تعليق على تفسير سورة البقرة (64)

عنوان الدرس: 
تعليق على تفسير سورة البقرة (64)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير ابن كثير
تاريخ النشر: 
سبت 08/ Jumada ath-Thaniya/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد...

فبعد انقطاعٍ طال ودام خمسة أشهر تخلل هذه المدة اختبارات، ورمضان، وإجازة بين العيدين، ثم الحج، وكل هذه الأمور عوائق في زماننا هذا، وإن كان فيها مواسم عبادة، واغتنام للأوقات ممن منَّ الله عليه بالعمل الصالح، واغتنام الفرص للعلم النافع.

وكانت الدروس عند من عرفنا من الشيوخ لا تنقطع طول العام؛ لأنها ليست مربوطة بدوام، ولا مربوطة بدراسة، ولا مرتبطة بأي أمرٍ من الأمور إلا بالطالب مع شيخه، بل الأمر لا يقتصر على درسٍ واحد في اليوم، وإنما يُوجد عند بعض الشيوخ خمسة دروس في اليوم، ومنهم من يزيد سادسًّا في الضحى.

وعلى كل حال ما يُمكن أن نتعدى واقعنا الذي نستطيعه ونقدر عليه إلى المثاليات التي لا يُمكن تحقيقها.

ومن شيوخنا في وقتٍ قريب يعني من عشر سنوات من يستغل ويغتنم أوقات الفراغ بالنسبة للطلاب، فيُنظم دورات علمية فيها دروس متعددة، ويُعينهم الله على ذلك، يُعين الطالب، ويُعين الشيخ على الصبر والتحمل، وأنا جرَّبت هذا، وضعت في يوم من الأيام ثلاثة دروس، ومشينا لأسبوع وانقطعنا، ما استطعت، ولا شك أن التقدم في السن له دور، وكانت الدورات الصيفية لاسيما في درس العصر يستمر لثلاث ساعات، الآن لا أستطيع هذا ولا نصفه.

ومن علت همته وأخلص في نيته أعانه الله –جلَّ وعلا-، عرفنا من شيوخنا من زاد في العمر على ما أنا فيه من العمر عشر سنوات وعشرين سنة، والعمل عنده في الليل والنهار سواءً كان في التعليم أو في الدعوة أو في قضاء حوائج الناس، الله –جلَّ وعلا- يُعين، والنفس إذا عُوِّدت اعتادت، وإذا عُسِفت انعسفت.

والنفس كالطفل إن تهملهُ شبَّ علـى

 

حب الرضاعِ وإن تفطمهُ ينفطــم

من استرخى وأتبع النفس هواها تضعف نفسه، وتضعف همته وعزيمته، وإذا انقطع عن الدروس كان العود إليها شاقًّا، في غاية المشقة كما يُقال عن سبت الصبيان، من أشق الأمور على الصبيان السبت؛ لأنه أول يوم في الدراسة، ومثل هذا اليوم بالنسبة لهذا الدرس فيه مشقة، ولكن الله يُعين إذا تجاوزنا هذه المرحلة، ومشت الدروس كانت كالمعتاد، نسأل الله التوفيق والإعانة، والعلم النافع، والعمل الصالح للجميع.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

آخر درس في إحدى عشر/ ثمانية/ ثمان وثلاثين 11/8/1438 واليوم إحدى عشر/ واحد 11/1 بهذا نكون أكملنا خمسة أشهر.

يعني حصل بين العيدين بعض الدروس في مكة والطائف تُعادل شهر ستة عشر درس، لكن خمسة أشهر ما كانت معروفة عند أهل العلم ممن مضى، وبعضهم يُوجد دروسًا بديلة للدروس المنتظمة التي تعطل مع الطلاب، بعض المشايخ يُوجد دروسًا بديلة لهذه الدروس التي تعطلت تبعًا للطلاب.

