شرح العقيدة الواسطية (27)

عنوان الدرس: 
شرح العقيدة الواسطية (27)
عنوان السلسلة: 
شرح العقيدة الواسطية
تاريخ النشر: 
سبت 29/ Muharram/ 1436 4:45 م

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

يقول: هذا كلام لأحد طلبة العلم وجدته على صفحات الإنترنت، فما رأيكم..، ماذا عن التفويض في الأسماء والصفات؟ يقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فقد شاع في أوساط طلبة العلم من أهل السنة وأتباع الحديث إنكار التفويض في باب الأسماء والصفات، وما ذاك إلا لقلة التحقيق وضيق العطن، ولقد كنت أميل إلى هذا القول ردحًا من الزمان، ثم ترجح لدي بعد بحث طويل أن الحق في هذه المسألة هو ما شاع إنكاره في صفوف إخواننا ممن ذكرت. وحتى لا أنسب إلى الابتداع في الدين، والخروج عن سبيل المؤمنين، فسأثبت لك ما ذهبت إليه بنقل عبارات الأئمة السالفين، المشهود لهم بالإمامة واستقامة العقيدة. فإليك عباراتهم:

1-    سفيان بن عيينة: روى البيهقي في الاعتقاد والأسماء والصفات واللالكائي في مجمل الاعتقاد عن سفيان أنه قال: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عليه وسنده صحيح.

2- أحمد بن حنبل: قال ابن قدامة المقدسي في لمعة الاعتقاد: قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -رضي الله عنه- في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ينزل إلى سماء الدنيا»، «وإن الله يُرى في القيامة» وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها، و نصدق بها، لا كيف ولا معنى...

3- محمد بن الحسن الشيباني: روى اللالكائي في مجمل الاعتقاد عنه أنه قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صفة الرب -عز وجل- من غير تغيير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسّر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسِّروا... وقيمة هذه الرواية تتجلى فيما تضمنته من نقل للإجماع عن فقهاء الملة، وأئمة الدين، فتأمل.

وروى عنه اللالكائي أيضًا أنه قال: هذه الأحاديث -أي: المروية في الصفات- قد روتها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها.

4-أبو عبيد القاسم بن سلّام: روى البيهقي في الأسماء والصفات واللالكائي عنه قال: هذه الأحاديث عندنا حق، يرويها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسيرها قلنا: ما أدركنا أحدا يفسر منها شيئًا، ونحن لا نفسر منها شيئًا، نصدِّق بها ونسكت، وهذا نقل للإجماع أيضًا، فتدبر.

5- مالك وابن المبارك والثوري وغيرهم: قال الترمذي في سننه بعدما روى حديث «يمين الرحمان ملأى...»: وهذا الحديث قال الأئمة: يؤمَن به كما جاء من غير أن يفسر أو يتوهم. هذا قاله غير واحد من الأئمة سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وابن المبارك، إنك تروي هذه الأشياء، وتؤمن بها، ولا يقال كيف؟

6- وكيع ومسعر بن كِدام وابن معين: روى البيهقي في الأسماء عن يحيى بن معين أنه قال: شهدت زكريا بن علي سأل وكيعا، قال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث -يعني أحاديث الصفات- فقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعر، يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا. وسنده صحيح. وهذه نصوص أخرى أنقلها لك لما فيها من إثبات لإجماع المتقدمين من أهل العلم على التفويض: روى البيهقي في الأسماء عن أبي سليمان الخطابي أنه قال: هذا الحديث -حديث الساق- مما تَهَيَّب القول فيه شيوخنا، فأجروه على ظاهر لفظه، ولم يكشفوا عن باطن معناه، على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يحيط العلم بكنهه من هذا الباب، وقال أيضًا: فأما الاستواء: فالمتقدمون من أصحابنا -رضي الله عنهم- كانوا لا يفسرونه، ولا يتكلمون فيه نحو مذهبهم في أمثال ذلك، وقال ابن قدامة في اللمعة: وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف -رضي الله عنهم-، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من غير تعرض لتأويله، وقد نص الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه على أن مذهب السلف في الصفات إمرارها كما جاءت من غير تفسير ولا تشبيه. والمراد بنفي التفسير المذكور في النصوص المتقدمة هو التفويض حتمًا. وفي الباب غير ذلك، وفي هذا القدر كفاية، فتأمل وأنصف. والسلام.

