شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 28

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1425 هـ) - 28
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
جمعة 29/ شعبان/ 1438 3:00 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته الله وبركاته، أهلاً ومرحبًا بكم إلى حلقةٍ جديدة في برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

يسرني مع بداية هذه الحلقة أن أرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: كنا في الحلقة الماضية توقفنا عند الحديث حول موضوع فعل عدي -رضي الله تعالى عنه-، ثم أشرنا للإخوة والأخوات إلى مسألة التبين في بقاء الليل أو خروج الفجر من بعض الصحابة، ما المراد بمثل هذه الآثار، أحسن الله إليكم؟

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ما أثر عن الصحابة أو عن بعضهم أنه يأكل، حتى لا يشك في طلوع الفجر نعم، فالصوم شرعًا محدد ببدايةٍ ونهاية، من تبين الفجر، فالصوم ظرفه النهار، لكن من أكل بعد طلوع الفجر؟

المقدم: عليه القضاء.

 عليه القضاء، وما أثر عنهم -رضوان الله عليهم-، وهم ينظرون إلى الصبح، وهم ينظرون إلى الصبح، وليس حالهم كحال كثير من الناس في هذه البيوت المغلقة، مع هذه الأنوار الكهربائية لا يدري الليل من النهار، فمثل هذا عليه أن يحتاط لهذه العبادة، عليه أن يحتاط لهذه العبادة ركن من أركان الإسلام، لابد أن يبرأ من عهدة الواجب بيقين، وإذا اتضح أنه أكل بعد طلوع الفجر، فعليه قضاء، لكن لو كان في برية مثلاً، وشك في طلوعه، فالأصل بقاء الليل، يعني مثل حال بعض الصحابة، هذا إذا كان ممن يعرف طلوع الفجر.

المقدم: ما يمكن أن يقال – أحسن الله إليك- يعني ربما هذا أن ما أثر عنهم كان فعلهم له مثل فعل عدي في أنهم لم يتبين لهم الأمر بعدُ، فلما علموا بيانه من النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يؤثر مثل هذه الآثار، مثل ما حصل ما عدي.

بيان النبي– عليه الصلاة والسلام- لعدي فيما يتعلق بالعقالين والخيطين، والتعلق بطلوع الفجر {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ} [سورة البقرة 187] المنصوص عليه بالآية باقٍ إلى قيام الساعة، فالاستدراك على عدي ارتباطه بالخيطين.

المقدم: أنه فهم منهما الخيطين عقالًا أبيض وعقالًا أسود.

نعم، الخيوط المحسوسة، لكن من فعله من الصحابة، وهو المفترض فيهم أنهم يعرفون البداية والنهاية، ويأكلون {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ} [سورة البقرة 187]، لكن كثيرًا من الناس الآن غفلوا عن هذه الأمور، فلا يعرف الصبح من الفجر الأول من الثاني لا يعرف، فمثل هذا فرضه التقليد، يقلد غيره، ولا يجتهد يقول: الصبح ما اتضح، فإذا أكل في الوقت المحدد للصيام فعليه القضاء، أما إذا كان في برية، وهو يعرف الفجر الصادق من الكاذب، ويعرف هذه الأمور بدقة {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ} [سورة البقرة 187] نبقى على الأصل الشرعي، وأما أن يتساهل بعض الناس، ويأكل، ويسمع المؤذنين، وينتهي المؤذن، وبعد ذلك، هذا يلزمه القضاء.

فيما يتعلق بقوله –عليه الصلاة والسلام-: «إن وسادك لعريض» لعدي بن حاتم أو «إنك لعريض القفا» أكثر الشراح في هذا الكلام؛ لأنها في الأصل.

المقدم: كأنها مذمة له.

ومثل يضرب على قلة الفطنة وعلى الغفلة، وعدي.

أولاً: عدي عرف بالذكاء.

الأمر الثاني: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما يمكن أن يواجه شخصًا بما يسوؤه، أو بما يتندر به عليه، ويؤثر عنه، ولو كانت هذه حاله.