وعلى كل حال المسألة الإنسان حيث يضع نفسه، إن وضعها في مصافّ أهل الهمم العالية علت وسمت همته، وإن أرخى لها العنان كسُلت وضاع الوقت بدون فائدة      

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال الإمام ابن كثيرٍ–رحمه الله تعالى-: "{وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:188]، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويُخاصم إلى الحُكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثمٌ آكل الحرام، وكذا رُوي عن مجاهدٍ، وسعيد بن جبيرٍ، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسُّدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تُخاصم وأنت تعلم أنك ظالم.

وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أَلَا إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّمَا يَأْتِينِي الْخِصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ فَلْيَحْمِلَهَا أَوْ لِيَذَرْهَا»، فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أن حُكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يُحل في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يُحرِّم حلالاً هو حلال، وإنما هو مُلزمٌ في الظاهر، فإن طابق ما في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره، وعلى المحتال وزره، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا} [البقرة:188] أي: طائفة {مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:188] أي: تعلمون بطلان ما تدَّعونه وتروجونه في كلامكم".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد...

ففي قوله –جلَّ وعلا-: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم} [البقرة:188] المراد أن يأكل المسلم مال أخيه؛ لأنه مُطالبٌ بأن يُحب لأخيه ما يُحبه لنفسه، فإذا أكل مال أخيه فكأنه أكل ماله، يعني إذا أكل مال أخيه فكأنه أكل ماله، وقد يكون متسببًا لأكل ماله نفسه بأكل مال أخيه؛ لأنه إذا أكل مال أخيه تساهل غيره في أكل ماله من باب الاقتداء به، والعقوبة من الله –جلَّ وعلا- له والجزاء من جنس العمل.

فإذا خاصم من عليه مال ليست عليه به بينة، وصار ألحن بالحجة من صاحبه، وأكل المال الوزر عليه؛ لأن المظلوم الذي أُكِل ماله معلومٌ أنه مأجور؛ لأنه مظلوم، والحاكم الذي اجتهد وهو من أهل الاجتهاد والنظر في القضايا والخصومات، واستعمل في القضاء مقدماته الشرعية من البينات، ثم بعد ذلك ما دلت عليه البينات أو شهدت به البينات مُخالفٌ للواقع، والحاكم اجتهد، رأى أن هذه البينة تثبت بها الدعوى من غير مُحاباة، من غير تساهل في المقدمات، فهو مأجور على اجتهاده أجر واحد؛ لأنه لم يُصب، وإن كانت المقدمات والبينات صادقة وحَكم على ضوئها، وهو اجتهادٌ مُصيب، وله أجران.

المقصود أن مثل هذه الحُكومات من القضاة التي تكون نتائجها غير مطابقة للواقع، الحاكم إذا اجتهد وهو من أهل الاجتهاد والنظر حكم عن علم ولو خالف الواقع فإنه مأجورٌ على اجتهاده، والوزر على من غرر به من المدعي والبينة.

والنبي –عليه الصلاة والسلام- المؤيد بالوحي يقول: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أقضي على نحو ما أسمع، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ» أعرف، وأفصح، وأبين كما قيل: والحق قد يعتريه سوء تعبير «فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، أو بشيءٍ من حق أخيه فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ فليأخذها أَوْ لِيَذَرْهَا».

ولذا جماهير أهل العلم وهو القول الصحيح، وما يُقابله لا حظ له من النظر أن حكم القاضي إذا خالف الواقع لا يُحل الحرام، ولا يُحرِّم الحلال، وقال بعضهم: إن من حُكِم له وهو يعرف أنه ليس له حق في القضية حُكم الحاكم الظاهر يُحله، يُحل له في الباطن على خلافٍ بينهم في شموله للأموال والفروج، ولكن سواءٌ قيل بعمومه أو ببعض أجزائه فإنه قولٌ لا حظ له من النظر مُصادمٌ للحديث المتفق عليه الذي ذكره المصنِّف -رحمه الله تعالى-.

{وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم} [البقرة:188] صور الأكل أولاً: التنصيص على الأكل؛ لأنه أعظم وجوه الانتفاع، الصور كثيرةٌ جدًّا:

منها: ما أُشير إليه عند الحاكم، ومنها: ما يأكله بعض الموظفين من انتدابات أو رواتب بدون مقابل، أو يؤخذ مما يُرتب للمحتاجين من المسلمين من بيت المال، فيُزوِّر ويأخذ من الضمان أو من غيره من وجوه الصرف من بيت المال أو الأوقاف التي تُرتب على أوصافٍ مُعينة فيزعم أنه ينطبق عليه الوصف، ويُحضر مستندات وبينات مزورة، فيأخذ ما لا يحق له.

كل هذه الصور وغيرها مما لا يُمكن حصره داخلةٌ في الآية.

بعض الأمور المرتبة من الأوقاف مثلاً أوقاف المسلمين تجد الواقف أو الموصي ينص على وصفٍ هو في حقيقته شرط، وقد يكون هذا النص لفظيًّا، وقد يكون عُرفيًّا.

الآن لو جيء بوصية يوصي فيها الجد الرابع الذي مات من مائتي سنة لمن يطلب العلم من ذريته، ثم نأتي لنطبق هذه الوصية، هل يشمل من يطلب العلم علوم الدنيا؟ هل في بال الموصي أن من أولاد أولاده وأحفاده من يدرس هندسة، أو فيزياء، أو طبًّا أو شيئًا؟ هل يأتي في باله أن نصَّه يشمل أمثال هؤلاء؟ هذا إذا قلنا: إن مثل هذه الأمور تدخل في عموم اللفظ، وإلا فالعلم الشرعي الذي جاءت النصوص بمدحه ومدح أهله هو الموروث عن النبي –عليه الصلاة والسلام-، وهذا ليس بمحل اختلافٍ عند أهل العلم.

ولذا يقول العلماء في كتب الأصول، والمسألة خلافية منهم من يقول: العلم لا يُحد، ما يُعرَّف، لماذا؟ لا يُمكن أن يُختلف فيه.

في (مختصر التحرير) يقول: العلم لا يُحد في وجه، وإن كان يقول في المقدمة: إذا قلت: في وجهٍ فالمقدم غيره، يعني أنه يُعرَّف، لكن تعريفه متفق عليه.

فيأتي من يقول: إنه ينطبق عليك الحد، ينطبق عليك شرط الواقف، ذهب يدرس من علوم الدنيا، وفي بلادٍ عليه منها خطرٌ عظيم، ويُقال: ذهب يطلب العلم، أو يدرس ما يتعلق بالقرآن أو بالحديث أو بالفقه على أيدي كفار من المستشرقين وغيرهم، ونقول: هذا ذهب يطلب العلم، وينطبق عليه الحد يُعطى من الوصية؟! إذا أكل فهو داخل في الآية.

"قال قتادة: اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يُحل لك حرامًا، ولا يحق لك باطلاً، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بشرٌ يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قُضي له بباطل أن خصومته لم تنقضِ حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا.

وقال أبو حنيفة: حكم الحاكم بطلاق الزوجة".

من باب يقول: "فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضي به للمبطل على المحق في الدنيا" يعني هل العقوبة موازية للذنب؟ لما يأتي في الحديث الصحيح المتفق عليه «من اغتصبَ شِبرًا من أرضِ طوِّقَهُ من سبعِ أرضينَ» الله –جلَّ وعلا- أعذر للخلق لجميع المكلفين، ولم يترك لأحدٍ حُجَّة، فكونه يسمع هذا الكلام ويُخالفه ألا يستحق المضاعفة في العقوبات؟ {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء:40].

أورد بعضهم أن هذا الكافر مكث في الدنيا مائة سنة أو تسعين سنة أو أكثر أو أقل، فكيف يُعذَّب أبد الآباد في جهنم؟ قال العلماء: لأنه في نيته وقرارة نفسه أنه لو عُمِّر إلى يوم القيامة أو إلى الأبد أنه يستمر على كفره.

"وقال أبو حنيفة: حكم الحاكم بطلاق الزوجة إذا شهد عنده شاهدا زورٍ في نفس الأمر، ولكنهما عدلان عنده يُحلها للأزواج حتى للشاهدين، ويحرمها على زوجها الذي حُكم بطلاقها منه، وقالوا: هذا كلعان المرأة، إنه يُبينها من زوجها ويُحرِّمها عليه، وإن كانت كاذبةً في نفس الأمر، ولو علم الحاكم بكذبها لحدها ولما حرَّمها وهذا أولى.