أما ما ذكره عن هؤلاء الأئمة فصحيح وأنهم يمرونها كما جاءت، لا على أنها لا معاني لها؛ وإنما يخشون أن تزل الأقدام في المعاني ويسترسلون إلى أن يصلوا إلى التكييف، فكثير منهم يتهيب القول في هذا الباب؛ خشية أن تزل بهم القدم، وإلا مر بنا في تفسير المعاني عن الأئمة أنفسهم مر بنا في تفسير الاستواء -مثلاً- جاءت به النصوص عن سلف هذه الأمة، علا، وارتفع، وصعد، لكنهم لا يسترسلون أكثر من هذا، والصفات التي لم يرد تفسيرها عن سلف هذه الأمة لا شك أن على طالب العلم أن يتهيب الكلام فيها، ولو وجدت لها معاني في معاجم اللغة، والفرق بين التفويض الذي أثبته هو لا يختلف مع من ينكر التفويض الذي أثبت التفويض.

هذا أخونا الذي ينقل كلام الأئمة وأنا لا أعرف اسمه ولا أعرف ما وجهته أنا أتصور أنه لا يختلف مع من ينكر التفويض، التفويض الذي يُنكر هو أن تكون هذه الألفاظ لا معاني لها ألبتة كأنها ألفاظ أعجمية لا يُفهم منها شيء، هذا الذي أنكره، وأما كونها كلامًا عربيًّا مفهومًا واضحًا، الاستواء معلوم -كما قال الإمام مالك- وإيش معنى معلوم؟ معروف المعنى، والكيف مجهول، فلا شك أنه يريد أن يحسم الباب كما حسموا هؤلاء الأئمة الذين نقل عنهم وما ينقل عنهم من أن آيات الصفات وأحاديث الصفات تمر كما جاءت، ليس معناه أنها يمرها العبد كأنها طلاسم، يعني نعرف أن زيدًا اسم لشخص مثلاً وهو مأخوذ في الأصل من الزيادة، لكن ديز عكس زيد وإيش معناها؟ لا معنى لها، هل معنى هذا أن استوى مثل ديز؟ لا معنى لها ألبتة، هل يمكن أن يقول  المفوض مثل هذا؟ ما يمكن أن يقول مثل هذا، بل هي ألفاظ عربية معروفة المعنى، لكن الكيفيات مجهولة لماذا؟ لأننا لم نرَ الله -جلَّ وعلا- بحيث نستطيع التعبير عنه ولا جاءنا منه ما يدل على شرح هذه المعاني وهذه الكيفيات، فنقف على ما وقفوا، ما فسروه وما بينوا معناه نبينه وما أمروه كما جاء يمر، مع العلم بأنها ألفاظ معروفة بالعربية ومعروفة من اشتقاقها، لكن ما يليق بالله -جلَّ وعلا- منها لا نستطيع تكييفه، فالذي يفوض بالكلية -يعني من كل وجه- يقول: أبد مثل ديز، واعكس أي كلمة مما عرف في لغة العرب ليس لها معنى، وقل مثل هذا، عنده (استوى) مثل (ديز) يمكن أن يقول : هذا أحد من أئمة السلف لا معنى ألبتة.

طالب: ................

نقول: قد يؤدي بهم حسم المادة وعدم الاسترسال في هذا الباب..؛ لأن الإنسان قد ينقل بعض الأقوال ويذكر ما يرادفها، أحيانًا يكون اللفظ ثابتًا عن السلف ثم يأتي بمرادف له، ثم بعد ذلك يجد نفسه قد أوغل، والسلف في هذا الباب يتهيبونه؛ لأنه يتعلق بجلال الله -جلَّ وعلا- بالذات الإلهية، يعني المسألة مزلة قدم، يعني الإنسان قد يجد مثلاً معنى الاستواء فسره السلف على معان ذكروها وذكرناها في وقتها، ثم بعد ذلك يأتي بمرادف لبعض هذه الألفاظ فيظنه مرادف؛ لأن الترادف الموجود في لغة العرب نفاه كثير من أهل العلم، يعني أنه لا يوجد ترادف، كل كلمة تستقل بالمعنى، الجلوس شيء والقعود شيء آخر، فإذا حسم المادة بهذه الطريقة ضمنَّا عدم الاسترسال إلى التطرق للكيفية؛ لأن الإنسان قد يسترسل وقد يُستدرج، وقد تخونه العبارة أحيانًا، ثم يلزم بلازم، ثم تأخذه العزة بالإثم أحيانًا وينتصر لرأيه ويصر على قوله، فلا يعلم إلا وقد خرج عن منهج السلف الصالح، فمثل هذا لا بد من حسمه.

