزم أن تكون الاستجابة برفع، أو بإجابة الدعوة نفسها، قد يجاب، لكن برفع ما هو أعظم منه، أو بادخاره له في الجنة يوم القيامة، نعم.

"قال: القميص من الآيات، وشهادة الشاهد من الآيات وقطع الأيدي من الآيات، وإعظام النساء إياه من الآيات.

وقيل: ألجأها الخجل من الناس، والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب، لتشتفي إذا منعت من نظره، قال:

وما صبابة مشتاق على أمل

 

من اللقاء كمشتاق بلا أمل

أو كادته رجاء أن يمل حبسه فيبذل نفسه".

كان بإمكانها أن تأمر بقتله؛ لأنه ما استجاب، والعزيز بيدها، لكن لعله، لعله يستجيب بعد هذا السجن، والقتل يأس، ما هو بحل بالنسبة لها، هي تريده لنفسها، فلعله إذا حبس يمل من الحبس ويستجيب.

"الثانية: قوله تعالى: {لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35]، {لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35] في موضع الفاعل، أي ظهر لهم أن يسجنوه، هذا قول سيبويه. قال المبرد: وهذا غلط، لا يكون الفاعل جملة، ولكن الفاعل ما دل عليه {بَدا} [يوسف: 35] وهو مصدر، أي بدا لهم بداء، فحذف؛ لأن الفعل يدل عليه، كما قال الشاعر:

وحق لمن أبو موسى أبوه

 

يوفقه الذي نصب الجبالا

أي وحق الحق، فحذف.

وقيل: المعنى ثم بدا لهم رأي لم يكونوا يعرفونه، وحذف؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، وحذف أيضًا القول، أي قالوا: ليسجننه، واللام جواب ليمين مضمر، قاله الفراء، وهو فعل مذكر لا فعل مؤنث، ولو كان فعلًا مؤنثًا لكان يسجنانِّه، ويدل على هذا قوله: {لَهُمْ} [يوسف: 35]، ولم يقل لهن، فكأنه أخبر عن النسوة وأعوانهن فغلّب المذكر، قاله أبو علي.

وقال السدي: كان سبب حبس يوسف أن امرأة العزيز شكت إليه أنه شهرها ونشر خبرها، فالضمير على هذا في {لَهُمْ} [يوسف: 35] للملك.

الثالثة: قوله تعالى: {حَتَّى حِينٍ} [يوسف: 35] أي إلى مدة غير معلومة، قاله كثير من المفسرين.

وقال ابن عباس: إلى انقطاع ما شاع في المدينة.

وقال سعيد بن جبير: إلى ستة أشهر. وحكى الْكِيَا أنه على ثلاثة عشر شهرًا. وقال عكرمة: تسع سنين. وقال الكلبي: خمس سنين. وقال مقاتل: سبع. وقد مضى في البقرة القول في الحين وما يرتبط به من الأحكام.

وقال وهب: أقام في السجن اثنتي عشرة سنة. و{حَتَّى} [يوسف: 35] بمعنى إلى، كقوله: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 5]. وجعل الله الحبس تطهيرًا ليوسف -صلى الله عليه وسلم- من همه بالمرأة. وكأن العزيز -وإن عرف براءة يوسف- أطاع المرأة في سجن يوسف".

من بعد ما رأى الآيات أطاع المرأة، بعد ما رأى الآيات أطاع المرأة، الله المستعان.

"قال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين هم بها فسجن، وحين قال للفتى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]، {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42]، وحين قال لإخوته: {إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ} [يوسف: 70]، فقالوا: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}. [يوسف: 77]".

ومع ذلك مُدح للحديث الصحيح: «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»، يقوله الرسول -عليه الصلاة والسلام-، «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»، يعني الذي دعاه لإجابة الملك، الذي دعاه لإجابة الملك، ما أجابه، قال: {قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ} [يوسف: 50]، يعني لو غير يوسف لو قيل له: أجب الملك، ما يتأخر، ولا يتردد، لكن الذي يظهر وقد بريء تمام البراءة، وعرف الناس كلهم براءته، {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ} [يوسف: 50]؛ ليعرف الناس أنه بريء مما اتُهم به -عليه السلام-.

"الرابعة: أكره يوسف -عليه السلام- على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، وما رضي بذلك؛ لعظيم منزلته وشريف قدره، ولو أكره رجل بالسجن على الزنى ما جاز له إجماعًا. فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحًا فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحده. وقد قال بعض علمائنا: إنه لا يسقط عنه الحد، وهو ضعيف، فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، ولا يصرفه بين بلاءين، فإنه من أعظم الحرج في الدين، {وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

 وسيأتي بيان هذا في النحل -إن شاء الله-، وصبر يوسف، واستعاذ به من الكيد، فاستجاب له على ما تقدم".