مسألة: قال القرطبي".

كل هذا لا يُوجد عندنا.

"قال القرطبي: أجمع أهل السُّنَّة على أن من أكل مالاً حرامًا ولو ما يصدق عليه اسم المال أنه يفسق، وقال بشر بن المعتمر في طائفةٍ من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتي درهمٍ فما زاد، ولا يفسق بما دون ذلك، وقال الجُبائي: يفسق بأكل درهمٍ فما فوقه إلا بما دونه".

لا بما دونه.

كل هذه التقديرات تحكُّم لا دليل عليها، فالنصوص عامة في أكل الأموال أموال الغير سواءً كانت لليتامى وهي أشد، أو لغيرهم.

طالب:.......

الذي تقدم في الصيام والذي سيأتي في الحج.

طالب:.......

على كل حال وجود هذه الآيات التي تُحذر المسلم وتُرهِّبه من هذه المعصية بين الآيات التي فيها الحث على العبادات والأمر بها هذا من باب التنويع في الموضوعات من جهة، ومن باب الترهيب بين آيات الترغيب؛ لهذا سُمي القرآن مثاني؛ لأنه يجمع بين الترغيب والترهيب، نعم.

"قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة:189].

قال العوفي عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة:189] يعلمون بها حل دِينهم".

دَينهم.

"حِل دَينهم وعدة نسائهم، ووقت حجهم.

وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} [البقرة:189] يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دَينهم".

ما المسؤول عنه من قِبلهم في قوله: {يَسْأَلُونَكَ} [البقرة:189] يعني يا محمد {عَنِ الأهِلَّةِ} [البقرة:189] عن ماهيتها، ومما خُلقت، أو عن فائدتها وحكمتها؟ على كل حال جاء الجواب بما يُسمى بأسلوب الحكيم أن يُجاب السائل بما هو أحوج إليه مما سأل عنه، فالجواب: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجَِّ} [البقرة:189] هذه فائدتها، الفائدة العظمى من إيجادها ومن خلقها مواقيت للناس يعرفون بها حِل ديونهم، وعدد نسائهم، والأشياء التي تحتاج إلى نوع توقيت، والحج يحتاج والتنصيص عليه؛ لأن وقته يطول؛ لأنه شهران وبعض الثالث؛ ولذا قال: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة:197].

"وكذا روي عن عطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك.

وقال عبد الرزاق، عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «جَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ، فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا».

ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث ابن أبي روادٍ، به. وقال: كان ثقةً عابدًا مجتهدًا شريف النسب، فهو صحيح الإسناد، ولم يُخرجاه".

كلام الحاكم، والحاكم معروف في تساهله.

"وقال محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «جعل اللَّهُ الأهلَّة، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فصُوموا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ أغْمي عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»، وكذا روي من حديث أبي هريرة، ومن كلام علي بن أبي طالبٍ- رضي الله عنه-".

طالب:.......

ماذا؟

طالب:.......

أين؟

طالب:.......

نعم.

طالب: «جَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ».

«فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ».

طالب:.......

نعم.

طالب:.......

لا لا فيه سقط، وماذا جعلها؟

طالب:.......

خلق الله الأهلة لأي شيء؟

طالب:.......

ماذا؟

طالب:.......

يُرجع له في الأصل.

طالب:.......

العبارة فيها نقص.

طالب:.......

في مواقيت.

طالب:.......

طلعوها من النصوص.

يعني هل قوله: «جَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ» جملة تامة أم ناقصة؟

طالب:.......

«جَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ» الجعل له معاني، لكن هل خلق الله الأهلة؟

طالب:.......

لكن اللفظ الذي...مطابق لما في الآية، مطابق للجواب الذي في الآية هو ليس بلفظٍ مُنكر، لكن الحَكم في ذلك المصدر، راجعه لنا، نعم يا شيخ.

