شرح العقيدة الواسطية (13)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه أسئلة من الإنترنت من الخارج.

نكمل آيات المحبة ثم نقرأ إن شاء الله تعالى.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- وقوله:    في هذه الآية كسابقاتها إثبات المحبة لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته    والشأن كل الشأن في أن الله يحب الإنسان،  يبادلونه المحبة ويبرهنون على هذه المحبة بالإخلاص والاتباع وليست دعوى،             أما مجرد الدعاوى لا تنفع أصحابها، ففي قوله:   إثبات المحبة لله -جلَّ وعلا- وهذا مذهب أهل السنة والجماعة إثبات الصفة على ما يليق بجلال الله وعظمته من غير ما تقدم من تأويل وتحريف وتمثيل ولا تكييف على ما يليق بالله -جلَّ وعلا-، والأشاعرة يؤولونها بلازمها من إرادة الثواب من لازم المحبة إرادة الثواب، والمعتزلة لا يثبتون الإرادة يعني الأشاعرة فروا من إثبات المحبة إلى إثبات الإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، وأما المعتزلة الذين لا يثبتون الإرادة أيضًا ماذا يقولون؟ أن المحبة هي الثواب، المحبة هي الثواب، وهذا جارٍ على أصولهم في نفي جميع الصفات عن الله -جلَّ وعلا- وتأويل ما جاء في القرآن على هذه الكيفية، وكون قوله -جلَّ وعلا-:   يعني تلزمه محبتهم التي هي ثوابهم؛ لأن الثواب عند المعتزلة يجب على الله -جلَّ وعلا- أن يثيب المطيع، وهذا قول في غاية الضلال -نسأل السلامة والعافية- ويحبونه، ومن لازم المحبة ما يذكر في محبة الله -جلَّ وعلا- لعبده من توفيقه للإخلاص والاتباع، وعبادة الله -جلَّ وعلا- وتحقيق ما خُلق من أجله؛ ولذا كما جاء: «الدنيا يعطيها الله -جلَّ وعلا- من يحب ومن لا يحب» فمن وُفق في تصريف هذه الدنيا على مراد الله -جلَّ وعلا- هذا دليل على أن الله يحبه، ومن لم يُوفق هذا دليل على أن الله -جلَّ وعلا- لا يحبه، وقوله:               إن الله يحب، ففي هذا إثبات المحبة لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلال الله وعظمته. {يقاتلون} يجاهدون أعداءه في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا وهو الذي في سبيل الله لا الذي يقاتل شجاعة ولا حمية ولا عصبية ولا ليقال، وإنما يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا، فهذا يحبه الله -جلَّ وعلا- حال كونهم صفًّا يصفون يُرون العدوّ اتحادهم واتحاد كلمتهم، ولا يكونون مشتتين مبعثرين؛ إنما يكونوا صفًا واحدًا {كأنهم بنيان مرصوص} من شدة الالتصاق والتلاحم بينهم الظاهري الذي يدل على التلاحم الباطني لا شك أن التصرفات الظاهرة لها دلالاتها على الصفات الباطنة، فإذا تلاحم الناس والتصق بعضهم ببعض دل على أن قلوبهم متقاربة بخلاف ما إذا تنافروا، مثال ذلك في الصلاة مثلاً يعني كونك تقرب إلى أخيك وتلتصق به دليل على أنك ما بينك وبينه نفرة ولا شيء، لكن كونك تبعد عنه دل على أنك تكرهه كراهية حسية أو معنوية، لماذا أبعدت عنه؟ إما لأنك تكرهه كراهية حسية؛ لأنه ينبعث منه روائح، ينبعث منه شيء، فالنفرة موجودة على كل حال مع وجود هذه الفجوات، نعم قد يوجد من الناس من لديه حساسية من شدة الالتصاق، وهو ما يقبل أحد أن يقرب منه، خلقة؛ لأن بعض الناس يتفاوتون، بعض الناس ما يبيك تلمس رجله أبدًا، فمثل هذا له وضعه وله ظرفه، لكن الإشكال فيما يدل على النفرة الذي لا سبب له حسي, بعض الناس ما يُقبل الالتصاق به لما ينبعث منه من روائح كأنهم بنيان مرصوص, وجاء في وصف المؤمنين بأنهم كالبنيان يشد بعضه بعضًا، فهذا في عموم الأحوال، فكيف بالحال التي يطلب فيها التلاحم والتراص مثل الصلاة ومثل الجهاد؟ فهذا من باب أولى وقوله -جلَّ وعلا-: فعول صيغة مبالغة تدل على تكرار المغفرة والمغفرة الستر، ستر الذنوب ممن أتى بها، غفور الساتر للذنوب، ودود فعول من الود وهو خالص المحبة. في هذه الآية إثبات اسم الغفور، والودود لله -جلَّ وعلا-، ويؤخذ من الأسماء صفات، فصفة المغفرة ثابتة لله -جلَّ وعلا- لما جاء فيها ما يخصها، ومن إثبات اسمه الغفور، وكذلك صفة الود والمحبة ثابتة لله -جلَّ وعلا- من هذه الآية وغيرها. وقوله:      تقدم الكلام على البسملة في أول شرح الكتاب.