فأهل العلم أجابوا بأجوبة سديدة، وإن كان منهم من حمله على ظاهره، لكن ردوا عليه، ذكرنا كلام الخطاب وأن في المسألة قولين، لكن الزمخشري جزم بأن النبي –عليه الصلاة والسلام- عرَّض قفا عدي؛ لأنه غفل عن البيان، وعرض القفا مما يستدل به على قلة الفطنة، يعني الزمخشري طرد المثل، وزعم أن النبي –عليه الصلاة والسلام- قصد حقيقة المثل، لكن أنكر ذلك كثير من أهل العلم، منهم القرطبي في المفهم فقال: حمله بعض الناس على الذم، لو على ذلك الفهم، وكأنه فهم منه أن النبي-عليه الصلاة والسلام- نسبه إلى الجهل، والجفاء، وعدم الفقه، وربما عضدوا هذا بما روي أنه –صلى الله عليه وسلم- قال له: «إنك لعريض القفا» وليس الأمر كذلك، فإن حمل اللفظ على حقيقته اللسانية إذ هي الأصل، إذ لم يتبين له دليل التجوز، ومن تمسك بهذا الطريق لم يستحق ذمًا، ولا ينسب إلى جهل، يعني حقيقة الخيط الأسود، وحقيقة الخيط الأبيض...، حقيقته اللغوية ما صنعه عدي، من تمسك بالحقيقة يلام؟! ما يلام، فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية إذ هي الأصل، إذ لم يتبين له دليل التجوز، ومن تمسك بهذا الطريق لم يستحق ذمًّا، ولا ينسب إلى جهل.

المقدم: هذا قبل نزول {مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187]؟

على الخلاف هل الآية نزلت كاملة أو تأخر نزول {مِنَ الْفَجْرِ} يأتي ذكره.

المقدم: لكن هذا الكلام –أحسن الله إليك- يعني هذا المحمل يصح لو عند من يرجح أن {مِنَ الْفَجْرِ} تأخرت، أما من لم يرجح ما يمكن أن نقول: إنه حملها على المعنى اللفظي {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187] وانتهت، ما يصح قول هذا أبدًا، خصوصًا عند أمثال الصحابة، ممن يعرفون الفرائض الشرعية، وتتبين لهم.

لاسيما إذا كانت مِن بيانية.

المقدم: نعم.

على كل حال سيأتي الكلام في هذا، وإنما عنى بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- والله أعلم، إن وسادك إن غطى الخيطين اللذين أراد الله -جل وعلا- في الآية، اللذين هما الليل والنهار، فهو إذًا وسادٌ عريض واسع غطى الليل والنهار، مادام يجعل الخيط الأبيض الذي هو النهار، والخيط الأسود الذي هو الليل، تحت وساده إذاً هذا الوساد عريض، إذ قد شملهما وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: «إنما هو سواد الليل وبياض النهار»، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وساد؟ وإلى هذا يرجع قوله: «إنك لعريض القفا».   

المقدم: لأنه غطى الليل والنهار.

لا، الوساد عريض، من لازم عرض الوساد؟

المقدم: أن يكون القفا عريضًا.

وإلى هذا يرجع قوله: «إنك لعريض القفا»؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه، ولا يتوسده إلا قفًا عريض، حتى يناسب عرضه عرضه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه وأليق، هذا كلام القرطبي أبي العباس صاحب المفهم، ويدل أيضًا عليه ما زاده البخاري قال: «إن وسادك إذًا لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك»

 ترجم عليه ابن حبان في صحيحه، ابن حبان ترجم على الحديث في صحيحه بقوله: ذكر البيان بأن العرب تتباين لغاتها في أحيائها، هذا من طيء يفهم هذا اللفظ على وجه، والنبي –عليه الصلاة والسلام- قرشي يفهمه على وجه، ولا يُلام ما فهمه على مقتضى لغته، يعني ما يلام من فهم اللفظ على مقتضى لغته، ذكر البيان، بأن العرب تتباين لغاتها في أحيائها، قال ابن حجر: أشار بذلك إلى أن عديًّا لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل، وبياض النهار، يعبر عنهما بالخيط الأسود، والخيط الأبيض، فإذا كان لا يعرف في لغته هذا، فكيف يلام؟