طالب:.......

الآن لو قال: «جَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ» كأنه مطابق للآية ولا فيه أدنى إشكال، والجملة تامة ما تحتاج إلى تقدير، لكن لما يقول: «جَعَلَ اللَّهُ الْأَهِلَّةَ» فقط، فهل الجملة تامة؟ وما الفائدة من هذه الجملة؟

طالب:.......

لكن ما لا يحتاج إلى تقدير عند أهل العلم أولى مما يحتاج إلى تقدير، وعلى كل حال المصدر هو الحَكم، كمِّل.

"وقوله: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189] قال البخاري: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189]".

لأنهم يرون أنك إذا خرجت من بيتك وتركت بيتك بأهله وأثاثه لله للحج من أجل الله، فإذا دخلت عليهم من نفس الباب كأن هذا رجوع فيما تركته لله، فبدل ما يدخل من الباب ويكون رجع عما تركه لله يأتي البيت من ظهره، وهذا لا شك أنه سفه.

"وكذا رواه أبو داود الطيالسي، عن شُعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانت الأنصار إذا قدِموا من سفر لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذه الآية.

وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريشٌ تدعى الحُمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من بابٍ في الإحرام، فبينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر من الأنصار، فقالوا: يا رسول الله! إن قطبة ابن عامرٍ رجلٌ فاجر، وإنه خرج معك من الباب. فقال له: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟» قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت. فقال: «إِنِّي أَحْمُسُ» قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة:189] رواه ابن أبي حاتم. ورواه العوفي عن ابن عباسٍ بنحوه. وكذا روي عن مجاهدٍ، والزهري، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والسُّدي، والربيع بن أنس.

وقال الحسن البصري: كان أقوامٌ من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يُقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوره من قبل ظهره، فقال الله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة:189] الآية.

وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية.

وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم من ظهورها ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة:189].

وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة:189] أي: اتقوا الله فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة:189] غدًا إذا وقفتم بين يديه، فيُجازيكم بأعمالكم على التمام والكمال".

في قول عطاء وهو قول محمد بن كعب قبل ذلك "كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية" إذا اعتكف قبله عموم في عموم الأسفار، وقبله من الروايات ما يدل على أنه في الحج، وهنا قال: "كان الرجل إذا اعتكف" بعض الفقهاء يستحبون للمعتكف إذا انتهى من اعتكافه ألا يخرج إلى بيته، بل يخرج إلى صلاة العيد بثيابه في ثياب المعتكف، ثم بعد ذلك يأتي إلى بيته، مع أنه إذا غابت الشمس من آخر أيام رمضان فقد انتهى الاعتكاف، وليلة العيد ليست محل اعتكاف، وهذا مذكور في كُتب الفقه عند الحنابلة وغيرهم أنه يذهب إلى مُصلى العيد في ثياب اعتكافه، ومن معتكفه، ولكنه لا دليل عليه، وفيه شبه مما ذُكِر هنا "كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت" فيه نوع شبه أنه يذهب إلى المسجد يُصلي العيد بثيابه، مع ان السُّنَّة أن يتزين، ويلبس النظيف من الثياب لصلاة العيد كما كان النبي –عليه الصلاة والسلام- يفعل، وليلة العيد ليست محل اعتكاف، فهذا القول وإن تداوله بعض الفقهاء، وهو موجود في بعض كتب الحنابلة وغيرهم، لكنه لا أصل له.

ويُرتبون على ذلك إحياء ليلة العيد، ويروون فيه حديثًا ضعيفًا «مَنْ أحيا لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ»، والحديث ضعيف.

طالب:.......

ماذا؟

طالب:.......

ماذا فيه؟

طالب:.......

حُكمه؟ قال الأعمش عن سفيان هو ما حُرِّج أصلاً.

مُخرَّج؟ رواه ابن أبي حاتم، والعوفي وكذا، ماذا قال عنه عندكم؟

طالب: أخرجه بسندٍ حسن.

نعم.

طالب: يقول: أخرجه أبن أبي حاتم بسندٍ حسن من طريق عمار بن زريق عن الأعمش.