طالب: .................

لا سيما ابن الجوزي هو نقل عن ابن الجوزي وابن الجوزي عنده..

طالب: نقل عن القاسم.

أبو عبيد إمام من أئمة المسلمين، ما فيه إشكال من أئمة أهل السنة.

طالب: ..............

لا، معروف ابن الجوزي هذا منحرف في هذا الباب عنده انحراف.

الإشكال الذي أوردناه في الدرس الماضي وهو التعارض بين حديث الباب حديث النزول، وأن ذلك يستمر إلى طلوع الفجر، وأفضل القيام قيام داود وفيه ينام سدس الليل، وجاء في  التفسير -تفسير الأسحار في قوله -جلَّ وعلا-: آل عمران: ١٧- جاء عن بعض السلف أنه السدس الأخير من الليل، فعندنا أفضل القيام قيام داود، وينام هذا الوقت الذي هو السدس الأخير من الليل اللي هو وقت الأسحار الذين مُدح المستغفرون فيه، وفي البخاري يقول -رحمه الله تعالى-: باب من نام  عند السحر، وأورد حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أخبره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أحب الصلاة إلى الله صلاة داود -عليه السلام-، وأحب الصيام؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» فهو نام عند السحر، وقد مدح الله المستغفرين بالأسحار، فالإشكال قائم، فماذا عن المتحري لنفحات الله -جلَّ وعلا- هل ينام في هذا الوقت، يعني يطبق ما جاء في أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وهو أفضل القيام، هل ينام هذا السدس أو يتعرض يستغفر؟ الآن بينهما تعارض أو ما بينهما تعارض؟ التعارض ظاهر، فماذا عن شخص يريد النجاة شخص من العباد مثلاً هل نقول له: نم السدس الأخير أو تعرض للنفحات في هذا السدس الأخير؟ إلى الفجر إذا طلع الفجر خلاص انتهى وقت النزول؟ قالوا: إن هذه النومة للإمام ولغيره، هذه النومة لا شك أنها تعينه وينام سدسه يقول: وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال، يقول المهلب: كان داود -عليه السلام- يُجم نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله: فيه هل من سائل فأعطيه سؤله، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وهذا هو النوم عند السحر كما ترجم به المصنف، إنما صارت هذه الطريقة أحب من أجل الأخذ بالرفق للنفس التي يُخشى منها السآمة، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله لا يمل حتى تملوا» والله يحب أن يديم فضله ويوالي إحسانه، وإنما كان ذلك أرفق؛ لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر وذبول الجسم، بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبال، وأنه أقرب إلى عدم الرياء؛ لأن من نام السدس الأخير أصبح ظاهر اللون سليم القوى، فهو أقرب إلى أن يخفي عمله الماضي على من يراه، أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد، وحُكي عن قوم أن معنى قوله: «أحب الصلاة» هو بالنسبة إلى من حاله مثل حال المخاطب وهو من يشق عليه قيام أكثر الليل، يعني المخاطب مَن؟ عبدالله بن عمرو بن العاص الذي أراد أن يقوم الليل كاملاً، والنبي -عليه الصلاة والسلام -يعالج مثل هذا الحماس بالبداءة بالأخف فالأخف، وذكرنا في مناسبات أن مثل عبد الله بن عمرو بن العاص يحتاج إلى من يمتص بعض ما عنده، فهو قال: إنه يريد أن يقرأ القرآن كاملاً في كل ليلة، ويريد أن لا ينام الليل ولا يفطر، قال: لا، اقرأ القرآن في شهر، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، فقال: اقرأ القرآن مرتين في الشهر، قال: إنه يطيق أكثر من ذلك، قال: اقرأه ثلاثًا، قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: اقرأ القرآن في سبع ولا تزد، يعني عبد الله بن عمرو بن العاص، هل فهم هذا على أنه إلزام؟ أو على أنه من باب الرفق به؟ يعني لو جاءك طالب علم يقول : والله أنا يمر عليّ الشهر ما فتحت المصحف أو ما أقرأ القرآن إلا في رمضان إلا نادرًا، إن جيت قبل الإقامة يعني بخمس دقائق عشر قرأت أو ما فيه شيء، ما تقول له: إن السلف يقرؤون القرآن في كل ليلة، أو تقول له: اقرأ القرآن في شهر لا مثل هذا يحتاج إلى من يزيد عليه، ومثل عبد الله بن عمرو بن العاص يقال له: يا أخي، نم آخر الليل تنشط لوظائف النهار، ولذلك وحُكي عن قوم أن معنى قوله: «أحب الصلاة» هو بالنسبة إلى من حاله مثل حال المخاطَب بذلك، ومن يشق عليه قيام أكثر الليل قال وعمدة هذا القائل اقتضاء القاعدة زيادة الأجر بسبب زيادة العمل، لكن يعارضه هنا اقتصار العادة والجبلة التقصير في حقوق يعارضها طول القيام، ومقدار ذلك الفائت مع مقدار الحاصل من القيام غير معلوم لنا، فالأولى أن يُجرى الحديث على ظاهره وعمومه، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فمقدار تأثير كل واحد منهما في الحث أو المنع، يعني لو قال: أنا لا أريد أنام سدس الليل الأخير، أنا بواصل من نصف الليل إلى صلاة الصبح وأصلي الصبح وأجلس بعد صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس، لكن يترتب على ذلك التعب الذي يورث عدم حضور القلب في بعض الأذكار والقراءة، وقد يتعب في الصلاة، وفي النهاية يؤدي به ذلك إلى الملل والانقطاع، فالمسألة مسألة كما قال وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فمقدار تأثير كل واحد منهما في الحث غير محقق لنا، نعم يقول: أنا بجلس في الأسحار وأستغفر، وإذا أذن لصلاة الصبح بادرت إلى الخروج إلى المسجد وصليت خلف الإمام واستمعت لقراءته وجلست في مصلاي والحمد لله ولاحقين على النوم، بينام الضحى مثلاً، فالطريق أننا نفوض الأمر إلى صاحب الشرع، ونجري ما دل عليه اللفظ مع ما ذكرناه من قوة الظاهر هنا، والله أعلم.

