شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 15

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 15
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 04/ رمضان/ 1438 1:30 م

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المُرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب ((الصوم)) من كتاب ((التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح)).

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نُرحب بصاحب الفضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلاً ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المُستمعين.

المقدم: لازلنا في أطراف الحديث، توقفنا عند طرفه الرابع في كتاب (التمني).

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،

في الحلقة السابقة، تكلمنا عن بعض الأطراف، ذكرنا الأربعة الأولى بل مازلنا في الرابع منها، وفي كتاب (التمني) بابُ ما يجوز من اللو.

وذكرنا كلام أهل العلم في (لو) ودخول (ال) عليها، وفي آخر الحديث عنها ذكرنا نقل الحافظ ابن حجر عن عياض قوله: الذي يُفهَم من ترجمة البخاري ومما ذكره في الباب من الأحاديث أنه يجوز استعمال لو ولولا فيما يكون للاستقبال مما فِعله لوجود غيره، وهو من باب (لو)؛ لكونه لم يُدخِل في الباب إلا ما هو للاستقبال وما هو حقٌّ صحيحٌ مُتيقَّن، بخلاف الماضي والمُنقضي أو ما فيه اعتراضٌ على الغيب والقدر السابق.

قال: والنهيُ إنما هو حيث قاله مُعتقدًا ذلك حتمًا، وأنه لو فعل ذلك لم يُصبه ما أصابه قطعًا. فأما من ردَّ ذلك إلى مشيئة الله تعالى، وأنه لولا أن الله أراد ذلك ما وقع، فليس من هذا.

قال: والذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه لكنه نهي تنزيه، ويدلُّ عليه قوله: «فإن لو تفتح عمل الشيطان» أي: يُلقي الشيطان في القلب معارضة القدر فيوسوس به الشيطان.

والذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه- يشمل كل السياقات التي جاءت فيها (لو)، يعني منهي عنها مُطلقًا، لكن كيف جاءت في الأحاديث؟ هو نهي تنزيه وليس نهي تحريم.

قال: ويدلُّ عليه قوله: «فإن لو تفتح عمل الشيطان» أي: يُلقي الشيطان في القلب معارضة القدر فيوسوس به الشيطان.

وتعقبه النووي بأنه جاء من استعمال (لو) في الماضي، مثل قوله: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت» فالظاهر أن النهي عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه.

الآن هذا أمر مضى، «لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما أهديت»، سوق لهذه مُتقدِم ومضى، فهل فيه فائدة مثل قول (لو)؟

نعم، فيه فائدة. وإن لم تُفِد في الماضي تُفيد في المستقبل.

أحد الحضور: أو في الحاضر، قناعة الصحابة.

نعم، هي تُفيد في المستقبل بلا شك.

المقدم: إثبات حُكم، يا شيخ، تُعتبر إثبات حُكم.

بلا شك تُثبت حُكم، وأيضًا لإقناع الصحابة في الحاضر.

فالظاهر أن النهي عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، وأما من قال ذلك تأسفًا على ما فات من طاعة الله أو ما هو مُتعذِّرٌ عليه منه ونحو هذا، فلا بأس به. وعليه يُحمَل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث.

يعني لو أن شخصًا أو مجموعة حجوا، ونزلوا في منزل، من مِنى أو من عرفة أو من مزدلفة، فقال بعضهم: لو أننا ما نزلنا هذا المنزل لما لحقتنا هذه المشقة. إن كان مجرد تأسُّف على ما حصل، تفتح عمل الشيطان. لكن إن كان قالوها ليُفيدوا منها في السنوات القادمة أو في المواطن اللاحقة، فلها فائدة.

أحد الحضور: أو أن هذه المشقة منعتهم عن طاعة أو عملٍ صالح تلك الليلة، لم يستطيعوا القيام بها.

يعني إذا كانت المشقة بالنسبة لمنى في آخرها، في أبعد موقعٍ من الجمرات مثلاً، وقالوا: لو قَرُبنا من الجمرات لما لحقتنا هذه المشقة ولما عاقتنا عن استغلال الوقت؛ لأنه يحتاج إلى ساعة ذهابًا وساعة إيابًا، تُستغل هذه الساعة في عباداتٍ أخرى.