يقول: هل ورد حديث: لا يفضي أحدكم ببشرته وبشرة أخيه؟

أولاً لا أعرف هذا الحديث، لكن النصوص تدل على خلافه، وأن الصحابة كانوا يلصقون الأقدام بالأقدام، وأيضًا جاء الأمر بالمحاذاة في الأرجل وفي الركب وفي المناكب مما يدل على أن التراص مطلوب، لكن إذا كان هناك شخص لا يتحمل مثل هذا الأمر فلا شك أن له ظرفه إذا كان خلقة إذا كان لا يستطيع هذا معفو عنه؛ لأن بعض الناس عنده من الحساسية ما لا يستطيع معه مثل هذا الأمر، وإلا فالأصل التراص، وليس من التراص في شيء من يُلزق قدمه بقدم أخيه مع إبعاده ما بين القدمين؛ لأن بعض الناس يحاول يلزق القدم بالقدم لكن يفحج يعني يأخذ مكان اثنين ويقول: هذا التراص، فنقول: لا يا أخي إذا كنت حاذيت بالقدمين ما حاذيت بالمناكب، والمحاذاة مطلوبة بجميع البدن والنصوص تدل على أن المصلي لا بد أن يكون مكانه بقدره من أوله إلى آخره بقدره، أما أن يبعد ما بين القدمين مكان اثنين أو ثلاث نقول: هذه المحاذاة أبدًا، هذا ليس بصحيح، فالمحاذاة لابد أن يكون مكان الإنسان بقدره بجميع بدنه.

وقوله:      في هذا إثبات الأسماء الثلاثة: الله والرحمن والرحيم، وإثبات الصفات المأخوذة من هذه الأسماء الألوهية والرحمة، فالله -جلَّ وعلا- هو الإله المعبود بحق والرحمن فيه صفة الرحمة التي سبق الحديث عنها في البسملة ولا يجوز تأويلها، فيه إثبات صفة الرحمة لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته خلافًا لما يدعيه المبتدعة من تأويلها بإرادة الإنعام أو هي الثواب نفسه عند المعتزلة كما يقولون بوجوبه على الله -جلَّ وعلا-، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، قالوا: الرحمن أبلغ من الرحيم، ويتناول أكثر ما يتناوله الرحيم؛ لأنه رحمن للمسلمين وغير المسلمين لمن آمن وغير آمن، الرحمة عامة شاملة، وأما الرحيم فقوله -جلَّ وعلا-: تدل على أن هذه الرحمة خاصة للمؤمنين، ثم قال: في هذه الآية ما يدل على سعة رحمة الله -جلَّ وعلا- كما قال:          ﭨﭩ بحيث استشرف لها إبليس، لكن لما جاء بعدها          ﭨﭩ لمن؟

طالب: ...............

