كتاب الإيمان (48)

عنوان الدرس: 
كتاب الإيمان (48)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
جمعة 03/ Ramadan/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا يقول: يقول النووي -رَحِمَهُ اللهُ- في شرحه لحديث «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، يقول: الأولى أن يُحمل ذلك على عموم الأخوة، حتى يشمل الكافر والمسلم، فيحب لأخيه الكافر ما يحبه لنفسه من دخوله في الإسلام، فكيف يوجه قوله: لأخيه الكافر؟ وكذلك بعض المنتسبين إلى العلم في زماننا يُجيز أن يقال عن أهل الكتاب: اليهود والنصارى إخواننا، ويستدل بقول الله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: 65]، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73]، {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85]. فما القول الصحيح في المسألة، وهل في الآيات حجة لهم على ما يستدلون به؟

أولاً: الأخوة خاصة بالمؤمن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، «المسلم أخو المسلم»، ومفهومه أن غير المسلم ليس بأخيه. وأما ما جاء في الآيات فهي أخوة نسب، هود من نفس القبيلة عاد، وصالح من نفس القبيلة ثمود، وكذلك شعيب. وإذا كانت أخوة النسب موجودة فلا مانع أن يقال: أخ، ولو كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا؛ لأن الأخوة يراد بها أخوة النسب. ولعل النووي -رَحِمَهُ اللهُ تعالى- يقصد هذا، إذا كان له أخ من نسبه كافر يحب له ما يحب لنفسه من الدخول في الإسلام، لا يريد عموم الكفار، لا مؤاخاة بين المسلم والكافر. فالذي يقول: إخواننا اليهود أو إخواننا كذا، هم كفار بالإجماع، ومعاداتهم واجبة، تحرم موالاتهم، بل هي خطر عظيم: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، نسأل الله العافية.

 الأمر جد خطير، وما نسمعه وما نُدعى إليه من التقارب والتعايش والتحاب، نعم إذا وُجدت عهود ومواثيق اقتضتها حاجة الأمة في ظرف من الظروف، قد يُدعى إلى شيء من هذا من غير تغيير للأحكام، فالحرام حرام، والحلال حلال، «الحلال بين والحرام بين»، نعم قد تقتضي ظروف الأمة من ضعف كما نعيشه الآن أن لا ننابذهم العداء بحيث نُثيرهم على أنفسنا، ونغريهم بنا، ونحن لا قدرة ولا طاقة لنا بهم. لكن يبقى أنهم كفار، وأننا نبغضهم، وأننا إذا تمكنا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73]، {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]، هذا الأصل في الكافر. لكن الظرف الذي نعيشه إظهار مثل هذا إظهاره للناس في مثل هذا لا شك أنه يغريهم بنا، ونحن لا قدرة لنا بهم، ولا طاقة لنا بمنازلتهم، لكن يبقى أن البغض القلبي لا بد منه.

 فكلام النووي يُحمل على أخ في النسب كافر، وأما الكافر الذي لا يجمعك به نسب فهذا ليس بأخ، ولا كرامة.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نكمل شرح الحديث السابق، في حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».

يقول الحافظ ابن حجر -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: (قال ابن المنير: في هذا الحديث عَلم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع)؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش على وتيرة واحدة من الجد، بل لا بد أن ينتابه وقت يكسل فيه ويعدل فيه من الجد إلى الهزل، وحينئذٍ يترك ما اعتاده من الجد فينقطع عما كان يفعله. والاستمرار على الجد لا شك أنه يؤول إلى الانقطاع على ضوء ما جُبل عليه الإنسان من الفتور، وإذا انقطع الإنسان فالعودة إلى ما كان عليه فيه صعوبة؛ لأن الجنة حُفّت بالمكاره، أي ما تكرهه النفوس، فإذا أراد أن يعود لمثل هذا فإنه يصعب عليه ذلك، وقد لا يوفّق إلى العود إليه، ثم ينطقع ويستحسر وينكص، والنكوص لا شك أنه مذموم.

ولذلك طلاب العلم الذين لهم قراءات طويلة في الكتب، لا شك أنهم يجدون نشوة، وقد يسترسلون في هذه التي يسمونها هواية، ويقرأ أحدهم في اليوم عشر ساعات ثم يزيد، ثم يأتيه عارض ينقطع، ثم يصعب رجوعه، يأتي رمضان فينقطع عن القراءة، ويتفرغ للقرآن، ثم يصعب عليه الرجوع إلى الكتاب، أو يأتيه الحج أو ما أشبه ذلك أو ينتهي الكتاب، إذا انتهى الكتاب الذي بيده لا بد أن يكون مجهزًا الكتاب الذي يليه، وإلا إن انقطع صعب عليه الرجوع. وهذا ملاحظ في مواصلة الدراسة، تجد الذي ينهي المرحلة الجامعية ثم يتوظف قبل أن يكمل الدراسات العليا يصعب عليه جدًّا الرجوع، بينما لو واصل، أخذ الشهادة، وقدم سريعًا فهذا يسهل عليه.