قال ابن المنير في الحاشية: في حديث عدي جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلاً بشرط صحة القصد، ووجود الشرط عند أمن الغلو في ذلك، فإنه مزِلّة القدم إلا لمن عصمه الله تعالى، يعني يرشد إلى شيء، وهي هذه الأمثال التي يلقيها بعض الناس على بعض في المجالس، والتي يتندرون بها كل واحد يلقي على آخر مَثَل هذا المثل من شأنه أنه محفوظ ويُحفظ، ويتناقله الناس لاسيما إذا كان الملقي له شأن وحال مرتفعة، بحيث يتناقل الناس أن فلانًا قال في فلان كذا، ماذا يقول ابن المنير؟ يقول: في حديث عدي جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلاً بشرط صحة القصد، لا تقصد أن تنال من شخصه أو تتنقص أخاك المسلم، بشرط صحة القصد، ووجود الشرط عند أمن الغلو في ذلك، بحيث كلما تكلم بكلمة أوردت لها مثالًا على أساس أنه يوجد، لاسيما المطلعين على كتب الأدب، وكتب الأمثال وغيرها، بل تعدى هذا إلى إلقاء بعض النصوص من الآيات والأحاديث على أحوال بعض الناس، فإنه مزِلّة القدم إلا لمن عصمه الله تعالى؛ لأن الإنسان قد يقول كلمة يسيرة لا يمكن تجاوزها، ثم يلقى عليه بمثل عظيم يعني يتناقله الناس ويتضرر به، وفي شرح الكرماني في الأصول: لا يجوز تأخير بيان عن وقت الحاجة كما تقرر في أصول الفقه، يعني لا بد من البيان، بيان المراد بالخيطين؛ لأن هذا وقت الحاجة، قلت: كان استعمال الخيطين في الليل والنهار شائعًا غير محتاجٍ إلى البيان، فاشتبه على بعضهم، فحملوه على العقالين، يعني كون اللفظ يكون شائعًا عند عموم الناس، ويخفى على بعض الناس، يلزم بيانه؟

المقدم: لا.

العبرة بالغالب قال النووي: فعل ذلك من لم يكن مخالطًا لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- بل هو من الأعراب، ومن لا فقه عنده أو لم يكن من لغته استعمالهما في الليل والنهار، إذًا مثل هذا لا يحتاج لبيان، إلا إذا عرفنا أن هذا من القبيلة الفلانية التي يخفى عليها مثل هذا، أو من هذه البيئة، يبين له؛ لأن الأعراف تختلف من بلد إلى بلد، فإن قلت: ما المراد بهما؟ يقول الكرماني: قلت: الأبيض هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والأسود ما يمتد معه من غلس الليل شبيهًا بالخيط، وفي حديث سهل بن سعد الذي أورده الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-، وتركه المختصر.

المقدم: لأنه ورد.

لأنه يستغني بحديث عدي عنه، في حديث سهل بن سعد وهو الذي يلي هذا مباشرةً في الأصل قال: أنزلت {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [سورة البقرة 187] ولم ينزل من الفجر، فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فانزل الله بعد {مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187] فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار. هذا يتصور في حديث سعد أن {مِنَ الْفَجْرِ} تأخرت، لكن هل يتصور في حديث عدي؟ لتأخر إسلامه؛ لأنها ما تأخرت بعد إسلام عدي، يقول القرطبي في المفهم: حديث عدي يقتضي أن قوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187] نزل متصلاً بقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [سورة البقرة 187]،  وأن عدي بن حاتم حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} من أجل الفجر، ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود، وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد فإن فيه أن الله لم ينزل {مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187] إلا منفصلاً عن قوله: {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [سورة البقرة 187] على كل حال إسلام عدي متأخر جدًّا عن نزول الآية بكاملها؛ لأنه أسلم في السنة التاسعة أو العاشرة، ولما وقع لهم الإشكال حينئذٍ أنزل الله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187] رافعًا لذلك الإشكال، وكأن الحديثين واقعتان في وقتين، كأن الحديثين حديث عدي، وحديث سهل واقعتان في وقتين، يعني حديث سهل.

المقدم: واقعة مستقلة.