نعم ليست لكل أحد، نعم واسعة، رحمته واسعة وفضله واسع وكرمه وجوده، لكن أيضًا عذابه شديد، وسيأتي في آيات الغضب والانتقام ما يدل على هذا.

         ﭨﭩ              ﭯﭰ كتب يعني: ألزم وأوجب على نفسه من غير أن يُوجب عليه، كما قال -جلَّ وعلا-: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» فالذي حرم الظلم على نفسه هو الذي كتب على نفسه الرحمة كرمًا منه وجودًا:              ﭯﭰ ففي هذا إثبات النفس لله -جلَّ وعلا-، وفيه أيضًأ الربوبية قبل ذلك والنفس والرحمة، وتقدم الكلام على الربوبية في مقدمة الكتاب، وكذلك النفس، وقلنا: هل تقوم الذات مقام النفس أو لا تقوم؟ في كلام أطلناه في وقته، والرحمة كما تقدم فيه إثبات هذه الصفة لله -جلَّ وعلا- من غير تعرض لتأويلها ولا تكييفها، وهو الغفور الرحيم.

الذين نفوا الرحمة قالوا: الأصل أن الرحمة رقة في القلب، وهذه لا تناسب الرب -جلَّ وعلا-؛ لأنها يلزم منها مشابهة المخلوق، فتأولوها على إرادة الثواب أو إرادة الإنعام كما يقولون، متى وصلوا إلى التأويل؟ بعد أن وقعوا في التشبيه فرُّوا منه إلى التأويل، فهم تصوروا أن الرحمة تتضمن نقصًا؛ لأن فيها رقة في القلب، والرقة في القلب الأصل فيها شيء من الضعف، هذا بالنسبة للمخلوق؛ ولذا ضعف المخلوق لخالقه ورقته وبكاؤه وانكساره بين يديه شرف للمخلوق وإن كانت في الأصل فيها شيء من الضعف، لكن ضعف لمن؟ انكسار بين يدي الجبار -جلَّ وعلا-، الرحمة هذه وإن كان فيها ما يشعر بالنسبة للمخلوق إلا أنها بالنسبة للخالق متعدية إلى المرحوم، فالراحم متفضِّل والمرحوم متفضَّلٌ عليه، وإثبات صفة الرحمة لله -جلَّ وعلا- من باب إثبات اسم المفعول الذي هو الراحم، فالكمال في الراحم أو في المرحوم؟ في الراحم، والمثبت لله -جلَّ وعلا- الرحمة التي تتعدى إلى المرحوم، فهذه في الحقيقة صفة كمال ولا تشعر بنقص بأي وجه من الوجوه، يعني هم قلبوا الدعوى قالوا: مادامت الرحمة رقة في القلب وهذا الأصل فيها، كما أن الغضب على ما سيأتي عندهم غليان في الدم يأتي الكلام فيه، لكن الرحمة قالوا: رقة، والرقة ضعف، فكيف يوصف الرب -جلَّ وعلا- بالضعف؟

لكن هل الضعف في الراحم أو في المرحوم؟ في المرحوم، والراحم هو الذي تفضل على المرحوم، فهي صفة كمال بالنسبة للراحم وإن كانت بالنسبة للمرحوم تشعر بشيء من النقص والله -جلَّ وعلا- راحم وهو أرحم الراحمين، هم في الأول شبهوا ثم تأولوا ووقعوا في التعطيل؛ لأن من لازم نفي الصفة تعطيلها ولو أولوها على غير ما ثبت عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: .............

يعني باعتبار ما كان، هو باعتبار ما كان مشبهًا، وأيضًا استصحاب هذه الصورة في ذهنه تشبيه.