مثل هذا الاستمرار على العبادة مع شيء من القصد الذي لا يترتب عليه ضياع ما هو أهم منه؛ لأن بعض الناس يسترسل في عبادة، ويضيع ما هو أهم منها، لا سيما في وقت من الأوقات؛ لأن الصلاة الإكثار خير مستكثر منه، استكثر من الصلاة لا شك، وهذا كله خير، استكثر من التلاوة، استكثر من الذكر، لكن إذا عُورض بما هو وظيفة وقتية فأيهما أفضل؟ الوقتية بلا شك، في وقتها أو في وكانها في ظرفها لا شك أنها أهم، ولو كانت أقل ثوابًا في الأصل.

فإذا استرسل الإنسان في عمل، ولنضرب لذلك المثال بالصلاة: تجد من الناس من يصلي مائة ركعة باليوم، لكن يصعب عليه كثير من العبادات في وقتها، يعني لو يقال لواحد منكم: إن بعض الناس تستهويه قراءة القرآن فيقرأه ليلاً ونهارًا، وتثقل عليه بقية العبادات كالصلاة مثلاً، ولا أبالغ إذا قلت: إن سجدة التلاوة تثقل عليه إذا مرت به؛ لأنه أحب القراءة وانساق وراءها ونسي ما عداها.

على كل حال هو على خير، لكن ينبغي أن يكون المسلم متوازنًا في أموره كلها، وتنوع العبادات من نعم الله -جَلَّ وعَلا- على خلقه، من نعم الله على خلقه أن تتنوّع العبادات، هذه عبادة مالية، وهذه عبادة بدنية، وهذه بعد مركبة؛ نظرًا لما جُبل عليه الناس من اختلاف في الطبائع، يعني لو كانت العبادات كلها مالية أو بدنية بعض الناس عنده استعداد أن يصلي ألف ركعة، ولا يدفع ألف ريالًا، وبعض الناس مستعد أن يدفع ألفًا، ولا يصلي عشر ركعات، وهكذا.

فتنوع هذه العبادات ليأخذ المسلم من كل عبادة منها بنصيب، ولا يخلي نفسه من العبادات الأخرى؛ لأن لكل عبادة من هذه العبادات لها نفع، ولها طريق إلى القلب، وأبواب الجنة معروفة، وكل عبادة لها باب من العبادات الثماني التي لكل واحدة منها باب كما هو معلوم، وقد يكون الإنسان مثل أبي بكر يدخل من الأبواب كلها.

المقصود أن الإنسان لا يشاد الدين، وُجد من قصر نفسه على الختم في كل يوم، ثم اعتراه ما اعتراه، ثم انقطع، وأحب العمل إلى الله أدومه وإن قل؛ لأنه إذا حمل نفسه على مثل هذا لا شك أنه يؤول إلى الانقطاع.

الحافظ عبد الغني المقدسي يصلي ثلاثمائة ركعة، وقالوا في ترجمته: إنه بين طلوع الشمس إلى زوالها، ثلاثمائة ركعة، والمجرب يعني أن الركعة المجزئة قد تكون بدقيقة، لكن أقل من ذلك مستحيل، تأتي بركعة مجزئة بأقل من دقيقة التجربة تدل على عدم ذلك، وإذا قلنا: ثلاثمائة دقيقة يعني خمس ساعات متواصلة، فيها مشقة. والإمام أحمد يصلي في اليوم والليلة مئات الركعات، لكن اليوم والليلة أوسع مما بين طلوع الشمس إلى زوالها. وقد يسمع الإنسان مثل هذا الكلام أو يسمع غيره في القراءة، في التلاوة، في الذكر، في طلب العلم، يظنه نسج خيال، لماذا؟

لأنه يقيس وينظر إلى نفسه، يعني فرق بين شخصين جالسين في مكان واحد، واحد يقرأ العصر في الصيف عشرة، وواحد يقرأ جزءًا، كلهم جالسون يقرأون قرآنًا، هذا متعود، وعرف الله في الرخاء، فهيأ الله له هذا العمل في هذا الظرف الذي هو مكان فاضل ووقت فاضل، وهذا ما تعوده، فإذا قال: أنا قرأت عشرة، قال: ما هو بصحيح.

أنا خرجت من الحرم بعد ارتفاع الشمس، وكان بجواري شاب مصري ضابط متقن، ونحسبه والله حسيبه من العباد، ورجعت لصلاة الظهر إذا به يختم القرآن في ست ساعات: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17]. لكن كون الإنسان يكون ديدنه هذا الختم كل يوم، لا شك أن هذه مشادة، ومآله إلى الانقطاع، وإن وُجد في سلف هذه الأمة من يتصف بهذا، وذكر الحافظ ابن كثير في ترجمة شخص من العباد أنه عاش مدة طويلة يختم كل يوم، وكانت له ختمة تدبر أمضى فيها عشرين سنة، ختمة واحدة! ومات ولم يكملها. فينبغي أن يكون للإنسان هذا النوع، وهذا النوع، يجعل له وقتًا يصفو فيه الذهن، يتدبر القرآن، ويقرأ منه لو ورقة ورقتين أو أقل أو أكثر على حسب ما يسمح به وقته، ويجعل له نصيبًا من قراءة تحصيل الحروف أجر الحروف، والله المستعان.