قال ابن التين: هذا المذكور إذا أجريناه على ظاهره فهو في حق الأمة، أما النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد أمره الله –تعالى- بقيام أكثر الليل فقال:     المزمل: ١ - ٢ انتهى قال: وفيه نظر؛ لأن هذا الأمر قد نسخ كما سيأتي، وقد تقدم في حديث ابن عباس فلما كان نصف الليل أو قبله أو بعده بقليل.

 قد يقول قائل مثلاً: لماذا لا نجمع النوم جميع وننام الثلثين من صلاة العشاء ونقوم الثلث، والله -جلَّ وعلا- ينزل في الثلث الأخير وقت الأسحار نكون مستيقظين، بس مسألة تقديم وتأخير هل يتم الامتثال أو ما يتم؟ يتم امتثال أحب الصلاة صلاة داود؟ لا، ما يتم، يعني التطبيق ما يتم بدقة لا يتم، لكن هل الحديث سيق لبيان الصلاة أو لبيان النوم؟ يعني ما الذي يهم شرعًا الصلاة أو النوم؟ يعني حينما قال: وينام سدسه، نعم قد يتعبد بالنوم في هذا السدس فيؤجر عليه، ينوي به التقوي على صلاة الصبح وما بعدها من وظائف وأذكار فيؤجر عليه فيكون عبادة، وإلا فالأصل أن النوم مباح، فمثل هذا لو عُوِّض عنه بعبادة ولا أثر لها بوجه من الوجوه على عبادات أخرى أو على حقوق أخرى أو وظائف أخرى، فيأتي بمثل أعني على نفسك بكثرة السجود، ما له حد فيه كلام كثير يقول: في بعض الروايات ثم هنا عند مسلم «كان يرقد شطر الليل ثم يقوم ثلث الليل بعد شطره»، يقول هنا: الترتيب بثم فيه رد على من أجاز بحديث الباب أن تحصل السنة بنوم السدس الأول مثلاً، وقيام الثلث ونوم النصف الأخير -يعني عكس- والسبب في ذلك أن الواو لا ترتب، لكن رواية مسلم فيها ترتيب؛ لأنه قال: «ينام نصف الليل» سواء كان من  أوله أو من أثنائه أو من آخره ويقوم ثلثه وينام سدسه، يعني ما هو مرتب، يعني لو عكس نام السدس بعد صلاة العشاء نام ساعة ونصف ثم بعد ذلك استيقظ وصلى ثلاث ساعات ثم نام بعد ذلك أربع ساعات ونصف عكس؛ لأن الواو لا ترتب هنا رواية الباب «وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» في رواية مسلم العطف بثم فارتفع هذا أنه لا بد من النوم نصف الليل، وقلنا: إن نصف الليل يبدأ من غروب الشمس أو من صلاة العشاء؟ من صلاة العشاء، ما يمكن أن ينام من غروب الشمس يمكن ينام؟ وشيخ الإسلام أشار إلى هذا في شرح حديث النزول من أجل أن يكون قيامه موافق لوقت النزول الله -جلَّ وعلا- ينزل ثلث الليل، فإذا نام النصف من صلاة العشاء وافق الثلث، من صلاة العشاء ما هو من غروب الشمس يوافق الثلث صح أو لا؟ لأن غروب الشمس وصلاة العشاء ووقت النوم يعادل السدس، فإذا أضفناه إلى النصف صار ثلثين، فإذا قام من النصف الذي هو من صلاة العشاء يكون قام من الثلثين من غروب الشمس فيبقى الثلث وقت النزول الإلهي، وبهذا تتحد الأحاديث تتفق، وهو جمع في غاية الجودة من شيخ الإسلام -رحمه الله-.