طالب: .............

لا، المعطِّل يعبد عدمًا والمشبه يعبد صنمًا، وهذا يمكن يأتي مع استكمال الآيات والأحاديث -إن شاء الله تعالى-.

طالب: .............

يعني ما أثبته غير ما أثبته الله لنفسه، يعني ما أثبته مما يشابه المخلوق غير ما أثبته الله -جلَّ وعلا- لنفسه فهو معطل لما جاء في النصوص، مثبت وموغل في إثبات غير ما جاء في النصوص.

طالب: .............

نعم من هذه الحيثية،   ﭟﭠ   فيه أيضًا وصف الله -جلَّ وعلا- بأنه هو الحافظ وهو الذي يكلأ عباده ويحفظهم، {وهو أرحم الراحمين} في ذلك إثبات صفة الرحمة لله -جلَّ وعلا-، ويدل على أن هذه الصفة تثبت لغيره يدل على ذلك الجمع، المخلوق فيه رحمة، والخالق فيه رحمة، رحمة الخالق تختلف عن رحمة المخلوق، لكل ما يليق به فالله -جلَّ وعلا- أرحم الراحمين، يدل على أن هناك من فيه رحمة، والرحمة مطلوبة بين الخلق: «الراحمون يرحمهم الرحمن» فهي صفة مطلوبة، هذه الرحمة التي جعلها الله –تعالى- في قلوب العباد يتراحمون بها، وهي جزء من مائة جزء، وبها يتراحم الناس، وهي صفة كمال بالنسبة للمخلوق، وبالنسبة للخالق من باب أولى فهو أرحم الراحمين، وإذا أثبتنا للرحمن رحمة وأثبتنا للمخلوق رحمة كان لكل منهما ما يخصه كما أن -على ما سيأتي في الوجه- يقول ابن خزيمة في كتاب التوحيد له: الله -جلَّ وعلا- أثبت له الوجه، وللمخلوق وجه، ولكل واحد من المخلوقات وجه؛ للإنسان وجه، وللبعير وجه، وللجرادة وجه، وللخنزير وجه، وللكلب وجه، وللحمار وجه، فهل تتشابه هذه الوجوه مع اشتراكها بأنها كلها محدثة مخلوقة، هل تتشابه؟ فإذا كان هذا القدر الكبير من التفاوت بين ما يجمعه الخلق والإيجاد والإحداث، فكيف يقع التشابه بين الخالق والمخلوق وهو أرحم الراحمين.