طالب: .......

كيف؟

طالب: .......

عموم التدبر، أنت مأمور بالتدبر والتفكر، وهذه أنفع للقلب من مجرد القراءة، قراءة القرآن على الوجه المأمور به التدبر والترتيل، هذا الأصل في القراءة.

يقول ابن المنير: (في هذا الحديث عَلم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة أو إلى أن خرج الوقت المختار أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة. وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد: «إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة، وخير دينكم اليسرة»، وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية).

 الرخصة الشرعية التي عليها دليل، وعليها برهان، أما أن يكون الأصل الترخيص والترخص واتباع الرخص من أقوال أهل العلم، فهذا ضياع، هذا الذي يقول فيه أهل العلم: من تتبع الرخص تزندق، معناه أنه بيخرج بلا دين؛ لأنه ما من قول ما من مسألة إلا وفيها قول: يقول بالجواز أو بالإباحة، مع أنه يوجد أقوال تقول بالتحريم أو الوجوب، فيترك كل ما قيل في التحريم أو الوجوب، وينظر إلى الإباحة معناه ينتهي.

(وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعمالُه إلى حصول الضرر)، الماء شديد البرودة، وقد يكون متجمدًا، والجو بارد، وعليه غسل، إن اغتسل هلك، وإن تيمم اتباعًا للرخصة لا شك أنه في مثل هذه الحالة هو المتعين عليه، لا يجوز له أن يغتسل، والذي احتاج إلى التيمم لما احتلم وقالوا له: لا رخصة لك، وأمروه بالاغتسال، قال: «قتلوه، قتلهم الله»، فإذا خشي على نفسه الضرر لا يجوز له أن يستعمل العزيمة، بل يجب عليه أن يترخص.

طالب: .......

لا لا، لا، أحيانًا تكون العزيمة أفضل من الرخصة، هذا الأصل، لكن إذا كانت تؤدي إلى انقطاع، أو تؤدي إلى ضرر للشخص أو انقطاع عن عبادة فلا شك أنه .......

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

صارت العزيمة في حقه، إذا وجبت صارت العزيمة، ولذلك أكل الميتة عند كثير من أهل العلم في حال الاضطرار عزيمة.

طالب: .......

مثل ما قلنا، الكلام على ما ثبت به الأصل وإلا فالأصل أن الدين دين تكاليف، والجنة حفت بالمكاره، والتكليف إلزام ما فيه كلفة ومشقة، يعني إذا أذن لصلاة الصبح في وقت بارد ماذا يكون؟ أنتظر بالصلاة إلى أن تطلع الشمس وأطلع؟ ممكن يقول هذا؟ ما يمكن، نعم إذا خشي على نفسه الضرر فله أن يترخص.

(قوله: «فسدِّدوا» أي الزموا السداد، وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط، قال أهل اللغة: السداد التوسط في العمل.

قوله: «وقاربوا» أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.

قوله: «وأبشروا» أي بالثواب على العمل الدائم وإن قل، والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشَّر به تعظيمًا له وتفخيمًا)، يبشر بماذا؟ يعني حذف المفعول لكي يسرح الذهن كل مسرح في كل ما يحتمله النص تكون البشارة به.

(قوله: «واستعينوا بالغدوة» أي استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة، والغَدوة بالفتح: سير أول النهار)، نعم أول النهار بعد صلاة الصبح يستفيد المسلم من النشاط في أول النهار، ويستغل ذلك فيما يقربه إلى الله -جَلَّ وعَلا-، ويستعين به على بقية يومه، ففي هذه الغدوة عون للإنسان على أداء وظائفه في يومه، سواء كانت من أمور دينه أن دنياه.

(وقال الجوهري: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، «والرَّوحة» بالفتح السير بعد الزوال، «والدُّلجة» بضم أوله وفتحه وإسكان اللام سير آخر الليل، وقيل: سير الليل كله؛ ولهذا عُبر فيه بالتبعيض)، «وشيء من الدلجة». منهم من يقول: فرق بين الإدْلاج والادِّلاج، فالإدلاج سير أول الليل، ومنه الدلجة، والادلاج سير آخره.

يقول: ليست بليلي ولكني نَهِر       لا أُدلج الليل ولكن أبتكر

 الآن غالب الناس أسفارهم بالليل، أسفار غالب الناس بالليل، وأنا واحد منهم! لأن الخطوط ولله الحمد سريعة، والوسائل مريحة، وسائل التدفئة، ووسائل التبريد، كل شيء موجود. بينما النهار قد يكون في الشتاء، وقد يكون في الصيف الحر الشديد، والناس مبتلون بالسهر، لا يستطيع أن يسافر أول النهار؛ لأنه سهران بالليل، فيشق عليه ويصعب، ومآله إلى أن ينقطع وينام في الطريق. هذه أعذار يتعذر بها الناس؛ لأنهم ابتلوا بمخالفة الفطرة من النوم بالليل والعمل بالنهار.