يعني إذا كان تأسفه من أجل فوات مصلحة شرعية، أو ليُستدرَك فيما بعد، فهذا لا يضر.

لكن الإشكال إذا كان هذا الأسلوب لا يترتب عليه مصلحة.

وعليه يقول: وأما من قاله تأسفًا على ما فات من طاعة الله أو ما هو مُتعذرٌ عليه منه ونحو هذا، فلا بأس به وعليه يُحمَل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث.

الموضع الخامس:

في كتاب (الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة) بابُ ما يُكرَه من التعمُّق والتنازع والغلو في الدين والبِدَع، لقوله تعالى: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحَقَّ} [سورة النساء 171].

قال- رحمه الله-: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا هشام، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة– رضي الله عنه- قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «لا تواصلوا»، قالوا: إنك تواصل، قال: «إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»، فلم ينتهوا عن الوصال، قال: فواصل بهم النبي- صلى الله عليه وسلم- يومين أو ليلتين، ثم رأوا الهلال، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمُنكِل لهم.

تقدمت الإشارة إلى هذه الرواية.

يقول ابن حجر: قوله: باب ما يُكره من التعمُّق والتنازع، زاد غير أبي ذر: في العلم- باب ما يُكره من التعمُّق والتنازع في العلم- وهو يتعلق بالتنازع والتعمُّق معًا. كما أن قوله: والغلو في الدين والبدع، يتناولهما، وقوله: لقول الله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} [سورة النساء 171] صدر الآية- {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}- يتعلَّق بفروع الدين، وهي المُعبَر عنه في الترجمة بالعلم وما بعده يتعلق بأصوله.

المقدم: {وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ}؟

نعم، يتعلَّق بأصول الدين.

فأما التعمُّق فهو التشديد في الأمر حتى يتجاوز الحد فيه. وأما التنازع فمن المنازعة وهي في الأصل المجاذبة، ويُعَبَّر عنها بالمجادلة، والمراد بها: المجادلة عند الاختلاف في الحكم إذا لم يتضح الدليل، والمذموم منه اللجاج بعد قيام الدليل.

التنازع من المنازعة، وهي في الأصل المجاذبة، ويُعبَّر عنها بالمُجادلة، والمراد بها: المجادلة عند الاختلاف في الحكم إذا لم يتضح الدليل.

الآن هو يمدح التنازع، المُجاذبة، المُجادلة، هل هذا سياق مدح أم ذم؟

أحد الحضور: ذم.

يقول: ويُعَبَّر عنها بالمجادلة، ويُراد بها: المجادلة عند الاختلاف في الحكم إذا لم يتضح الدليل، والمذموم منه اللجاج بعد قيام الدليل.

يعني كأنه في الشطر الأول يقصد المجادلة للوصول إلى الحق، أما إذا اتضح الدليل فلا مُجادلة، تنتهي المُجادلة. مَن يُجادل بعد اتضاح الدليل، هذا مذموم بلا شك.

وأما الغلو فهو المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد، وفيه معنى التعمُّق، وأما البِدَع فهو جمع بدعة وهو كل شيءٍ ليس له مثالٌ سابق.

يعني تعريف البدعة، لغةً: ما عُمِلَ على غير مثالٍ سابق.

وتعريف البِدَع في الشرع: ما عُمِلَ على جهة التعبُّد مما لم يسبق له شرعية في الكتاب والسُّنَّة.

والحديث مُخرجٌ في (صحيح مُسلم) فهو مُتفقٌ عليه.

المقدم: قال- رحمه الله تعالى- عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: آخَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ- رضي الله عنهما-، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ- صلى الله عليه وسلم-: «صَدَقَ سَلْمَانُ».