وقوله: ﰒﰓ يعني مثلما تقدم   فكما أنهم يفعلون ما يقتضي حبه إياهم لا بد من أن يحبوه ويطيعوه فكذلك ﰒﰓ فإذا أردت أن يرضى الله -جلَّ وعلا- عنك فارض عنه بفعل ما طلبه منك، مخلصًا فيه متبعًا، {رضي الله عنهم ورضوا عنه} رضي عنهم وحينئذٍ وفقهم لعبادته فرضوا عنه وارتاحوا لعبادته في الدنيا، ورضوا بثوابه في الآخرة، وفي هذا إثبات صفة الرضا لله -جلَّ وعلا- وإثباتها للمخلوق، ولا قدر مشترك بين الصفتين، فللخالق ما يخصه وللمخلوق ما يخصه، إذا كانت المخلوقات تتفاوت تفاوتًا كبيرًا يعني إذا نظرنا إلى المخلوقات أنفسهم لا سيما ما يقع من أمور الدنيا إذا قورن بأمور الآخرة لا مناسبة ولا مقارنة بينهم، لو نظرت إلى الرمان في الدنيا والرمان في الآخرة، يقول ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» فإذا كان فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر يعني تتصور أن الرمانة التي في الدنيا هي المنصوص عليها في القرآن في الجنة؟ أبدا، وإذا كان هذا في المخلوقات، فكيف بالتفاوت بين الخالق والمخلوق، إذًا لكل منهما ما يخصه، ففي قوله -جلَّ وعلا-: ﰒﰓ فيه إثبات صفة الرضا لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته كبقية الصفات، وقوله: -نسأل الله السلامة والعافية-، هل لقوله -جلَّ وعلا-: "مؤمن" مفهوم يخرج المسلم ويخرج الكافر من باب أولى أو لا مفهوم له؟ لأن الإيمان وصف كمال قد لا يناله بعض المسلمين، أو نقول: إن الإيمان هنا ذكر على جهة الانفراد، والإسلام والإيمان إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، فعلى هذا يدخل في المؤمن المسلم عمومًا وإن كان مقصرًا، لكن لا شك أن العذاب يتفاوت بقدر منزلة هذا المقتول، فالذي يقتل نبيًّا ليس كمن يقتل إنسانًا عاديًا مهما بلغت منزلته، الذي يقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مقرون بقتل الأنبياء ليس بقتل عاديَّ الناس، الذي يقتل عالمًا -نفع الله به في علمه وعمله- ليس كمن يقتل رجلاً عاديًّا من الناس، والذي يقتل مؤمنًا مستقيمًا متبعًا ملتزمًا ليس كمن يقتل فاسقًا، وقل مثل هذا من باب أولى الذي يقتل مسلمًا ليس كمن يقتل الكافر، وإن جاء الوعيد الشديد فيمن يقتل المعاهد أو الذمي أو ما أشبهه، لكن المسألة درجات، يعني: هل الذي يقتل نبيًّا مثل الذي يقتل شخصًا من سائر الناس؟ أبدًا، وقد قرن بقتل الأنبياء الذين يأمرون بالقسط من الناس ليس الأمر بالسهل.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: {ومن  يقتل مؤمنًا متعمدًا} بهذا القيد قاصدًا قتله بما يقتل لكن إذا قصد أذاه بما لا يقتل مع القصد، هذا يسمى شبه عمد وليس بعمد، العمد أن يقصد قتله بما يقتل، شبه العمد أن يقصد الأذى بما لا يقتل فمات هذا شبه عمد، وأما إذا لم يقصد بالكلية، ما قصد، سدد سهمه نحو صيد فمر إنسان فقتله به هذا قتل خطأ، وفيه الآية المتقدمة:               ﭘﭙ الخطأ لا شك أن له أحكامه، لكن الإشكال في العمد قاصدًا قتله بما يقتل -نسأل الله السلامة والعافية- وجهنم من أسماء النار خالدًا فيها، هذا الخلود أشكل على قاعدة أهل السنة الذين لا يرون الخلود في النار إلا لمن مات على الكفر والشرك الأكبر -نسأل الله السلامة والعافية- والذي يقتل متعمدًا ليس بكافر عند أهل السنة، ابن عباس يرى أنه لا توبة له، نُقل عن ابن عباس هذا، ومنهم من يقول: خالدًا فيها إن استحل القتل، وبهذا يكفر؛ لأنه استحل ما أُجمع على تحريمه فيستحق الخلود، ومنهم من يقول: الخلود هنا عبارة عن طول الإقامة ولو خرج بعد ذلك، ومنهم من يقول الآية من نصوص الوعيد التي لا تُتأول بل تُمر كما جاءت؛ لأنه أبلغ في الزجر.

وهنا الشاهد إثبات صفة الغضب لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تأويل؛ لأن الأشاعرة أولوها بإرادة الانتقام، والمعتزلة قالوا: الغضب هو الانتقام نفسه؛ لأنهم لا يثبتون الإرادة، الأشاعرة يثبتون الإرادة فيؤولون الغضب بها يقولون: إرادة الانتقام بلازمها.