طالب: .......

نعم، لكن ما يصير هو الأصل، أكثر ما يسافر غداة الخميس -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

طالب: .......

لا، ما تختلف، والأصل أنها واحد.

طالب: .......

أحيانًا الناس ما هي بمسألة إلزام، الأمر بالاستعانة هنا لا على سبيل الإلزام، فظروف الناس هي التي بعد... كانت القيلولة قبل صلاة الظهر، يقدر الناس أن يقيلوا؟ ما يمكن، ناس موظفون أو طلاب أو عالم أو متعلم أو موظف أو بعمله الدنيوي ما يقدرون.

طالب: .......

إذا كان السفر مباحًا يترخص، فضلاً على أن يكون سفر طاعة.

طالب: .......

في رمضان، لكن لا يسافر من أجل أن يفطر، لا يجوز له أن يسافر من أجل الفطر، لكن إذا سافر فله أن يفطر.

طالب: .......

في العشر يروحون للساحل الغربي، ويفطرون ويجمعون وينامون النهار كله والليل..

طالب: .......

لا أحد يمنع ما شرعه الله -جَلَّ وعَلا-، لا يستطيع أحد أن يمنع، لكن الإنسان الذي يصنع هذا، ويتحرى هذا الوقت لا شك أنه محروم. واحد من المشايخ سئل في الإذاعة أو في التلفزيون قال لواحد نحن نصيد بالعشر، عشر رمضان نصيد؟ قال: يا محروم المسلمون يصيدون حسنات، وأنت تصيد الطيور!

طالب: .......

هذا حرمان.

(ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار، وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، وكأنه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- خاطب مسافرًا إلى مقصد، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشِّطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحُسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نُقلة إلى الآخرة)، يعني من على هذه الدنيا أو من في هذه الدنيا هو مسافر إلى الدار الآخرة، (أن الدنيا في الحقيقة دار نُقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون فيها البدن للعبادة.

وقوله في رواية ابن أبي ذئب: «القصدَ القصدَ» بالنصب فيهما على الإغراء، والقصد: الأخذ بالأمر الأوسط، ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التي قبله ظاهرةٌ من حيث إنها تضمنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يبين أن الأولى للعامل بذلك أن لا يُجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع. ثم عاد إلى سياق الأحاديث الدالة على أن الأعمال الصالحة معدودة من الإيمان، فقال: "باب الصلاة من الإيمان").

نعم.
طالب: أحسن الله إليك.

قال الإمام البخاري -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: "بَابٌ: الصَّلاَةُ مِنَ الإِيمَانِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] يَعْنِي صَلاَتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ.

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ -أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ- مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلَّاهَا صَلاَةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ. فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.

قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]".

يقول الشارح -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-: (قوله: "بابٌ" هو مرفوع بتنوين وبغير تنوين، و"الصلاةُ" مرفوع، وعلى التنوين فقوله: "وقولُ الله" مرفوع عطفًا على "الصلاة"، وعلى عدمه مجرور مضاف)، بالتنوين "بابٌ" مقطوع عن الإضافة، والرفع بدون تنوين لإضافته إلى الجملة، ولذلك "الصلاةُ" هذه مرفوعة على كل حال، ولا تُجر بالإضافة؛ لأنها ليست من إضافة المفرد إلى المفرد، وإنما هي من إضافة المفرد إلى الجملة.

طالب: .......

هم يقولون الأصل أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا: "بابٌ"، فإن كان مضافًا لا تُنون، وإن كان مقطوعًا عن الإضافة يُنون. وأبدوا أيضًا التسكين: "بابْ" لا على الإعراب، وإنما هو على التعداد، كأنك تقول: باب باب، وباب وباب، إلى آخره. ذكر الشراح هذا.

(قوله: "يعني صلاتكم" وقع التنصيص على هذا التفسير من الوجه الذي أخرج منه المصنف حديث الباب، فروى الطيالسي والنسائي من حديث شريك وغيره عن أبي إسحاق عن البراء في الحديث المذكور: "فأنزل الله {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] صلاتكم إلى بيت المقدس"، وعلى هذا فقول المصنف "عند البيت" مشكل، مع أنه ثابت عنه في جميع الروايات، ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت)، إنما الجهة إلى بيت المقدس سواء كانت عند البيت فيما كان قبل الهجرة، أو بعيدًا عن البيت في المدينة في المدة المحددة سبعة عشر شهرًا أو ستة عشر شهرًا، ما هو بعند البيت.

(ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت، وقد قيل: إن فيه تصحيفًا، والصواب: يعني صلاتكم لغير البيت، وعندي)، يقول ابن حجر: (وعندي أنه لا تصحيف فيه بل هو صواب، ومقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقة)، البخاري يريد أنه إذا كانت الصلاة إلى بيت المقدس صحيحة ومعتبرة ومعتدًّا بها، ولا تضيع عند الله -جَلَّ وعَلا- عند البيت، فكيف إذا كان المصلي بعيدًا عن البيت؟ تضيع أم ما تضيع؟ يعني من باب أولى.

طالب: .......

من باب أولى.

طالب: .......