راوي الحديث: أبو جُحيفة وَهب بن عبد الله بن مُسْلِم بن جُنادة بن حبيب بن سواء، أو السُّوائي بضم السين المُهملة وتخفيف الواو والمد، بن عامر بن صعصعة. أبو جُحيفة مشهورٌ بكُنيته، قَدِم على النبي -صلى الله عليه وسلم- في أواخر عُمُره وحَفِظَ عنه، ثمَّ صَحِب عليًّا بعده وولاه شُرطة الكوفة لما وليَ الخلافة، وكان عليٌّ- رضي الله عنه- يُسميه: وَهْب الخير.

قال الواقدي: مات في ولاية بِشر على العراق. وقال ابن حبان: سنة أربعٍ وستين.

وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: بابُ مَنْ أقسم على أخيه ليُفطِر في التطوَّع ولم ير عليه قضاءً إذا كان أوفق له.

يقول الكرماني: فإن قلت: أين الترجمة في الحديث؟ يعني: أين مُناسبة الترجمة للحديث؟ أو الحديث للترجمة؟

قلت: السياق يدلُّ على تقدير قَسَم؛ لأنه باب من أقسَم، والحديث ليس فيه قَسَم.

قلت: السياق يدلُّ على تقدير قَسَم قبل لفظة "ما أنا بآكل".

ويقول العيني: مُطابقة الحديث للترجمة من حيث إن أبا الدرداء صنع لسلمان طعامًا وكان صائمًا فأفطر بعد محاورةٍ، ثمَّ لما أتى النبي- صلى الله عليه وسلم- وأخبره بذلك لم يأمره بقضاء. يعني كلام الكرماني على قوله: بابُ مَن أقسَم على أخيه، وكلام العيني: ولم ير عليه قضاءً، كأنه يوجِّه قوله: ولم ير عليه قضاءً.

يقول العيني: أي هذا بابٌ في بيان حُكم مَن حلف على أخيه وكان صائمًا ليُفطِر، والحال أنه كان في صوم التطوَّع. ولم يرَ على هذا المُفطِر قضاءً عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه. وكأن هذا اختيار الإمام البخاري، أنه إذا حلف عليه أخيه أو رأى أنه من المصلحة إجابة الطلب؛ ليجبر خاطر أخيه، فإنه حينئذٍ يُبادر إلى الإفطار ويجبر خاطر أخيه، لاسيما إذا كان هو الداعي؛ لأن الضيف لا ينبسط والمُضيِّف صائم.

ولم يرَ على المُفطِر قضاءً عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه، والحال أنه في صوم التطوُّع. لكن لو زار شخص، ولنفترض أنه مُسافر، زار مُقيمًا وقدّم له طعامًا، لأنه يجوز له أن يأكل. أو امرأة حائض أو نُفساء معذورة مُفطرة ثمَّ زارت صديقة لها أو أختًا لها في الله ثمَّ قدمت لها طعامًا وأقسمت عليها وأحرجتها بالأيمان المُغلظة أن تُفطِر، لها ذلك أو ليس لها ذلك؟ ليس لها ذلك.

الحال أنه في صوم التطوُّع ولم ير على هذا المُفطِر قضاءً عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه، إذا كان الإفطار أوفق له- أوفق بالواو- أي: للمُفطِر بأن كان معذورًا فيه، بأن عزم عليه أخوه في الإفطار، وهذا القيد يدلُّ على أنه لا يُفطِر إذا كان بغير عذر؛ لما جاء من النهي عن إبطال العمل.

ولا يتعمد ذلك، ويُروى إذا كان، يعني حين كان، ويُروى أرفق أيضًا بالراء وبالواو والمعنى صحيحٌ فيهما.

وهذا تصرُّف البخاري واختياره وفيه خلافٌ بين الفقهاء سيُذكر، إن شاء الله تعالى.

أحد الحضور: شيخ، ما يفعله بعض الناس من العزيمة على والده في التطوُّع، يأتي زائرًا لولده ويكون والده صائمًا وقدَّم له الطعام.

المقدم: الولد الصائم أم الوالد؟

أحد الحضور: الوالد الصائم والولد الزائر.

المقدم: أن يكون الزائر هو الولد، والأب هو الصائم.