إثبات أن الله -جلَّ وعلا- يلعن، وحينما يقال: إن المخلوق يلعن والنساء يكثرن اللعن فإنما يدعون بلعنة الله على من أرادوا الدعاء عليه، معنى اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله -جلَّ وعلا- وقوله:   أسخط الله دلالة على أن الله -جلَّ وعلا- يسخط ويكره، والسخط والكره والبغض متقاربة المعاني، لكن كلها ثابتة لله -جلَّ وعلا- وقوله:   ففي هذا إثبات السُّخْط لله -جلَّ وعلا- والرضا على ما يليق بجلاله وعظمته كما تقدم في الصفات الأخرى، وقوله -جلَّ وعلا-: فلما آسفونا المعنى..، هل نقول: إن تفسيرنا آسفونا بأغضبونا تأويل؟

طالب: ............

نعم، أشد، فيه إثبات ما دلت عليه الآية وإن كان بعضهم في مثل هذا السياق يقول: إن هذا مقابلة؛ لأنها اشتملت على شرط وجزاء كما في قوله -جلَّ وعلا: ﯕﯖ ومن ذلك المكر، والاستهزاء، والنسيان، الذي في قوله: ﯕﯖ كل هذا يقولون من باب المقابلة يعني وُجد من المخلوق ما يقتضيه فوُجد، الأسف قد يطلق ويراد به شدة الحزن لكنه بهذا يُمكن أن إطلاقه على الله -جلَّ وعلا-؟ لا، فهنا يكون معناه..، يُثبت لفظه كما جاء عن الله -جلَّ وعلا- ولا يُتأول ويكون معناه قريبًا من معنى الغضب فيُثبت لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، وإلا فأسف المخلوق دليل على حزنه، وبهذا يفترق ما يضاف إلى الخالق وما يضاف إلى المخلوق {انتقمنا منهم} من هذا يؤخذ صفة الانتقام لله -جلَّ وعلا- فالله -جلَّ وعلا- ينتقم من المخالفين، وقوله: ولكن كره الله، فالله -جلَّ وعلا- يكره، يرضى لكم ثلاثًا ويكره ثلاثًا، فالكره، صفة الكره لله -جلَّ وعلا- ثابتة، ولكن كره الله بالكتاب وصحيح السنة، وتُطلق هذه الصفة -جلَّ وعلا- تُثبت لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته ؛ لأن انبعاثهم لا خير فيه إن انبعثوا مع المقاتلين خَذَّلُوهم وفتُّوا من عضدهم، وقد ينسحبون فيحصل الخلل بسبب انسحابهم فثبطهم، وقوله -جلَّ وعلا-:   والمقت هو شدة الغضب، فيُثبت لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته على مقتضى هذه الآية وما جاء في بعض الأحاديث: «إن الله -جلَّ وعلا- يمقُت» ونقف على صفة الإتيان والمجيء في الدرس القادم -إن شاء الله تعالى-.

يقول: هل من لازم إثبات الصفة إثبات الاسم؟

المقرر عند أهل العلم أن دائرة الأسماء أضيق من دائرة الصفات، دائرة الصفات أضيق من دائرة الإخبار، فالإخبار لا يؤخذ منه صفة، والصفة لا يؤخذ منها اسم، بينما الاسم يُشتق منه صفة ويُخبر عنه بل يخبر به.

يقول: هذا أيضًا السؤال عن حكم من أتى ساحرًا لعمل سحر أو لمجرد الفضول، فهل يكون بفعله هذا كافرًا كفرًا أكبر، المخرج من الملة، أو هناك تفصيل؟

إن صدقه بما يقول فقد كفر، وإن لم يصدقه مجرد إتيان ولم يصدقه، فهذا لا تقبل صلاته أربعين يومًا.