لا، الكلام على أنها لا تضيع، يعني إذا أمكن استقبال القبلة لمن هو عند البيت وما هو مستقبل للجهة المأمور باسقبالها بيت المقدس بأن يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، يعني لو ترك القبلة خلف ظهره وهو في البيت وصلى إلى بيت المقدس مع إمكانه أن يصلي إلى القبلة وهو بيت المقدس، ظاهر، فإذا كان لا يمكنه ذلك فعدم ضياع صلاته من باب أولى.

يقول: (ومقاصد البخاري في هذه الأمور دقيقة، وبيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة، فقال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس، وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس، وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس، وهذا ضعيف، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين).

 (ويلزم منه دعوى النسخ مرتين)؛ لأنه لما كان بمكة عليه أن يستقبل القبلتين، فلما هاجر إلى المدينة نُسخ الاستقبال إلى الكعبة، ثم بعد ذلك نسخ لاستقباله بيت المقدس، فيلزم منه النسخ مرتين.

(وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس، وكأن البخاري أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح من أن الصلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس، واقتصر على ذلك اكتفاءً بالأولوية؛ لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت)، هذا الذي أشرنا إليه: (لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه، فتقدير الكلام: يعني صلاتكم التي صليتموها عند البيت إلى بيت المقدس.

قوله: "حدثنا عمرو بن خالد").

طالب: يا شيخ، فيه دليل الآن يُستنبط من الآيات أنه كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجمع بين القبلتين فيصلي .......

ما ذُكر شيء، لكنه يتشوف إلى الصلاة إلى الكعبة.

طالب: فقط.

فقط.

طالب: إنما الأمر بالتحويل ما فيه ما يستنبط منه؟

لا، والنسخ في المدينة يعني ليس النسخ في مكة.

طالب: .......

ما فيه شك أن عموم الآية يتناول هذا كله، يتناول كل ما يدخل في مسمى الإيمان، والتنصيص على بعض الأفراد كما في هذه الآية لا يعني التخصيص.

(قوله: "حدثنا عمرو بن خالد" هو بفتح العين وسكون الميم، وهو أبو الحسن الحرَّاني نزيل مصر، أحد الثقات الأثبات. ووقع في رواية القابسي عن عبدوس كلاهما عن أبي زيد المروزي، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: عُمَر بن خالد بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبَّه عليه من القدماء أبو علي الغسَّاني، وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد، ولا في جميع رجاله، بل ولا في أحد من رجال الكتب الستة). يعني نظيره تصحيف مالك -رَحِمَهُ اللهُ- عمرو بن عثمان إلى عمر بن عثمان، والإمام مالك كان يشير إلى بيته، إذا مر به قال: هذا بيته، يدل على أنه متأكد من نطقه السليم، لكن عامة أهل العلم على خلاف قوله، وأنه أخطأ في هذا -رَحِمَهُ اللهُ-.

 (وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد ولا في جميع رجاله)، يعني في شيوخ شيوخه أو من بعده، (بل ولا في أحد من رجال الكتب الستة)، عمر بن خالد.

(قوله: "حدثنا زهير" هو ابن معاوية أبو خيثمة الجعفي الكوفي نزيل الجزيرة، وبها سمع منه عمرو بن خالد)، ماذا (الجزيرة)؟

طالب: .......

نعم. لأن الجزيرة العربية هل كانت تسمى جزيرة، أن بلاد العرب...

(وبها سمع منه عمرو بن خالد. قوله: "حدثنا أبو إسحاق" هو السبيعي، وسماع زهير منه فيما قال أحمد بعد أن بدأ تغيُّره)، أبو إسحاق السبيعي تغير، وعُرف عنه مجموعة من الرواة رووا عنه قبل أن يتغير، وأمسكوا عن الحديث بعده بعد التغير، ومنهم من روى عنه قبل وبعد واختلط الأمر، ومنهم من روى عنه بعد التغير. سماع زهير بن معاوية من أبي إسحاق السبيعي (قال أحمد: بعد أن بدأ تغيره، لكن تابعه عليه عند المصنف إسرائيل بن يونس حفيده وغيره)، وما دام متابع عليه لأن المتغير لا سيما في بدايته، والإمام أحمد ينص على أن زهيرًا روى عنه بعد أن بدأ يتغير، هل معناه أنه ضيع جميع حديثه؟ لا، أنه ضيع شيء من حديثه، وهذا الحديث مما توبع عليه، ووافقه عليه غيره من الرواة، فيجزم بأنه مما ضبطه وأتقنه.