فكان رجالٌ في أول الأمر لما نزلت الآية قبل إسلام عدي ببضع سنين، وقصة عدي؛ لأنه لم يسمع أو حمل {من الفجر} على أنها سببية، فنزل قوله: {مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187] رافعًا لذلك الإشكال، وكأن الحديثين واقعتان في وقتين، ويصح الجمع بأن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل، وأن عديًّا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجردة، وهذا هو الظاهر، ففهم على ما قررناه، فبين له النبي–  صلى الله عليه وسلم- أن الخيط الأبيض كناية عن بياض الفجر، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل، وأن معنى ذلك أن يفصل أحدهما عن الآخر، فعلى هذا يكون {مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187] متعلقًا بيتبين {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّن} {مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187] وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقًا بمحذوف، وهذا هو معنى جوابه في حديث سهل، ويحتمل أن يكون الحديثان قضيةً واحدة، وذكر بعض الرواة من الفجر متصلاً بما قبله كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل مفرقًا، كما بينه حديث سهل؛ لكن واضح جدًّا لتأخر إسلام عدي أنه سمع الآية كاملة.

المقدم: نعم.

وحملنا فيما تقدم قوله: لما نزل قوله تعالى إنه لما سمعه، وإن كانت قد نزلت قبل ذلك بسنين، هو ما سمعها إلا بعد أن أسلم، وكان نزولها قبل إسلامه بمدة مديدة، ومن العادي أن يسمعها كاملة بما فيها {مِنَ الْفَجْرِ} [سورة البقرة 187] وهذا ظاهر، وحمله من على أنها سببية لا بيانية، وعلى كل حال البيئات، والأعراف، والعادات لا شك أنها تتباين، والبيان يحصل منه –عليه الصلاة والسلام– إذا بيَّن للغالب، وما يزال بعض المفاهيم، الفهوم للنصوص يفهمها بعض القبائل أو بعض الجهات على فهمٍ معين، ويفهمها عموم الناس على فهمٍ آخر، والمردُّ في ذلك  فهم سلف هذه الأمة، فهم سلف هذه الأمة هو الحكم.  

هذا الحديث خرجه الإمام البخاري في ثلاثة مواضع:

الأول: هنا في كتاب الصوم في باب قول الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [سورة البقرة 187] قال: حدثنا حجاج بن منهال قال: حدثنا هشيم قال: أخبرني حسين بن عبد الرحمن عن الشعبي عن عدي بن حاتم -رضي الله تعالى عنه- قال: لما نزلت {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ} [سورة البقرة 187] فذكره، وسبق ذكره مع مناسبته.

الموضع الثاني: في كتاب التفسير باب {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَض} إلى قوله: {يَتَّقُونَ} [سورة البقرة 187] قال -رحمه الله تعالى-: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن حصين عن الشعبي عن عديٍّ قال: أخذ عديٌّ، ما قال: أخذت هذا يسمونه ماذا؟ تقدم لنا في حديث سعد عن سعدٍ قال: أعطى النبي –صلى الله عليه وسلم- رهطًا وسعدٌ جالس، ما قال: وأنا جالس، هذه يسمونه ماذا؟ التفات... ، وبعضهم يسميه تجريدًا، ما معنى تجريد؟  

المقدم: جرد من نفسه.

جرد من نفسه شخصًا تحدث عنه. عن عدي قال: أخذ عديٌّ عقالاً أبيض، وعقالاً أسود، حتى كان بعض الليل نظر، فلم يستبنه، فذكره، فالمناسبة ظاهرة {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [سورة البقرة 187] إلى آخره هذه مذكورة في الخبر.

والموضع الثالث: في الباب المذكور من كتاب التفسير قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا جريرٌ عن مطرفٍ عن الشعبي عن عدي بن حاتمٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟...الحديث، المناسبة ظاهرة؛ لأن الخيط الأبيض من الخيط الأسود أيضًا مذكور في الآية التي ترجم بها، لكن يرد هنا أن عديًّا سأل النبي –عليه الصلاة والسلام-.

في هذا الموضع سأل قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ وفي المواضع الأخرى فعل، ويأتيه التوجيه بعد فعله، فهل سأل قبل أن يفعل، أو سأل بعد أن فعل؟  

المقدم: أكيد سأل بعد ما فعل.

نعم فعل، فلم يتبين له، ثم سأل النبي-عليه الصلاة والسلام- فأخبره.