أحد الحضور: نعم، ويُقدم طعامًا فيعزم الولد على والده؛ لأنه يرى أنه أوفق له، هل يفعل مثل هذا؟ وهذا كثير.

إذا كان القصد من ذلك الرفق به، بالوالد؛ لكون الصيام يشق عليه لاسيما في مثل هذا اليوم، فليفعل. وأما إذا كان الصيام لا يشق عليه والولد عزيمته على والده ليست مثل عزيمة سلمان على أبي الدرداء أو على شخصٍ بينه وبين هذا الرجل مودة واحترام وتقدير وينكسر خاطره إذا لم يفعل؛ لأن الولد بينه.. الكُلفة مرفوعة بينه وبين والده، فلو لم يستجب لطلبه لاسيما إذا كان لا يشق عليه والصيام من أفضل الأعمال، لا شك أن مثل هذا مصلحة.. فطره في هذه الحالة مصلحة مرجوحة. لكن إذا كان الذي عزم عليه له حقٌّ عليه ودالة ويجبر خاطره بهذا، فلا شك أن مثل هذا تكون مصلحته راجحة كما في حديث الباب.

أحد الحضور: لكن من حيث البر والعقوق، الولد يفعل أو لا يفعل؟

لكن الولد يفعل ليفوِّت الأجر على والده أو يفعل ليرفق به؛ لأنه في يومٍ شديد الحر، هذا يختلف.

قال ابن حجر بعد أن ذكر الترجمة: ذكر فيه حديث أبي جحيفة في قصة أبي الدرداء وسلمان، فأما ذكر القَسَم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سأبينه. يعني الطريق التي ساقها لم يقع فيها القسم، يقول: كما سأبينه.

وتعقّبه العيني، فقال: قلت في رواية البزار عن محمد بن بشار، شيخ البخاري، في هذا الحديث، فقال: أقسمت عليك لتفطرن، وكذا في رواية ابن خزيمة والدراقطني والطبراني وابن حبان، وقيل: القَسَم مُقدَّر قبل قوله: ما أنا بآكل، كما بقوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [سورة مريم 71].

الآن الحافظ يقول: فأما ذكر القسم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سأبينه. يعني هل يقصد ابن الحجر اللفظ الذي أورده المؤلف؟

المقدم: في الطريق التي ساقها المؤلف.

هو يقصد- ابن حجر- يقصد أن اللفظ الذي ساقه المؤلف ما فيه قسم؟

المقدم: نعم.

يقول: في الطريق التي ساقها، هنا.

المقدم: التي تحت الترجمة.

يقول: فأما ذكر القسم فلم يقع في الطريق التي ساقها كما سأبينه.

في الطريق، ما قال: في اللفظ، يعني في اللفظ صحيح، يكون ما أورده بحروفه ما فيه قسم. لكن في الطريق، يعني البزار روى الحديث عن محمد بن.. يعني بنفس الطريق. يعني يلتقي مع البخاري بشيخ البخاري، نفس الطريق، طريق غير اللفظ الذي ساقه. وإذا أراد الطريق، يُريد بذلك الإسناد.

والعيني يقول: قلت في رواية البزار عن محمد بن بشار، شيخ البخاري، في هذا الحديث، فقال: أقسمت عليك لتُفْطِرَن، وكذا في رواية ابن خزيمة والدارقطني والطبراني وابن حبان، وقيل: القسم مُقدَّر. القسم مُقدَّر قبل قوله: ما أنا بآكل، كما بقوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [سورة مريم 71].

والذي يظهر أن الحق في هذا مع العيني، والحافظ وإن كان على اسمه حافظ، وأين العيني من منزلة الحافظ في الاطلاع على الطرق والمتون والأسانيد؟ يعني العيني لا يجاري ابن حجر ولا يُدانيه. لكن ما يلزم أن يكون الإنسان مُصيبًا في كل ما يقول.

وأما القضاء فلم أقف عليه في شيءٍ من طرقه إلا أن الأصل عدمه. الأصل عدم القضاء؛ لأنه ما ورد في شيءٍ من ألفاظ الحديث أنه قضى أو أُمِرَ بالقضاء.