هل يحصل الإكراه في الزنا؟ المرأة إجماعًا أنه يحصل إكراهها على الزنا، لكن الرجل هل يحصل إكراهه على الزنا بحيث يصل إلى حد لا يمكن أن يتأخر عنه؟ جمع غفير من أهل العلم يقولون: لا يحصل الإكراه، إكراه الرجل؛ لأنه إذا أُكره لم ينتشر، فإذا انتشر دل على أن عنده شيء من الرغبة، وهذه الرغبة تنافي الإكراه، تنافي الإكراه، ومنهم من يقول: إنه يحصل الإكراه إذا هُدد وخوف وبوشر ضربه، ولا يتم له أن يخرج من هذا الإكراه وما يترتب عليه من ألم إلا بحصول شيء من هذه الرغبة التي تحقق مطلب هذا المكرِه، وإلا فأكثر أهل العلم على أنه لا يتصور الإكراه على الزنا بالنسبة للرجل؛ لأنه متى يتصور الزنا منه؟ إذا وُجدت منه الرغبة، فكيف توجد الرغبة مع الإكراه؟

طالب: ..........

كيف؟

طالب: ..........

ماذا فيه؟

طالب: ..........

حين همّ بها فسُجن؟ {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]، {إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ} [يوسف: 70].

طالب: ..........

هذه بالنسبة له، لكن لو وقعت من غيره لما سُميت عثرة؛ لأنهم كما يقولون: حسنات الأبرار سيئات المقربين، يعني بالنسبة لشخص تسمى عثرة، ما حصل من إبراهيم من التورية مما يجوز له فعله عُدت كذبات على إبراهيم -عليه السلام-، واعتذر بها عن الشفاعة؛ لأنها بالنسبة له شيء كبير، لكن بالنسبة لغيره من آحاد الناس ليست بشيء.

"قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ} [يوسف: 36]، {فَتَيانِ} [يوسف: 36] تثنية فتى، وهو من ذوات الياء، وقولهم: الفتو شاذ. قال وهب وغيره: حمل يوسف إلى السجن مقيدًا على حمار، وطيف به هذا جزاء من يعصي سيدته، وهو يقول: هذا أيسر من مقطعات النيران، وسرابيل القطران، وشراب الحميم".

مقطعات، المقطعات هذه الثياب التي تقطع لهم يوم القيامة، نسأل الله العافية.

"هذا أيسر من مقطعات النيران، وسرابيل القطران، وشراب الحميم، وأكل الزقوم. فلما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قومًا قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم".

كأنه سجن مؤبد بالنسبة لهم.

"فجعل يقول لهم: اصبروا وأبشروا تؤجروا، فقالوا له: يا فتى! ما أحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك، من أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم".

كون الذبيح إسحاق مسألة خلافية بين أهل العلم، لكن المرجح عند أهل التحقيق أنه إسماعيل -عليه السلام-.

"وقال ابن عباس: لما قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني، وأنا أريد أن تسجنه، فسجنه في السجن، فكان يعزي فيه الحزين، ويعود فيه المريض، ويداوي فيه الجريح، ويصلي الليل كله، ويبكي حتى تبكي معه جدر البيوت وسقفها والأبواب، وطهر به السجن، واستأنس به أهل السجن، فكان إذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع يوسف، وأحبه صاحب السجن فوسع عليه فيه، ثم قال له: يا يوسف! لقد أحببتك حبًّا لم أحب شيئًا حبك، فقال: أعوذ بالله من حبك، قال: ولم ذلك؟ قال: أحبني أبي ففعل بي إخوتي ما فعلوه، وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى، فكان في حبسه حتى غضب الملك على خبازه وصاحب شرابه، وذلك أن الملك عمَّر فيهم فملوه، فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه جميعًا، فأجاب الخباز، وأبى صاحب الشراب، فانطلق صاحب الشراب فأخبر الملك بذلك، فأمر الملك بحبسهما، فاستأنسا بيوسف، فذلك قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ} [يوسف: 36]، وقد قيل: إن الخباز وضع السم في الطعام، فلما حضر الطعام قال الساقي: أيها الملك! لا تأكل فإن الطعام مسموم.

وقال الخباز: أيها الملك لا تشرب! فإن الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب! فشرب فلم يضره، وقال للخباز: كل، فأبى، فجرب الطعام على حيوان فنفق مكانه".