المقدم: أحسن الله إليك، في مثل هذا الموضع دائمًا ترد القاعدة يكررها بعض من يفتي، لمن أكل شاكًّا في استمرار الليل وتبين له بعد فترة أنها خرجت، فيقولون: الأصل، بقاء الأصل، فمن أكل شاكًّا في بقاء الليل، فلا قضاء عليه، ومن أفطر ظانًّا دخول الليل، فعليه القضاء؛ لأن الأصل بقاء النهار، هل هذه القاعدة مضطردة يحكم بها أو يقال بها؟

هذه أشرنا إليها سابقًا، وهو فرق بين من يتولى النظر في طلوع الفجر بنفسه، وهو ممن يعرف، وبين من هو مقلد، يقلد الناس، نام نومًا عميقًا، فانتبه وظن أن الليل ما زال باقيًا، ثم أكل حتى شبع، ثم سمع الصلاة يفرغ منها السلام عليكم ورحمة الله، مثل هذا نقول: الأصل بقاء الليل؟! يعني يأكل ساعة كاملة من النهار، نقول الأصل، عليه القضاء بلا شك.

المقدم: فقط القضاء، لو كان فطره بالجماع، فمعنى ذلك أنه يلحقه نفس الحكم عندنا، مادام أنه أكل، فألزمناه بالقضاء، فلو جامع، فيلزمه الكفارة.

مسألة العذر، مسألة ما يحتف بالحكم، وإلا فالأصل الحكم واحد.

المقدم: يعني هذا هو الأصل ما دام ألزمناه بقضاء الفطر، فنلزمه بالكفارة.

هذا الأصل أنه يلزم به مادام أفطر الحكم واحد، لكن قد يتراءى لمن يفتيه أن مثل هذا مع حرصه، وتحريه للعبادة فاته ما فاته، فيعذر بمثل هذا، المسألة محتملة يعني، وإلا فالأصل أن الحكم واحد.

المقدم: لما حال بين الناس وبين السماء غيمٌ، فظنوا أن المغرب قد حان، فأفطروا في هذه الحالة؟

في حديث أسماء في الصحيح في البخاري، فيقول عروة: وهل قضوا ذلك اليوم؟ قال: وهل بدٌ من قضاء؟ وهل بدٌ من قضاء؟ يقضون بلا شك.

المقدم: الأصل القضاء.

نعم،

المقدم: معنى ذلك أنهم ظنوا دخول الليل ومع ذلك، ألزموا بالقضاء.

بلا شك؛ لأن الأصل يتضافر فيه الأصل والظاهر، الكلام فيما لو اختلف الأصل مع الظاهر، هل يرجح الأصل، أو يرجح الظاهر؟ كل مسألة تحتاج إلى حكمها.

المسألة الأخرى –أحسن الله إليك- فيمن يتساءل عنه كثيرٌ من الناس في تفريطهم أحيانًا، بالأكل أثناء الأذان، نسأل عن هذا كثيرًا يقول: أكلنا والمؤذن، هل أمسك على أقرب مؤذن، وأحيانًا يستمر بعض المؤذنين في المكان الواحد، والحي الواحد ثلاث وأربع دقائق، فيقول بعضهم: أنا أمسك على آخر مؤذن منهم.  

على كل حال مثل ما أشرنا مرارًا أن هذا مما يحتاط فيه، هذه عبادة واجبة على المكلف أن يخرج منها بيقين، ولا يعرض نفسه لمثل هذا الأمر، لا يعرض من أفطر يوم من رمضان، وإن كان هذا الحديث تكلم فيه بعض أهل العلم «لم يقضه صيام الدهر وإن صامه»، فالمسألة ليست بالسهلة يعرض عبادته، على كل حال العبادة، لو كان أمر من أمور الدنيا يتساهل فيها لهذا الحد؟! ما يمكن، فعلى الإنسان أن يكون دينه أهم من أمر دنياه.

المقدم: إذا أفطروا بناءً على مؤذنٍ واحد، وعرف عن هذا المؤذن أنه لا يتحقق، وكثيرًا ما يخطئ، ثم أفطر أهل حيٍ بناءً عليه يلزمون بالقضاء؟

ثم تبين أن الشمس ما غابت؟

المقدم: تبين وهذا حصل في مدن.

يلزمون بالقضاء مثل السحاب.

المقدم: يلزمون؟

يلزمون.

المقدم: جزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم، ونفع بعلمكم.

أيها الإخوة والأخوات، بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، شكر الله لفضيلة شيخنا الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير ما قدَّم وبيَّن، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يصلح أحوالنا وأحوالكم، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، إنه جوادٌ كريم، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا وإياكم علمًا وعملاً، إنه جوادٌ كريم، شكرًا لطيب متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.