طالب:.......

نعم.

طالب:.......

النبي –عليه الصلاة والسلام- قبل الهجرة كان حج أكثر من مرة -عليه الصلاة والسلام-.

طالب:.......

ماذا؟

طالب:.......

يقف في عرفة، ويخرج من الحرم معروف هذا عنه -عليه الصلاة والسلام-.

طالب:.......

أنه أحمس في مسألة الدخول من وراء البيت.

على كل حال هو ما عليه أثر، يعني ما ليس فيه فائدة عملية؛ ولذلك قالوا عن قطبة: رجلٌ فاجر، لماذا؟ لأنه دخل من الباب.

ما فيه تخريج للحديث؟ أبا عبد الله، تخريج الحديث..

طالب:.......

ماذا؟

طالب:.......

لا لا، يقول: أحمس، قبل الهجرة.

طالب:.......

لا لا، إذا كان بالمدينة فالخبر مُنكر، لا يُمكن أن يقول النبي –عليه الصلاة والسلام- بالمدينة: «إِنِّي أَحْمُسُ»؛ لأنه حج على طريقة قومه قبل الهجرة أكثر من مرة.

طالب:.......

نعم لو قالوا هذه ما لها نصيب، ما هي بصحيحة، وليس لها معنىً في هذا السياق، والمُثبت من تفسير الطبري وابن أبي حاتم والإصابة.

"قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة:190-193].

قال أبو جعفرٍ الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة:190] قال: هذه أول آيةٍ نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخةٌ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة:5]".

من دلالة الآية التي معنا على جهاد أو قتال الدفع فقط، قالوا: واختصاص القتال بالدفاع أو الدفع منسوخ؛ لأنه جاءت آيات ونصوص تدل على طلب المسلمين للكفار، وقتالهم في بلدانهم، والنبي –عليه الصلاة والسلام- ذهب إلى القبائل وقاتلهم على الإسلام، والمسلمون تفرقوا في الأمصار لقتال الكفار، وليس الهدف من القتال إراقة الدماء والتشفي من الناس أو أخذ الأموال أو ما أشبه، الهدف منه هدايتهم للإسلام.

"وفي هذا نظر؛ لأن قوله: {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة:190] إنما هو تهييجٌ وإغراءٌ بالأعداء الذين هِمتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36]".

ولا يلزم من هذا الانتظار حتى يبدأ الكافر بالقتال، على كلامه الأخير أنه لا يلزم، لكن إذا كان من شأنه أن يُقاتل ويدخل في هذا الجماعات والأفراد إذا كان في الأعداء من شأنهم أن يُقاتِل يُقاتَل، والذي لا يُقاتل من النساء، والذراري، والشيوخ، والرهبان هؤلاء لا يُقاتلون، فهم لا يُقاتلون ولا يُقتلون.

"ولهذا قال في هذه الآية: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} [البقرة:191] أي: لتكن همتكم منبعثةٌ على قتالهم، كما همتهم منبعثةٌ على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا.

وقد حُكي عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أن أول آيةٍ نزلت في القتال بعد الهجرة {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} الآية [الحج:39] وهو الأشهر، وبه ورد الحديث.

وقوله: {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا".

ظاهر من الإذن أن ما قبل هذا الإذن منع {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج:39] أنهم قبل هذا الإذن كانوا ممنوعين، ولتكن هذه الآية هي أول آية يؤذن فيها بالقتال.

"وقوله: {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله الحسن البصري- من المُثلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة".

أما إذا ترتب على ذلك مصلحة، ففي غزوة بني النضير حرَّق النبي –عليه الصلاة والسلام- نخيلهم كما هو معلوم، لكن هذه المصلحة راجحة.

وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ

 

حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ

نعم.

"كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومُقاتل بن حيان، وغيرهم. ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بُريدة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِالْلَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلّوا، وَلَا تَغْدروا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»".

قال: «وَلَا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ» رواه الإمام أحمد، «وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ» رواه الإمام أحمد، وعن ابن عباس.

طالب: من رواية مسلم.