هذه المسألة لا شك أنها مشكلة، ومع ذلك إذا كان النوم الإرشاد إليه من باب الإرفاق بالمخاطب، فللإنسان لا سيما إذا كان ممن يستطيع أن يعوض عن هذا السدس بوقت مفضول مثلاً ينام فيه ويريد أن يستغل هذا الوقت الفاضل، لا سيما وأن النصوص الأخرى تدل عليه وانتهى وتره -عليه الصلاة والسلام -إلى السحر، {والمستغفرين بالأسحار} كلها تدل على أن هذا وقت من أفضل الأوقات للعبادة، لكن عندما قال: «ينام سدسه» رفقًا بالمخاطب يقول: في حديث الباب من الفوائد تفضيل صلاة آخر الليل على أوله، يعني حديث النزول، وتفضيل تأخير الوتر، لكن ذلك في حق من طمع أن ينتبه وأن آخر الليل أفضل الدعاء والاستغفار، ويشهد له قوله –تعالى-: {والمستغفرين بالأسحار}، وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب ولا يُعترض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين؛ لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء كالاحتراز بالمطعم والمشرب والملبس أو لاستعجال الداعي، أو بأن يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم أو تحصل الإجابة، ويتأخر وجوب المطلوب لمصلحة العبد أو لأمر يريده الله.

هذا ما يتعلق بحديث النزول وعرفنا ما فيه، وأن من يعتد بقوله بل هو قول عامة سلف هذه الأمة وأئمتها إثبات النزول على ما يليق بجلال الله وعظمته.

طالب: ..........

السدس الأخير لا شك أن السدس الأخير في وقت النزول الإلهي هو وقت الأسحار التي حُث على الاستغفار فيها، لكن ما فيه شك أن تحصيل شيء على حساب شيء ما هي مسألة الثلث، ينزل في الثلث إذا بقي ثلث الليل، ينزل الرب -جلَّ وعلا- إذا بقي الثلث، فكونه ينام نصف الليل السدس الأول من الثلث الأخير من النصف الأخير ليس بوقت للنزول الإلهي إذا قلنا: إن الليل يبدأ من غروب الشمس، وإذا قلنا: إن الليل يبدأ من صلاة العشاء التي يمكن بعدها النوم، انتهى الإشكال ما فيه إشكال أبدًا، وأن النزول يستمر حتى ينفجر الفجر حتى يطلع الصبح نزول يستمر حتى يطلع الصبح، بس صلاة الفجر مشهودة يشهدها الملائكة، لو يطلع على كلام ابن القيم -رحمه الله- في طريق الهجرتين كلام جميل جدًا حول صلاة الصبح والتقدم لها، وإحضار القلب، وحضورها يعني باستعداد تام، كلام مؤثر جدًا يعني يراجع.