(قوله: "عن البراء" هو ابن عازب الأنصاري صحابي بن صحابي، وللمصنف في التفسير من طريق الثوري عن أبي إسحاق: سمعت البراء، فأُمن ما يُخشى من تدليس أبي إسحاق)، ما دام أنه صرح بالسماع. (قوله: "أولَ" بالنصب أي في أول زمن قدومه، و"ما" مصدرية. قوله: "أو قال أخواله" الشك من أبي إسحاق، وفي إطلاق أجداده أو أخواله مجاز؛ لأن الأنصار أقاربه من جهة الأمومة؛ لأن أم جده عبد المطلب بن هاشم منهم، وهي سلمى بنت عمرو أحد بني عَدي بن النجار، وإنما نزل النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- بالمدينة على إخوتهم من بني مالك بن النجار، ففيه على هذا مجاز ثانٍ)، النسبة تكون لأدنى سبب، قد تقول: أخواله، أعمامه، اسمع من ابن أخيك، اسمع من كذا، تقول لفلان: يا عم، لا سيما إذا كان أكبر منك سن ولو كان بعيدًا في النسب، هذه أساليب معتبرة عند العرب ومألوفة، فإذا كانت القرابة من جهة الأم قلت أخوال، وإذا كانت القرابة من جهة الأب قلت أعمام ولو كانوا بعيدين.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

أين عندنا أصلاً؟

طالب: .......

تقول: إن.

طالب: .......

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده.

طالب: .......

النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

طالب: .......

وخبرها الجملة بعدها.

طالب: .......

ما يترتب عليه حكم، مسألة اصطلاحية، ما دام ما يترتب عليها حكم فلا مشاحة في الاصطلاح سواء قلت لوالد زوجتك عم أو خال ما فيه فرق، بعض الناس يسميه عم وبعضهم يسميه خال، يترتب عليه حكم شرعي؟

لا. لكن لو قلت لأخي أبيك: خال أو لأخي أمك عم، قلنا: لا؛ لأنه يترتب عليه حكم شريعي، أحكام تترتب على هذا، وهنا يشاحح فيه ولو صار اصطلاحًا لك. اللفظ بالفرائض لو قلت: هلك هالك عن عم، وأنت تريد خال أخو أمه، ومنبه أنت في المقدمة أن يسمي أخ الأب خالاً وأخ الأم عمًّا، نقول: لا ليس بطائل، يعني لو ألفت في الجغرافيا وقلت: الجنوب يمين، والشمال يسار يطيعونك الناس؟ تغير الواقع، لو قلت: السماء تحت والأرض فوق، ما يطيعونك، وحينئذ يشاحح في الاصطلاح. لكن لو قلبت الخارطة بدل ما الشمال في الخارطة فوق خليته تحت ما فيه مشاحة؛ لأنه ما يغير من الواقع شيء، وابن حوقل من كبار الجغرافيين يضع الشمال تحت ما هو بفوق. هذه لا مشاحة فيه؛ لأنها لا تغير من الواقع شيء، أما الذي يغير من الواقع فلا هذا يشاحح فيه.

طالب: .......

لقبح في اسمها.

طالب: .......

لا، وينظر إلى إذا كان يترتب عليه أحكام، مثلاً وقف فلان في بلد كذا، في بلد كذا، ثم جاء وغُير الاسم وسمي به بلد آخر، يُبحث عن هذا الوقف وعن أهله ما يوجد. على كل حال إذا كان يترتب عليه حكم ما يوافَق.

(قوله: "قِبل بيت المقدس" بكسر القاف وفتح الموحدة، أي إلى جهة بيت المقدس.

قوله: "ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر" كذا وقع الشك في رواية زهير هذه هنا، وفي الصلاة أيضًا عن أبي نعيم عنه، وكذا في رواية الثوري عنده، وفي رواية إسرائيل عند المصنف وعند الترمذي أيضًا، ورواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال: ستة عشر من غير شك، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص وللنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك ولأبي عوانة أيضًا من رواية عمار بن رزيق بتقديم الراء مصغرًا، كلهم عن أبي إسحاق، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس، وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف: سبعة عشر، وكذا للطبراني عن ابن عباس، والجمع بين الروايتين سهل)، يصير ستة عشر وكسر، فمن قال: ستة عشر أو سبعة عشر تردد هل يجبر أو لا يجبر أو شك في ذلك، ومن قال: ستة عشر حذف الكسر، ومن قال: سبعة عشر جبر الكسر، هذه طريقتهم في الحساب.

(والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدَّهما معًا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس، وقال ابن حبان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيام، وهو مبني على أن القدوم كان في ثاني عشر شهر ربيع الأول، وشذت أقوال أخرى ففي ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق في هذا الحديث ثمانية عشر شهرًا، وأبو بكر سيئ الحفظ وقد اضطرب فيه، فعند ابن جرير من طريقه في رواية: سبعة عشر، وفي رواية: ستة عشر، وخرجه بعضهم على قول محمد بن حبيب إن التحويل كان في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النووي في الروضة وأقره، مع كونه رجح في شرحه لمسلم رواية: ستة عشر شهرًا؛ لكونها مجزومًا بها عند مسلم، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلا إن ألغى شهري القدوم والتحويل، وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة، ومن الشذوذ أيضًا رواية: ثلاثة عشر شهرًا، ورواية: تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، ورواية: شهرين، ورواية: سنتين، وهذه الأخيرة يمكن حملها على الصواب).

 سبعة عشر سنة أقل من النصف، فإذا جبرنا الكسر صارت سنتين، السنين تُجبر إن جبرنا نقص السنة، وإذا حذفنا ما زاد عن سنة قلنا: سنة.

(وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد على القول الأول، فجملة ما حكاه تسع روايات.

 قوله: "وأنه صلى أولَ" بالنصب لأنه مفعول "صلى"، و"العصرَ" كذلك على البدليه، وأعربه ابن مالك بالرفع)، في أي كتاب؟ شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح، (وفي الكلام مقدر لم يُذكر لوضوحه، أي أول صلاة صلاها متوجهًا إلى الكعبة صلاة العصر، وعند ابن سعد حولت القبلة في صلاة الظهر أو العصر على التردد، وساق ذلك من حديث عمارة بن أوس قال: صلينا إحدى صلاتي العشاءين، والتحقيق أن أول صلاة صلاها في بني سلمة لما مات بشر بن البراء بن معرور الظهر، وأول صلاة صلاها بالمسجد النبوي العصر، وأما الصبح فهو من حديث ابن عمر بأهل قباء، وهل كان ذلك في جمادى الآخرة أو رجب أو شعبان؟ أقوال.

قوله: "فخرج رجل" هو عباد بن بشر بن قيظي كما رواه ابن منده من حديث طويلة بنت أسلم، وقيل: هو عباد بن نَهيك بفتح النون وكسر الهاء، وأهل المسجد الذين مر بهم قيل: هم من بني سلمة، وقيل: هو عباد بن بشر الذي أخبر أهل قباء في صلاة الصبح كما سيأتي بيان ذلك في حديث ابن عمر، حيث ذكره المصنف في كتاب الصلاة، ونذكر هناك تقرير الجمع بين هذين الحديثين وغيرهما، مع التنبيه على ما فيهما من الفوائد، إن شاء الله تعالى.

قوله: "أشهد بالله" أي أحلف، قال الجوهري: يقال: أشهد بكذا أي أحلف به. قوله: "قبل مكة" أي قبل البيت الذي في مكة، ولهذا قال: "فداروا كما هم قبل البيت" وما موصولة والكاف للمبادرة)، "كما هم" (وقال الكرماني: للمقارنة، و"هم" مبتدأ وخبره محذوف. قوله: "قد أعجبهم" أي النبي -صلى الله عليه وسلم-، و"أهل الكتاب" هو بالرفع عطفًا على اليهود من عطف العام على الخاص، وقيل: المراد النصارى لأنهم من أهل الكتاب، وفيه نظر؛ لأن النصارى لا يصلون لبيت المقدس، فكيف يعجبهم؟!)، النصارى إنما يصلون إلى جهة الشرق. (وقال الكرماني: كان إعجابهم بطريق التبعية لليهود. قلت: وفيه بعد لأنهم أشد الناس عداوةً لليهود، ويحتمل أن يكون بالنصب، والواو بمعنى مع، أي يصلي مع أهل الكتاب إلى بيت المقدس).

 النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كان يحب موافقة أهل الكتاب رجاء أن يُسلموا، فلما أيس منهم خالفهم، يعني في أحكام كثيرة جدًّا لما أيس خالفهم، كان يصوم عاشوراء وحده؛ لأنه يحب موافقتهم رجاء أن يسلموا، ثم لما أيس خالفهم بزيادة يوم، ومن ذلك فرق الشرع، إلى مسائل كثيرة، لكن هذه فيها أمر إلهي، ما وُكل الأمر فيها إلى النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-. (واختُلف في صلاته إلى بيت المقدس وهو بمكة، فروى ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش المذكورة: صلينا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا وصُرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين، وظاهره أنه كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس محضًا، وحكى الزهري خلافًا في أنه هل كان يجعل الكعبة خلف ظهره أو يجعلها بينه وبين بيت المقدس؟ قلت: وعلى الأول فكان يجعل الميزاب خلفه، وعلى الثاني كان يصلي بين الركنين اليمانيين).

 إذا كان يستدبر الكعبة، ويستقبل بيت المقدس فلا شك أنه يستقبل جهة الشمال والكعبة وراءه، وعلى القول الثاني أنه يستقبل البيت، ويستقبل بيت المقدس أنه يصلي بين الركنين؛ ليستقبل جهة الشمال التي فيها بيت المقدس. (وزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة بمكة، فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ثم نُسخ، وحمل ابن عبد البر هذا على القول الثاني، ويؤيد حمله على ظاهره إمامة جبريل، ففي بعض طرقه أن ذلك كان عند باب البيت)، إذا كان يصلي عند باب البيت إلى أين؟ إلى بيت المقدس؟

طالب: .......

ماذا؟

تصير الكعبة عن يساره.

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

وإذا كان يصلي إلى باب البيت صار بيت المقدس عن جهة يمينه.

(قوله: "أنكروا ذلك" يعني اليهود فنزلت: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ} [البقرة: 142] الآية، وقد صرَّح المصنف بذلك في روايته من طريق إسرائيل.

قوله: "قال زهير" يعني ابن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف كعادته، ووهم من قال إنه معلق، وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير سياقًا واحدًا)، مما دل على أنه بالسند السابق.