يقول: سقط من زاي وخاء.

الحاشية عندك ما ذكره؟

طالب: يقول: في الأصل «وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ» والصواب حذف «وَلَا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ»؛ لأن الرواية في صحيح مسلم بدون ذلك.

هذه رواية أحمد.

طالب: ولهذا جاء في صحيح مسلم، عزاها إلى مسلم.

المؤلف عزاه لأحمد.

طالب:..........  

أين؟

طالب:..........  

عن بُريدة.

أنتم تعلمون من خلال هذه الدروس في تفسير الحافظ ابن كثير أن عناية الإمام الحافظ ابن كثير في مسند الإمام أحمد أكثر من أي كتابٍ آخر، وأنه كان يحفظه عن ظهر قلب، وقد تكون الرواية موافقة لما في البخاري أو مسلم فيعتمد على البخاري، ويزيد عليه من مُسند الإمام أحمد كما هو معروفٌ طريقته، وهنا بدأ الحديث في صحيح مسلم عن بُريدة.

طالب: وأتى بالثاني....

ثم أتى بما في مسلم مع زيادة أحمد.

طالب: بما في المسند.

بما في المسند.

هو الذي يحفظ كتابًا يجعله هو المحور، وقد يختلف معه غيره، الآن الذين يُخرِّجون أحاديث الصحيحين، ويقولون: رواه البخاري ومسلم أو متفقٌ عليه، ومعولهم على فروع لا على أصول، تجدهم يعتمدون على هذه الفروع ويعزون إلى الأصل، فمثل البيهقي وابن الأثير في (جامع الأصول) وغيرهم كثير، الحُميدي في (مسنده) يعتمدون على المستخرجات، والمستخرجات منها ما أصله صحيح البخاري، ومنها ما أصله صحيح مسلم، ومنها ما أصله في الصحيحين فيُخرجون من الصحيحين أو من البخاري أو من مسلم واللفظ لصاحب المستخرج، والأصل لصاحب المستخرج لو طُبِّق كلام البيهقي في حديثٍ يقول: رواه البخاري أو يرويه عن طريق البخاري تجد نوع اختلاف، وكذلك (جامع الأصول) مثله، والحُميدي فيه أشياء زائدة على ما في الصحيحين؛ ولذا قال الحافظ العراقي في المستخرجات:

 

وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحِيْحِ كَأَبي

 

عَوَانَةٍ وَنَحْوِهِ، وَاجْتَنِبِ

 

        عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا

لا تعزو الألفاظ لفظ المتن للبخاري أو مسلم، وأنت اعتمدت على البيهقي أو ابن الأثير مثلاً.

وَاجْتَنِبِ عَزْوَكَ ألفَاظَ المُتُونِ لَهُمَا

 

إذْ خَالَفتْ لَفْظًا وَمَعْنىً رُبَّمَا

وَمَا تَزِيْدُ فاحْكُمَنْ بِصِحَّتِه

 

فَهْيَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ

وَالأَصْلَ يَعْني البَيْهَقي وَمَنْ عَزَا

 

وَلَيْتَ إذْ زَادَ الحُمَيدِي مَيَّزَا

"وَالأَصْلَ يَعْني البَيْهَقي" إذا قال: رواه البخاري يعني أصل الحديث، ما يعني لفظ الحديث، عندك الحافظ ابن كثير لما يعزو يُخرِّج من المسند الذي هو الأصل الذي اعتمد عليه ويعزوه لغيره من الأئمة بالتبعية، وإن كان الأصل العكس، لكن ابن كثير إمام ومُحدِّث، ورأى أنه يحفظ هذا الديوان العظيم من دواوين الإسلام الذي تجتمع فيه غالب هذه الكتب، وإلا فالذي يحفظ المسند يعجز عن الستة؟ لا لن يعجز عن الستة، لكنه انصب جهده على هذا الكتاب وله منهجه وطريقته، وقد يُخرِّج يعزو الحديث أصله في... قال الإمام أحمد: حدَّثنا فلان وفلان، ثم يذكر الحديث، ورواه البخاري ومسلم، ومعوله في اللفظ على المسند، مثل ما قلنا عن البيهقي وابن الأثير.