-هذا تكرر ثلاث مرات أو أربع- يقول: نحن دخلنا في دورة نحو عند شيخ متمكن مجاز من قبل كبار المشايخ في النحو، وتبين لنا بعد ذلك أنه أشعري المعتقد، فهل تنصحوننا أن نكمل معه هذه الدورة أو نخرج؟

على كل حال إذا كان يوجد في البلد غيره ممن هو أسلم منه في المعتقد، فالعلم دين فانظر عمن دينك ولو كان "نحو" ولو كان "تاريخ" ولو كان أي علم من العلوم، فالعلم دين فانظر عمن تأخذ دينك إذا لم يوجد في البلد غيره، فلا مانع من أن تأخذ عنه العلم وتكون على حذر في الأمور التي خالف فيها أهل مذهبه مما يمر عليك من أمثلة وتطبيقات.

يقول: هل يعد قول: يا رسول الله ادع الله لي، شركًا، أم أنه يعد من البدع ولا يصل إلى درجة الشرك؟

يقول: هل يعد قول: يا رسول الله ادع الله لي، شركًا، أم أنه يعد من البدع ولا يصل إلى درجة الشرك؟ في مجموع الفتاوى -ذكر الجزء والصفحة- وإن قلت هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيبه إذا دعوته، فهذا إذا دعا الله أجاب الله دعاءه يعني النبي -عليه الصلاة والسلام- أعظم مما يجيبه إذا دعوته.
هذا الكلام صحيح لو كان حيا حياة كاملة قبل مفارقة روحه لبدنه الشريف -عليه الصلاة والسلام-، أما بعد وفاته وإن كان حيًا حياة أكمل من حياة الشهداء إلا أنها تختلف عن حياة من روحه بين جنبيه حياة برزخية الله أعلم بها.
يقول: فهذا هو القسم الثاني وهو ألا نطلب منه الفعل ولا ندعوه، ولكن تطلب أن يدعو لك كما تقول للحي: ادع لي ؟
نعم هذا في حياته -عليه الصلاة والسلام- أما بعد وفاته فلا، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يستسقون به يطلبون دعاءه في الاستسقاء، فلما مات -عليه الصلاة والسلام- لم يذهبوا إلى قبره وإنما ذهبوا إلى عمه العباس؛ لأنه حي قادر أن يدعو الله -جلَّ وعلا-، وكما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يطلبون من النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء فهذا مشروع من الحي كما تقدم، وأما من الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا، ولا ورد فيه، ولا اسأل لنا ربك، ولم يفعل ذلك أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث، بل ثبت في الصحيح أنهم إذا كانوا لما أجدبوا زمن عمر -رضي الله عنه- استسقى بالعباس، يعني: طلب منه أن يستسقي، يطلب السقيا من الله -جلَّ وعلا- لا يستسقوا بذاته، وإنما استسقوا بدعائه، طلبوا منه؛ لأن السين والتاء للطلب فهم طلبوا منه أن يستسقي، والاستسقاء أيضًا طلب السقيا من الله -جلَّ وعلا- وقال: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعَمّ نبينا فاسقنا» التوسل إذا كان بالعمل الصالح لا بذوات الأشخاص لا إشكال فيه، وقد توسل الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار بأعمالهم الصالحة فكشف الله عنهم ما هم فيه، فالتوسل إلى الله -جلَّ وعلا- بالأعمال الصالحة ومنها دعاء من يُرجى إجابة دعائه «وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» فيسقون ولم يجيئوا إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلين: يا رسول الله ادع الله لنا واستسق لنا، ونحن نشكو إليك ما أصابنا ونحو ذلك ..، لم يفعلك ذلك أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة، إذا طلبوا من النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد وفاته أن يدعو لهم بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- يسلمون عليه، فإذا أرادوا الدعاء لم يدعُ الله مستقبلي القبر الشريف، بل ينحرفون ويستقبلون القبلة، ومع الأسف تجد كثيرًا من المسلمين يستقبل القبر عند الدعاء، بل وجدنا من يسجد إلى القبر، لكنه خارج المسجد يسجد إلى القبر والقبلة وراءه أو عن يمينه أو عن شماله يستقبل القبر -نسأل السلامة والعافية-، وهذا أمر خطير جدًا، وهذه عبادة لهذا القبر وإن كان فيه الجسد الطاهر عليه من الله صلواته وسلامه، بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- يسلِّمون، فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله يسلِّمون عليه، كيف يسلمون على النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ يعني من وراء الحجرة؛ لأنهم لا يستطيعون الدخول إلى القبر، وقياس هذا أن يسلم على القبور عند المرور من السور -سور المقابر- خلافًا لمن يقول: إنهم لا يسلم عليهم إلا إذا دخل عليهم، فإذا منعنا مثل هذا نمنع السلام عليه -عليه الصلاة والسلام- إذا جئنا إلى الحجرة ولم نتمكن من الدخول فالحكم واحد فجدران، الحجرة بمثابة أسوار المقبرة، فإذا أرادوا الدعاء لم يدعوا الله مستقبلي القبر الشريف، بل ينحرفون ويستقبلوا القبلة ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع.
والسؤال: ادع الله لي شرك أم أنه يعد من البدع؟
يعني أقل أحواله البدعة إذا كان يجزم أن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وفي هذه الحالة لا يستطيع أن يلبي طلبه؛ وإنما رأى أن هذا المكان أرجى من غيره، وطلب من النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا أقل أحواله البدعة، لكن إن وقر في قلبه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يملك مثل هذه الأمور وهو في قبره وأنه ينفعه كما لو كان حيًّا، فهذا أمر خطير -نسأل الله السلامة والعافية-.