طالب: ...............

السدس الأخير؟ يعني شخص ما تيسر له أن يقوم من الليل إلا السدس الأخير، باقي ساعة ونصف على أذان الصبح نقول له: نم، هذا وقت نوم داود أو يصلي؟ يصلي ويستغفر ويذكر الله -جلَّ وعلا- فمن ذلك مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول : من يدعوني فأستجيب له» واستجيب التاء هذه السين والتاء ليست للطلب، وإن معنى فأستجيب فأجيبه، والفعل منصوب بأن المضمرة وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة في جواب استفهام أو شرط أو طلب أو عرض «من يسألني فأعطيَه» أعطيه الفعل منصوب بأن المضمرة وجوبًا بعد الفاء الواقعة في جواب طلب أو عرض أو تحضيض أو استفهام أو وإيش تصير؟ مر علينا في شرح الحافظ -رحمه الله-: «من يدعوني» هو مر بنا أنه منهم من قال: إنه استفهام، ومنهم من قال: هو عرض طلب، والشيخ هنا -الشيخ ابن مانع- في طبعته وضع علامة استفهام: «من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه.

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته» هذا الحديث جاء في الصحيحين مطوَّل، راحلته التي ضلت وعليها طعامه وشرابه فبحث عنها فلم يجدها فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ وجدها قائمة عند رأسه، فرح فرحًا شديدًا يعني ما فيه خيار إلا الموت، أو يجد هذه الراحلة، وقد وجد هذه الراحلة فرح فرحًا شديدًا، وقال من شدة الفرح -أخطأ من شدة الفرح-: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، فأخطأ من شدة الفرح، هذا فرح شديد، والله -جلَّ وعلا- أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته، ففيه إثبات هذه الصفة لله -جلَّ وعلا-، وأن الله يفرح بتوبة عبده، وهذا من كرمه وفضله وجوده وإحسانه -جلَّ وعلا-؛ حيث يفرح بتوبة التائم المذنب المعرض نفسه للعقوبة، فإذا برئ من هذا الذنب وتنصل منه وبذل وسعه في التخلص من أثره بالتوبة النصوح، الله -جلَّ وعلا- أشد فرحًا من هذا المسكين الذي ضلت راحلته، والله -جلَّ وعلا- يحب التوابين وأمر بالتوبة {توبوا إلى الله جميعًا}، فهنا في الحديث إثبات صفة الفرح لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته.

الإنسان المخلوق يفرح، لكن يفرح إذا وُجد ما يسره مما ينتفع به، والله -جلَّ وعلا- لا تنفعه توبة التائب، كما أنه تضيره معصية العاصي، فالله -جلَّ وعلا- من كرمه وجوده وإحسانه على عبيده يفرح بالتوبة وييسر أمرها لعباده، بعض الناس قد لا تتيسر له التوبة ولا يوفق لها، وبعض الناس يوفق لها، والله -جلَّ وعلا- ليس بظلام للعبيد هذا بسبب ما جنت يداه، وهذا بسبب ما قدم مع توفيق الله -جلَّ وعلا-.