وصنيع ابن الأثير –رحمه الله- في جمعه بين الكتب الخمسة مريح لطلاب العلم، لكن يُلاحظ عليه هذه الملاحظة التي هي اعتماده على المستخرجات، فلا تطمئن النفس إلى أن يُعزى من البخاري من خلال عزو ابن الأثير أو حتى البيهقي.

والأمر الثاني: ترتيبه الكتب على الحروف الصلاة قبل الزكاة؛ لأن حرف الزاي قبل الصاد.

طالب: الزكاة قبل الصلاة؟!

الزكاة قبل الصلاة، نعم.

طالب:..........  

وحديث بريدة؟

طالب:..........  

الصوامع عند أحمد.

طالب: بُريدة.

من حديث بريدة.

طالب:........

عند من؟

طالب: عند أحمد.

سيأتي، اقرأ حديث ابن عباس.

"وعن ابن عباسٍ قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا بعث جيوشه قال: «اخْرُجُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِالْلَّهِ، لَا تَعتدوا وَلَا تَغُلُّوا»".

لا تغدروا.

طالب:.......

الأولى لا تغدروا.

طالب: لا تعتدوا؟

في نسخة لا تعتدوا «لَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تُمَثلوا».

"«لَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تُمَثلوا، وَلَا تَقْتُلُوا الْوِلْدَانَ وَلَا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ» رواه الإمام أحمد، ولأبي داود، عن أنسٍ مرفوعًا، نحوه".

الشعب معك، ما اللفظ؟ تغدروا أم تعتدوا؟

طالب: تغدروا.

هذا الذي يظهر.

طالب:..........

هذا الأصل هذا المحفوظ، نعم.

"وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وُجِدت امرأةٍ في بعض مغازي النبي -صلى الله عليه وسلم- مقتولة، فأنكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل النساء والصبيان".

النهي عن قتل النساء مع أنه جاء قتل النساء من زنت رُجِمت، وقُتِل السواحر إلى غير ذلك مما يُخصص هذا النص.

طالب:..........

نعم.

طالب:..........

هم منهم.

المقصود أن المسألة في تعارض عموم النهي عن قتل النساء مع قتل المرتدة والزانية المحصنة جاء ذلك، فما المقدم من العمومين عموم النهي عن قتل النساء أو عموم «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» بما في ذلك النساء، عموم «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» يشمل الرجال والنساء، والنهي عن قتل النساء خاص بالنساء؛ ولذا قال الحنفية: الخاص مُقدَّم على العام، ما تُقتل المرتدة عندهم، لماذا؟ لأنه جاء النهي عن قتل النساء.

والجمهور على العكس قالوا: تُقتل المرتدة، وعموم النهي عن قتل النساء مخصوصٌ به، عموم النهي عن قتل النساء مخصوص بقتل المرتدات.

ولماذا قُدِّم هذا العموم على ذاك العموم؟ لأن النهي عن قتل النساء عمومه دخله أكثر من مُخصص، فضعف، وعموم النهي عن قتل «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ما دخله مثل تلك المخصصات، فبقي أقوى من عموم النهي عن قتل النساء، المرأة إذا زنت، نقول: النهي عن قتل النساء وهي مُحصنة، أو قتلت ما تُقتل؟ أو ارتدت ما تُقتل للنهي عن قتل النساء؟ هذه كلها مُخصصات أضعفت عموم الحديث، وصار الراجح عند جمهور أهل العلم أن المرتدة تُقتل.

طالب: النهي عن قتل النساء في الحروب خاصة؟

خاص يصير خاصًّا في الحروب، لكن نهى عن قتل النساء، لولا كثرة المخصصات لهذا النص العام الذي أضعفه ما قلنا: إنه محمولٌ على الخصوص؛ لأن عمومه يُمكن أن يُستعمل كما استعمله الحنفية، لكن معروفٌ أنه كلما دخل من المخصصات أكثر كان العموم أضعف.

ولعلنا نكمل الدرس القادم.