يقول: إذا قلنا: إن معنى «والذي نفسي بيده» روحي في تصرفه، هذا تأويل بأحد لوازمها، فما معناها الحقيقي بلا تأويل؟

المعنى الحقيقي أن اليد تُثبت لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته والنفس تُضاف للمخلوق، كما أن الله -جلَّ وعلا- أثبت له نفسًا، ونفس المخلوق هي روحه، يعني تأويل نفس المخلوق بالروح، يعني لو قال الإنسان: معنى القسم هذا: والله الذي روحي بيده، ما فيه إشكال، فالأرواح بيد الله -جلَّ وعلا- يقبضها متى شاء.

يقول: لماذا كان الاستثناء منقطعًا في قوله: غير محلي الصيد؟

لأن الصيد مستثنى من بهيمة الأنعام، وبهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، والصيد ليس من بهيمة الأنعام، ومادام استُثني من غير جنسه صار الاستثناء منقطعًا، لو قلت: قام القوم إلا زيدًا استثناء منقطع متصل؛ لأن المستثنى من جنس المستثنى منه، لكن لو قلت: قام القوم إلا حمارًا، صار الاستثناء منقطعًا؛ لأن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه.

هذا يقول: ما رأيكم في القول بأن التواب أفضل من التائب، وذلك لأنه لا يلزم من وقوع التوبة حصول الذنب، فضلاً عن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يستغفر كل يوم مائة مرة، ومعلوم عصمة الأنبياء، وكذلك صيغة أفعل التفضيل؟

الذي يكثر التوبة، -التوبة واجبة {توبوا إلى الله جميعًا} فهي واجبة- فالذي يكثر منها مع قلة ذنوبه لا شك أنه أفضل ممن يكثر منها مع كثرة ذنوبه فضلاً عمن لا يأتي بها إلا نادرًا فيكون تائبًا، وليس بتواب، على كل حال إذا كان مرد كثرة التوبة حتى استحق صفة المبالغة ناشئ عن كثرة الذنوب فليس في هذا مزية على غيره، بل الذي لا يكثر من الذنوب أفضل منه بلا شك، وإن كان مردها إلى اتهام النفس والإقلاع عن مخالفة الأولى عما هو خلاف الأولى فضلاً عن الذنوب المحققة من المعاصي وغيرها لا شك أن مثل هذا أفضل من التائب.