يعني مات.

"فحبسهما سنة، وبقيا في السجن تلك المدة مع يوسف. واسم الساقي منجى، والآخر مجلث، ذكره الثعلبي عن كعب.

وقال النقاش: اسم أحدهما شرهم، والآخر سرهم، الأول بالشين المعجمة، والآخر بالسين المهملة.

وقال الطبري: الذي رأى أنه يعصر خمرًا هو نبو، قال السهيلي: وذكر اسم الآخر ولم أقيده. وقال: {فَتَيانِ} [يوسف: 36]؛ لأنهما كانا عبدين، والعبد يسمى فتى، صغيرًا كان أو كبيرًا، ذكره الماوردي".

«لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي».

"وقال القشيري: ولعل الفتى كان اسمًا للعبد في عرفهم، ولهذا قال: {تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 30]. ويحتمل أن يكون الفتى اسمًا للخادم وإن لم يكن مملوكًا، ويمكن أن يكون حبسهما مع حبس يوسف أو بعده أو قبله، غير أنهما دخلا معه البيت الذي كان فيه. {قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً} [يوسف: 36] أي عنبًا".

لأن الخمر لا يُعصر، الخمر لا يعصر، إنما الذي يُعصر العنب، وأطلق عليه خمر باعتبار ما كان أو ما سيكون، يطلق على العنب خمر باعتبار ما سيكون، ولذا قولهم: مطاحن الدقيق، الدقيق لا يُطحن إلا باعتبار ما كان، لما كان حبًّا يُطحن.

طالب: ..........

ماذا فيه؟

طالب: ..........

نعم.

طالب: ..........

 {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ} [يوسف: 36]، دخل مع يوسف السجن فتيان.

"كان يوسف قال لأهل السجن: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: تعال حتى نجرب هذا العبد العبراني، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئًا، قاله ابن مسعود. وحكى الطبري أنهما سألاه عن علمه فقال: إني أعبر الرؤيا، فسألاه عن رؤياهما. قال ابن عباس ومجاهد: كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها، ولذلك صدق تأويلها.

وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا».

وقيل: إنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجريبًا، وهذا قول ابن مسعود والسدي.

وقيل: إن المصلوب منهما كان كاذبًا، والآخر صادقًا، قاله أبو مجلز.

وروى الترمذي عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال: «من تحلم كاذبًا كُلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما»".

هذا تعجيز، هذا تعجيز، يؤتى بحبتين من الشعير يقال: اعقد بينهما؛ كما أن المصور يُكلف أن ينفخ في كل صورة صورها الروح، وليس بنافخ؛ ليظهر عجزه في العيان، وهو عاجز في الغيب لكن ظهور العجز في العيان وأمام الناس هذا فيه نكال له.

طالب: ..........

«من تحلم»؟

طالب: ..........

حديث الترمذي؟

طالب: ..........

صحيح ما فيه إشكال.

طالب: ..........

هذا غالبًا في مسلم، صحيح مسلم، هذا في مسلم.

"قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وعن عليٍّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة». قال: حديث حسن. قال ابن عباس: لما رأيا رؤياهما أصبحا مكروبين، فقال لهما يوسف: مالي أراكما مكروبين؟ قالا: يا سيدنا! إنا رأينا ما كرهنا، قال: فقصا عليَّ، فقصا عليه، قالا: نبئنا بتأويل ما رأينا، وهذا يدل على أنها كانت رؤيا منام.

{إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] فإحسانه أنه كان يعود المرضى، ويداويهم، ويعزي الحزانى، قال الضحاك: كان إذا مرض الرجل من أهل السجن قام به، وإذا ضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له، وسأل له.

وقيل: {مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] أي العالمين الذين أحسنوا العلم، قاله الفراء.

وقال ابن إسحاق: {مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36] لنا إن فسرته، كما يقول: افعل كذا وأنت محسن. قال: فما رأيتما؟ قال الخباز: رأيت كأني اختبزت في ثلاثة تنانير، وجعلته في ثلاث سلال، فوضعته على رأسي فجاء الطير فأكل منه.

وقال الآخر: رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض، فعصرتهن في ثلاث أوانٍ، ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى، فذلك قوله: {إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً} [يوسف: 36] أي عنبًا، بلغة عمان، قاله الضحاك. وقرأ ابن مسعود: (إني أراني أعصر عنبًا) [يوسف: 36].