تعقبه العيني قائلاً: الجواب عنه أن القضاء ثبت في غيره من الأحاديث، وقوله: فليس في شيءٍ من طرقه، لا يستلزم عدم ذكر القضاء في طرق هذا الحديث نفي وجوب القضاء في طرق غيره. وقوله: إلا أن الأصل عدم القضاء، غير مُسَلَّم، بل الأصل وجوب القضاء؛ لأن الذي يشرع في عبادةٍ يجب عليه أن يأتي بها ولا يكون مُبطلاً لعمله، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [سورة محمد 33].

الآن الخلاف بين العيني وابن حجر باعتبار أن مذهب الشافعي لا يُلزِم بالقضاء، وابن حجر شافعي. والعيني مذهبه الحنفي يُلزِم بالقضاء. فمن يُلزم بالقضاء، يقول: من دخل في عبادة يلزمه إتمامها، كالحج والعمرة؛ لأنه مُخيَّر قبل أن يشرع، لكن إذا شرع فليس له حق.

يعني لو أن إنسانًا دخل المسجد وكبَّر ليصلي ركعتين ثمَّ قال: نترك هاتين الركعتين، يعني كما لو شرع في حجٍّ أو عُمرة. أو نقول: هذا خاص بالحج والعُمرة وماعدا ذلك المتطوُّع أمير نفسه. هذه المسألة يأتي بحثها، إن شاء الله تعالى.

قوله: إلا أن الأصل عدمه، عدم القضاء، يقول العيني: غير مُسلَّم، بل الأصل وجوب القضاء؛ لأن الذي يشرع في عبادة يجب عليه أن يأتي بها ولا يكون مُبطلاً لعمله، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [سورة محمد 33].

هذا تبعًا للمذهبين، كلٌّ يتبع مذهبه، وسيأتي تقرير المسألة إن شاء الله تعالى في فوائد الحديث.

إلا أن الأصل عدمه، وقد أقرَّه الشارع، يعني تصرُّف سلمان مع أبي الدرداء أقره النبي- عليه الصلاة والسلام- فقال: «صدق سلمان».

ولو كان القضاء واجبًا لبيَّنه له مع حاجته إلى البيان.

العيني يقول: مادام بُيِّن في مناسبةٍ ولو كانت غير هذه المناسبة، ما يلزم تكرار الحكم في كل مناسبة. إذا ثبت الحكم بدليلٍ ولو واحد، ما يلزم أن يُكرر الحُكم في كل مناسبة. وابن حجر يرى أن هذا وقت البيان، هذا الحاجة داعية إليه.

ولو كان القضاء واجبًا لبيَّنه مع حاجته إلى البيان، وكأنه يُشير إلى حديث أبي سعيد، قال: صنعت للنبي- صلى الله عليه وسلم- طعامًا فلما وُضِع قال رجلٌ: إني صائم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «دعاك أخوك وتكلَّف لك، أفطِر وصُم مكانه إن شئت» رواه إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن ابن المُنكدر، عنه وإسناده حَسَن. فقوله: «إن شئت».

المقدم: دليل على التخيير.

نعم على التخيير، ولا يدلُّ على الوجوب. أخرجه البيهقي وهو دالٌّ على عدم الإيجاب.

وقوله: وهو أوفق له، قد يُفهَمُ منه أنه يرى أن الجواز وعدم القضاء لمن كان معذورًا. يعني هناك مُبرر للفِطر.

معذورًا بفطره، لا من تعمَّده بغير سبب.

وقوله: أوفق له، يُروى بالواو الساكنة وبالراء بدل الواو، والمعنى صحيحٌ فيهما كما تقدَّم.

المقدم: لعلنا نكتفي بهذا، أحسنَ الله إليكم، على أن نستكمل بإذن الله في حلقاتٍ قادمة.

أيها الإخوة والأخوات، بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب ((الصوم)) في كتاب ((التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح)).

نسأل الله تعالى أن يتقبَّل منا ومنكم، وأن يوفقنا وإياكم لكل خير، إنه جوادٌ كريم.

بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة.

شكرًا لطيب متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.