(قوله: "أنه مات على القبلة" أي قبلة بيت المقدس قبل أن تُحول "رجال وقتلوا"، ذِكر القتل لم أره إلا في رواية زهير، وباقي الروايات إنما فيها ذِكر الموت فقط)، والموت شامل للقتل وغيره.

 (وكذلك روى أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم صحيحًا عن ابن عباس: والذين ماتوا بعد فرض الصلاة وقبل تحويل القبلة من المسلمين عشرة أنفس، فبمكة من قريش: عبد الله بن شهاب والمطلب بن أزهر الزهريان والسكران بن عمرو العامري، وبأرض الحبشة منهم: حطاب بالمهملة ابن الحارث الجمحي وعمرو بن أمية الأسدي وعبد الله بن الحارث السهمي وعروة بن عبد العزى وعدي بن نضلة العدويان، ومن الأنصار بالمدينة: البراء بن معرور بمهملات وأسعد بن زرارة، فهؤلاء العشرة متفق عليهم.

 ومات في المدة أيضًا: إياس بن معاذ الأشهلي، لكنه مختلف في إسلامه، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدًا من المسلمين قُتل قبل تحويل القبلة، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، فإن كانت هذه اللفظة محفوظةً فتُحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قُتل)، ولذلك ما نُقل (على أن بعض المسلمين ممن لا يشتهر قُتل في تلك المدة في غير الجهاد، ولم يُضبط اسمه؛ لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك، ثم وجدت في المغازي ذِكر رجل اختلف في إسلامه وهو سويد بن الصامت، فقد ذَكر ابن إسحاق أنه لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن تلقاه الأنصار في العقبة فعرض عليه الإسلام، فقال: إن هذا القول حسن، وانصرف إلى المدينة فقتل بها في وقعة بُعاث بضم الموحدة وإهمال العين وآخره مثلثة، وكانت قبل الهجرة، قال: فكان قومه يقولون: لقد قتل وهو مسلم، فيحتمل أن يكون هو المراد، وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قُتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار.

قلت: يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما بعد الإسراء). يعني بعد فرض الصلاة.

طالب: .......

ما أدري والله، (وذكر لي بعض الفضلاء).

طالب: .......

وما الإشكال؟ أولاً الرواية ضعيفة، تعرف أنها ضعيفة، والضعيف لا يُتكلم باعتباره ولا الجواب عنه.

طالب: .......

لا عد شهر الدخول وشهر الخروج، شهر الدخول والشهر اللي نزل فيه النسخ.

طالب: .......

لا، الكلام على ما بعد الهجرة، أصل الحديث على ما بعد الهجرة: "قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة"، يعني بعد قدومه المدينة.

(تنبيه: في هذا الحديث من الفوائد الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانًا)، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] والمراد بالإيمان هنا الصلاة إلى بيت المقدس، والصلاة عمل، إذًا العمل إيمان.

(وفيه أن تمني تغيير بعض الأحكام جائز، إذا ظهرت المصلحة في ذلك)، {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144]، (وفيه بيان شرف المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وكرامته على ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال)، وفيه حديث عائشة نص.

 (وفيه بيان ما كان في الصحابة من الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم)؛ لأنهم خافوا عليهم، (وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تحريم الخمر كما صح من حديث البراء أيضًا فنزل: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} إلى قوله {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93]، وقوله تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: 30]، ولملاحظة هذا المعنى عقَّب المصنف هذا الباب بقوله: "باب حسن إسلام المرء"، فذكر الدليل على أن المسلم إذا فعل الحسنة أثيب عليها).

 والله أعلم.

طالب: .......

نعم ما فيه تغيير.

طالب: .......

الآن ما فيه تغيير، مستحيل، خلاص انقطع الوحي.

طالب: .......

ماذا فيهم؟

طالب: .......

عندك مثال يبين؟

طالب: .......

ثم ينزل بموافقته؟

طالب: نعم.

نفس الكلام، هذا ما فيه معارض، جارٍ على جواز التمني.

طالب: .......

ومعارضته بالقطعي، خبر واحد أخبرهم بتحويل القبلة فامتثلوا خبره، وتركوا القبلة القطعية التي كانوا عليها، هذا قصدك؟ وهل يعارض، يُنسخ القطعي بالظني؟ على رأي الجمهور لا، لا يُنسخ القطعي بالظني، ولا شك أن الظني أنزل مرتبة من القطعي، ويبقى أن الظن وخبر الواحد إذا احتفت به قرينة صار قطعيًّا، كما أفاد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن حجر، جمع من أهل العلم: إذا احتفت به قرينة أفاد اليقين وصار قطعية، والقرينة المحتفة أن الصحابة في قباء وغيرهم يعرفون أن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يتمنى أن تُحول القبلة، ويعرفون أن الله -جَلَّ وعَلا- يلبي رغبته، وأن النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كان يقلب وجهه في السماء من أجل التحويل، فعندهم استعداد ذاتي لقبول مثل هذا الحكم، فهذه من القرائن التي يتقوى بها خبر الواحد.

اللهم صل على محمد وآله وصحبه أجمعين.