 وهذا الحديث أيضًا متفق عليه وذكرنا بالنسبة للتائب من الربا مثلاً -وله مناسبة أن نربطها بهذا الحديث- من تاب من الربا {إن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون}، وأن رأس المال يحتمل أن يكون المراد به عند الدخول في التجارة، ويحتمل أن يكون عند التوبة، هذا الاحتمال اللفظ يحتمله، فإذا تاب جاءته موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، الأموال التي حازها له وله رأسه ماله الآن، الأموال التي في ذمم الناس لا يجوز أن يأخذ أكثر من رأس ماله، والتي تاب عنها له ما سلف، والآية تحتمل أيضًا أن له رأس ماله وقت دخوله في التجارة، ويتضح الأمر بالمثال؛ شخص معروف باسمه، زاول الربا أكثر من ستين سنة -نسأل الله السلامة والعافية- ودخل في التجارة بعشرين ريال وتاب بدون مبالغة -يعني عن أكثر من عشرين مليار- تاب توبة فيما يبدو للناس نصوحًا؛ ولذلك تبرع بعشرة مليارات لسداد الديون وإخراج المسجونين، هذا يدل على أن توبته صحيحة، هل نقول: لك العشرين مليار ولك أموالك ونسائك وقصورك وكل ما عندك من أموال، لكن الباقي تبت لك ما سلف، الباقي في ذمم الناس لا ما لك إلا رأس مالك، ما تأخذ ربا، أو نقول: لك عشرين ريال واخرج من أموالك حتى ثوبك اللي يستحق أكثر من عشرين ريال ما هو لك، واذهب تكفف الناس وتنصل من أموالك وقصورك، ما لك إلا العشرين ريال.

الله -جلَّ وعلا- يفرح بتوبة عبده وأمر بالتوبة وأوجبها على العباد، ويحب التوابين، والله -جلَّ وعلا- في هذا الحديث، حديث عظيم.

«لله أشد فرحًا» شيخ الإسلام -رحمه الله- في مواطن كثيرة يقول: من المحال في العقل والدين أن يكون كذا، ونحن نقول: من المحال في العقل والدين أن الله -جلَّ وعلا- يفرح بتوبة عبده ويصده عنها، هذا اللي قلنا ما لك إلا عشرين ريال وإيش بيسوي؟ بيتوب أو بيقول: بلاش من التوبة؟ بينصد عن التوبة، وما فيه شك أن مثل هذا يسهل باب التوبة الذي يحبها الله -جلَّ وعلا- ويفرح بها، ولفظ الآية يحتمل لفظ الآية ما يأباها إطلاقا.

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخلان الجنة» هذا مسلم يجاهد في سبيل الله فيقتله كافر ينال بهذا الشهادة، ثم إن هذا الكافر يسلم فيُقتل، وكلاهما يدخلان الجنة، والله -جلَّ وعلا- يضحك إلى هذين الرجلين، يعني بعض الأمور تعجب منها، يعني وحشي بن حرب يقتل حمزة ويقتل مسيلمة، فعمله الأول في غاية الشناعة، والثاني من أعظم القربات، المقصود أن هذا المسلم الذي استشهد في سبيل الله على يد هذا الكافر الذي أسلم، ثم بعد ذلك قتل في سبيل الله، الله -جلَّ وعلا- يضحك لهما، وفي هذا إثبات صفة الضحك لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته.

وقوله عليه الصلاة والسلام: «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره» قنوط عباده حينما تمر بهم السنة من جدب وقحط، فتفنى الأموال وتصيبهم الشدة واللأواء، فييأسون ويقنطون، وقرب غِيَره تغييره الحال من هذه الحال الشديدة إلى حال الرخاء، «وقرب غِيَره ينظر إليكم أزلين قنطين» الأزل الشدة والضيق، «قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب»، قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: حديث حسن، وهذا الحديث ضعفه ابن حجر بابن لهيعة، وضعفه أيضًا الألباني، والحديث مخرج في مسند الإمام أحمد ومسند أبي يعلى، كلهم من طريق ابن لهيعة، فالحديث لا يصل إلى درجة الحسن؛ لأن جمهور أهل العلم على تضعيف ابن لهيعة.

أحسن من هذا الحديث في هذا الباب من الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما «عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل» لقد عجب الله من فلان وفلانة -أبو طلحة وأم طلحة- متفق عليه: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة » يعني أبا أيوب وامرأته، والحديث أيضًا متفق عليه الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما ما يغني عن هذا الحديث، والحديث وما في معناه فيه إثبات صفة العَجَب لله -جلَّ وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته.