وقال الأصمعي: أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابيًّا ومعه عنب فقال له: ما معك؟ قال: خمر.

وقيل: معنى. {أَعْصِرُ خَمْراً} [يوسف: 36] أي عنب خمر، فحذف المضاف. ويقال: خمرة وخمر وخمور، مثل تمرة وتمر وتمور.

{قالَ} [يوسف: 37] لهما يوسف: {لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ} [يوسف: 37] يعني لا يجيئكما غدًا طعام من منزلكما {إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 37] لتعلما أني أعلم تأويل رؤياكما، فقالا: افعل! فقال لهما: يجيئكما كذا وكذا، فكان على ما قال، وكان هذا من علم الغيب خص به يوسف. وبيَّن أن الله خصه بهذا العلم؛ لأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله، يعني دين الملك. ومعنى الكلام: عندي العلم بتأويل رؤياكما، والعلم بما يأتيكما من طعامكما، والعلم بدين الله، فاسمعوا أولًا ما يتعلق بالدين؛ لتهتدوا، ولهذا لم يعبر لهما حتى دعاهما إلى الإسلام، فقال: {يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ. ما تَعْبُدُونَ} [يوسف: 39-40]".

يا ليت كل من كان الناس به حاجة أن يستغل هذه الحاجة للدعوة، فلما احتاجا إلى يوسف -عليه السلام- دعاهما، والمحتاج في الغالب يستجيب إلى من احتاج إليه، ولو أن الأطباء استغلوا حاجة المرضى إليهم في دعوتهم إلى الخير لنفع الله بهم نفعًا عظيمًا، فالناس بحاجة ماسة إلى ما يشفي قلوبهم وأبدانهم، لكن هم ما يحسون بالأمور المعنوية، قد يكون القلب مريضًا مرضًا معنويًا، فلا يبحث له عن دواء، لكن إذا كان قلبه مريضًا مرضًا حسيًّا ذهب إلى الأطباء، ونفذ ما يقول له الأطباء بدقة، فهم محتاجون إلى مثل هذا، فلو استُغلت هذه الحاجة، ومثله الفقير لو جاء إلى الغني يسأله من ماله، فاستغل الغني دعوته، لنفع الله به، وهكذا.

لما احتاجا إلى يوسف، استغل هذه الحاجة في دعوتهم إلى التوحيد، والله المستعان.

"وقيل: علم أن أحدهما مقتول، فدعاهما إلى الإسلام؛ ليسعدا به.

وقيل: إن يوسف كره أن يعبر لهما ما سألاه لما علمه من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما، وأخذ في غيره فقال: {لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ} [يوسف: 37] في النوم {إِلَّا نَبَّأْتُكُما} [يوسف: 37] بتفسيره في اليقظة، قاله السدي، فقالا له: هذا من فعل العرافين والكهنة، فقال لهما يوسف -عليه السلام-: ما أنا بكاهن، وإنما ذلك مما علمنيه ربي، إني لا أخبركما به تكهنًا وتنجيمًا، بل هو بوحي من الله -عزَّ وجلَّ-.

وقال ابن جريج: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعامًا معروفًا فأرسل به إليه، فالمعنى: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة، فعلى هذا {تُرْزَقانِهِ} [يوسف: 37] أي يجري عليكما من جهة الملك أو غيره. ويحتمل يرزقكما الله. قال الحسن: كان يخبرهما بما غاب، كعيسى -عليه السلام-. وقيل: إنما دعاهما بذلك إلى الإسلام، وجعل المعجزة التي يستدلان بها إخبارهما بالغيوب.

قوله تعالى: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38]؛ لأنهم أنبياء على الحق. {مَا كَانَ} [يوسف: 38] أي ما ينبغي لنا {لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [يوسف: 38]".

بهذه الآية يستدل أهل العلم في كون الجد أبًا، يستدل أهل العلم بهذه الآية وما جاء في مثلها يستدلون بها على كون الجد أبًا، ويحجبون به الإخوة.

"{مِنْ} [يوسف: 38] للتأكيد، كقولك: ما جاءني من أحد. وقوله تعالى: {ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا} [يوسف: 38] إشارة إلى عصمته من الزنى. {وَعَلَى النَّاسِ} [يوسف: 38] أي على المؤمنين الذين عصمهم الله من الشرك.

وقيل: {ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا} [يوسف: 38] إذ جعلنا أنبياء، {وَعَلَى النَّاسِ} [يوسف: 38] إذ جعلنا الرسل إليهم. {وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} [يوسف: 38] على نعمة التوحيد والإيمان".

اللهم صل على محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.