 

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

س: 
هذا يقول: رجل اشترى سيارة جديدة وقال له أحد الإخوة: ائت بماء قرئ فيه القرآن واسكبه على سيارتك؛ دفعًا للعين، فما رأيك في مثل هذا الفعل؟
ج: 

هذا الفعل محدث لم يسبق له شرعية من الكتاب أو السنة، لكن لو عوّذ نفسه وعوّذ ولده وعوّذ ماله بما كان به النبي -عليه الصلاة والسلام -يعوّذ به الحسن والحسين، وما ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- في هذا الباب لا بأس، أما أن يبتدأ دفع العين قبل وقوعها فلا يعوّذ نفسه بالتعويذات الشرعية التي جاءت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، يعوّذ أيضًا من لم يكلف من ولده، وإذا دعا الله -جلَّ وعلا- أن يحفظ نفسه وولده وماله فهذا مشروع.

س: 
بعضهم يقول: إن الماتريدية والأشاعرة من أهل السنة ويستدل بحديث..
ج: 

أولاً: ذكرنا هذا في أول شرح الكتاب أن من أهل العلم ممن ينتسب إلى السنة وينتسب إلى الأثرية على مذهب الإمام أحمد ممن أدخل الأشاعرة والماتريدية في أهل السنة، والرد على ذلك واضح أن من يخالف السنة ويتأول السنة على غير ما أولها سلف هذه الأمة كيف يكون من أهل السنة؟ .
ويستدل بحديث: «إن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كالغيايتان تحاجّان عن صاحبهما»، ويقول: هنا انفصل الكلام، فالماتريدية والأشاعرة من أهل السنة ..؟
هذا ليس بصحيح، والله -جلَّ وعلا- قادر على أن يحول المعاني إلى أجسام.

س: 
يقول: انتشر في الآونة الأخيرة وضع اللافتات المكتوب عليها: (ما شاء الله وتبارك الله) على المحلات ومداخل البيوت، وبعضهم يفسرها بأنها تقي من العين، والبعض الآخر يقول: إنما قصد منها التنبيه، فما رأيكم؟ وهل بين هذه العبارات وبين من يضع آيات أو سور فرق؟
ج: 

على كل حال ما فيه ذكر الله -جلَّ وعلا- ينبغي أن يصان عن الامتهان والابتذال، وتعليق الآيات وتعليق الأذكار لا شك أنه ابتذال.

س: 
يقول: ما رأيكم فيمن ينكر تقسيم التوحيد ويقول: أن أمر العقيدة توقيفي لا يثبت إلا بالقرآن أو السنة أو الإجماع، والتقسيم لم يرد في هذه الثلاثة، مع العلم أنه يقرٌّ بالمعنى تماما؟
ج: 

على كل حال إذا اعترف أن هناك ما يسمى بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، مسألة الحصر والقسمة في الثلاثية أو رباعية أو ثنائية ليست ذات بال، إنما أهل العلم يذكرون الأرقام من أجل ضبط المعلوم، إذا قيل: أقسام التوحيد ثلاثة، بحث عنها طالب العلم، وإذا استذكرها وفقد منها واحدًا بحث عنه، وإلا فالمقصود المضمون، إذا اعترف أن هناك توحيدًا للرب -جلَّ وعلا- في ربوبيته في خلقه ورَزقه وتدبير الأمور فيما يتعلق به -جلَّ وعلا-، هذا إذا اعترف بهذا فهو توحيد الربوبية، وإذا اعترف بأن الله هو المعبود المألوه فهذا توحيد الألوهية، ومثله توحيد الأسماء والصفات، سواء قال القسمة ثلاثية أو رباعية وأدخل فيها ما يمكن إدخاله؛ لأن بعض أهل العلم قد يدخل توحيد الاتباع –مثلاً- والمسألة اصطلاحية ولا مشاحة في الاصطلاح، وإنما يذكر الرقم من أجل ضبط المعلوم، كثيرًا ما يقول النبي -عليه الصلاة والسلام -يحصر المعلوم في عدد معين، وهذا فائدته الضبط والإتقان للحفظ بحيث لو جاء بحديث «اجتنبوا السبع الموبقات» –مثلاً- « سبعة يظلهم الله في ظله..» ثم عدهم وقف على خمسة قال: باقي اثنين حتى يتذكر ويراجع حتى يثبت المعلوم، ولو لم يعرف الرقم أنهم سبعة ما الذي يدريه أنه نقص شيء أو لم ينقص؟ فمثل هذا يُعنى به أهل العلم، والمسألة اصطلاحية ما تضر -إن شاء الله تعالى-.